حوكمة الهوية الدينية: سياسات الدولة الصينية والاستيعاب الثقافي للإسلام الإيجوري في شينجيانج

تُعَدُّ شينجيانج أكبر أقاليم الصين، كما تضمُّ أكبر احتياطيات البلاد من المعادن والنفط، وتشغل ما يقارب سُدس المساحة الإجمالية للدولة. ولهذا السبب، أولت الحكومة المركزية الصينية اهتمامًا خاصًّا بتنمية الإقليم وإدارته على مدار عقود. وفي عام 1955، أطلق ماو تسي تونج على المنطقة اسم «منطقة شينجيانج الإيجورية ذاتية الحكم» في محاولة لاستيعاب السكان المسلمين من أصول تركية. ومع ذلك، لم تكن حكومة الإقليم يومًا حكومة إيجورية بالكامل أو تتمتع باستقلال ذاتي كامل بالمعنى الفعلي[2].

وعلى مدى عقود، شهدت العلاقة بين المجتمع المسلم التركي في شينجيانج والحكومتين الإقليمية والمركزية صراعًا مستمرًّا من أجل الحصول على قدر أكبر من الحكم الذاتي. وفي أعقاب سلسلة من التوترات والصدامات بين الإيجور والهانيين* خلال تسعينيات القرن العشرين، اتَّخذت الحكومة الصينية إجراءات تهدف إلى فرض رقابة أكثر صرامة على السكان الإيجور. وقد شملت هذه الإجراءات حملات لمكافحة النزعات الانفصالية وما وصفته السلطات بـ«الأنشطة الدينية غير القانونية»، وذلك ردًّا على موجات الاحتجاجات والاضطرابات التي شهدها الإقليم. وفي مطلع الألفية الجديدة، تدهورت أوضاع الإيجور بشكل ملحوظ، حيث استغلت بكين تداعيات هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتؤكد أنها تواجه بدورها تهديدًا داخليًّا يتمثَّل في انتشار ما تصفه بالإسلام المتطرِّف.

وبعد أن نجحت الحكومة الصينية في إقناع الولايات المتحدة بتصنيف إحدى الجماعات المنشقَّة الصغيرة المرتبطة بالحركة القومية الإيجورية منظمةً إرهابيةً داخل الصين، أصبحت تمتلك هامشًا واسعًا لتصنيف حتى الحركات الإيجورية المحدودة المطالبة بالاستقلال باعتبارها حركات إرهابية. وقد أُدرجت هذه الإجراءات ضمن استراتيجية الحزب الشيوعي الصيني الرامية إلى مكافحة الإرهاب العابر للحدود والتطرف الديني والانفصالية بجميع الوسائل المتاحة. وفي أعقاب أحداث أورومتشي التي وقعت بين 5 و7 يوليو 2009، تصاعدت المشاعر المعادية للإيجور؛ إذ اندلعت أعمال عنف دامية بين الإيجور والهانيين في شوارع المدينة، ما حوَّل احتجاجات بدأت بصورة سلمية إلى ما وُصف بأنه “واحد من أسوأ أحداث العنف الإثني التي شهدتها الصين منذ عقود”[3].

وقد شكَّلت هذه التطورات نقطة تحوُّل مهمَّة في العلاقة بين الدولة الصينية والسكان الإيجور، ومهَّدت الطريق نحو تبنِّي نهج أكثر تدخلًا في إدارة شؤون شينجيانج. ومنذ أغسطس 2016، وتحت قيادة تشن تشوانجو، وصلت السياسات الحكومية الموجَّهة ضدَّ الإيجور إلى مستويات غير مسبوقة خلال عام 2017. ففي السنوات التي أعقبت إطلاق الحملة التي قادها تشن، تعرَّض العديد من الأفراد للاحتجاز القسري في معسكرات إعادة التأهيل السياسي وما يُعرف بـ”مراكز التدريب المهني”، وهو توصيف يُستخدم على نطاق واسع للإشارة إلى معسكرات العمل القسري. ونتيجة لهذه التحولات، أصبحت السلطات الرسمية تمارس رقابة مباشرة على معظم جوانب الحياة الخاصة للإيجور في شينجيانج[4].

وفي هذا السياق، أصبحت شينجيانج محورًا لنقاشات أكاديمية وسياساتية واسعة النطاق. وقد ركَّزت معظم الدراسات الحالية على قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان، مع اهتمام خاص بالأبعاد السياسية والقانونية للإجراءات التي تتَّخذها الدولة الصينية في الإقليم. وعلى الرغم من أن هذه الدراسات أسْهمت في توضيح العديد من الجوانب المهمَّة المتعلِّقة بإدارة شينجيانج، فإنها غالبًا ما تُغفل الأبعاد الثقافية لهذه السياسات، والطريقة التي توظف بها الدولة آليات الحوكمة الثقافية لإعادة تشكيل هويات الأقليات وممارساتها داخل الإقليم. وعلى وجه الخصوص، لا تزال الدراسات محدودة فيما يتعلق بكيفية توظيف الخطاب الرسمي الصيني في بناء هوية المسلمين الإيجور وإعادة تعريف الممارسات الإسلامية المرتبطة بهذه الهوية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأنها تثير تساؤلات حول الكيفية التي تستخدم بها الدولة الخطاب وصنع السياسات لإعادة تأطير الهوية الدينية. ومن هنا، يسعى هذا البحث لاستكشاف هذه الإشكالية بصورة معمقة.

وتسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن السؤال البحثي التالي: كيف تسهم سياسات الدولة الصينية في شينجيانج في بناء هوية المسلمين الإيجور وتعزيز الاستيعاب الثقافي للممارسات الإسلامية ضمن الثقافة الوطنية الصينية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، تتجاوز الدراسة التركيز الأمني الذي يهيمن على جانب كبير من الأدبيات القائمة، وتتجه بدلًا من ذلك إلى تحليل الأبعاد الثقافية للحوكمة في شينجيانج.

وانطلاقًا من الخلفية التاريخية لشينجيانج والتحولات التي طرأت على طبيعة تفاعل الدولة الصينية مع ثقافة الإيجور ودينهم، ينتقل هذا البحث إلى دراسة الأساليب والسياسات التي تعتمدها الدولة في الوقت الراهن لإعادة تشكيل الهوية والممارسة الدينية. وبينما يكشف المسار التاريخي عن تنوع الوسائل التي استخدمتها الدولة الصينية في تعاملها مع الدين والانتماء الإثني عبر فترات زمنية مختلفة، وعليه فهذه الدراسة تسعى إلى توضيح الكيفية التي تتشكل من خلالها هوية المسلمين الإيجور في السياق المعاصر.

وهكذا، سيُركز التحليل على السياسات والآليات المؤسسية التي توظفها الدولة بهدف استيعاب الممارسات الدينية والثقافية أو إعادة تشكيلها. وتشمل هذه التدابير مبادرات مؤسسية تستهدف التحول الأيديولوجي والثقافي للأفراد، وتقنيات المراقبة والرصد، إضافة إلى القيود المفروضة على بعض أشكال التعبير الديني. كما ستُولي الدراسة اهتمامًا خاصًّا للطريقة التي تُسْهِمُ بها هذه السياسات في بناء هُوية المسلمين الإيجور وإعادة تشكيل ممارساتهم الدينية. كذلك ستتناول الكيفية التي أُعيد من خلالها تعريف الممارسات الإسلامية ثقافيًّا ضمن إطار القومية الصينية والخطاب الوطني الرسمي.

ترتبط سياسة الحكومة الصينية تجاه الأقليات العرقية ارتباطًا وثيقًا بمشروعها لبناء الأمة، والذي يهدف إلى ترسيخ هوية وطنية مشتركة تضمُّ مختلف القوميات الصينية. ويمكن تحقيق هذه الهوية من خلال تعزيز استخدام لغة موحدة، وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وتشجيع الأفراد على تبني شعور مشترك بالانتماء إلى الدولة. ومع ذلك، وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها السلطات في هذا الاتجاه، لا تزال العديد من الأقليات العرقية تحتفظ بثقافاتها ولغاتها وأديانها الخاصة.

وفي هذا السياق، يحتل الإيجور في شينجيانج موقعًا بالغ الأهمية ضمن السردية الرسمية للدولة الصينية. فالموقع الجغرافي المميز للإقليم، إلى جانب الخصوصية الإثنية والثقافية والدينية للشعب الإيجوري، جعلا من شينجيانج منطقة محورية في النقاشات المتعلقة بالوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي وسلامة الأراضي الصينية. وقد أكدت السلطات الصينية بصورة متواصلة أهمية تعزيز الوحدة الوطنية داخل شينجيانج، لا سيما بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي المتاخم لمنطقة آسيا الوسطى.

ولتحقيق هذه الأهداف، تبنَّت الدولة الصينية مزيجًا من أدوات القوة الصلبة والقوة الناعمة. ففي حين تعتمد القوة الناعمة أساسًا على الإقناع والتحفيز ونشر منظومة معينة من القيم والأفكار، ترتبط القوة الصلبة بالتنظيم القانوني والحظر وأشكال الإكراه المختلفة المستخدمة لتحقيق أهداف سياسية محددة. وبصورة عامة، يمكن النظر إلى هاتين الأداتين بوصفهما أداتين متكاملتين؛ إذ تمثلان الوسائل التي تسعى الدولة من خلالها إلى تعزيز التماسك الاجتماعي وبناء نمط معيَّن من الهوية الجماعية. ومن ثم، فإن فهم التفاعل بين هذين النوعين من الأدوات يُعَدُّ أمرًا ضروريًّا عند تحليل الهُويات الثقافية والدينية باعتبارها مكوِّنات للهوية الوطنية الصينية.

وفي هذا الإطار، يُعَدُّ تحليلُ آثار تطبيق استراتيجيات القوة الصلبة والقوة الناعمة معًا أمرًا أساسيًّا لفهم الكيفية التي تتعامل بها الدولة الصينية مع المجتمع الإيجوري في شينجيانج. فمن خلال سعيها إلى تحقيق الوحدة بين المجتمعات المختلفة وإعادة تشكيل هُوياتها الثقافية، توظِّف الدولة مزيجًا من الآليَّات القسْرية، والتنظيمية، والثقافية، والإدماجية. وعليه، سيركز هذا القسم على تحليل أبرز السياسات التي تنتهجها الدولة الصينية في شينجيانج، مع إيلاء اهتمام خاص للطريقة التي تُعاد من خلالها صياغة الممارسات الثقافية ودمجها ضمن الهوية الوطنية الصينية[5].

وقبل تناول السياسات الصينية تجاه الأويجور في شينجيانج، تجدر الإشارة إلى أن التقليد الكونفوشيوسي نظر تاريخيًّا إلى الأقليات العرقية في الصين بوصفها “برابرة” وإن بدرجات متفاوتة[6]، في حين اعتُبر الهان الصينيون متفوقين على الأقليات العرقية من الناحية الحضارية والعرقية. وقد حافظت الإدارة الصينية الحديثة على بعض ملامح هذا الإرث الكونفوشيوسي من خلال تكريس موقع الأغلبية الهانية بوصفها الجماعة المهيمنة مقارنةً بمجموعات الأقليات الأخرى[7].

وتتجلَّى هذه التصورات الهرمية المتعلقة بالهوية العرقية في السياسات المعاصرة التي تنتهجها الدولة تجاه المجتمع الإيجوري. فقد طُبِّقَتْ مجموعة من السياسات في شينجيانج بهدف دمج السكان وإعادة تعريف هوياتهم الإثنية والدينية. ويناقش هذا القسم هذه السياسات ودورها في إعادة تشكيل الممارسات الثقافية والدينية ضمن الإطار الأوسع للهوية الوطنية الصينية.

ظهرت في عام 2019 مجموعة من التقارير الجديدة التي وفَّرت معلومات جديدة حول حجم معسكرات إعادة التأهيل وتأثيرها في الحياة اليومية للإيجور. وتشير التقديرات إلى أن نحو 1.5 مليون شخص، أي ما يقارب واحدًا من كل ستة مسلمين إيجور في شينجيانج، كانوا محتجزين خلال عام 2019. كما ظهرت أدلة تفيد بأن الحكومة الصينية وسَّعت نطاق برامج “إعادة التأهيل” لتشمل الأطفال أيضًا. ووفقًا للتقارير، تهدف هذه المراكز التعليمية إلى استبدال الانتماء الديني والهوية الإثنية بولاء سياسي علماني ووطني. كما تمتلك السلطات صلاحية تحديد مستوى التعليم الذي يحتاجه كل فرد[8].

وقد حُرِمَ المحتجزون في هذه المرافق من العديد من ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، بينما أفادت بعض التقارير بتعرض بعضهم للتعذيب. كما لا تتوافر سوى خدمات طبية محدودة داخل هذه المراكز. وقد أنشأت الصين هذه المعسكرات في مختلف أنحاء شينجيانج بهدف إعادة تأهيل الأشخاص الذين يُنظر إليهم بوصفهم متأثرين بأفكار متطرفة وتحويلهم إلى عمال منتجين ومندمجين في المجتمع الصيني، وذلك في إطار مواجهة ما تعتبره الدولة تهديدًا إرهابيًا مستمرًا من جانب بعض العناصر الإيجورية. ومع ذلك، تشير تقارير أخرى إلى أن المحتجزين شملوا أطفالًا وكبار سِنٍّ وأمَّهات مرضعات وأشخاصًا من ذوي الإعاقة أو ممَّن يُعانون من حالات صحية خطيرة[9].

ووفقًا لما ورد فيما لا يقل عن خمسة مواقع إلكترونية تابعة لحكومة شينجيانج ومؤسَّساتها التعليمية، فإن “مراكز التعليم والتدريب على المهارات المهنية تنظف عقول الأشخاص الذين تأثروا بالأيديولوجيات الدينية المتطرفة”. وفي هذه المعسكرات، يتلقَّى الطلاب تعليمًا باللغة الصينية إلى جانب دروس حول ما يُوصف بمخاطر التطرف الديني. كما يُطلب منهم حفظ نصوص قانونية وأغانٍ وطنية وتقديم انتقادات ذاتية، وكل هذا يُستخدم لتقييم مدى جاهزيتهم للإفراج عنهم. كما يُبلَّغ المحتجزون بأنهم لن يُعتبروا قد أكملوا تعليمهم بشكل كافٍ حتى يتقنوا أكثر من ألف رمز من رموز اللغة الصينية أو يُنظر إليهم باعتبارهم مواطنين مخلصين للدولة الصينية[10].

وقد دأب الخطاب الرسمي الصيني على تصوير السياسات المطبقة في شينجيانج باعتبارها إجراءات قانونية تهدف إلى ضمان الأمن والاستقرار ومواجهة التهديدات الأمنية، وليس باعتبارها تدخُّلات تستهدف جماعة عرقية أو دينية بعينها. فعلى سبيل المثال، أشار رئيس حكومة منطقة شينجيانج شوهرت زاكير، عند حديثه عن برامج مكافحة الإرهاب وإزالة التطرف المطبقة في الإقليم، إلى أن المنطقة تلتزم التزامًا صارمًا بالقوانين واللوائح، مؤكدًا أن هذه البرامج لا تستهدف أي عرق أو دين معين، وإنما تستهدف (القوى الشريرة الثلاث: الانفصالية والتطرف والإرهاب)[11].

وبالمثل، شَدَّدَ إليجان أنايات، المتحدث باسم مكتب الإعلام التابع لحكومة منطقة شينجيانج الأويجورية ذاتية الحكم، خلال مؤتمر صحفي، على الطبيعة القانونية للممارسات المرتبطة بالعمل القسري ومعسكرات إعادة التأهيل. وردًّا على سؤال من أحد مراسلي شبكة CNN، زعم أن مراكز التعليم والتدريب المهني المنشأة في شينجيانج تشبه في جوهرها برامج “الإصلاح المجتمعي” في الولايات المتحدة ومراكز إزالة التطرف في فرنسا. كما وصف هذه المراكز بأنها إجراءات بنَّاءة تهدف إلى إزالة التطرف ومكافحة الإرهاب بصورة وقائية[12].

وتُظهر حالة معسكرات إعادة التأهيل كيف تُستخدم السياسات الحكومية بوصفها أدوات لإعادة تشكيل هوية المسلمين الإيجور من خلال عمليات التحول الأيديولوجي والثقافي. فمن خلال استبدال الهويات الدينية والإثنية بالولاء الوطني للدولة الصينية، تسعى هذه السياسات إلى إعادة تأسيس الهوية على أسس تتوافق مع التصور الرسمي للدولة. كما أن التركيز على إتقان اللغة الصينية المندرينية وترسيخ القيم الوطنية يعكس السعي لإعادة صياغة الهوية من منظور تحدِّده الدولة نفسها وتعمل على تعميمه داخل المجتمع الإيجوري.

تمثِّل الحملة الأخيرة التي تنفِّذها الحكومة الصينية في إقليم الإيجور محاولة لإزالة الهوية الإثنو-ثقافية الإيجورية ودمج السكان ضمن هوية صينية متجانسة. وقد استهدفت هذه الحملة العقيدة الإسلامية باعتبارها أحد المرتكزات الأساسية للهوية الإيجورية، ممَّا أدَّى إلى نقل أعداد كبيرة من الإيجور إلى شبكة مراكز الاحتجاز وإعادة التأهيل. كما شمل هذا التوجُّه إزالة المظاهر المادية التي تعكس الطابع الإسلامي للإقليم من المجال العام، الأمر الذي أسْفر عن التدمير الكلي أو الجزئي لعدد غير مسبوق من المساجد، بما في ذلك العديد من المباني ذات الأهمية التاريخية. وتجدر الإشارة إلى أن تدمير المساجد في موطن الإيجور ليس ظاهرة جديدة؛ فقد استُهدفت أعداد كبيرة منها خلال الثورة الثقافية ضمن حملات القضاء على «الأربعة القديمة*»، كما أدَّت مشاريع إعادة التطوير العمراني، مثل المشروع الذي نُفِّذَ في كاشغر عام 2009، إلى إزالة عدد من المساجد والأحياء المحيطة بها[13].

وفي عام 2016 تزامنت حملة الاحتجاز واسعة النطاق التي استهدفت الإيجور وغيرهم من الشعوب التركية مع تصاعد عمليات هدم المساجد. ووفقًا لتقرير صادر عن إذاعة آسيا الحرة (RFA)، قامت الحكومة الصينية بتدمير آلاف المساجد –وصل عددها إلى نحو خمسة آلاف مسجد خلال ثلاثة أشهر فقط– في إطار ما عُرف باسم «برنامج تصحيح المساجد»، الذي نُفِّذَ بذريعة معالجة مشكلات البناء غير الآمن. كما هدفت هذه الحملة إلى تقليص عدد المساجد في المدن والقرى بصورة كبيرة، بحيث تصبح المساجد المتبقية أكثر سهولة من حيث المراقبة والإدارة من قبل السلطات[14].

ولم يقتصر الاستهداف على المباني الدينية فحسب، بل امتدَّ أيضًا إلى الأئمة والقادة الدينيِّين المشرفين عليها. فبدلًا من «إعادة تأهيل» القيادات الدينية كما تروج لذلك الرواية الرسمية، يبدو أن الهدف كان إقصاؤهم بصورة دائمة عن الحياة العامة. فوفقًا لجين بونين، مؤسس قاعدة بيانات ضحايا شينجيانج، يتعرَّض الأئمة لعقوبات سجن طويلة بصورة غير متناسبة مقارنة بغيرهم. ويستند بونين إلى شهادات ووثائق واردة في قاعدة البيانات تشير إلى شدَّة الأحكام المفروضة عليهم، من بينها شهادة السجين السابق إربول إرغالي، الذي ذكر أن الأئمة المحتجزين معه كانوا مقيدين بالسلاسل وحُكم على بعضهم بالسجن لمدة عشرين عامًا[15].

واستنادًا إلى ما سبق، لا يمكن فهم هدم المساجد واستهداف الشخصيات الدينية في إطار السيطرة على أماكن العبادة فقط. فهذه الإجراءات تؤدِّي إلى إضعاف المؤسسات التي تمثِّل الوسيط الأساسي لنقل المعرفة الدينية والذاكرة الجماعية والممارسات الثقافية من جيل إلى آخر. ومن خلال تقليل قيمة الرموز الإسلامية وتقويض مكانة القيادات الدينية، تُسهم الدولة في إضعاف العناصر الجوهرية التي تشكل الإحساس بالهوية الإسلامية الإيجورية. وبهذا الشكل، تُسَهِّلُ هذه السياسات عمليات الاستيعاب الثقافي عبر تقليص حضور الممارسات الإسلامية في المجال العام.

بصفتها قوةً صاعدةً، وظفت الصين التكنولوجيا لتعزيز قيادة الحزب الشيوعي الصيني وترسيخ نمط من السلطوية القادرة على التكيُّف والاستمرار. وفي حين ساهمت مؤسسات المجتمع المدني وآليات الرقابة التشريعية في الحدِّ من التوسُّع غير المقيَّد لمجمَّعات المراقبة الأمنية في العديد من السياقات الغربية، لم تواجه الدولة الصينية قيودًا مماثلة. وقد مَكَّنَ ذلك الحكومة المركزية من تطوير أدوات متقدِّمة لمراقبة وضبط وتنظيم أشكال التعبير الديني والثقافي، فضلًا عن رسم الحدود التي تحدِّد الخطاب المقبول داخل المجتمع[16].

ويُعَدُّ التوسُّع الكبير في قدرات الدولة على الرصد والسيطرة أحد أبرز ملامح السياسات المطبَّقة في شينجيانج. وقد وُصفت الاستثمارات الصينية في الإقليم بأنها تمثل «دولة بوليسية في القرن الحادي والعشرين تجمع بين التكنولوجيا الكابوسية والمراقبة البشرية». ويظهر ذلك من خلال استخدام بعض أكثر أنظمة المراقبة تطورًا في العالم، بما يشمل جمع عيِّنات الحمض النووي، ومسح قزحية العين، وتسجيل عينات الصوت، وإجراء عمليات تفتيش دورية للمنازل، فضلًا عن الانتشار الكثيف لكاميرات المراقبة المرتبطة بقواعد بيانات الشرطة. كما تُستخدم الأجهزة الرقمية وبطاقات الهوية الإلكترونية لتتبُّع حركة الأفراد وتنقُّلاتهم. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى توسُّع أنشطة المراقبة بوصفه استثمارًا في متابعة وإدارة السكان الإيجور الذين تسعى الدولة إلى (تصيينهم)، لا سيما أن معظم جوانب حياتهم أصبحت خاضعة لإشراف الدولة المباشر. فالمراقبة لا تستهدف فقط ضبط السلوك الأمني، بل تسعى أيضًا إلى توجيه الأنماط الثقافية والدينية بما يتوافق مع الرؤية الرسمية للدولة[17].

وعقب أحداث الشغب التي شهدتها مدينة أورومتشي عام 2009، قامت السلطات بقطع خدمات الإنترنت في الإقليم. إلا أنها اتجهت لاحقًا إلى استخدام وسائل أكثر خفاءً وتنظيمًا للتحكم في السلوك الرقمي. فعلى سبيل المثال، أصبح تثبيت تطبيق المراقبة المعروف باسم «Cleannet Bodyguard» إلزاميًّا على الهواتف الذكية لجميع سكان شينجيانج. وتجري الشرطة المحلية عمليات تفتيش مفاجئة للتأكُّد من تثبيت التطبيق، وفي بعض الحالات تقدِّم للسكَّان هواتف مجانية مزوَّدة مسبقًا ببرمجيات المراقبة. وقد صُمم التطبيق لاكتشاف (مقاطع الفيديو والصور والكتب الإلكترونية والوثائق الرقمية ذات الطابع الإرهابي أو الديني غير القانوني) وإبلاغ السلطات بها من أجل حذفها[18].

وبذلك تؤدِّي تقنيات المراقبة في شينجيانج دورًا مزدوجًا، إذ لا تقتصر وظيفتها على حفظ الأمن، بل تمتدُّ أيضًا إلى تنظيم المجالين الثقافي والديني. فمن خلال الرقابة المستمرَّة على الأنشطة اليومية ووسائل التواصل والممارسات الدينية، تتمكن الدولة من تحديد أنماط السلوك المقبولة واستبعاد الأشكال التي تراها متعارضة مع أهدافها السياسية. ومن هذا المنطلق، تُسهم المراقبة في إعادة تشكيل الهوية الإيجورية عبر ضمان التزام الأفراد بالمعايير السلوكية التي تحددها الدولة.

يُشير مفهوم “تصيين الإسلام” إلى تصور هرمي للنظام الأخلاقي والاجتماعي تُمنح فيه منظومة القيم الهانية مكانة متفوقة ومثالية تسعى الأقليات العرقية الأخرى إلى الاقتراب منها من أجل الحصول على الاعتراف والقبول. ووفقًا لهذا التصور، يُفترض أن تندمج الجماعات غير الهانية تدريجيًّا في منظومة القيم السائدة داخل الدولة الصينية الحديثة[19].

وقد أثار تنامي تأثير الإسلام في المجتمع والسياسة داخل الصين مخاوف لدى أعضاء الحزب الشيوعي الصيني بشأن نقاء مفهوم الصينية والولاء للدولة الحزبية، حيث اعتُبر هذا التأثير تهديدًا محتملًا لاستمرارية النظام السياسي القائم. ومن هنا برزت سياسة (التصيين) باعتبارها حلًّا مدعومًا قانونيًّا ومؤسَّسِيًّا. ونظرًا إلى أن الإيجور يمثلون جماعة ذات جذور تاريخية محلية عميقة في شينجيانج، فقد أولى الرئيس الصيني شي جين بينغ اهتمامًا خاصًّا بتطبيق مشروع التصيين عليهم. كما أن الهوية التاريخية والثقافية الغنية للإيجور، التي تعود إلى ما قبل ضم شينجيانج خلال عهد أسرة تشينج، تجعل من فهم أشكال المقاومة الثقافية والسياسية مسألة ضرورية لتحليل هذه السياسات.

وفي أعقاب أحداث مدينة أورومتشي وعدد من الحوادث العنيفة الأخرى، اعتمدت قيادة شي جين بينج نهجًا أكثر صرامة، واستخدمت المؤسسات الدينية الرسمية كأدوات رئيسية لإعادة توجيه الممارسات الدينية. وأصبحت المعاهد الإسلامية تؤدِّي دورًا في تمكين السلطات من الإشراف المباشر على التعليم الديني، بما يشمل تحديد المناهج الدراسية وتصميم برامج تدريب الأئمة، فضلًا عن توجيه البنية المؤسسية الإسلامية نحو التكيُّف مع متطلبات المجتمع الاشتراكي[20].

كما سارعت الصين إلى تصنيف شينجيانج بوصفها منطقة تواجه تهديدات إرهابية في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ومنذ عام 2001، أصبحت معسكرات إعادة التأهيل إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمتها الدولة لاحتجاز الأفراد استنادًا إلى خلفياتهم الدينية أو الإثنية. وفي هذا السياق، تكشف مفاهيم مثل “المشاركة في أنشطة دينية غير قانونية” عن الدور الذي تضطلع به الدولة في تحديد الحدود المقبولة للممارسة الدينية، وفي تعريف مفاهيم الإثنية والتطرف وفقًا لرؤيتها الخاصة.

وبحسب هذا التصوُّر، فإن إعادة هندسة المجتمع الإيجوري بهدف إزالة مظاهر التأثير الإسلامي من المجال العام تُعد جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل المجتمع. ويعكس هذا المشروع توجهًا حداثيًّا وعلمانيًا يسعى إلى إعادة تنظيم الفضاء العام في شينجيانج بما يتوافق مع رؤية الدولة للتنمية والوحدة الوطنية[21].

ومن بين السياسات المختلفة التي جرى تناولها، يمكن اعتبار سياسة تصيين الإسلام المثال الأكثر وضوحًا على سعي الدولة إلى دمج الممارسات الإسلامية ضمن منظومة الثقافة الوطنية الصينية. فهذه السياسة لا تقوم على حظر الدين بصورة مباشرة، بل على تحديد الحدود المقبولة التي يمكن أن تُمارس ضمنها الأديان دون أن تتعارض مع أهداف الاندماج الوطني. وبهذا المعنى، تسْعى الدولة إلى تحديد الجوانب من الإسلام التي تراها متوافقة مع مصالحها الوطنية ومشروعاتها التنموية. ومن ثم، تمارس الدولة سلطة واسعة في تعريف ما يُعَدُّ سلوكًا دينيًّا مقبولًا، بل وفي تحديد الكيفية التي ينبغي أن تُفهم بها الهوية الدينية نفسها ضمن الإطار الوطني الصيني.

لا تقتصر قضية شينجيانج على الأمن أو الإدارة أو العلاقات الإثنية فحسب، بل تتعلق أساسًا بمسألة الهوية: من يملك حق تعريفها، وصياغتها، وتحديد موقعها داخل الإطار الوطني. ويُظهر تحليل السياسات المختلفة أن تدخل الدولة الصينية في المجتمع الإيجوري يتجاوز مجرد تنظيم سلوك الأفراد، إذ ينطوي على عملية أعمق من إعادة التشكيل الثقافي والديني. فمن خلال برامج إعادة التأهيل، وتنظيم الممارسات الدينية، واستخدام تقنيات المراقبة الحديثة، وسياسة تصيين الإسلام، سعت الدولة الصينية إلى إعادة صياغة هوية الإيجور بما يتوافق مع تصورها للوحدة الوطنية.

وعند النظر إلى هذه السياسات بوصفها مجموعة مترابطة، يتَّضح أنها تشكِّل مشروعًا متكاملًا لإعادة رسم الحدود التي تُمارس ضمنها الهُوية والتدين. فبدلًا من التعامل مع الهوية الإسلامية الإيجورية باعتبارها معطى ثقافيًّا ثابتًا، يجري النظر إليها بوصفها هُوية قابلة للتعديل والتكييف وفقًا لما تراه الدولة ضروريًّا لبناء هُوية وطنية أكثر تجانُسًا.

وتكْمن أهمية هذه التحوُّلات في أنها تكشف عن قدرة الدولة الحديثة على التأثير، ليس في المجال العام وحسْب، بل أيضًا في الجذور الثقافية والرمزية للمجتمع. ففي شينجيانج، لا تتمثل الإشكالية بالنسبة للسلطات في إدارة السكَّان فحسب، بل في إعادة تشكيل فهمهم للثقافة والدين وحتى للذات الجماعية. ومن منظور هذا التحليل، يتضح أن مشروع “الوحدة الوطنية” يُبنى هنا ليس عبر استيعاب الاختلافات والتعايش معها، بل عبر محاولة تحويلها إلى شيء آخر يتوافق مع السردية الرسمية للدولة.

ومن ثم، تمثِّل حالة شينجيانج مثالًا بارزًا على الكيفية التي يمكن أن تُستخدم بها سياسات الدولة بوصفها أدوات لإعادة بناء الهويات وتحويلها، بحيث تصبح الثقافة والدين والانتماء الإثني مجالات خاضعة لإعادة التعريف ضمن مشروع أوسع لبناء الأمة والدولة.


[1] باحثة سياسية متخصصة في مجال العلاقات الدولية. تتركز اهتماماتها البحثية حول التداخل بين الثقافة والعلوم السياسية، مع اهتمام خاص بالمقاربات الحضارية ودراسة التفاعلات الدولية من منظور ثقافي ومعرفي.

[2] Gregory W. Caskey and Ilia Murtazashvili, The Predatory State and Coercive Assimilation: The Case of the Uyghurs in Xinjiang, Public Choice, Vol. 191, No. 1, (2022), pp. 217–235.

* الهان هم القومية العرقية الأكبر في الصين ويمثلون الأغلبية كما أنهم يتواجدون في دول أخرى خارج الصين مثلا تايلاند.

[3] Ibid.

[4] Joanne Smith Finley, Why Scholars and Activists Increasingly Fear a Uyghur Genocide in Xinjiang, Journal of Genocide Research, Vol. 23, No. 3, (2021), pp. 348–370.

[5] Amanda Pace, The Chinese Government’s Implementation of Soft and Hard Power Policies Within Xinjiang and Tibet to Encourage Assimilation, Department of Asian Studies, (2012).

[6] Dawa Norbu, China’s Policy Towards Its Minority Nationalities in the Nineties, China Report, Vol. 27, No. 3, (1991), pp. 219–233.

[7] Mahesh Ranjan Debata, Chinese Assimilationist Policies in Xinjiang: From Mao Zedong to Xi Jinping, International Studies, Vol. 59, No. 3, (2022), pp. 199–211.

[8] Adrian Zenz, Brainwashing, Police Guards and Coercive Internment: Evidence from Chinese Government Documents about the Nature and Extent of Xinjiang’s ‘Vocational Training Internment Camps’, Journal of Political Risk, Vol. 7, No. 7, (2019), p. 1.

[9] Zainab Raza, China’s ‘Political Re-Education’ Camps of Xinjiang’s Uyghur Muslims, Asian Affairs, Vol. 50, No. 4, (2019), pp. 488–501.

[10] Ibid.

[11] Richard Can Anar, Chinese Re-Education Camps in Xinjiang: Biopower and Governmentality in Chinese Ideology, PhD Dissertation, Central European University, (2021).

[12] Ibid, p. 14.

* بدأت حملة القضاء على «الأربعة القديمة» (أو القديمات الأربع) في الصين يوم 19 أغسطس 1966 خلال فترة «أغسطس الأحمر» بمدينة بكين، وذلك في مستهل الثورة الثقافية بقيادة ماو تسي تونغ، واستهدفت تدمير الموروث الثقافي والتاريخي السابق للحقبة الشيوعية. وقد شملت المستهدفات من الحملة أربعة أشياء: الأفكار القديمة – الثقافة القديمة – العادات القديمة – التقاليد القديمة. وقد شملت الحملة أعمال تدمير وتخريب واسعة وكذلك اضطهاد واسع للأقليات العرقية. [المحرر]

[13] Rian Thum, The Spatial Cleansing of Xinjiang: ‘Mazar’ Desecration in Context, Made in China Journal, Vol. 5, No. 2, (2020), pp. 48–61, https://2u.pw/RcY81V

[14] Bahram K. Sintash, Demolishing Faith: The Destruction and Desecration of Uyghur Mosques and Shrines, Uyghur Human Rights Project, (2019), https://n9.cl/jq7j30

[15] Ibid.

[16] Stefanie Kam and Michael Clarke, Securitization, Surveillance and ‘De-Extremization’ in Xinjiang, International Affairs, Vol. 97, No. 3, (2021), pp. 625–642.

[17] Gregory W. Caskey and Ilia Murtazashvili, The Predatory State and Coercive Assimilation: The Case of the Uyghurs in Xinjiang, Public Choice, Vol. 191, No. 1, (2022), pp. 217–235.

[18] James Leibold, Surveillance in China’s Xinjiang Region: Ethnic Sorting, Coercion, and Inducement, Journal of Contemporary China, Vol. 29, No. 121, (2020), pp. 46–60.

[19] Elena Caprioni, Daily Encounters Between Hans and Uyghurs in Xinjiang: Sinicization, Integration or Segregation?, Pacific Affairs, Vol. 84, No. 2, (2011), pp. 267–287.

[20] Benoît Vermander, Sinicizing Religions, Sinicizing Religious Studies, Religions, Vol. 10, No. 2, (2019), p. 137.

[21] Veena Ramachandran, Secularism with Chinese Characteristics: Xi Jinping’s Sinicization of Islam in Xinjiang, Tamkang Journal of International Affairs, Vol. 26, No. 3, (2023).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى