عرض كتاب: مسار علم العلاقات الدولية: بين جدالات المنظورات الكبرى واختلاف النماذج المعرفية

لم تؤسس المركزية الغربية هيمنتها العالمية في العقود الأخيرة بناءً على فائض القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية أو المعلوماتية فحسب، بل إن عماد هذه الهيمنة وجوهر استدامتها قاما بالدرجة الأولى على هندسة وفرض “بنية تصورية – إدراكية” في وعي المجتمعات غير الغربية، فضلًا عن الغربية، تقضي بأن هذا النموذج الغربي، سواء في نمطه السياسي، أو الاقتصادي، أو المعرفي، هو الأوحد؛ وإن لم يكن الأوحد فهو الأصلح والأكثر فاعلية، والأهم من ذلك أنه نموذج غير قابل للهزيمة أو الاستبدال.

يمكن القول إن الغرب، عبر أدوات القوة الناعمة والعلوم الاجتماعية السائدة، قد نجح بدرجةٍ أو بأخرى في ترسيخ هذه التبعية الإدراكية التي تحوِّل بموجبها تفوقه المزعوم إلى حتميةٍ تاريخية أو سُنة لا يُمكن تجاوزها؛ ما جعل أي محاولةٍ للتفكير خارج هذا السقف أو مجابهة القوة المهيمنة تبدو في وعي النخب والجمهور ضربًا من العبث الفكري أو الانتحار الأكاديمي. إلا أن التحولات العاصفة والمنعطفات غير المسبوقة التي شهدتها الأمة مؤخرًا، وتحديدًا منذ طوفان الأقصى وما تلاه من انخراط جبهات المقاومة والآن الحرب على إيران، أحدثت صدمةً إدراكية زلزلت هذا الجدار النفسي والمعرفي، وإن لم يكن ذلك الزلزال الأول.

ومع إعلان بنود اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران مؤخرًا وتعالي الصيحات حول أن هذا الاتفاق يخدم مصالح إيران لا الولايات المتحدة، وربيبتها إسرائيل، إلى جانب صمود إيران في ميدان القتال[1]، ومن قبل هذا ما أحدثته غزة من شرخٍ في التصور الردعي لإسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة؛ فقد كُسِر هذا التصور “الردعي – القاهر” على نحوٍ أسقط مسلَّمة “التفوق المطلق” ولو بشكلٍ نسبي.

إذا كان هذا الواقع الجديد قد فرض أسئلةً حول مدى دقة التصورات العسكرية القائلة بتفوق الغرب واستحالة مجابهته؛ فهو يفرض بالضرورة أسئلةً معرفية ملحة حول مدى هشاشة البنية النظرية والمعرفية التي شرعنت هذه الهيمنة لعقود. إذ إن خلخلة “الردع المادي” في الميدان تستدعي، كواجبٍ حضاري وعلمي، تفكيك “الاحتكار المعرفي” والتبعية الإدراكية في الأروقة الأكاديمية؛ إذ لا يمكن لانتصارٍ ميداني أن يكتمل أو يستقر دون أن يرافقه “تحرر نظري” يسقط زيف العالمية والحياد المدعى في العلوم الاجتماعية الغربية، وفي مقدمتها علم العلاقات الدولية.

من هذا المنطلق، يكتسب كتاب الأستاذة الدكتورة نادية محمود مصطفى، “مسار علم العلاقات الدولية: بين جدالات المنظورات الكبرى واختلاف النماذج المعرفية” الصادر عن مركز الحضارة للدراسات والبحوث، قيمةً استثنائية؛ كونه يمثل مشروعًا نقديًّا تشريحيًّا يبحث في الجذور والمسارات التي صاغت هذا العلم، كاشفًا عن تحيزاته البنيوية، وممهدًا السبيل أمام العقل العربي الإسلامي لاسترداد فاعليته الحضارية وبناء نماذج معرفية بديلة تنطلق من خريطته الإدراكية المستقلة لامتلاك رؤية معرفية مستقلة ترتكز على خبرة الأمة والوعي بتحدياتها الراهنة.

تنطلق د. نادية مصطفى من تشخيصٍ دقيقٍ للواقع الأكاديمي والمعرفي في العالم العربي الإسلامي، بناءً على خبرتها الممتدة لعقودٍ في التدريس، معتبرةً أن مكمن الخلل ليس قصورًا معلوماتيًا أو تقصيرًا في تتبع الأحداث الجارية، بل هو “أزمة ضعف والتباس في الوعي المنهاجي” لدى الباحثين، وتوضح أن هذا المرض يتبدى في حالة “الاستهلاك والتبعية المعرفية”؛ حيث جرى التعامل مع النظريات والاقترابات الغربية الوافدة (كالواقعية، والليبرالية، وغيرهما) بوصفها أدوات تحليلية عالمية ومحايدة تصلح لتفسير الظواهر كافة في كل زمانٍ ومكان. وعليه، فقد بات الباحث يتبنى مقولات ونماذج معرفية غربية دون الالتفات إلى جذورها الفلسفية، وحمولاتها الأيديولوجية وشحناتها الدلالية، وتحيزاتها القيمية الكامنة، مما نتج عنه اغتراب فكري وعجز عن تفسير واقع الأمة وحل أزماتها بأدواتٍ ذاتية.

تذهب د. نادية في تشخيصها لتوضيح أن بُعدًا آخر من هذه الأزمة يتعلق بعدم قدرة الباحثين على تحديد أهمية “النظرية” ودراستها، سواء كانت غربيةً أم لا، وجدواها في رصد وتفسير وفهم الواقع، إلى جانب انعدام القدرة على الربط بين النظرية وبين دراسة القضايا، واختلال الإدراك بأن للعلم وظيفة / وظائف، ناهيك عن تصور إمكانية إنتاج علم ذي فائدة من الدوائر الحضارية غير الغربية.

ولعل طرح السؤال حول “لماذا نحتاج النظرية؟” لا تتضح أهميته إلا بالكشف عن تجليات هذا الخلل عبر توضيح أثر اختلاف النماذج المعرفية وتجلياته. إذ تجادل د. نادية بأن هذا الاختلاف في النموذج يتجلَّى في رؤية العالم التي يرسِّخها في إدراك الباحث؛ إذ إن المفاهيم التي يستند إليها كل نموذج تصطبغ بشحنات دلالية تحمل المنطق والرؤية التي يستند إليها في بنائه. وتستشهد في ذلك بما طرحته د. منى أبو الفضل في مقابلتها لمفهوم التسامح لدى الثقافتين الغربية والإسلامية؛ فترى أن الثقافة المتأرجحة / الغربية تضع الفروق الفردية مدخلًا للصراع وضرورةً للمواجهة والمنازعة وكأنما الطبيعة الصراعية التي بُني عليها هذا النموذج تلقي بظلالها حتى على المفاهيم التي تتعلق بالتعاون والتعايش لتُشَكِّلَ طلاءً لهذا المعمار المفاهيمي.

تستكمل د. نادية في هذا الصدد بأن الخلل لا يقف عند حدود رؤية العالم والشحنة الدلالية للمفهوم؛ بل يمتد لما يتعلق بوصف العلمية ذاته. فيصبح كل ما هو “غير غربي” أو كل ما لا ينطلق من نفس الأسس والمسلمات السائدة (الغربية) هو “غير علمي”؛ إذن فهذا التصور يحتكر مفهوم العلم ذاته بمصادره ومناهجه وأدواته وما يتصل بذلك من مفاهيم الموضوعية والحياد وموضع القيم من العلم ليختزله في منطقه فقط ويُقصي ما ومن سواه.

ولعل هذا يرسم صورة توحي بأن النسق مغلق؛ فوصف العلمية وتعريف العلم ذاته محتكران من جهةٍ واحدة مهيمنة، معرفيًّا وثقافيًّا ومادِّيًّا، وأدوات العلم وإنتاج وتفسير ونقد المعرفة أيضًا تأتي وفق النسق نفسه الذي ابتدعته هذه الجهة. وهذا بدوره يُجبر الباحث -بدرجةٍ أو بأخرى- على التموضع داخل هذه المنظومة الغربية حتى وإن اختلف معها على عدة أصعدة.

بعد تشخيص الخلل، تنتقل د. نادية لتوضيح أهمية النظرية والمنظور المعرفي في توجيه السلوك وتشكيل الوعي. فالمنظور المعرفي ليس ترفًا فكريًّا أو تجريدًا نظريًّا معزولًا، بل هو العدسة أو الرؤية الكونية أو الإطار العام الذي يُشَكِّلُ البوصلة ويحدِّد للباحث ولصانع القرار ماذا يرى وكيف يراه؟ وبالتالي، فإن تبني منظور وضعي مادي غربي يعني استبطانًا تلقائيًّا لمنطق القوة والهيمنة وصراع القوى الكبرى، وهو ما يؤثر مباشرةً على صياغة خيارات الأمة وموقعها من العالم.

استنادًا إلى فكرة “الصدع، ورأب الصدع” التي تشغل العالم الإسلامي منذ بداية حدوث أزمة انفصال الدين عن السياسة؛ تضع المؤلفة يدها على طرف الخيط الذي سيتسنَّى من خلاله رتْق هذا الصدْع لتوضِّح أن جميع ما سبق يصبُّ في فهم ونقد دلالات مجموعة من الثنائيات المعرفية الذائعة -مثل العقل / الوحي، المادي / القيمي، العلم / الدين- وأن هذه الثنائيات يمكن تجاوزها إلى بناء منظومات متكاملة عبر الاعتراف بأنه لا “منهاج عالمي واحد”. ثم تفتح النسق الذي يُتوهم إغلاقه -كما أشرنا سابقًا- عبر توضيح أنه لا بد من القبول بأن هناك تحيُّزات معرفية ونماذج معرفية متعددة لا نموذج معرفي واحد، وأن هذا لا يتنافى مع العلمية التي تستقيم وطبيعة العلوم الاجتماعية الإنسانية التي لا تجد غضاضة في تقبُّل التحيُّز.

عبر فتح هذه الثغرة في النسق يتأتى للباحث، أي باحث كان، أن ينقد هذا النموذج الغربي المادي الوضعي، بل ويتجاوز عمليتي النقد والهدم نحو البناء عبر تقديم إسْهام نظري مقارن أو بديل في العلوم الاجتماعية انطلاقًا من قاعدة معرفية تنتقد هذا النموذج الوضعي، وهي في حالة هذا الكتاب تُبنى من منظومة قيمية إسلامية.

تعتمد د. نادية مصطفى في تفكيكها لمسار علم العلاقات الدولية وتتبعه على مدخلٍ مركّب ومتعدد المستويات يزاوج بين الاستقراء والتتبُّع التاريخي للمسارات عبر رصد “الجدالات الكبرى” التي مَرَّ بها الحقل الأكاديمي، لتكشف كيف تشكَّلت كل نظرية بناءً على سياقها الزمني وظروفها السياسية. ومن ثم تعمل على تفكيك التحيزات المعرفية الكامنة خلف المفاهيم الغربية السائدة لتبيان كيف تُعبّر هذه النظريات عن رؤية مركزية غربية تسعى للهيمنة وتأطير وعي الآخرين.

يتجاوز المنهج النقد إلى طرح البديل؛ حيث تضع المسارات والأفكار الوضعية الغربية في مساحة مقارنة مستمرة مع فرضيات ومقوِّمات “المنظور الحضاري الإسلامي”، كأداةٍ تحليلية قادرة على تقديم تفسير أرحب وأكثر توازنًا للواقع الدولي يتجاوز مادية واختزال العلم الغربي؛ ليوازن بين الغيب والشهادة، والمادة والقيمة، والمصلحة والأخلاق، ليتجاوز ثنائيات التعاون والصراع في بنية العلم الغربي.

تفترض قصة عميان ابن المقفع أن مجموعةً من العميان طُلب من كل واحدٍ منهم أن يصف فيلًا اعتمادًا على الجزء الذي لامسه منه؛ فمن لمس الخرطوم رآه ثعبانًا، ومن لمس الساق رآه عمودًا، ومن لمس الأذن ظنه مروحة. ويتضح من وصفهم لما لمسوه أن أيًّا من أوصافهم لم يكن خاطئًا، كما لم يكن أي منها صحيحًا على إطلاقه؛ إذ إن كل وصفٍ عبَّر عن جزءٍ من الحقيقة، لكنه عجز عن الإحاطة بالحقيقة كلها نتاجًا لاختلاف زاوية الإدراك وأدوات تحصيل المعرفة لكلٍّ منهم.

ولعل قصة عميان ابن المقفع هي “ما صدق” حالة علم العلاقات الدولية فيما يتعلق بأزمة المنظورات الكبرى والجدالات بينها؛ إذ يمكن النظر لهذا الفصل باعتباره محاولةً لتجميع “أجزاء” الفيل لتكوين صورته الكاملة من خلال تتبع الجدالات الثلاثة الكبرى في حقل العلاقات الدولية كما سنرى.

بعبارةٍ أخرى، لا يسعى الفصل إلى استعراض المنظورات الكبرى باعتبارها مدارس نظرية متعاقبة وفق منهجٍ استقرائي فحسب، وإنما إلى استخدام عملية الاستقراء تلك لاختبار عملية الانقسام أو الأزمة أو التعددية في علم العلاقات الدولية؛ في محاولةٍ لفهم الانتقال من طور الاعتقاد بإمكان وجود منظورٍ مهيمن قادر على تفسير العالم، إلى الاعتراف بتعدُّد المنظورات، ثم إلى ما تصفه د. نادية بـ “أزمة العلم المنقسم”، فيما يشبه محاولة لرسم خريطة معرفية ذات معالم ترصد مسارات وانعطافات هذا العلم.

ينطلق الفصل من فرضيةٍ مؤداها أن تاريخ علم العلاقات الدولية ليس تاريخًا للتراكم المعرفي فحسْب، وإنما تاريخٌ لأزماتٍ معرفية متعاقبة؛ فكلَّما عجز المنظور السائد عن تفسير تحولات الواقع الدولي، نشأ منظورٌ جديد ينافسه، لا لأنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وإنما لأنه يكشف حدود قدرة سابقه على التفسير والتعاطي مع الواقع. ومن ثم، فإن “الجدالات الكبرى” لم تكن -في جوهرها- خلافاتٍ أكاديمية مجردة، بل كانت انعكاسًا مباشرًا ومرآةً للتحولات التي شهدها النظام الدولي ذاته؛ إذ لم يكن الخلاف بين المنظورات الكبرى حول وجود الظواهر الدولية، وإنما حول الكيفية التي ينبغي أن تُفهم وتُفسَّر بها.

تذهب المؤلِّفة إلى أن الأحداث العظمى الثلاثة التي شهدها القرن العشرون (الحربان العالميتان، ثم نهاية الثنائية القطبية بدون حرب) مثلت نقاط تحول أساسية في تفاعلات من أسمتهم بـ “الكبار”، في دلالةٍ على أن حالة العلم -آنذاك- كانت محكومة بمنطق يُنتجه ويفرضه الأقوى / المتغلب رغم ادِّعاء عالمية الحقل، ما جعل السؤال حول طبيعة العالم بين التغير والاستمرار محل اهتمام؛ إذ إنه في كل مرة كان يُطرح السؤال حول أثر هذا التحول الجديد على “النظرية” ومدى مقدرتها التفسيرية والتنبؤية.

ولأن السياق دائمًا ما يُلقي بشحناته الدلالية على المفاهيم؛ فإنه يمكن القول إن هذه الجدالات الثلاثة كان منطقها يستند إلى مفهوم “القوة” وكيفية فهم طبيعته وتحولاته، ومن ثم تمثلاته في الفكر والواقع.

ففي الجدال الأول بين المثالية والواقعية التقليدية في أعقاب الحربين العالميتين، انطلقت المثالية من الإيمان بإمكانية بناء نظام دولي أكثر تعاونًا عبر القانون الدولي والمؤسسات الجماعية باعتبار أنه يمكن إدارة هذه القوة وفق منطق التعاون والسلام، بينما جاءت الواقعية لتعلن أن السياسة الدولية لا تُدار بالنوايا الأخلاقية، وإنما بالمصلحة والقوة وتوازنات الردع كسبيلٍ وحيد لتحقيق السلام. ونتيجة للسياسات التوسعية التي انتهجها “الكبار” في أثناء وعقب الحربين العالميتين، فقد انتصرت “الواقعية” لتصبح هي المنظور السائد.

أما الجدال الثاني، فقد كان بين المدرستين التقليدية والسلوكية في الستينيات. إذ إنه، نتيجة للتطور الكبير في نطاق العلوم الطبيعية، انتقل السؤال من مضمون النظرية إلى منهجها؛ لم يعد السؤال يدور حول كيفية عمل العالم وإنما حول كيفية دراسته. فظهرت المدرسة السلوكية مطالبةً بإخضاع العلاقات الدولية لمناهج العلوم الطبيعية والقياس الكمي، في مقابل المدرسة التقليدية التي تمسكت بأهمية التاريخ والفلسفة والقيم والسياقات الحضارية في فهم السياسة الدولية. وبذلك، لم يعد الخلاف يدور حول تفسير الواقع فقط، وإنما حول أدوات إنتاج المعرفة ذاتها، وهو ما عمَّق الأزمة المعرفية داخل الحقل.

ثم تنتقل المؤلفة إلى الجدال الثالث بين الواقعية والليبرالية (وهو الجدال الذي بدأت إرهاصاته منذ بداية السبعينيات في إطار ما عُرف حينئذٍ بمرحلة ما بعد السلوكية)، ويدور حول سؤال كيفية توزيع القوة بين الدول وغيرها، ومدى التغير في طبيعة هذه القوة. وتلفت د. نادية إلى أن الجدل هذه المرة لم يكن -في بدايته- بين منظورين أحدهما سائد وآخر يسعى لتحدِّيه؛ بل بين منظور سائد -الواقعية- وبين روافد منظور جديد يتشكَّل ليعكس أبعاد الواقع الجديد المتكوِّن على الأرض.

فقد شهد العالم توجُّهات جديدة تسعى لتجاوز الاختزال الذي وقعت فيه الواقعية؛ خصوصًا في ظل وجود “التوفيقيين” الذين رأوا ضرورة عدم الانغلاق على العلم بمعناه “الكمي” و”الإمبريقي” ومن ثم تجاوز هذه النظرة الضيقة نحو أخرى أوسع تستطيع استيعاب تعقيدات العالم الحديث وتشابكاته.

تشير المؤلفة إلى أن تعدُّد الفاعلين ودرجة تعقُّد الواقع التي تُنتج في كل لحظة ظاهرة جديدة، إلى جانب تراجع محورية العامل العسكري بفعل تكلفته على الدول والتركيز على العامل الاقتصادي الذي جلب بدوره قضايا جديدة لا بدَّ من معالجتها مثل أزمات نقص الغذاء وسلاسل الإمداد، والأهم ظهور ما يعرف بالاعتماد المتبادل متعدد الأبعاد بين دول العالم وبعضه؛ حيث لم تعد أيُّ دولة في العالم بمنأى عمَّا يحدث فيه، كل هذا قد أدَّى إلى تشعُّب روافد العلم أكثر وأكثر.

كما توضح أن هذه المرحلة في تاريخ كلٍّ من العالم والعلم أحدثت نقلةً نوعية في طريقة التعاطي مع الجدال بين المنظورات؛ حيث انتقل الجدال من مناظرة بين مدرستيْن / منظوريْن إلى الجدال بين المنظورات (Inter-paradigm debates). وبهذا لم يعد علم العلاقات الدولية علمًا يُهيمن عليه منظور واحد، بل أصبح الحقل موزَّعًا بين مقارباتٍ متعدِّدة، لكلٍّ منها افتراضاته، ومفاهيمه، وحدوده التفسيرية.

تشير د. نادية إلى أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة أسْهمت أيضًا في حدوث تحوُّل جوهري في الحقل؛ حيث بدأت تظهر إسهامات تكسر احتكار الغرب الأنجلوساكسوني صاحب النموذج الغربي الرأسمالي من قِبل روافد أخرى من داخل النموذج المعرفي نفسه لكنها تختلف معه أيديولوجيًّا، ثم اقترنت بإسهامات غير غربية من الشرق أو الجنوب.

لا تتوقَّف المؤلِّفة عند مجرد استعراض هذه المنظورات، بل تُثير سؤالًا أكثر عمقًا: هل أدى تعدُّد المنظورات إلى الاقتراب من فهم أكثر شمولًا للواقع الدولي، أم أنه كشف عن أزمةٍ في بنية العلم ذاته؟ وهنا تصل المؤلفة إلى ما تصفه بـ “العلم المنقسم”، حيث لم يعد هناك نموذج مهيمن قادر على احتكار تفسير العلاقات الدولية.

وتعد العولمة، في نظر المؤلفة، الاختبار الأبرز لهذه الأزمة؛ إذ كشفت أن التحولات المتسارعة في بنية النظام الدولي، وصعود الفاعلين من غير الدول، وتشابك الأبعاد الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية والأمنية، تجاوزت قدرة أي منظور منفرد على الإحاطة بالواقع. ومن ثم، فإن الأزمة لم تعد أزمة نظرية بعينها، وإنما أزمة قدرة العلم نفسه على إنتاج تفسير جامع لعالم يزداد تعقيدًا.

لعلَّ النقطة الأبرز في هذا الصدد، والتي تتصل بواقع اللحظة التي تعيشها الأمة الآن، هي تلك المتعلقة بالهيمنة الإدراكية الغربية عبر الإطار القيمي الذي يُغلف هذا التنظير عن الواقع؛ إذ تجادل المؤلفة بأن هذا الإطار المنطلق من منظومة القيم والمصالح الغربية الرأسمالية يجسد نظرة الغرب الأحادية ويدعم مفاهيمه -مثل الديمقراطية والرأسمالية- بينما في المقابل يصبح العالم الثالث أو الجنوب مصدرًا لتهديد السلم والأمن إن لم يتقبل هذه المسلمات / القيم.

لهذا، تذهب د. نادية إلى أن التفاعل بين الداخلي – الخارجي لم يعد يقتصر على البعدين السياسي والاقتصادي فقط؛ بل امتدَّ إلى عُمق البُعد الثقافي والاجتماعي وما يتَّصل به من تشكيل عمليات الإدراك لدى “الشعوب” وليس النخب وحدها، ما يكسر احتكار الغربي لصفة “التفوق” وضرورة الاقتداء به لحتمية سيادته وانتصاره.

وفي هذا الإطار، فإن استشهاد المؤلفة بـ “أزمة الخليج الثانية” ونظرة الغرب للجنوب باعتباره “قنبلة موقوتة” يُعد ذا دلالة في اللحظة الراهنة؛ حيث يمكن قراءة المواجهة الجارية مع إيران باعتبارها كاشفةً عن استمرار البنية الإدراكية ذاتها، وإن تغيَّرت أشكالها وأدواتها. فإيران لا تُقدَّم في الخطاب الغربي المهيمن بوصفها فاعلًا دوليًّا يمتلك تصوُّرًا خاصًّا لأمنه ومصالحه وموقعه في بنية النظام الدولي فحسْب، وإنما يجري تأطيرها، في كثيرٍ من الأحيان، باعتبارها “مشكلة” ينبغي إدارتها، أو مصدرًا لعدم الاستقرار يتعيَّن احتواؤه أو القضاء عليه، بينما تُعامل القوة التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل، بما في ذلك التدخل العسكري والعقوبات الاقتصادية وسياسات الردع والإكراه، بوصفها أدواتٍ لحماية النظام واستعادة الاستقرار.

من هنا، يخلص الفصل إلى أن تاريخ علم العلاقات الدولية لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه صراعًا بين منظورات يتعين اختيار أحدها وإقصاء الآخر، وإنما بوصفه مسارًا يكشف حدود كل منظور وإسهامه في الوقت ذاته. وإذا كانت قصة العميان والفيل قد انتهت إلى أن كل واحد منهم امتلك جزءًا من الحقيقة، فإن أزمة العلاقات الدولية كانت أكثر تعقيدًا؛ إذ إن كثيرًا من المنظورات لم تكتفِ بتقديم تفسير جزئي، بل ادَّعت امتلاك الحقيقة الكاملة. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لهذا الفصل لا تتعلَّق بترجيح منظور على آخر، بقدر ما تكمن في الكشف عن الطبيعة التاريخية والنسبية للنماذج المعرفية.

إذا كان الفصل الأول قد انتهى إلى أن أزمة علم العلاقات الدولية تشبه، في أحد أبعادها، مأزق عميان ابن المقفع؛ إذْ أمسكَ كُلُّ منظورٍ بجانب من الواقع الدولي وعجز عن الإحاطة به في كليته، فإن التحولات التي شهدها الحقل في العقود الأخيرة من القرن العشرين دفعت بالسؤال خطوةً أبعد وأكثر جذرية؛ فماذا لو لم تكن المشكلة فقط أن كل أعمى يلمس جزءًا مختلفًا من الفيل؟ ماذا لو كان الشخص الذي أحضر الفيل إلى الساحة هو نفسه صاحب السلطة على تحديد ما يمكن معرفته عن الفيل؛ فحدد موضع كل أعمى منه، وسمح لبعضهم بالكلام ومنع آخرين؟ ماذا لو امتلك هذا الشخص، فوق ذلك، القدرة على إعلان بعض الأوصاف عن الفيل باعتبارها “علمية” و”موضوعية”، بينما يُصنف غيرها باعتبارها ذاتية أو أيديولوجية أو غير جديرة بالانتماء إلى ما يمكن معرفته “علميًا” عن الفيل؟

إذن، عند هذه النقطة لا تعود المشكلة متعلِّقة بقصور كلِّ منظور عن الإحاطة بالواقع ككل فحسب، وإنما تنتقل إلى مستوى أعمق يتعلق بالسلطة الكامنة وراء إنتاج المعرفة ذاتها. وبهذا الانتقال، تتحول أزمة علم العلاقات الدولية من أزمة تعدد المنظورات وقصورها التفسيري إلى أزمة في أسس إنتاج المعرفة ذاتها.

ومن هنا ينطلق ما يُعرف بالجدال الرابع في علم العلاقات الدولية، الذي اتخذ طبيعةً مغايرة للجدالات السابقة. فلم يعد الخلاف يدور فقط حول أي المنظورات أكثر قدرة على تفسير العلاقات الدولية، أو أي المناهج أكثر التزامًا بشروط العلمية، وإنما انتقل إلى فلسفة العلم ذاتها، وإلى مساءلة العلاقة بين النظرية والواقع، وبين المعرفة والقيمة، وبين إنتاج المعرفة وممارسة السلطة. وبذلك لم يعد السؤال متعلِّقًا بكيفية معرفة أو دراسة العالم فحسب، وإنما حول من يُنتج المعرفة عن العالم؟ ولصالح من تُنتج هذه المعرفة؟ وكيف تشارك النظرية في تشكيل العالم الذي تدَّعي تفسيره؟

في هذا السياق، يبرز التمييز بين “النظريات التفسيرية” و”النظريات المنشئة”. فتنطلق النظريات التفسيرية من افتراض وجود واقع دولي مستقل عن الباحث والنظرية، يمكن اكتشاف قوانينه وتفسير علاقاته السببية؛ بينما ترفض الاتجاهات المنشئة هذا الفصل الصارم بين النظرية والواقع، وترى أن المفاهيم والتصنيفات والخطابات التي تنتجها المعرفة لا تقف خارج العالم، وإنما تشارك في تشكيله وإعادة إنتاج علاقات القوة داخله.

وقد دفعت هذه الأزمة إلى تجدد الاهتمام بالقيم والأبعاد الإنسانية والأخلاقية في دراسة العلاقات الدولية، وإلى مراجعة الثنائيات التي قام عليها النموذج الوضعي؛ مثل الفصل بين الواقعي والقيمي، والمادي والفكري، والعلم والأخلاق، والعقل والهوية. كما أعادت التاريخ والفلسفة والثقافة إلى قلب التحليل، وظهرت اتجاهات لا تطالب بالتخلي الكامل عن العقل أو المنهج العلمي، وإنما بإعادة تعريف العلمية نفسها وتحريرها من اختزالها في القياس الكمي والملاحظة الإمبريقية، وتوجيه المعرفة نحو معالجة المشكلات الإنسانية بدل الاكتفاء بتفسير الواقع القائم أو المساهمة في استدامته لصالح الأقوى.

وقد عرضت المؤلفة ثلاثة اتجاهات رئيسية صعدت من رحم أزمة الوضعية العقلانية، هي البنائية الاجتماعية، والنظرية النقدية، وما بعد الحداثة، بوصفها محاولات مختلفة لإعادة النظر في طبيعة المعرفة والعلاقة بين النظرية والواقع. وعلى اختلاف منطلقاتها، اشتركت هذه الاتجاهات في نقد المادية والوضعية وادعاء الحياد المعرفي، وإعادة الاعتبار للأفكار والقيم والهوية والثقافة والإنسان، فضلًا عن الكشف عن العلاقة الوثيقة بين إنتاج المعرفة، والقوة، والسلطة.

وفي هذا الإطار، تكشف المؤلفة عن مفارقة أساسية؛ إذ إن كثيرًا من الاتجاهات النقدية، رغم تمردها على الوضعية والمركزية الغربية، ظلت أسيرة المرجعيات الفلسفية والخبرات التاريخية الغربية ذاتها. كما تتبعت المؤلفة آثار هذه المراجعات في عددٍ من التحولات التي شهدها الحقل، لعل أبرزها عودة الأبعاد الدينية والثقافية والحضارية إلى مجال التنظير بعد عقودٍ من التهميش. وتشير إلى أن هذا التحول لم يكن نتاج المراجعات المعرفية وحدها، وإنما فرضته أيضًا تحولات الواقع الدولي بعد الحرب الباردة، وصعود العولمة، وتجدد الصراعات ذات الأبعاد الدينية والقومية والعرقية.

كما عاد كلٌّ من الدين والثقافة والحضارة بوصفها عناصر مؤثِّرة في تفسير العلاقات الدولية، وبرزت أطروحات متباينة في التعامل مع التعدُّد الحضاري، امتدَّت من “صراع الحضارات” إلى “حوار الحضارات” بوصفه محاولة للبحث عن إطارٍ قيمي مشترك يسمح بإدارة التنوُّع الإنساني بعيدًا عن حتمية الصراع.

اقترن بذلك تحوُّلٌ آخر تمثَّل في اهتزاز الحدود التقليدية بين علم العلاقات الدولية وغيره من العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ إذ أعادت المراجعاتُ المعرفيةُ التاريخَ والفلسفةَ والدينَ والثقافةَ إلى قلب التحليل، وأسهمت في صعود المنظورات البينية وتعدُّد أنماطها بوصفها محاولات لتجاوز الانغلاق التخصُّصي والاستفادة من تعدد المناهج والمفاهيم في تفسير واقع دولي تتزايد درجة تعقيده وتتشابك أبعاده. وبذلك أصبح تجاوز الحدود بين التخصصات أحد مظاهر أزمة العلم التقليدي، وفي الوقت ذاته أحد المسارات المطروحة لإعادة بناء المعرفة على نحوٍ أكثر قدرة على الإحاطة بالواقع.

إلا أن المؤلفة تُشير إلى أن اتساع أجندة العلم وانفتاحه على الدين والثقافة والقيم والمناهج البينية لا يعني بالضرورة حدوث تحول معرفي حقيقي؛ ذلك أن هذا التحوُّل يطرح بدوره تساؤلًا أعمق حول ما إن كانت قواعد إنتاج المعرفة قد تغيرت فعلًا أم أن “صاحب الساحة” سمح بدخول أصوات جديدة، مع احتفاظه بسلطة تحديد من يتحدث، وما الذي يُقبل بوصفه علمًا؟ بعبارةٍ أخرى، فإن السؤال يدور حول ما إن كانت هذه المراجعات تمثل حركة تصحيح حقيقية تعيد العلم إلى مسارٍ أكثرَ تعدديةً وإنسانية، أم أنها شكل من أشكال التكيف الذي يسمح للنموذج السائد باستيعاب الانتقادات وتوسيع أجندته دون المساس بجذوره وموقعه المهيمن.

تشير د. نادية إلى أن أهمية هذا السؤال تزداد مع كشف المراجعات النقدية عن الهيمنة الأمريكية والمركزية الغربية على إنتاج المعرفة، وفتح المجال أمام التساؤل عن موقع المنظورات الحضارية “غير الغربية” داخل علم العلاقات الدولية. إذ إن سقوط ادعاء وجود نموذج معرفي عالمي ومحايد ربما قد أتاح، على الأقل نظريًّا، الاعتراف بتعدُّد الخبرات الحضارية، إلا أنه -في بعض جوانبه- يختزل التحرُّر من المركزية الغربية في مجرد ظهور مراكز معرفية منافسة وفق نفس منطق القوة الذي يُنظر إلى الآخر من خلاله عوضًا عن الاعتراف بثقافته وهويته والرغبة في معرفته. فقد أشارت د. نادية إلى أن صعود الاهتمام بالدراسات الآسيوية مثلًا جاء وفق منطق النظر إلى القوى الصاعدة هناك، مثل الصين وكوريا، والتي تشكل منافسًا للهيمنة الغربية الأمريكية، أي وفق نفس منطق القوة المعتاد.

لهذا تؤكِّد المؤلِّفة أن استبدالَ الهيمنة الغربية بهيمنة آسيوية أو شرقية، أو إعادة بناء الحقل حول ثنائيات استقطابية جديدة، لا يمثل تجاوزًا حقيقيًّا لمنطق العلم السائد، وإنما قد يعيد إنتاج منطق الواقعية وصراع القوى في صورةٍ معرفيةٍ جديدة. ومن ثم، فإن المطلوب ليس استبدال مركزية بمركزية أخرى، بل بناء تعددية معرفية وحضارية تقوم على الحوار والتعارف والاعتراف بتنوع الخبرات الإنسانية والبحث عن مساحات مشتركة بينها.

وعلى كلٍّ، تشير المؤلفة إلى أن الحكم على مدى عمق التحوُّل الذي شهده علم العلاقات الدولية لا يمكن أن يتم داخل المجال النظري وحده؛ فاختبار النظرية الحقيقي يظل في قدرتها على تفسير تحولات الواقع والاستجابة لأزماته. ومن هنا تربط المؤلفة أزمة العلم بأزمة العالم ذاته، وترصد، مع نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، تزامن ثلاث أزمات كبرى كشفت حدود النموذج الغربي السائد: أزمة هيكلية في بنية النظام الرأسمالي العالمي تجلت بصورةٍ واضحة في الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨؛ وأزمة في قيادة العالم، انكشفت معها تناقضات خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان واستخدامه غطاءً لتبرير التدخلات العسكرية والأمنية؛ وأزمة معيارية تتعلَّق بمركزية القيم الغربية وعجز النظام الدولي عن استيعاب التعدد الحضاري بوصفه أساسًا لإعادة بناء نظام عالمي أكثر عدلًا.

وقد أشارت د. نادية إلى أن الثورات العربية في ٢٠١١ مثَّلت، في هذا السياق، حقل اختبار معرفي وسياسي بالغ الدلالة. فمن ناحية، أعادت الثورات أسئلة التغيير والثورة والعدالة والفاعلية الشعبية إلى قلب الواقع بعد أن تراجعت في جانب من الأدبيات لصالح مفاهيم الإصلاح التدريجي والتحول الديمقراطي واللاعنف والحوار. ومن ناحيةٍ أخرى، كشفت التدخلات الخارجية والعلاقات بين الداخل والخارج، ثم الثورات المضادة، عن التوتُّر بين عالمية القيم التي يُعلنها الخطاب الغربي وبين انتقائية تطبيقها حين تهدِّد عمليات التغيير مصالح القوى المهيمنة أو تعيد تشكيل موازين القوى القائمة.

ولعل التطورات التي شهدتها المنطقة منذ طوفان الأقصى، وصولًا إلى الحرب على إيران، تمثل امتدادًا أكثر حدة لهذه الموجة وتكشف عن مستوياتٍ جديدة من التناقضات التي تحكم النظام الدولي؛ إذ لم تعد موضع اختبار لمصداقية الخطاب الغربي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان فحسب، وإنما اختبار لعالمية المنظومة القيمية والقانونية التي يستند إليها النظام الدولي ذاته. فقد أعادت هذه التطورات طرح ثنائيات القانون الدولي والمصالح الاستراتيجية، وحق الشعوب في المقاومة واحتكار القوى المهيمنة لتعريف الإرهاب، والسيادة وشرعية التدخل واستخدام القوة، كما كشفت عن التفاوت في تطبيق المعايير الدولية تبعًا لموقع الفاعلين من بنية القوة العالمية. ومن ثم، يمكن النظر إلى اللحظة الراهنة بوصفها اختبارًا جديدًا للأزمة المعرفية والمعيارية التي تناقشها المؤلفة؛ حيث لا ينفصل الصراع حول تفسير الأحداث وتصنيف الفاعلين وتحديد مفاهيم العدوان والدفاع والمقاومة والإرهاب عن الصراع المادي الدائر على الأرض، بل يصبح إنتاج المعرفة والخطاب ذاته أحد ميادين هذا الصراع.

وبالعودة إلى استعارة العميان والفيل، يمكن القول إن التحولات التي شهدها علم العلاقات الدولية سمحت لمزيد من العميان بالاقتراب من الفيل، ووسَّعت نطاق الأجزاء التي يمكن لمسها ووصفها، بل وفتحت المجال أمام التشكيك في حياد من يدير الساحة. غير أن السؤال الذي يظل مفتوحًا هو: هل تغيرت ملكية الساحة وقواعدها فعلًا؟ أم أن المركز ما يزال قادرًا على استيعاب الأصوات الجديدة، وإعادة ترتيبها داخل الحقل، ومنح بعضها شرعية الكلام، دون التخلي عن سلطته على تحديد ما يمكن الاعتراف به بوصفه معرفةً علمية؟

من هنا، ينتهي الفصل إلى أن التحدي أمام العالم العربي والإسلامي لا يتمثَّل في الاكتفاء بمتابعة أزمة علم العلاقات الدولية أو الاحتفاء بالنقد الذي ينتجه الغرب لذاته، وإنما في الانتقال من موقع المتلقي والناقد إلى موقع المساهم في إنتاج المعرفة؛ أي من المطالبة بالاعتراف بتعدُّد النماذج المعرفية إلى بناء نموذج حضاري قادر على تقديم أسئلته ومفاهيمه وأدواته، والدخول بها في حوارٍ معرفي متكافئ مع النماذج الأخرى.

إذا كان الفصل الأول قد كشف أن المنظورات المختلفة لا ترى من الواقع إلا ما تسمح به عدساتها المعرفية، ثم انتقل الفصل الثاني إلى مساءلة من يملك الساحة وسلطة تحديد ما يمكن الاعتراف به بوصفه معرفةً علمية، فإن الفصل الثالث ينتقل إلى السؤال الأصعب: ماذا بعد استرداد الحق في الكلام؟ وهل يكفي أن يُسمح للعالم الإسلامي بتقديم وصفه الخاص للفيل / العلم، أم أن التحرر المعرفي يقتضي امتلاك أدوات مستقلة للرؤية وإنتاج المفاهيم وتحديد الأسئلة وبناء المعرفة؟

من هنا تنتقل المؤلفة من عملية الهدم عبر نقد العلم السائد وكشف تحيزاته إلى مشروع البناء، فتقدم تأصيلًا لمنظورٍ حضاري إسلامي مقارن في العلاقات الدولية. وحريٌّ بنا أن نشير إلى أن هذا المشروع لا ينطلق من افتراض إمكان بناء معرفة في عزلة عن التراث النظري الغربي، كما لا يستهدف إضافة فرع جديد إلى الدراسات الإسلامية التقليدية، وإنما يسعى إلى إنتاج منظور قادر على الدخول في حقل العلاقات الدولية ذاته؛ استيعابًا ونقدًا ومقارنةً وإسهامًا.

وعليه، فإن بناء المنظور الحضاري الإسلامي لا يعني رفض المعرفة الغربية أو استبدال مركزية معرفية بأخرى، وإنما يبدأ من الالتحام النقدي بها؛ إذ يمثِّل استيعاب الفكر الغربي وكشف أصوله الفلسفية وتحيزاته وحدوده التفسيرية شرطًا لبناء البديل. وفي هذا السياق تستدعي المؤلفة مقولة د. منى أبو الفضل بأن الغاية ليست “الدفاع عن الإسلام أو التسويق له”، وإنما نقد الفكر الغربي لكسر “تابوهات” ادعاء بعض مدارسه العالمية واحتكارها للعلمية. ومن ثم، لا تتحدَّد قيمة المنظور بقدرته على إثبات تفوق الإسلام نظريًّا، بل بقدرته على إنتاج معرفة أكثر قدرةً على تفسير الواقع والمساهمة في تغييره.

تشير د. نادية إلى أن مشروع المنظور الحضاري الإسلامي لم يظهر دفعةً واحدة، بل تراكم عبر مسار أكاديمي ممتد منذ تدشين مشروع العلاقات الدولية في الإسلام عام ١٩٨٦[2]، ومر بثلاث موجات رئيسية عكست تطور موقعه داخل الحقل. انشغلت الموجة الأولى بإثبات مشروعية بناء منظور إسلامي في العلوم الاجتماعية، والتأكيد على طبيعته العلمية والمقارنة في مواجهة اختزاله في الدراسات الشرعية أو تاريخ الفكر السياسي الإسلامي. أما الموجة الثانية، التي امتدَّت خلال التسعينيات من القرن العشرين وبدايات الألفية الثالثة واكتسبت أهمية خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد انتقلت من الدفاع عن مشروعية المنظور إلى تأكيد قدرته على الإسهام في نقد أحادية المعرفة الغربية والدعوة إلى التعدُّدية المعرفية. ثم جاءت الموجة الثالثة متزامنةً مع صعود الاتجاهات النقدية وما بعد الوضعية داخل الفكر الغربي ذاته، لتكشف أن كثيرًا من الأسئلة التي طرحها المشروع الإسلامي مبكرًا حول القيم والحياد والتعدُّد المعرفي وحدود الوضعية أصبحت في قلب المراجعات التي يشهدها علم العلاقات الدولية.

غير أن اكتساب المنظور مشروعيته لا يحسم السؤال عن طبيعته وكيفية بنائه. حيث تُحدد المؤلفة خصوصيته في كونه منظورًا قيميًّا ذا مرجعية حضارية مختلفة عن النسق المادي الوضعي، دون أن يعني ذلك انفصاله عن الواقع أو تحوله إلى نموذج مثالي مغلق. فالمنظور الإسلامي عبارة عن منظومة مفتوحة متفاعلة تنطلق من ثابت مرجعي يتمثَّل في الوحي، لكنها تتضمَّن اجتهادًا بشريًّا متغيِّرًا يتفاعل مع الواقع والتاريخ وتحولات المجتمع الدولي.

وفيما يتعلَّق بالفجوة بين المبادئ التي يقدمها الإسلام والممارسة التاريخية للمسلمين، ترفض المؤلفة الاستدلال بما شهدته الخبرة الإسلامية من صراعاتٍ واضطراباتٍ على فشل النموذج الإسلامي ذاته، مؤكدةً ضرورة التمييز بين المرجعية والممارسة البشرية. إذ إن ابتعاد المسلمين عن قيم العدل والشورى والوحدة لا ينفي صلاحية هذه القيم، وإنما يستدعي تفسير أسباب الفجوة بين المثال والتطبيق والاجتهاد في تجاوزها، بل ويكشف عن خضوع المسلمين أنفسهم للسُّنن التي تحكم نتائج أفعالهم واختياراتهم.

بعد بيان هذه النقاط التأسيسيَّة، تذهب المؤلفة إلى عرض سمات وخصائص النموذج الحضاري الإسلامي المقارن؛ فتشير إلى الجمع بين الواقعي والقيمي باعتباره إحدى أهم خصائص المنظور الحضاري الإسلامي؛ إذ يسعى إلى فهم الواقع المادي وتوجيهه في ضوء المرجعية القيمية، دون الانفصال عنه أو الخضوع لحتميته. وتوضح أن هذا، بدوره، يطرح إشكاليةً منهجية تتعلق بكيفية إدارة العلاقة بين الثابت والمتغير، والوحي والعقل، والقيم والممارسة.

ولمعالجة هذه الإشكالية، يتحرَّك بناء المنظور عبر ثلاثة مستويات مترابطة من المصادر. يتعلق المستوى الأول بالأصول والاتجاهات الفقهية والتأصيلية التي تبحث في القواعد والمبادئ الحاكمة لعلاقات المسلمين بغيرهم، وقضايا السلم والحرب والعهود والمواثيق. أما المستوى الثاني، فيتمثَّل في الخبرة التاريخية للمسلمين، بوصفها مجالًا لاختبار العلاقة بين القيم والممارسة. ويأتي الفكر السياسي الإسلامي بوصفه المستوى الثالث والجسر الرابط بين المرجعية والخبرة؛ إذ يعكس كيفية إدراك المسلمين لواقعهم، وقراءتهم لتجربتهم التاريخية، ومحاولاتهم إدارة العلاقة بين الثابت الشرعي والمتغير السياسي.

غير أن تعدُّد المصادر لا يكْفي لبناء منظور قادر على الإسهام في علم العلاقات الدولية، ما لم تتحوَّل هذه المصادر إلى مفاهيم وأدوات قابلة للتشغيل في تحليل الواقع. ولهذا يتحرَّك المشروع عبر ثلاثة مسارات متكاملة:

  1. تحديد الأساس الشرعي والمبادئ الحاكمة للعلاقات الدولية.
  2.  بناء منظومة قيمية حضارية مترابطة توجه الرؤية والفعل.
  3.  تطوير الأدوات والمناهج القادرة على تشغيل هذه المرجعية في تفسير الظواهر الدولية.

ومن الجدير بالذكر أن المؤلفة تسعى، في هذا السياق، إلى بيان الثغرات في معالجة هذه الإشكاليات في الحقل وإبراز كيفية سَدِّهَا ومعالجة مواطن الضعف؛ فقد أشارت مثلًا إلى أهمية تجاوز منهجية التاريخ الدبلوماسي والسعي نحو استخدام أدوات التحليل النُّظُمية بما يركِّز على الكلِّيات المتعلِّقة بالتحوُّلات الكبرى في التاريخ الإسلامي عِوَضًا عن التركيز على الجزئيَّات. وذلك في محاولةٍ لمعالجة إشكال توظيف التاريخ على نحوٍ يتصدَّى للمركزية الأوروبية.

من هنا تنتقل المؤلفة إلى سؤالٍ أوسع يتعلَّق بمحركات التغيير والحركة التاريخية؛ ففي مقابل المنظورات الوضعية التي تفسِّر حركة التاريخ أساسًا بالصراع على القوة والمصلحة أو بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والمادية، يقدم المنظور الإسلامي تصوُّرًا أكثر إنسانية / تركيبًا للتدافع الحضاري تتفاعل فيه العوامل المادية مع القيمية والمعنوية، وتغدو فيه الدعوة أحد محركات الحركة التاريخية، بينما يمثل السلم والحرب أدوات ترتبط بطبيعة التدافع وغاياته دون أن يكونا غايةً في ذاتهما.

وبحسب د. نادية، تتضح خصوصية المنظور الحضاري الإسلامي بصورةٍ أكبر في الكيفية التي يُعيد بها بناء العلاقة بين القيم والواقع؛ فكونه منظورًا قيميًّا لا يعني انشغاله بما ينبغي أن يكون على حساب تفسير ما هو كائن، وإنما يعني اتخاذ القيم إطارًا مرجعيًّا ومنهجيًّا لفهم الواقع وقياسه وتقويمه وتوجيه تغييره. ومن ثم، تختلف وظيفة القيم فيه عن موقعها في جانب كبير من التنظير الغربي؛ إذ لا تُترك الأخلاق لتعريفات متغيرة يحددها الباحث أو صانع القرار وفق الممكن السياسي وحسابات التكلفة والمنفعة، وإنما تنطلق من مرجعية الوحي التي توفر معيارًا ثابتًا، مع بقاء الاجتهاد في كيفية تنزيله على واقعٍ متغير؛ وهو ما يحول دون تحول النموذج الغربي إلى حالة “البندولية” و”السيولة / النسبية” التي وقع فيها النموذج الغربي.

تُعبّر المؤلفة عن هذه العلاقة من خلال التلاحم بين “فقه الواقع” و”فقه الحكم”؛ فالمرجعية والقيم والسنن والمقاصد تمثل الميزان الذي يُقاس به الواقع، بينما يمثل الواقع المتغير الموزون الذي يدور حوله الاجتهاد والتجديد. ومن ثم، لا يمنح ثبات المرجعية إجابات جاهزة لكل واقعة، كما لا تمنح تغيرات الواقع سلطة إعادة تشكيل المرجعية وفق مقتضيات القوة والمصلحة؛ وإنما تتولد المعرفة من التفاعل المستمر بينهما. وبهذا يحتل المنظور موقعًا وسطًا يتجاوز الانفصال المثالي عن الواقع كما يتجاوز الخضوع المادي لما هو قائم.

تنعكس هذه الرؤية القيمية – الواقعية على بنية المنظور ومفاهيمه ومستويات تحليله. فعلى مستوى المفاهيم، يقدم المنظور مفاهيم أصيلة مثل “التوحيد، والدعوة، والجهاد، والعمران، والاستخلاف، والتعارف، والتدافع”، وفي الوقت ذاته يعيد بناء مفاهيم مشتركة مع المنظورات الأخرى، مثل القوة والمصلحة والصراع والحرب والسلام، من خلال تحميلها بمضامين حضارية وقيمية مختلفة. ومن ثم، لا يقتصر بناء البديل على إضافة مصطلحات إسلامية إلى قاموس العلاقات الدولية، وإنما يمتد إلى إعادة تعريف المفاهيم التي يُدرك الواقع الدولي من خلالها وبناء عمارة مفاهيمية خاصة بها.

وعلى مستوى وحدات التحليل وأولويات البحث، تتَّضح خصوصية المنظور بصورةٍ أكبر عند مقارنته بالمنظورات الكبرى؛ فبينما تجعل الواقعية الدولة والصراع على القوة محور التحليل، وتركز التعدُّدية على تعدُّد الفاعلين والاعتماد المتبادل والمصالح الاقتصادية، وتنطلق الماركسية من الطبقات والبنية الرأسمالية العالمية، يقدم المنظور الحضاري الإسلامي “الأمة” بوصفها مستوى كلِّيًّا للتحليل دون إنكار الدول والجماعات وغيرها من التنظيمات، ويضع الأبعاد الثقافية والحضارية والقيمية في تفاعلٍ مع الأبعاد السياسية والاقتصادية والمادية ضمن رؤية توحيدية كلية.

كما تختلف رؤية المنظور الحضاري لمحركات العلاقات الدولية وأنماط التفاعل داخلها؛ فبدلًا من اختزال الحركة الدولية في الصراع على القوة أو المصالح الاقتصادية أو الصراع الطبقي، ينطلق المنظور من “الدعوة” بوصفها مفهومًا حاكمًا لعلاقة الأمة بالعالم، بينما يمثِّل “الجهاد” إطارًا أوسع من القتال يشمل أنماطًا متعددة من التفاعل السلمي والصراعي، لكل منها شروطه وضوابطه وغاياته. وبذلك يُعاد تعريف القوة والمصلحة والصراع والسلام في ضوء منظومة قيمية تضبط استخدام الأدوات ولا تنفي مقتضيات الواقع.

وهنا يتضح معنى وصف المنظور بـ”الحضاري”؛ إذ تشير الحضارية، حسبما جادلت د. نادية، إلى كلية الرؤية وشمولها، وإلى قدرتها على الجمع بين السياسي والاقتصادي والثقافي، وبين التاريخ والراهن والمستقبل، وبين الوحي والعقل والقيمة والواقع والثابت والمتغير. ومن ثم، يتجاوز المشروع اختزال العلاقات الدولية في الإسلام في الأحكام الفقهية المتعلقة بالحرب والسلم، إلى بناء رؤية أوسع تستند إلى مفاهيم التعارف والعمران والتدافع والاستخلاف والسُّنن والمقاصد لفهم حركة النظام الدولي وعلاقة الأمة بالعالم.

لهذا تصنَّف مفاهيم المنظور في مجموعاتٍ متكاملة؛ تشمل مفاهيم تأسيسية مفتاحية، مثل التوحيد والتزكية والعمران؛ ومفاهيم أصيلة للحقل، مثل الدعوة والجهاد والتعارف والتدافع والنصرة والأمة؛ ومفاهيم مقارنة يُعاد بناؤها في ضوء الرؤية الإسلامية، مثل القوة والصراع والحرب والسلام والتعاون؛ فضلًا عن المنظومة القيمية المستمدة من الرؤية الإسلامية للعالم، والتي توفر القواعد الحاكمة للعلاقة مع الآخر. ويكشف هذا التصنيف أن بناء المنظور لا يقوم على مفهومٍ واحد أو مجموعة أحكام متفرقة، وإنما على نسقٍ مفاهيمي مترابط يسعى إلى إنتاج رؤية كلية للعلاقات الدولية.

تذهب المؤلفة إلى أن اكتمال البناء النظري والمفاهيمي لا يمثل غاية المشروع؛ إذ تحدد ثلاث حلقات مترابطة للعمل العلمي تبدأ بالتأصيل، أي بناء الأصول والمبادئ والأسس المعرفية للمنظور، ثم التفعيل عبر إدخال هذه الأصول والمفاهيم إلى البحث العلمي والتدريس والدراسات التطبيقية، وتنتهي بالتشغيل من خلال تحويلها إلى أدواتٍ لتقويم الواقع وتوجيه الفعل والمساهمة في تحسين وتوجيه أداء صناع القرار والمؤسسات وقوى المجتمع.

ترى د. نادية أن بناء منظور مستقل لا يتحقَّق بمجرد اختلاف المرجعية، وإنما بإعادة تعريف المفاهيم التي يقوم عليها حقل العلاقات الدولية ذاته. ومن هذا المنطلق، تعيد بناء ثلاثية الدعوة، والقوة، والجهاد باعتبارها الإطار الناظم للعلاقات الدولية في الإسلام؛ فالدعوة تمثل الغاية والمرجعية الحاكمة للعلاقة مع الآخر، والقوة ليست أداةً للهيمنة أو غايةً في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الحق وتحقيق العدل، بينما يُفهم الجهاد باعتباره بذلًا للجهد من أجل تصحيح العلاقات غير العادلة، ويتَّخذ صورًا متعدِّدة لا تنحصر في القتال، بل تمتدُّ إلى الوسائل السلمية والمدنية والفكرية، ليغدو أداةً لتحقيق مقاصد الدعوة لا بديلًا عنها.

بالمثل، يُعيد المنظور تعريف وحدة التحليل الأساسية؛ فبدلًا من الاقتصار على الدولة القومية، يطرح مفهوم الأمة بوصفها فاعلًا حضاريًّا وثقافيًّا يتجاوز الحدود السياسية، دون أن ينكر دورَ الدولة أو غيرها من الفاعلين. ومن ثم، يُتيح هذا المستوى قراءة التفاعلات الدولية من خلال الروابط الحضارية والقيمية والاجتماعية، لا عبر موازين القوة المادية وحدها، كما يفسِّر استمرار الأمة رغم تغيُّر أشكالها التنظيمية ومؤسساتها السياسية.

لا تكتفي المؤلِّفة بعرض هذا البناء، بل تناقش أبرز الانتقادات الموجهة إليه؛ إذ يُتهم المنظور الإسلامي بأنه يمثل “مركزية مقابلة” للمركزية الغربية، أو أنه يفتقر إلى الموضوعية لانطلاقه من مرجعية دينية، أو أنه يظل أسيرًا للمثالية ويعجز عن تفسير الواقع الدولي المعاصر. غير أنها ترى أن هذه الانتقادات تنطلق غالبًا من تصور وضعي للعلم يحتكر تعريف الموضوعية والعلمية، بينما يقوم المنظور الحضاري على تجاوز الثنائية بين القيم والواقع؛ فلا يكتفي بوصف العالم كما هو، ولا يهرب إلى نموذج مثالي منفصل عنه، وإنما يسعى إلى تفسير الواقع وتقويمه وتغييره في ضوء منظومة قيمية واضحة.

في هذا الإطار، تؤكد المؤلفة أن المنظور الحضاري الإسلامي لا يُطرح بوصفه مشروعًا دفاعيًّا أو ردَّ فعل على الهيمنة الغربية، وإنما باعتباره محاولة للإسهام في إصلاح حقل العلاقات الدولية ذاته؛ عبر تفكيك ادعاءات العالمية التي تحتكرها المركزية الغربية، وإعادة بناء المفاهيم والأدوات بما يسْمح بفهم أكثر اتساعًا لقضايا العدالة، والهيمنة، والهوية، والأمن، والتعاون، وبما يجعل الإسهام الإسلامي موجهًا إلى معالجة أزمات الإنسانية المعاصرة، لا إلى التعبير عن خصوصية المسلمين وحدهم.

في المحصلة، لا يقدِّم كتاب “مسار علم العلاقات الدولية: بين جدالات المنظورات الكبرى واختلاف النماذج المعرفية” قراءةً تاريخية لمسار أحد الحقول الأكاديمية فحسب، وإنما يطرح مشروعًا معرفيًّا متكاملًا يبدأ بتفكيك ادِّعاء العالمية والحياد الذي تأسَّس عليه علم العلاقات الدولية في صورته الغربية، ويمر بكشف حدود المنظورات الكبرى وأزمة العلم المنقسم، قبل أن ينتهي إلى محاولة بناء منظور حضاري إسلامي مقارن قادر على الإسهام في تفسير الواقع الدولي وتغييره.

ولعل القيمة الأساسية لهذا المشروع لا تكمن في رفض المنجز الغربي، وإنما في الدعوة إلى التحرر من موقع “المستهلك” للمعرفة إلى موقع “المنتج” لها؛ أي الانتقال من استيراد الأسئلة والمفاهيم والأدوات إلى امتلاك القدرة على نقدها، وإعادة بنائها، وصياغة أسئلة تنبع من خبرة الأمة وتاريخها وتحدياتها الحضارية. ومن ثم، فإن معركة التحرر لا تبدأ من ميدان السياسة أو الاقتصاد وحدهما، وإنما تبدأ أيضًا من استرداد الاستقلال المعرفي، وكسر احتكار تعريف المفاهيم والظواهر، وإعادة الاعتبار للتعدد الحضاري في إنتاج المعرفة الإنسانية.

تتجاوز دلالات هذا الطرح حدود النقاش الأكاديمي، لتُلامس واقع الأمة في لحظتها الراهنة. فقد كشفت أحداث السنوات الأخيرة، بدءًا من الثورات العربية، مرورًا بطوفان الأقصى، وصولًا إلى العدوان على إيران وما صاحبه من جدلٍ حول شرعية استخدام القوة، وحق الدفاع عن النفس، والمقاومة، والإرهاب، والقانون الدولي، أن الصراع لم يعد يدور على الأرض وحدها، بل أصبح صراعًا على المفاهيم ذاتها؛ فمن يملك سلطة تعريف العدوان، وتحديد الضحية، وتصنيف المقاومة، هو ذاته الذي يمتلك قدرًا كبيرًا من القدرة على توجيه الرأي العام العالمي وصناعة الشرعية الدولية.

من هنا، تتأكَّد الحاجة إلى منظورٍ حضاري مستقل أكثر من أي وقتٍ مضى؛ ليس بهدف إنتاج خطاب تعبوي أو تبريري، وإنما بهدف امتلاك أدوات تحليل أكثر قدرةً على فهم تعقيدات الواقع، وكشف التحيزات الكامنة في الخطابات المهيمنة، وتقديم قراءة تتجاوز ثنائيات القوة المجردة أو المصالح المنفصلة عن القيم. كما تؤكد اللحظة الراهنة أن امتلاك القوة المادية وحده لا يكفي، كما أن الاكتفاء بالخطاب القيمي المجرد لا يغير الواقع؛ وإنما يتطلب الأمر الجمع بين الوعي بموازين القوى، والالتزام بالمرجعية القيمية، وبناء المعرفة القادرة على توجيه الفعل الحضاري.

وفي هذا المعنى، لا يقتصر الكتاب على تقديم منظور في العلاقات الدولية، بل يدعو إلى إعادة النظر في وظيفة العلم ذاته؛ فالعلم ليس مجرد أداة لتفسير العالم، وإنما وسيلة للإسهام في إصلاحه. ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي يقدِّمه للأمة اليوم: أن التحرر الحضاري يبدأ بتحرير الوعي، وأن بناء القوة يبدأ ببناء المعرفة، وأن استعادة الفاعلية في النظام الدولي تظل رهينة قدرة الأمة على إنتاج رؤيتها للعالم، لا الاكتفاء برؤية العالم كما يصوغها الآخرون.

فإذا كانت معارك هذا العصر تُخاض بالصواريخ والطائرات و”القباب الحديدية”، فإنها تُحسم كذلك بالمفاهيم والنظريات والخرائط الذهنية؛ إذ لا يقل امتلاك حق تعريف العالم أهميةً عن امتلاك القدرة المادية على تغييره.


* نادية  محمود مصطفى، مسار علم العلاقات الدولية: بين جدالات المنظورات الكبرى واختلاف النماذج المعرفية، تقديم: مدحت ماهر الليثي وأميرة أبو سمرة، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، ٢٠٢٥).

باحثة في العلوم السياسية.*

[1] Sam Meredith, Trump hits back at critics as Iran peace deal fuels debate over U.S. concessions, CNBC, 18 June 2026, https://www.cnbc.com/2026/06/18/trump-iran-deal-mou-nuclear-hormuz.html.

[2] انظر: نادية محمود مصطفى (إشراف)، مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ١٩٩٦)، ١٢ جزءًا. وقد تمت إعادة طبع أعمال هذا المشروع في ثمانية مجلدات، بالتعاون بين دار السلام للطبع والنشر والتوزيع ومركز الحضارة للدراسات والبحوث، عام ٢٠٢٢.

ياسمين فتحي محمد

طالبة بالفرقة الرابعة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى