القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة العربية في ظل الحرب مع إيران: الدور والآفاق

سلطت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران والتي اندلعت في 28 فبراير 2026 الضوء على مسألة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة العربية وبالتحديد في دول الخليج العربي والأردن. ذلك أن هذه الدول قد تحوَّلت إلى مسرح لعمليات حربية وعسكرية وهجمات واسعة من إيران بعد اندلاع الحرب مباشرة. فقد ادَّعت إيران أن الهجمات الأمريكية عليها تنطلق من القواعد العسكرية الأمريكية في تلك الدول، كما أنها قبل اندلاع هذه الحرب هددت مرارًا وتكرارًا بأن القواعد الأمريكية في دول الخليج ستكون هدفًا مباشرًا لها في لحظة تعرُّضها لأي اعتداء من جانب الولايات المتحدة[1].

وقد جاءت الهجمات الإسرائيلية-الأمريكية على إيران في وقت كانت فيه بعض دول الخليج تحاول احتواء التصعيد بين واشنطن وطهران؛ فقد بذلت عمان وقطر جهودًا متواصلة في محاولة لإبعاد شبح الحرب. وتصدرت عُمان مساعي الوساطة، فاستضافت مسقط الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في 26 فبراير 2026، وسعتْ لبلْورة تفاهُمات جديدة حول الملف النووي الإيراني. وقد أعلن وزير الخارجية العُماني، بدر بن حمد البوسعيدي، بعد انتهاء جولة المفاوضات التي عُقدت في جنيف في 6 فبراير 2026، أن إيران وافقت على نقل مخزونها من اليورانيوم المخصب، وعلى رقابة صارمة على منشآتها النووية، بما فيها رقابة أمريكية، مؤكِّدًا أن المفاوضات حقَّقت “تقدُّمًا مهمًّا وغير مسبوق، يمكن أن يشكِّل الركيزة الأساسية للاتفاق المنشود”[2].

غير أن الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين استخدمتَا المفاوضات أداةَ خداعٍ وتضليلٍ لاستكمال استعداداتهما لضرب إيران، لم تسْمحا لهذا التقدُّم الذي سُجِّلَ في جنيف بعرقلة خططهما للهجوم على إيران. وبالفعل وبعد ساعات قليلة من تصريحات الوزير العماني باحتمال التوصُّل إلى اتفاق، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران، مستغلَّتين معلومات استخباراتية عن اجتماع يعقده المرشد صباح السبت 28 فبراير 2026 مع مجموعة من كبار مساعديه الأمنيِّين والعسكريِّين، لتوجيه ضربة تشلُّ النظام الإيراني وتدفعه للانهيار. وسرعان ما وقع ما كانت دول الخليج تخشاه؛ إذ وجدت نفسها في قلب المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حينما بدأت هذه الأخيرة بتنفيذ تهديداتها بأن الحرب ستشمل المنطقة كلها، إذا ما هُوجمت واستهدفت قيادتها[3].

وهكذا أعاد هذا الوضعُ -الذي وجدت فيه دول الخليج نفسها- السؤالَ حول “القواعد العسكرية الأمريكية” في تلك الدول إلى الواجهة مرة أخرى، فالواضح من مجريات الأحداث أن الولايات المتحدة لم تُبَالِ بأمن هذه الدول من ناحية، كما أن تلك القواعد لم تَحْمِ الأراضي الخليجية من الهجمات الإيرانية من ناحية أخرى. في هذا الإطار يتناول هذا التقرير القواعد العسكرية الأمريكية في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وذلك من حيث الأدوار التي لعبتها هذه القواعد في الحرب وآفاق وجودها المستقبلي في المنطقة وما تثيره من إشكاليات وتساؤلات.

وفقًا لآخر تقرير لدائرة أبحاث الكونجرس الأمريكية (CRS) والصادر في 2024، فإن الولايات المتحدة تمتلك في “الشرق الأوسط” 8 قواعد دائمة / ثابتة و11 موقعًا عسكريًّا آخر تابعين لوزارة الدفاع الأمريكية، وذلك حتى مارس 2024. وحتى هذا التاريخ أيضًا تمَّ تعيين ما يقرب من 5400 جندي في الخدمة الفعلية وبشكل دائم في القواعد العسكرية في الشرق الأوسط، مع وجود أكبر عدد منهم (3479) في مواقع في البحرين. كما أنه وفقًا لرسالة بتاريخ يونيو 2024 قدَّمتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق بايدن إلى الكونجرس، فإن هناك الآلاف من الجنود الإضافيِّين في مهام تناوبية أو مهام مؤقَّتة؛ ويشمل هذا العدد ما يقرب من 3813 جنديًّا في الأردن و2321 جنديًّا في المملكة العربية السعودية. تتبع هذه القواعد من الناحية الإدارية القيادةَ المركزية الأمريكية (CENTCOM) والتي يقع مقرها الرئيس في تامبا – فلوريدا بالولايات المتحدة، ولها مقر قيادة متقدِّم في قاعدة العُديد الجوية في قطر. وقد حدَّد قائد القيادة المركزية في مارس 2024 ثلاثة محاور عمل لقيادته: ردع إيران – مواجهة المنظمات المتطرفة والعنيفة – التنافس الاستراتيجي (أي مع روسيا والصين)[4].

ووفقًا للتقرير نفسه فإن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) في إطار “الصراع المستمر بين إسرائيل وحماس”، وهجمات الحوثيين على الملاحة الدولية، والتطورات الجيوسياسية في المنطقة، نشرت مزيدًا من أفرادها ووحداتها في الشرق الأوسط خلال عامي 2023 و2024. ففي أكتوبر 2023، أعلن البنتاجون نشر مجموعة حاملة طائرات ضاربة، وبطارية دفاع جوي من طراز T1، وبطاريات باتريوت إضافية في المنطقة. كما أعلن البنتاجون في ديسمبر 2023، بدء مبادرة أمنية متعدِّدة الجنسيَّات في البحر الأحمر (عملية حارس الازدهار)، وفي يناير 2024 بدأت شنَّ غارات جوية وصاروخية على أهداف للحوثيِّين في اليمن، وعلى ميليشيات يُزعم ارتباطها بإيران في العراق. وفي المقابل تعرضت القواعد الأمريكية في العراق وسوريا والأردن لهجمات متقطِّعة بطائرات مسيرة وصواريخ منذ أكتوبر 2023[5].

يرصد تقرير دائرة أبحاث الكونجرس توزيع القواعد والقوات الأمريكية في دول المنطقة العربية على النحو التالي[6]:

  1. البحرين: تستضيف مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية وقيادة القوات البحرية الأمريكية المركزية (NAVCENT) في منشأة تُعرف باسم قاعدة الدعم البحري (NSA). وتُعد القاعدة البحرية الأمريكية في البحرين من أقدم المواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة؛ إذ يعود استخدام البحرية الأمريكية لهذه المنشأة إلى عام 1948، عندما كانت تُدار من قِبل البحرية الملكية البريطانية.

كما يُعَدُّ ميناء المياه العميقة في البحرين أحد المرافق القليلة في الخليج العربي التي تستقبل حاملات الطائرات الأمريكية وسفن الإنزال البرمائي. وتشمل سفن البحرية الأمريكية المتمركزة في البحرين 263 سفينة، من بينها أربع سفن لإزالة الألغام، وسفينة قاعدة دعم عملياتي، وسفينتان للدعم اللوجستي تابعتان لقيادة النقل البحري العسكري. وتشير التقارير إلى أن قدرات وزارة الدفاع الأمريكية في البحرين تشمل طائرات بي-8 بوسيدون (طائرة استطلاع بحرية أمريكية)، وطائرات الاستطلاع إي بي-3 إي آريس 2، وأنظمة الدفاع الصاروخي باتريوت (لاحظ أن التقرير صادر عام 2024).

  • مصر: يحتفظ الجيش الأمريكي بوجود عسكري في مصر كجزء من قوة متعدِّدة الجنسيات MFO، وهي قوة حفظ سلام دولية تهدف إلى الإشراف على تنفيذ الأحكام الأمنية لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية والحؤول دون انتهاكها.
  • العراق: يتمركز أفراد الجيش الأمريكي في عدد من المواقع داخل العراق، منها قاعدة عين الأسد الجوية وقاعدة أربيل الجوية. ويشير التقرير إلى أن القدرات العسكرية الأمريكية في العراق تشمل طائرات الهليكوبتر من طراز AH-64E أباتشي، وطائرات الهليكوبتر من طراز MH-47G شينوك، وطائرات الهليكوبتر من طراز MH-60M بلاك هوك، وطائرات استطلاع بدون طيار. وقد تعرَّضت القوَّات الأمريكية في العراق لضربات متعدِّدة من بعض الجماعات المسلَّحة في العراق أثناء الحرب الجارية مع إيران.
  • إسرائيل: وفق هذا التقرير تشارك وزارة الدفاع الأمريكية في مناورات مشتركة مع الجيش الإسرائيلي لتعزيز قابلية التشغيل البيني، وتحتفظ الوزارة بمخزون طوارئ من الأسلحة والمعدَّات في إسرائيل. ووفقًا لمركز بيانات القوى العاملة الدفاعية (DMDC)، فقد تمَّ تعيين 115 جنديًّا أمريكيًّا في الخدمة الفعلية بشكل دائم في إسرائيل اعتبارًا من مارس 2024.
  • الأردن: تستضيف قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن مقر قيادة الجناح الجوي الاستكشافي 332 التابع للقوات الجوية الأمريكية المركزية. وقد أفادت القيادة المركزية الأمريكية بنشر نحو 350 عسكريًّا أمريكيًّا في موقع يُعرف باسم البرج 22 في يناير 2024، ويُقدر أن البرج 22 يقع بالقرب من حدود العراق وسوريا، وعلى مقربة من القاعدة الأمريكية في التنف بسوريا (انسحبت منها الولايات المتحدة في فبراير 2026). ويفيد التقرير أن هجومًا بطائرة مسيرة على البرج 22 قد أسفر عن مقتل ثلاثة عسكريِّين أمريكيِّين في يناير 2024. وبحسب تقرير قدمته إدارة الرئيس السابق بايدن إلى الكونجرس في ديسمبر 2023 بشأن صلاحيات الحرب، كان لدى وزارة الدفاع الأمريكية 3188 فردًا عسكريًّا في الأردن، ووفق الإدارة ذاتها فإن مهمَّة هذه القوَّات هي “دعم عمليات دحر تنظيم الدولة الإسلامية، وتعزيز الأمن الأردني، ودعم الاستقرار الإقليمي”.
  • الكويت: يستضيف معسكر عريفجان المقر الرئيس لقيادة الجيش الأمريكي المركزية (USARCENT)، وتشير التقارير إلى أن فرقة العمل سبارتان في الكويت تضم لواءين وأربع فرق عمل، وتوفر قدرات تشمل الطيران المروحي، والدعم اللوجستي، وحماية القوات، وإدارة المعلومات. كما يحتفظ الجيش الأمريكي بمخزون من المعدَّات في هذا المعسكر. وهو مخزون بإمكانه تجهيز لواءين قتاليَّين من الجيش الأمريكي. أمَّا قاعدة علي السالم الجوية، فبها الجناح الجوي الاستكشافي 386 التابع للقوات الجوية الأمريكية “مركز النقل الجوي الرئيسي وبوابة الاتصال مع القوات المشتركة وقوات التحالف في منطقة عمليات القيادة المركزية الأمريكية”. وتشمل قدرات القوات الجوية الأمريكية في الكويت طائرات استطلاع بدون طيار، من قبيل طائرات MQ-9. كما تمتلك وزارة الدفاع الأمريكية قدرات نقل جوي قتالي في الكويت. إضافة إلى أن أكبر منشأة لوجستية جوية أمريكية في المنطقة تقع في مطار الكويت الدولي. وقد أفادت وزارة الخارجية الأمريكية في يوليو 2021 أن ما يقرب من 13500 جندي / فرد أمريكي متمركزين في الكويت بشكل رئيس في معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم الجوية.
  • قطر: تضم قاعدة العديد الجوية مقر قيادة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، وقيادة القوات الجوية الأمريكية المركزية (AFCENT)، وقيادة العمليات الخاصة الأمريكية المركزية (SOCCENT)، بالإضافة إلى مركز العمليات الجوية المشتركة التابع للقيادة المركزية الأمريكية، والجناح الجوي الاستكشافي 379 التابع للقوات الجوية الأمريكية، وهو أحد أكبر الأجنحة الاستكشافية في العالم. ومنذ عام 2003، ساهمت قطر بأكثر من 8 مليارات دولار في تطوير قاعدة العديد الجوية لاستخدامها من قبل الجيش الأمريكي. تشمل قدرات وزارة الدفاع الأمريكية في قطر: طائرات استطلاع، وطائرات تزويد بالوقود (KC-135 ستراتوتانكر)، وطائرات نقل قتالي (C-17A جلوب ماستر، CH-130H هيركوليز)، وأنظمة دفاع صاروخي باتريوت، ورادار AN/TPY-2 من النطاق X لدعم أنظمة الدفاع الصاروخي (تعرَّض لهجوم إيراني أثناء الحرب وسيأتي ذكره في التقرير)، كما تستضيف القاعدة وجودًا دوريًّا للطائرات المقاتلة. وكذلك تدير وزارة الدفاع الأمريكية معسكر السيلية في قطر، وهو قاعدة عسكرية سابقة تم استخدامها كمركز معالجة تابع للحكومة الأمريكية للأفغان الذين يسْعون لإعادة التوطين (الأفغان المتعاونين مع الولايات المتحدة قبل انسحابها عام 2021 والذين خرجوا مع القوات الأمريكية من أفغانستان).
  • المملكة العربية السعودية: وفقًا لتقرير للبيت الأبيض في يونيو 2024، فإن حوالي 2321 عسكريًّا أمريكيًّا يتواجدون في المملكة العربية السعودية. ويتمركز معظمهم في قاعدة الأمير سلطان الجوية السعودية، التي تستضيف الجناح الجوي الاستكشافي 378، وهو وحدة تابعة للقوات الجوية الأمريكية، والتي تستقبل -وفقًا لقيادة القوات الجوية المركزية الأمريكية (AFCENT)- اعتبارًا من أكتوبر 2023 حوالي 2200 من الطيارين والجنود المنتسبين إلى قاعدة الأمير سلطان الجوية. هذا بالإضافة إلى كونها تدعم منظومة الدفاع الصاروخي باتريوت وكذلك منظومة الدفاع الصاروخي ثاد (THAAD) في المنطقة، كما تشمل قدرات القوات الجوية في قاعدة الأمير سلطان الجوية طائرات التزوُّد بالوقود، والتي استخدمتْها الطائرات الإسرائيلية في الحرب الأخيرة على إيران وفقًا لعدد من التقارير الصحفية والإعلامية[7].
  • الإمارات العربية المتحدة: تستضيف قاعدة الظفرة الجوية الجناح الجوي الاستكشافي 380 التابع للقوات الجوية، والذي يضم طائرات استطلاع مثل طائرات إم كيو-9 ريبر. وتشمل قدرات القوات الجوية في الإمارات العربية المتحدة؛ طائرات الإنذار المبكر والتحكم، وطائرات الاستطلاع والمراقبة، وطائرات التزود بالوقود. وتستضيف قاعدة الظفرة بشكل دوري وحدات من الطائرات المقاتلة؛ ففي عام 2022 نشرت القوات الجوية طائرات إف-22 رابتور في الإمارات، وفي أبريل 2023 نشرت القوات الجوية طائرات إيه-10 ثندربولت في الإمارات.

وبالإضافة إلى هذه القواعد في الدول العربية تمتلك الولايات المتحدة قواعد أخرى في الفضاء الجغرافي المحيط بالمنطقة. إذ تستخدم الولايات المتحدة قاعدة إنجرليك الجوية في مدينة أضنة جنوب تركيا، وهي قاعدة تابعة لسلاح الجو التركي، وتستخدم هذه القاعدة كموقع لتخزين رؤوس حربية نووية أمريكية. وتشير بعض التقديرات إلى وجود نحو 50 قنبلة نووية من طراز B61 مخزنة في القاعدة. وكذلك تُعد قاعدة “أندرياس باباندريو” الجوية في قبرص قاعدة استراتيجية بالنسبة للجيش الأمريكي. وفي وسط المحيط الهندي وعلى مسافة 4000 كيلو متر من إيران تقع “جزيرة القاذفات” – دييجو جارسيا، والتي أرسلت لها الولايات المتحدة في أبريل 2025 ست قاذفات من طرازB-2، وهي طائرات تتمتَّع بقدرات شبحيَّة، وتتمتَّع هذه القاذفات بقدرة على حمل أسلحة نووية، فضلاً عن قنابل “مخترقة التحصينات” العملاقة التي تزن 12 طنًا، وهي قنبلة طوَّرتها الولايات المتحدة بشكل خاص لضرب المنشآت النووية الإيرانية الواقعة تحت الأرض[8].

وفي أفريقيا -وتحديدًا منطقة القرن الأفريقي- التي تمثِّل مدخلًا هامًّا للبحر الأحمر وإمكانية الوصول إلى إسرائيل، تمتلك الولايات المتحدة قاعدتيْن عسكريَّتين دائمتيْن وسبعة مواقع عسكرية أخرى يُمكن للقوات الأمريكية الوصول إليها، تتوزع على جيبوتي وكينيا والصومال والجابون وتشاد وجزيرة أسينشين. وتتمثَّل أبرز القواعد الأمريكية في أفريقيا في قاعدة لومونييه في جيبوتي، والتيتقع بالقرب من مضيق باب المندب، وتُعَدُّ أكبرَ قاعدةٍ أمريكيةٍ في أفريقيا، وهي القاعدة الرئيسية لعمليات القيادة العسكرية الأمريكية في منطقة القرن الأفريقي، ومقر قوَّة المهامِّ المشتركة هناك، كما أنها مركز لطائرات الشحن الجوي التابعة للجيش الأمريكي. وتمثِّل القاعدة مركزًا أساسيًّا للطائرات الأمريكية التقليدية والمُسيرة، إذ تضمُّ 6 منصات أمريكية للطائرات من دون طيار، كما تضم قاعدة للطائرات التقليدية وسربًا من الطائرات المقاتلة. وتدعم القاعدة العمليات الأمريكية ونشاطات التحالف في البحر الأحمر وما وراءه، كما تدعم حوالي 4 آلاف فرد من العسكريِّين والمدنيِّين التابعين للقوَّات الأمريكية والقوات المشتركة وقوات التحالف[9].

إن التساؤل الرئيس الذي يفرضه هذا المشهد لانتشار القواعد العسكرية في العالم كله وفي المنطقة العربية تحديدًا، هو لماذا؟ وهو ما يستدعي التعرض للأدوار والوظائف التي تلعبها هذه القواعد لكلا الطرفين: الضيف والمستضيف.

يرتكز الدور الرئيس للقاعدة العسكرية في حماية المصالح الأمنية للدولة في نطاق جغرافي محدَّد، وخاصة في ظلِّ حال التنافس بين القوى -دولية وإقليمية- والتي تجعل من البيئة الدولية بيئة غير آمنة من وجهة نظر هذه القوى والدول. كما أنها تستخدم لتعزيز النفوذ وبسط الهيمنة والسيطرة على مساحات جغرافية متنوِّعة، غالبًا ما تكون بعيدة عن موقع الدولة الجغرافي. وتتَّفق أغلب الأدبيات التي تتناول القواعد العسكرية ووظائفها في العلاقات الدولية على عدَّة أهداف تحدِّد وظائف وأدوار القواعد[10]:

1- أهداف أمنية-عسكرية: تُعَدُّ الأهداف الأمنية هي الغاية القصوى التي تسْعى إليها مختلف الدول، وعلى الرغم من تداخل الجانب الأمني بالاقتصادي فإنه غالبًا ما يتركَّز دور القواعد العسكرية في الحفاظ على الجانب الأمني ولو باستخدام القوة العسكرية، فالقواعد العسكرية بالأساس هي أشبه بخطوط الدفاع الأولى عن دولها ضد أي تهديدات خارجية، سواء كانت عن طريق حماية الأنظمة واستقرار المناطق التي تتركز فيها مصالحها الاستراتيجية، أو عن طريق التدخُّل المباشر لاستعادة أمن هذه المناطق.

2- أهداف أمنية-اقتصادية: يُعَدُّ الاقتصاد ساحةَ تنافسٍ رئيسة بين الدول، خاصةً فيما يتعلَّق بالممرَّات المائية التي تعبر منها التجارة والطاقة (النفط والغاز). وعلى الرغم من وجود اتفاقيات دولية تنظم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول، فإن التنافس الاقتصادي والحرص على تأمين مصادر الطاقة يدفع الدول باتجاه بناء القواعد العسكرية في مناطق معيَّنة إلى حماية المصالح الاقتصادية للدولة من أيِّ مهدِّدات خارجية قد تعيق حركته وسيرورته. وقد تجلَّت خطورة هذا البُعد في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الحالية على إيران وقيام الأخيرة بإغلاق مضيق هرمز وما نتج عن ذلك من أزمة اقتصادية ضربت الكثير من الدول حول العالم.

3- أهداف أمنية-سياسية: تسعى بعض الدول إلى إنشاء قواعد عسكرية في أراضي دول موالية لها، بهدف حمايتها ودعم نظامها السياسي ضد أنظمة وأطراف أخرى تحمل توجُّهات ورؤى مغايرة، فمن خلال هذه القواعد العسكرية يمكن إمداد الأنظمة الموالية لها بالسلاح والعتاد المطلوب الذي يضْمن استمرارَها ويحفظ وجودَها. وكذلك تَعتبر الدولُ المُستضيفةُ هذه القواعدَ بمثابة شراكات أمنية واستراتيجية توفِّر لها الحماية في ظلِّ بيئةٍ صراعيةٍ أو تنافُسية.

وبخصوص القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة العربية، فهي  وإن كانت لا تخرج في وظائفها وأدوارها عن هذه الأهداف، فإنَّ بعض التقارير الأمنية والسياسية -مثل تقرير دائرة أبحاث الكونجرس السابق ذكره- ترصد أهدافًا محدَّدةً من هذه القواعد، منها[11]:

1- توفير مساحات آمنة لتمركز القوات وحفظ المعدات العسكرية، بما يضمن للولايات المتحدة الحفاظ على قدراتها القتالية خارج أراضيها واستخدامها عند الحاجة.

2- القيام بمهام استخباراتية متقدِّمة؛ مثل التنصُّت الإلكتروني ورصد الاتصالات، بهدف الكشف المبكِّر عن التهديدات التي قد تستهدف الولايات المتحدة أو حلفاءَها وشركاءَها، إضافةً إلى حماية القوَّات والمنشآت والمناطق الحيويَّة باستخدام أنظمة دفاعيَّة متعدِّدة، تشْمل الرادارات ومنظومات الاعتراض الصاروخي.

3- كما تشكِّل هذه القواعد مراكز لوجستيَّة وتدريبية مهمَّة، إذ تستضيف عمليات الإمداد والصيانة وتجديد العتاد الحربي، وتُتيح تنفيذ المناورات والتدريبات المشتركة مع القوات الحليفة لاختبار الخطط العسكرية وتعزيز الجاهزية، وتحقيق مستوى أعلى من التوافق العمليَّاتي.

4- وبالنسبة للولايات المتحدة يبرز الوجودُ العسكري في الخارج قوَّتَها العسكرية، مشكِّلًا بذلك قوة ردع للخصوم، كما يضْمن بقاء هذه القوة نشطة خارج حدودها الإقليمية في مناطق تراها واشنطن حيوية لمصالحها الوطنية وتخدم أهدافها الاستراتيجيَّة والأمنية، بما في ذلك الاستجابة السريعة للطوارئ الأمنية، ودعم التزامات الولايات المتَّحدة تجاه الدول الحليفة والشريكة وعلى رأسها إسرائيل.

لقد برزت أغلب هذه الوظائف والأدوار في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 2026، إذ وظَّفت الولايات المتحدة قواعدها في دول الخليج العربي والأردن لإدارة عمليَّاتها العسكرية ضدَّ إيران، وبالرغم من النفي المتكرِّر من قبل قيادات الدول الخليجية بأن أراضيها لم تُستخدم في توجيه الضربات على إيران، فإنَّ الإمكانات التقنيَّة التي تُتيحها الأقمار الصناعية ومصادر البيانات المفتوحة وكذا المجهود الذي بذلتْه بعضُ المنصَّات الصحفية الاستقصائيَّة، أبرز كيف وُظِّفَتْ هذه القواعدُ في الحرب وكيف حوَّلت هذه القواعدُ دولَ الخليج إلى مسرح عمليات عسكرية وعرَّض أمنها القومي وأمن مواطنيها للخطر.

ما إن بدأ العدوان الإسرائيلي-الأمريكي على طهران صباح يوم 28 فبراير 2026، وتسبَّب في مقتل عدد من القادة السياسيِّين والعسكريِّين والأمنيِّين، وعلى رأسهم المرشد الإيراني، علي خامنئي، حتى أطلقت إيران سلسلة من الهجمات التي استهدفت دولَ الخليج العربي الست. وجاء الرد الإيراني عبر هجمات بالصواريخ والطائرات المسيَّرة استهدفت مواقع ومنشآت عسكرية في المقام الأول ثم أهداف اقتصادية ومدنية ومنشآت نفطية في المقام الثاني، وذلك بهدف رفع تكلفة المواجهة على واشنطن وحلفائها، والتسبُّب بصدمة للاقتصاد العالمي بما يؤدِّي إلى وقف الحرب. وقد تلقَّت الإمارات العربية المتحدة العددَ الأكبرَ من الهجمات الإيرانيَّة، تَلَتْهَا الكويت والبحرين وقطر والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان.

وقد أثبتت تقارير صحفية معتمدة على مصادر البيانات المفتوحة وصور الأقمار الصناعية وغيرها، أثبتت عكس ذلك. ومن ذلك تقرير لمنصة “متصدقش” عبر صفحتها على فيس بوك بعنوان “بعد توثيق إطلاق هيمارس من البحرين: هل تملك الدول الخليجية منظومة الصواريخ الأمريكية؟”[12]، تتبَّع التحقيقُ إعلانَ القيادة المركزية الأمريكية استخدام صواريخ PrSM (بمدى يصل لـ 500 كيلومتر) في الحرب على إيران، عبر مقطع مصور نشرته على منصة X يوم 4 مارس 2026 وأكَّدت فيه أن هذه الصواريخ بعيدة المدى استُخدمت “للمرة الأولى تاريخيًّا” في القتال خلال العملية العسكرية ضد إيران. وأظهر المقطع المصور لحظة انطلاق الصاروخ من منظومة هيمارس HIMARS، بما يمكن اعتباره إقرارًا أمريكيًّا علنيًّا باستخدام هذا الطراز في الحرب على إيران. وباستخدام شواهد ميدانية استطاع فريق التحقيق في المنصة تتبُّع فيديو نُشر بتاريخ 3 مارس 2026 لرتل عسكري ظهرت فيه منظومة صواريخ هيمارس، وبعد التحقُّق من المقطع والتأكُّد من تاريخ نشره، حدَّد فريق “متصدقش” الموقع الجغرافي للمشهد عبر مطابقة المعالم المميزة الظاهرة في المقطع مع صور من خدمة التجول الافتراضي، وأخرى نشرها مستخدمون على “جوجل مابس”، عند هذه الإحداثيات:26°07’25.5″N 50°35’27.5″E. وحددت عملية المطابقة الجغرافية نقطة التقاط المقطع في محيط قرية النويدرات جنوبي البحرين، قرب سترة، وعلى تماس مع المعامير وإكر. كما أظهر تحليل مقطع الفيديو عربات تابعة للشرطة البحرينية وهي ترافق الرتل العسكري؛ وهو ما يعزِّز فرضيَّةَ أن تحرُّكه جرى تحت غطاء أمني ورعاية رسمية من السلطات البحرينية.

وفي تقرير آخر للمنصَّة نفسها بتاريخ 5 مارس 2026، بعنوان ” لقد اقتلعوا عيوننا”[13] وبالاعتماد على صور أقمار صناعية نشرتها وكالة أنباء “الأناضول” يوم 4 مارس 2026، تبين أن الضربات الإيرانية أحدثت أضرارًا في العديد من مواقع رادارات الدفاع الصاروخي الأمريكية في أنحاء الشرق الأوسط التي تستهدف الصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية. وقد طالت الأضرار رادار الإنذار المبكر “AN/FPS-132” الذي تبلغ قيمتُه 1.1 مليار دولار في قطر، ورادارات “AN/TPY-2” المرتبطة بأنظمة ثاد في الأردن، ومناطق قريبة منها بالإمارات. وتتمثَّل أهمية تضرُّر رادار الإنذار المبكر AN/FPS-132، في حدوث فجوة لدى شبكة تغطية الدفاع الجوي الأمريكية في المنطقة، ويؤدِّي تعطُّله لفُقدان التنسيق بينه وبين بطاريات أنظمة ثاد وباتريوت الاعتراضية الأمريكية. وهو ما عبَّر عنه مستشار وزارة الدفاع الأمريكية المتقاعد دوجلاس ماكجريجور عبر حسابه الشخصي على موقع إكس بقوله “لقد اقتلعوا عيوننا”*.

يدعم هذا التقرير تقريرًا آخر لمنصَّة “صحيح مصر” وهي منصَّة استقصائيَّة أيضًا تعتمد على مصادر البيانات المفتوحة، جاء التقرير بعنوان “إيران تدمِّر منظومات اتصالات ودفاع جوي أمريكية في دول الخليج والأردن”[14]. وقد كشف التقرير الذي اعتمد على صور الأقمار الصناعية عن أضرار جسيمة لحقت بعدد من مواقع منظومات الاتصالات والدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في دول الخليج العربي والأردن، جرَّاء استهدافها من قبل الصواريخ والمسيَّرات الإيرانية. ومن ذلك أنه في 28 فبراير 2026، هاجمت مُسيرة إيرانية قبة رادار في مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية في المنامة، والتي تُعَدُّ المركزَ الرئيسيَّ للولايات المتحدة لتنسيق العمليات البحرية في الشرق الأوسط. وقد أظهرت صورُ الأقمار الصناعية الملتقطة للقاعدة في اليوم التالي تدمير قبة رادار واحدة على الأقل. وهي عبارة عن محطة اتصالات عبر الأقمار الصناعية من طراز AN/GSC-52B، والتي تلعب دورًا رئيسًا في تسهيل الاتصالات عالية السعة للجيش الأمريكي، وذلك بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” كما جاء في التقرير.

ورصد التقرير كذلك أن صور الأقمار الصناعية أظهرت تصاعد الدخان من موقع رادار في قاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة العربية السعودية، حيث تتمركز عشرات الطائرات الأمريكية. وفي الموقع، احترقت منشأة كانت تستخدم لوضع نظام رادار لبطارية منظومة “ثاد”، وظهر تناثُر الحطام حولها. وفي الإمارات كشفت الصور عن أضرار ملموسة في موقعين مرتبطين بمنظومات الدفاع الجوي: الأول قرب منطقة الرويس، حيث تعرَّضت ثلاث مبانٍ للضرر، بما فيها مستودع مركبات مخصَّص لتخزين الرادار، أمَّا الموقع الثاني قرب منطقة الصدر، فشهد أضرارًا في أربع مبانٍ، بينها مستودعان للرادارات. واعتمادًا على تحليل لـ “نيويورك تايمز” يرصد التقرير أن نظام الرادار هو المعروف باسم AN/TPY-2، والذي يستخدم لكشف وتتبُّع الصواريخ الباليستية وله أهمية حيوية في تنسيق اعتراض الصواريخ، والذي كان متمركزًا بجوار أحد المباني التي تعرضت للقصف، لكن كان من غير الواضح من الصور ما إذا كان نظام الرادار نفسه قد تعرَّض للتَّلف. وفي الأردن أظهرتْ صورُ الأقمار الصناعية تعرُّض رادار بطارية “ثاد” طراز AN/TPY-2 في قاعدة موفق السلطي الجوية لتدمير كامل خلال هجوم نُفذ بين 1 و2 مارس 2026. واعتمادًا على صور شركة “إيرباص” بتاريخ 2 مارس 2026 يظهر الرادار محترقًا ومحاطًا بأنقاض، مع وجود حفرتين كبيرتين في الرمال، عمق كلٍّ منهما حوالي 13 قدمًا، ما يُشير إلى محاولات متعدِّدة لاستهداف المنظومة بدقَّة، وهو ما أكَّده أيضًا قمر “ميزارفيجين” الصيني.

وقد توسَّع مدى ومدار الضربات والمواقع المستهدفة في دول الخليج مع الوقت وأثناء الحرب ليشمل مواقع اقتصادية ومدنية كالمطارات ومنشآت نفطية. وقد كشفت عمليَّات رصد ومتابعة الضربات الإيرانية على دول الخليج العربي تركُّز الضربات بشكلٍ كبيرٍ على البنية التحتية المدنيَّة التي تُعَدُّ أساسيَّةً للاقتصاد العالمي. فقد استهدفت إيران البنية التحتية للطاقة والنقل في المنطقة، وهما ركيزتا قوة دول مجلس التعاون الخليجي العالمية؛ ومن تلك البُنى المطارات والموانئ وناقلات النفط ومصافي النفط والمرافق العامة والمناطق الصناعية، لا سيما في البحرين وعُمان وقطر والإمارات العربية المتحدة، وبذلك وسَّعت إيران نطاق تداعيات الحرب إلى ما هو أبعد من المجال العسكري. وقد برَّرت إيرانُ أفعالَها باعتبار أي بنية تحتية اقتصادية تدعم العمل العسكري ضدها (بشكل مباشر أو غير مباشر) هدفًا مشروعًا[15].

أثارَ هذا الاستهدافُ الواسعُ الذي تعرَّضت له دول الخليج العربي بسبب القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، سؤالًا هامًّا حول وظيفة ودور هذه القواعد بالنسبة لدول الخليج، فإن كانت وظيفة هذه القواعد بالنسبة للولايات المتحدة معروفةً وقد سبقت الإشارةُ إليها، فما هي وظيفتُها وضرورتُها بالنسبة لدول الخليج العربي والتي أنفقت ولا تزال تُنفق ملايين الدولارات على إنشاء وتشغيل هذه القواعد. لقد عرَّضت الحربُ الأمريكية-الإسرائيلية على إيران دولَ الخليج إلى خطر داهم وأشركتهم -وإن كان بشكل غير مباشر في حربٍ لم يقرِّروا خوضها -وفق المعلن من قيادات هذه الدول- وليسوا طرفًا فيها لصالح إسرائيل وتدميرًا لقوة إيران ووضعها الإقليمي.

تُفيد بعض وجهات النظر في هذه المسألة بأن القواعد العسكرية ليست السبب الرئيس في استهداف إيران لدول الخليج، فهذه القواعد هي نتيجة العلاقات الأمنية والعسكرية بين الطرفين (الولايات المتحدة ودول الخليج)، كما أنها ليست سوى جزءٍ من أبعاد متعدِّدة للعلاقات، تشمل: التجارة – التمويل – التكنولوجيا – التعليم – وأشكالًا أخرى من التعاون الاستراتيجي. ويخلص أصحاب وجهة النظر هذه إلى أن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج ليست السبب الذي جعل دول الخليج أهدافًا لإيران. فهذه القواعد تعكس تحالفًا استراتيجيًّا أوسع بكثير. ومن وجهة النظر هذه أيضًا، فإن القواعد والوجود الأمريكي أثبت طوال أكثر من ثلاثة عقود فعالية كبيرة في الردع، لكن الأزمة الحالية نتجت لأن الولايات المتحدة غيَّرت نهج الردع التقليدي واتَّجهت نحو استراتيجية هجومية هدفت إلى تغيير موازين القوى داخل إيران. وعليه فإن مستقبل القواعد الأمريكية في الخليج سيعتمد في النهاية على مستقبل التحالف الأمريكي-الخليجي الأوسع، وعلى قدرة واشنطن على استعادة دورها كضامن للاستقرار الإقليمي[16].

تعرضُ وجهةُ النظر هذه جانبًا صحيحًا من الواقع، فصحيح أن القواعد العسكرية جزءٌ من علاقات أوسع بين دول الخليج والولايات المتحدة. لكنها تغفل أن أحد أسباب فشل ردع الهجمات يعود إلى أن الولايات المتحدة تعطي لأمن إسرائيل الأولوية على أمن دول الخليج، وقد تبيَّن ذلك بوضوح حينما هاجمت إسرائيل نفسها دولة قطر يوم 9 سبتمبر 2025، ولم تقُم الولايات المتحدة بأيِّ رَدِّ فعلٍ من شأنه توفير الحماية أو الردع لشريك استراتيجي مثل قطر. وهكذا وفي مقابل وجهة النظر هذه، تبرز وجهة نظر أخرى تقول بأن الشكوك والتساؤلات حول مدى قدرة القواعد العسكرية في دول الخليج تزايدت بقوَّة في الفترة الأخيرة، وأن الواقع يشهد معضلةً ليس من السهل حلُّها؛ فالقواعد التي أُنشئت لتعزيز الردع وحماية الحلفاء يمكن أن تتحول في أوقات الحرب إلى أهداف للانتقام السياسي والعسكري، ممَّا يضعُ استمراريةَ نموذج الشراكة الأمنية الأمريكي-الخليجي وجدواه موضع شك.

تستدعي وجهة النظر هذه مجموعة من الوقائع والمشاهدات لإثبات ادِّعائها، ومن ذلك[17]:

  • هجمات عام 2019 على المنشآت النفطية السعودية، حيث أثار استهداف منشآت بقيق وخريص تساؤلات حول مدى فعالية الردع الأمريكي وقدرته على حماية حلفائه.
  • هجمات الحوثيِّين على الإمارات والسعودية: عزَّز تكرار الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة كذلك الشكوك بشأن حدود المظلَّة الأمنية الأمريكية.
  • الحرب الجارية مع إيران وما تعرَّضت له الدول الخليجية من هجمات وخسائر فادحة.

والخلاصة هنا أن الحربَ الجاريةَ بين الولايات المتحدة وإسرائيل أنتجتْ معضلةً في قضية القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج، وهو ما يُثير بدوره تساؤلا هامًّا حول مستقبل هذه القواعد وجدوى وجودها واستمرارها!

بالرغم ممَّا تعرَّضت له دولُ الخليج في هذه الحرب من هجمات وخسائر، وبالرغم من الشكوك والتساؤلات التي طُرحت في المجال العام حول جدوى الوجود الأمريكي في هذه الدول، فإنه لا يمكن القول بأن هناك أي مؤشرات حول اتجاه دول الخليج لتغيير المعادلة الأمنية (القواعد العسكرية والاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة في الدفاع والتسليح) القائمة على أراضيها. بل إن صفقات التسليح التي أبرمتْها دول الخليج مع الولايات المتحدة في مطلع عام 2026 وحتى قبل الحرب وبسبب التصعيد وتزايد التوتر، ثم أثناء الحرب وخلالها؛ لهو أكبر دليل على استمرار، بل وتزايد، اعتمادية دول الخليج على الولايات المتحدة في الدفاع والأمن[18].

وإلى جانب قضيتي الدفاع والأمن وما يتعلَّق بهما من شراكات أمنية واستراتيجية، فإن قضية القواعد العسكرية دائمًا ما تُثير معها قضية السيادة. وإن كان هذا التقرير لم يركِّز على هذه القضية باعتبارها قضية قديمة ترتبط بنشأة دول الخليج ووجودها في النظام الإقليمي والدولي، وهو ما لا يتَّسع المقامُ هنا لتناوله، وكذا لكونها قضيةً تحتاج دراسة مستقلَّة، فإن التقرير يكتفي بالإشارة إلى خطورة أثر هذه الحرب على سيادة “الدول الخليجية”، فمع فشل القواعد الأمريكية في حماية دول الخليج، ومع خروج إيران من الحرب غير مهزومة، وكذا عدم تحقُّق أهداف الحرب التي أعلنَها ترامب؛ وأهمُّها إسقاطُ النظام الإيراني، فإن التساؤل هنا عن سيادة دول الخليج وقدرتها على حماية هذه السيادة وإثباتها في المعادلة الإقليمية الجديدة سيغدو محلَّ شكٍّ وتساؤل. وإن كان المبرر الرئيس من وجود هذه القواعد هو الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة وامتلاك قدرات دفاعية وأمنية، فإن هذه الحرب والأحداث التي سبقتها قد أثبتت أن أمن دول الخليج ليس الأولوية بالنسبة لواشنطن، كما أثبت أن هذه القواعد تحمل ضررًا ربما يفوق “المنفعة” التي يتصوَّرها قادة دول الخليج منها.


⁕ مدرس مساعد بقسم العلوم السياسية – جامعة العاصمة.

[1] إيران تهدد بضرب القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط ردا على أي “مغامرة”، RT  عربي، 2 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 1 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/ci8RfY

[2] الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربية: الدوافع والتداعيات المحتملة، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 8 مارس 2026، تاريخ الاطلاع: 2 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/RdVR11

[3] المرجع السابق.

[4] Luke A. Nicastro, Andrew Tilghman, U.S. Overseas Basing: Background and Issues for Congress, CRS, 7 January 2024, Accessed: 1 June 2026, Available at: https://n9.cl/gqn4i

See also: US bases in the Middle East, Al-Ahram Weekly, 4 March 2026, Accessed: 1 June 2026, Available at: https://bit.ly/3SbkHNq

[5] Ibid.

[6] Ibid.

* تم ترجمة الخريطة ومحتوياتها عن طريق أداة الذكاء الصناعي ChatGPT، ويلاحظ أن الخريطة تعود لعام 2024 وقد لحق هذا التواجد تغير واحد تقريبًا وهو انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة التنف بسوريا في فبراير 2026.

[7] Did Israeli jets use Saudi airspace to refuel before bombing Yemen?, The New Arab, 1 October 2024, Accessed: 5 Jun 2026, Available at: https://bit.ly/4aQCW0M

[8] ياسر مناع، خارطة القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، مدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 30 يونيو 2025، تاريخ الاطلاع: 3 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/8NcpZu

[9] القواعد الأمريكية في العالم.. أعدادها وأنواعها وأماكن انتشارها، الجزيرة نت، 2 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 7 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/Xx7VIq

[10] إلهام الحدابي، القواعد العسكرية في منطقة الشرق الأوسط بين الدور العسكري وتشابك المصالح، مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، 9 أغسطس 2020، ص ص14-15، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/ZilBqtt

[11] Luke A. Nicastro, Andrew Tilghman, U.S. Overseas Basing: Background and Issues for Congress, Op. cit.

وانظر أيضًا: القواعد الأمريكية في العالم.. أعدادها وأنواعها وأماكن انتشارها، الجزيرة نت، مرجع سابق.

[12] بعد توثيق إطلاق هيمارس من البحرين: هل تملك الدول الخليجية منظومة الصواريخ الأمريكية؟، منشور على موقع فيس بوك، صفحة متصدقش، 24 مارس 2026، تاريخ الاطلاع: 10 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4vexnBt

[13] لقد اقتلعوا عيوننا: الأقمار الصناعية تكشف تضرر الرادارات الأمريكية إثر الضربات الإيرانية بالعواصم العربية، منشور على موقع فيس بوك، صفحة متصدقش، 5 مارس 2026، تاريخ الاطلاع: 10 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4uDLcbw

* مرفق بالتقرير المنشور على الفيس بوك للمنصة كافة مصادر المعلومات التي اعتمد عليها التقرير، ويمكن للقارئ الرجوع إليها للاستزادة وقد اكتفيت بوضع رابط للمنشور نفسه على موقع فيس بوك.

[14] إيران تدمر منظومات اتصالات ودفاع جوي أمريكية في دول الخليج والأردن، منشور على موقع فيس بوك، صفحة صحيح مصر، 8 مارس 2026، تاريخ الاطلاع: 10 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3S2I9fL

[15] Ellen Clarke, Noor Hammad and Asna Wajid, Mapping the damage: Iranian strikes on the GCC, International Institute for Strategic Studies, 27 March 2026, Accessed: 11 June 2026, Available at: https://bit.ly/4aSOAZ3

[16] F. Gregory Gause, American Bases in the Gulf: Targets or Deterrents?, Middle East Institute, 15 April 2026, Accessed: 11 June 2026, Available at: https://bit.ly/4uB2s1n

[17] Kristian Alexander, U.S. Bases in the GCC: A Security Model Under Attack, Middle East Council on Global Affairs, 1 June 2026, Accessed: 13 June 2026, Available at: https://bit.ly/4uJtdR8

[18] إدارة ترامب تتجاوز الكونغرس لتسريع بيع أسلحة بمليارات الدولارات للإمارات والكويت، CNN بالعربية، 20 مارس 2026، تاريخ الاطلاع: 5 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/35X69E

نشر في فصلية قضايا ونظرات – العدد الثاني والأربعون – يوليو 2026

عبد الرحمن عادل

مدرس مساعد بقسم العلوم السياسية - كلية التجارة - جامعة حلوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى