مراجعة كتاب: “هزيمة الغرب” لإيمانويل تود

هزيمة الغرب؟ لماذا ليس سقوط الغرب أو انحداره أو خبوه أو انهياره أو أفوله؟ على غرار أوصاف أخرى جاءت بها أدبيات معاصرة سابقة عن حال الغرب ومآله. ومن ناحية أخرى، لماذا الغرب وليس الحضارة الغربية أو النظام العالمي الغربي أو القوى الغربية الكبرى؟ سؤالان مركبان خطرا على فكري وأنا أرى غلاف الكتاب، وقبل أن أفتحه.
فلقد تداعت حينئذ إلى ذهني أعمال سابقة عن حال ومآل الغرب التاريخي والمعاصر من ناحية، وعن حال ومآل “الشرق العربي والإسلامي” قبل ما يقارب الثلاثة قرون وحتى الآن من ناحية أخرى. ولقد كان هذا التداعي لهذين الوجهين جزءًا من ذاكرة خبرتي البحثية عبر أربعة عقود، تلك الخبرة التي شهدت تفاعل مجالات معرفية متعددة ومن منظورات متقابلة، إسلامية ووضعية، حول ما أسمته أستاذتنا د.منى أبو الفضل “متى يتقابل الشرق مع الغرب”. وسأعود لاحقًا إلى دلالة هذه الخبرة بالنسبة لمراجعة الكتاب.
أبدأ بالتمهيد التالي، ويدور حول أمرين:
أولا: لم يكن الكتابُ المعنيُّ الأولَ من نوعه على ساحة هذا الموضوع.
تتعدد نماذج الأدبيات السابقة الغربية (حتى 2024 تاريخ صدور الكتاب المعنيّ هنا) التي التحمت مع حال الغرب الراهن ومآله. منها ما قدمه مؤرخؤ حضارات أو دارسو أنثروبولوجيا واجتماع سياسي وسياسة.
فمنهم على سبيل المثال: شبنجلر، ريتشارد كوك، لوسيان بويا. وبالطبع تختلف مداخلهم كالآتي:
* من شبنجلر([1]) الذي تبنى في رؤيته للتاريخ اقتراب دورة الحضارات، يرى أن الحضارة الغربية مرت بست مراحل للنشأة والنمو والنضج والتدهور: ابتداء من الروحي الديني، إلى الفلسفي الفكري، إلى العلمي، إلى القوة المادية، إلى التداعي القيمي والأخلاقي. ودخلت الحضارة الغربية، منذ قرن تقريبًا وفق شبنجلر مرحلة التدهور والانحدار.
* انتحار الغرب[2]: يقدم ستة أعمدة رئيسية لنشأة ونمو الحضارة الغربية.
* نهاية الغرب[3]: الذي اقتصر على تناول التحديات المعاصرة للحضارة الغربية والمؤثرة على مآل مستقبلها؛ من قبيل الهجرة والتعدد الثقافي، وصعود الصين، والاحتباس الحراري وتفاوت الدخول بين الدول…إلخ.
وإن اختلفت مداخل هذه النماذج، إلا أنها تُجمِع بدرجة كبيرة على تجاوز المركزية الغربية ونقدها من ناحية، وعلى استدعاء العوامل المجتمعية والثقافية والدينية كمنطلقات في التحليل للنشأة أو التدهور وعدم الاقتصار على مداخل صراعات القوة وموازينها الاستراتيجية التقليدية.
وثانيًا: لا يقتصر الاهتمام بتاريخ الغرب وبحاله ومآل الحضارة الغربية على مؤرخي الحضارات وفلاسفتها، ولكن يمتد أيضًا إلى دراسي “دورة النظم الدولية التاريخية” من بين متخصصي “العلاقات الدولية” ذوي الاهتمام بتوظيف التاريخ في التحليل السياسي الدولي أو بدراسة التاريخ الدولي ذاته بمقتربات العلوم الاجتماعية مثل “اقتراب وتحليل النظم الدولية”[4].
ونذكر -على سبيل المثال وليس الحصر- العمل الرائد لكيندي “صعود وسقوط القوى العظمى”[5]، الذي يتجاوز مجرد الاهتمام المذكور عاليًا بمتابعة مراحل وأنماط ومفاصل “التحولات الحضارية التاريخية”، إلى دراسة مستفيضة للعوامل الاستراتيجية الاقتصادية والعسكرية وراء تداول صعود وهبوط امبراطوريات غربية (هولندية، أسبانية وبرتغالية، إنجليزية، فرنسية)، وصولا إلى استنتاج العوامل التي تدفع إلى التحذير من خبو وضعف الامبراطورية الأمريكية بصفة خاصة وذلك بعد خبرة انهيار الامبراطورية السوفيتية بدورها. وهذه الاهتمامات النظمية بالتاريخ الدولي تدور عادة حول عدة محاور: محددات الصعود ومركز القوة في العالم (من يقوده)، منظومة القيم التي يحملها ومنظومة القيم المضادة، نمط قضايا التفاعلات العالمية وسبلها وأدواتها. كما أن هذه الاهتمامات تنشغل بامتدادات زمنية طويلة نسيبًا Longue durée، لأنها تنطلق من بداية العملية وتغيراتها وصولا إلى منتهاها وفق قواعد ودورة النظم الدولية التاريخية.
وعلى العكس من مؤرخي الحضارات وفلاسفتها الغربيين المشار إليهم عاليًا وغيرهم، فإن العوامل الوضعية المادية هي الغالبة على هذه المجموعة من الاهتمامات النظمية الدولية مع إسقاط أو تجاهل تأثير العوامل القيمية.
إلا أنه مع بداية الألفية الثالثة بدأت موجة معاصرة من الأدبيات الغربية الدولية التي تهتم بمآل وحال الغرب. أو حال ومآل النظام الدولي الغربي ومدى استمرار هيمنته على العالم. تتجاوز هذه الموجة النماذج المعرفية الغربية والمركزية الغربية التقليدية، ومن ثم تتجه إلى الدعوة للاهتمام، بل والاهتمام الفعلي، بالأبعاد الدينية والثقافية والحضارية المؤثرة في التفاعلات والتحولات العالمية المعاصرة من ناحية، والاهتمام من ناحية أخرى بمشاركات غير غربية في تقديم الرؤى عن حال ومآل النظام الدولي المعاصر، تأصيلا وفكرًا وسياسات… هل لإصلاحه واستمرار هيمنته في مواجهة التحديات المتزايدة أمام هذه الهيمنة، أم الإصلاح أو ربما التغيير العالمي من أجل نظام عالمي جديد[6]؟
وتتميز هذه التحليلات النقدية الدولية المعاصرة بالانفتاح على مجالات معرفية أخرى: تاريخ وفلسفة واجتماع وأنثروبولوجي، عند دراسة التحولات والقضايا والمنظورات العالمية المعاصرة.
هكذا، ومن واقع هذا التمهيد وانطلاقًا منه، اقتربتُ من الكتاب موضع المراجعة.
فماذا يقدم هذا الكتاب أولا في هذا المجال المعرفي عن حالة الغرب ومآله؟ وما الجديد فيه مقارنه بنظائره وسوابقه حول نفس الظاهرة؟
إن الكتاب منذ قراءة عناوين الفهرس يفصح عن مكنونه، إلا أن القراءة ابتداء من المقدمة وحتى الخاتمة تفصح عن خيط ناظم لفصوله مفاده أن هناك حقائق في الوضع الروسي الداخلي والأوكراني تفسر لماذا بدأت الحرب واستمرت على نحو لم يتوقعه الغرب ولم ينجح في إدارتها.
وقد اتسم مضمون الكتاب بعدة سمات لغوية ومنهاجية مهمة، فقد صك وصاغ مفردات شديدة الدلالة كعناوين بالنسبة للمضامين كل في موضعه. كما جمع ببراعة بين مصادر وبيانات أنثروبولوجية واقتصادية ومالية وسياسية واجتماعية في شرح أفكاره ودعم تحليلاته. فضلا عن تسكين أطروحاته بين تيار متدفق من الأدبيات السابقة حول موضوعات الكتاب، المتصلة بروسيا أو بالغرب.
هذا ويمكن من الصفحات الـ300 تقريبًا استخراج ثَبَتٍ من الجمل العلمية الرصينة ذات الدلالات البحثية من منظورات ومداخل أخرى غير مداخل تخصص المؤلف. ومن ثم فإن الكتاب يجسد نموذجا حيًّا على “البينية” ولو من مرتكز تخصص المؤلف.
[1] مقدمة: الخيط الناظم في الكتاب ومحور ارتكازه:
من واقع عناوين الفصول في الفهرس يتضح أن الغرب لدى المؤلف هو أوروبا وأمريكا، الحلقة الوسيطة المتحدية هي روسيا، وبتركيز على اختبارات المشهد الأوكراني لهذه الثلاثية التفاعلية الأوروبية الأمريكية الروسية. ولكن، من هزم الغرب؟ روسيا؟ وكيف ولماذا؟
كما يتضح من الفهرس، مغزى كلمة “هزيمة” في عنوان الكتاب، ومن المهزوم؟ فعناوين الفصول الأولى تحمل مفردات: الاستقرار الروسي، اللغز الأوكراني، رهاب ما بعد حداثي من روسيا في أوروبا الشرقية. ثم يأتي فصل بعنوان “ما الغرب؟”، ثم تأتي عناوين الفصول التالية عن الغرب لتعلن المفردات التالية على التوالي: مفاجآت، اللغز، رهاب ما بعد حداثي، انتحار، الأمة صفر، أوليكاركية وعدمية، عصابة، الفخ، العدمية.
ويتضح من فحوى الفصل الرابع “ما الغرب؟”، بعد الفصول الثلاثة الأولى عن روسيا وأوكرانيا وشرق أوروبا، أن “هزيمة الغرب” المعنون بها الكتاب هي الهزيمة التي جسدتها وعمقت منها ليس الحرب الأوكرانية الروسية التي بدأت قبل عام ونصف من الانتهاء من كتابة النص (30/ 9/ 2023) فقط، ولكن تنافس أو صراع روسي غربي يسبق تلك الحرب ويعد بمثابة الجذور الحديثة والمعاصرة.
إذن كيف سيعرف الكتاب الغرب؟ وكيف سيشرح معنى هزيمة؟ وما وضع روسيا “غير الغربية” مقارنة بالغرب؟
ومقدمات الكتب تضيف إلى دلالات قراءة عناوين الفهارس وتدعم منها.
(أ) فالمنطلق في مقدمة الكتاب هو “مفاجآت عشر” لحرب روسيا على أوكرانيا، وهي مفاجآت -كما يتضح من شرح تود لها- ناجمة عن سوء فهم وتقدير أطراف الحرب لبعضها البعض: الغرب مع أوكرانيا، وروسيا ضد أوكرانيا، وحلفاء كل من الطرفين.
وهذه المفاجآت هي:
- المفاجأة الأولى شكَّلها انفجار الحرب نفسها في أوروبا؛ حرب حقيقية بين دولتين، في حدث لا يصُدَّق لقارة حسبَت نفسَها هاجِعةً إلى سلام دائمٍ.
- تكمن المفاجأة الثانية في الخصمَين اللذين تضعهما هذه الحرب في مواجهةٍ: الولايات المتحدة وروسيا، عبر الأوكرانيين المتوسَّطين.
- المفاجأة الثالثة: صمود أوكرانيا العسكري بعدما توقَّع الجميع هزيمتَها سريعًا. فأوكرانيا في أذهانهم، كما في أذهان معظم الغربيين المطَّلعين، عُرِفت بالدولة الفاشلة (failed state). “غير أنّ المقاومة الشرسة لبلدٍ في طور التفكك تطرح إشكالا تاريخيًا. فما لم يكن لأحد توقُّعه هو أن تجد أوكرانيا في الحرب عِلَّةً للبقاء، مبرِّرًا للوجود”.
- المفاجأة الرابعة: صمود الاقتصاد الروسي، بعد أن قيل إنّ العقوبات ستُركِع روسيا.
- المفاجأة الخامسة: انهيار الإرادة الأوروبية. في البداية كانت أوروبا المستقلة هي الثنائي الفرنسي- الألماني، ثم في إثر أزمة 2007- 2008 [الركود الكبير] تراجع توجه الاستقلالية ثم سرعان ما تخلّى الاتحاد الأوروبي عن أيَّ عزم على الدفاع عن مصالحه الخاصة. “… بدلا من محور باريس –برلين، حلَّ في القارة بصورة عامةٍ محورُ لندن –وارسو- كييف بقيادة واشنطن”.
- المفاجأة السادسة لهذه الحرب شكّلها ظهور المملكة المتحدة بصفتها طرفًا يختال ضد روسيا من موقعه خلف حلف الشمال الأطلسي.
- “بقدر موازٍ من الغرابة، طالت هذه الصُقوريّة الدولَ الإسكندنافية، بعد مِزاج مسالِمٍ وميلٍ إلى الحياد طويلا. هكذا نقَع على المفاجأة السابعة في شمال أوروبا، بروتستانتية أيضًا، وتلحَق بالحُمّى البريطانية”.
- المفاجأة الثامنة وهي الأكثر إدهاشًا؛ إذ تأتينا من الولايات المتحدة، القوّة العسكرية المسيطِرة. وتقول إنّ الصناعة العسكرية الأميركية تعاني عجزًا!
- المفاجأة التاسعة: “العزلة الأيديولوجية للغرب وجهله بموقعه من عزلته في هذا العالم… توقَّعوا بصدقٍ وحماقةٍ أن يشاركهم الكوكب برمّته الحنقَ على روسيا، قد خاب ظنُّهم. في الصين والهند…”.
“…. يبدو بعد عامٍ ونصف العام من الحرب أنّ العالم المسلم بأسرِه يحسب روسيا شريكًا أكثر من كونها خصمًا”.
- “المفاجأة العاشرة والأخيرة في صدد التحقُّق؛ إنَّها هزيمة الغرب. سندهش من تأكيدٍ كهذا في حين أنَّ الحرب لم تنتهِ بعد، غير أنّ هذه الهزيمة يقينٌ لأنّ الغرب يتدمَّر ذاتيًا، أكثر من كون روسيا تهاجمه…”.
والمفاجأة العاشرة تبين مناط الكتاب وجوهر رسالته: هزيمة الغرب المعنية هي هزيمته في الحرب ضد روسيا حول أوكرانيا… والسبب وفق المؤلِّف “أن الغرب يتدمر ذاتيًا أكثر من كون روسيا تهاجمه”. ولأن الغرب اتسم بعدم العقلانية والمسئولية أو لأن الغرب هو “امبراطورية الكذب” أو أنه صاحب “الهُذاء الأعظم” Great delusion.
لقد بيَّن تود منذ البداية المنهاجية التي يشرع في فصول الكتاب بتطبيق مداخلها؛ أنثروبولوجي، اجتماعي ديني، اجتماعي سياسي، فلسفي سياسي، اقتصادي سياسي، الجغرافيا السياسية، مع استدعاء موجز وموحى لجذور تاريخية متعددة المستويات. ومن ثم فإن الكتاب في مجمله ذو أهمية علمية لأكثر من حقل معرفي، وهو يقدم مداخل نقدية لدراسة العلاقات الدولية والنظم السياسية تتجاوز المداخل الوضعية التقليدية؛ لأنه يستدعي التحليل النفسي والإدراكي بناء على معطيات غير مادية لا تركز على الدولة –الأمة، التي لم تعد موجودة في نظر تود.
(ب) ويستطرد تود في الجزئية الثانية من المقدمة في شرح الركيزة الأساسية في تناوله لحالة روسيا وأوكرانيا ابتداء ثم حالة الغرب، أي “الدولة –الأمّة” وجودًا تاريخيًا أو عدم وجود راهن. وبعد أن يقدم عن متطلبات الوجود الاجتماعية والاقتصادية كما يسفر عنها التاريخ الأوروبي الحديث يصل إلى القول في ص20-21: “… لا توجد دولة –أمّة من دون وعي الأمّة”.
وعلى هذا النحو ينتقل تود في كتابه، كما يوضح في مقدمته، إلى شرح هذه الإشكالية الدينامية الاجتماعية السياسية في أوكرانيا وروسيا وأوروبا الشرقية والولايات المتحدة وأوروبا في فصول متتالية. متسائلا عن طبيعة الاتحاد الأوروبي الذي يريد المواءمة بين تجاوز الأمة وبين دوامها، وعن طبيعة الولايات المتحدة التي لم تعتزم تجاوز الأمة وإن كانت تبدو امبراطورية أكثر منها دولة –أمّة، وبحيث يبدو الغرب منظومة امبراطورية تعددية، أو ما بعد الامبراطورية، أو دولة ما بعد الامبراطورية.
وخلاصة القول عن هذه المقدمة، أنها معقدة ومركبة، حاولت رسم خرائط منطلقات الكتاب ومنهاجيته وغايته، ولكن بأسلوب شبكي تداخلي تقاطعت فيه مفاهيم مع تواريخ مع إصدارات المؤلف السابقة مع مقارنتها بإصدارات أخرى على نحو يغيب فيه عن أعين القارئ -إلا من يبذل جهدًا فائقًا في قراءة مركزة- هيكل الكتاب وموضوعات فصوله بوضوح. فإن تود في هذه المقدمة ألقى جرعة فكرية فلسفية مركزة حاول من خلالها أن يمهد لجوهر موضوع كتابه “لماذا ينهزم الغرب من داخله، من تدمير ذاته، نظرًا لإدراكات زائفة وانعكاسات مشوهة ونتيجة لاختلالات في بنية الأسرة والمجتمع وعقائدها وقيمها“. في نفس الوقت الذي “تتطلع من المنظومة الغربية الحالية إلى قيامها مقام العالم أجمع، وهي لم تعد تعترف بوجود آخر”.
ثم ختم تود المقدمة بالآتي: “إن الأزمة الغربية هي محرك التاريخ الذي نعيشه. البعض يعرفون… وحين ستنتهي الحرب، لن يقدر أحد على الإنكار”. (ص29)
وبناء عليه فإن منهجا تفاعليا مع الكتاب سيقوم على ثلاثة أمور: الأول هو البحث عن خصائص الحالة الروسية التي تمثل -من رؤية المؤلف- تحديًّا للغرب وتهديدا بالهزيمة. والثاني هو اشتباك تفصيلي مع الفصل الرابع، وهو المفصل المهم بين الفصول الثلاثة الأولى عن روسيا وأوكرانيا وشرق أوروبا وبين فصول ثلاثة تالية عن الحالة الأوروبية الغربية (انتحار أوروبي بمؤازرة أميركية، في بريطانيا نحو الأمة صفر، الدول الاسكندفافية من التسوية إلى الصقورية)، ثم تأتي فصول ثلاثة أخرى عن الولايات المتحدة الأمريكية: “الطبيعة الخفية لأمريكا: أوليجاركية وعدمية، تنفيس الاقتصاد الأميريكي، عصابة واشنطن. والأمر الثالث هو أنني لن أشتبك مع هذه الفصول الستة “عن أوروبا وعن الولايات المتحدة، وإن كانت تقدم تفصيلا فكريًا وسياسيًا ممتعًا وفق منهاجية المؤلف متشابكة المداخل المعرفية، إلا أنني سأشتبك بالتفصيل مع الفصل الرابع: “ما الغرب؟”، الفصل المفصلي، لأنه يوجز ويرسم الخرائط المعرفية أساسًا للموضوعات في هذه الفصول الستة. وأخيرًا سأشتبك بالتفصيل مع الفصل الحادي عشر ومع الخاتمة والتذييل.
[2] لماذا استقرار روسي؟ وما علاقته بهزيمة الغرب؟
يقدم الفصل الأول (ص31- 58) إجابة على هذا السؤال المركب؟
منذ السطر الأول في الفصل يتضح إدراك المؤلف لحالة روسيا، يصفها بالصلابة، التي يسهل توقعها ويسهل تفسيرها. ويطرح سؤالا سيظل يردده “لماذا استخف الغربيون بخصمهم إلى هذا الحد، في وقت لم يكن هناك شيء مخفي من أوراقه الرابحة ومعطياته المتاحة؟”.
ويدلل المؤلف على ما أسماه “فداحة خطأ في التصور الذهني امتد على مدار سنوات حكم بوتين” بالعناوين الفرعية التالية: إرساء استقرار ناجح.. الدليل في الإحصاءات الأخلاقية، التعافي الاقتصادي، شكرًا للعقوبات، بوتين ليس ستالين، مهندسون روس أكثر من المهندسين الأميريكين، ست طبقات وسطى وحقائق أنثروبولوجية، التغاضي عن تنوع العالم، أوجه لا مساواة ولكن التفاف حول النظام، استراتيجية الرجل النادر، خمس سنوات لكسب الحرب.
وشرح المؤلف تحت هذه العناوين الفرعية أوجه صلابة واستقرار الحالة الروسية التي انطلقت منها في حربها على أوكرانيا وتحدي الغرب وكيف استطاعت التغلب على ما اعتبره الغرب عثرات أو نقاط ضعف ستنال من قدرة روسيا على شن الحرب أو الاستمرار فيها.
وهو شرح متعدد المستويات يجمع بين الأخلاقي والاقتصادي والنظمي السياسي، والاجتماعي الديموجرافي واستراتيجية القيادة.. إلخ من عناصر الرؤية الشاملة الحضارية للحالة الروسية ابتداء وانتهاء بعناصر القوة الداخلية المتنوعة المنطلقة من خصائص الخبرة الروسية التاريخية وخصائص الشخصية الروسية الجماعية والجغرافية.
- ولقد بدأ المؤلف بـ”الإحصاءات الأخلاقية”، وهي مؤشرات ديموجرافية عن انخفاض معدلات الوفيات والانتحار وجرائم القتل، وعن ارتفاع مستوى المعيشة والشفافية الدولية ومحاربة الفساد.
- أما التعافي الاقتصادي فيتمثل في انخفاض معدلات البطالة وعودة روسيا في مجالات اقتصادية استراتيجية، وخاصة الإنتاج الزراعي وصادراته التي تضاعفت ثلاث مرات كما انخفضت الواردات إلى النصف. ومن ناحية أخرى أضحت روسيا ثاني أكبر مصدر للأسلحة في العالم واكتسبت مرونة ودينامية في مجال الانترنت، ويقول المؤلف: “قدرة روسيا على التكيف منذ انهيار الشيوعية… فسقوط شرس للغاية، ثم صعود فائق السرعة”.
ومن ناحية ثالثة قدرة البلاد على التكيُّف منذ عقوبات حرب شبه جزيرة القرم 2014، حتى بدا أن كلّ نظام عقوبات قد ساقَ روسيا -وفق المؤلف- إلى إحراز سلسلة من التحوّلات الاقتصادية المتتالية، واستعادة استقلالها عن السوق الغربية.
و”كان التدبير الرئيسي لحماية الصناعة والزراعة هو الخفض الكبير جدًا في قيمة الروبل” وما تبعه من إضافة رسوم جمركية حمائية، وإيجاد بدائل داخلية للواردات لمواجهة آثار العقوبات.
- وعن طبيعة النظام الروسي في ظل بوتين، يرى المؤلف أنه مناط مهم لبيان كيف ظل القادة الغربيون غافلين عن الواقع –أي قوة الاقتصاد الروسي. ذلك لأنهم تمثلوا روسيا الحالية بأنها دولة يسيطر عليها بوتين وحشي، وأنها عادت إلى جوهرها البلشفي. وعلى العكس، يشرح المؤلف، كيف أن نظام روسيا الحالي لا بد أن يُعرَّف “بكونه ظاهرة لها سمات خاصة، قابلة للفهم، وتندرج في استمرارية التاريخ العام لروسيا”: جهاز دولة مركزي، دور رئيس لجهاز الأمن الفيدرالي، وهو نظام يعرفه المؤلف بأنه ديمقراطية سلطوية ولكن مع قطيعة جذرية مع السلطوية السوفيتية، نظرًا إلى التعلق الجديد باقتصاد السوق، ولكن مع اهتمام بالغ بالمطالب العمالية وتوطيد دعم النظام في الأوساط الشعبية. مع الغياب التام لمعاداة السامية والسماح بحرية المغادرة، حتى للمعارضين.
مرة أخرى ينبه المؤلف إلى أخطاء الذهنية والإدراك الغربي عن حقائق أوضاع روسيا وعن هشاشة النظام الروسي الجديد وتهديد الطبقات الوسطى له.
- وعن مستوى التعليم ومخرجاته، يقدم المؤلف جديدًا؛ انطلاقًا مما أسماه الأعماق السوسيولوجية للقوة العاملة، لأن الاقتصاد يتجاوز -وفق رؤيته- كونه الناتج المحلي الإجمالي. لأنه سكان يعملون بمستوياتهم التعليمية المختلفة وبمهارات شتى. ومن ثم فإن ما يميز الاقتصاد الروسي بصورة أساسية عن نظيره الأمريكي هو ارتفاع النسبة الملتحقة بدراسة الهندسة في التعليم العالي.
وهو الأمر الذي يمكِّن، وفق تحليل المؤلف، “لفهم كيف أمكن لداوود الروسي (الأقل في عدد السكان والأكثر في المساحة من الولايات) مجابهة جالوت الأمريكي على الصعيدين الصناعي والتكنولوجي وبالتالي على الصعيد العسكري.
- ومن التحليل الاقتصادي والديموجرافي يصل المؤلف إلى ملمح جوهري بشأن “الاجتماع الروسي” وكيف يمثل عنصرا من عناصر استمرارية القوة والصلابة على عكس ما يعتقد الغربيون. وهنا يقدم المؤلف شرحًا مقارنًا بين الرؤيتين؛ من ناحية الغربية الليبرالية التي تراهن على موقف الطبقة الوسطى في روسيا الجديدة لتثور على بوتين وتسقطه، بعد أن أسقطت طبقةٌ وسطى صاعدةٌ النظامَ الشيوعيَ الذي سبق وأفزرها. ومن ناحية أخرى رؤية بوتين التي تراهن على الطبقات الشعبية، “ويتجذر الاختلاف في خلفية روسية أنثروبولوجية فريدة، وهي أيضًا أحد العوامل المفسِّرة لصلابة روسيا في مواجهة الغرب”.
ومن ثم، وعلى ضوء الطبيعة الاجتماعية للمجتمع الروسي، قبل الشيوعية وللنظام الشيوعي ذاته في التاريخ الروسي، والتي يسميها المؤلف الرابطة الجماعية”، كان غير مرجح أن تنطفىء هذه الرابطة في سنوات قليلة بعد السقوط السوفيتي. “وهنا مكمن خطأ إدراك الغرب” وفق رؤية المؤلف… وهو يلخص تحليله السوسيولوجي التاريخي لهذه الظاهرة الروسية بالآتي (ص51):
“كان بَيِّنًا أنّ روسيا هذه ستحتفظ في ما بعد الشيوعية بسِمات جماعتيّة رغم تبنّي اقتصاد السوق؛ وأنّ واحدة من هذه السِّمات ستكون وجود دولة أمنع مما في أماكن أخرى؛ وسِمةٌ أخرى هي علاقة لهذه الدولة بمختلف طبقات المجتمع تختلف عن العلاقة الموجودة في الغرب؛ وسِمةٌ تتمثَّل في التقبُّل بدرجات متفاوِتة ضمن طبقات المجتمع كافة لشكلٍ ما من أشكال السلطوية ومن التطلّع إلى التجانس الاجتماعي، وهو تقبُّل أقوى بين الأوساط الشعبية ومخفّف بين الطبقات الوسطى”.
“… أيضًا ينبغي لنا فهم أنّ ما صنع صلابة روسيا، وما مكّنها من الحفاظ على سيادتها في منظومة معَولمة، هي قدرتها التلقائيّة على منع نموّ فردانية مطلقة (لا يوجد أيّ حكم قيمي في هذه الملاحظة، فأنا أتكلّم هنا مثل عالم أنثروبولوجيا أميركي من الخمسينيات). يدوم ما يكفي في روسيا من القيم الجماعتيّة –السلطوية، والقائلة بالمساواة- لكي يحيا المثل الأعلى لأمّة متراصّة، ولكي يظهر من جديد شكل خاصّ من الوطنية.”
كما يقول المؤلف (ص53): “منظومة بوتين” ثابتة لأنّها نتاجُ التاريخ الروسي، وليست من عمل رجلٍ واحدٍ. والحلم المستحوذ على واشنطن بانتفاضةٍ مناهضةٍ لبوتين لا يعدو كونه حلمًا، وينبع من رفض الغربيين رؤية تحسّن ظروف المعيشة في عهده، ومن امتناعهم عن الاعتراف بخصوصية الثقافة السياسية الروسية، أصِلُ الآن إلى نقطة الضعف الحقيقية لروسيا: ديمغرافيّتها“.
- وأخيرًا يصل المؤلف إلى “استراتيجية الرجل النادر” التي يعتبرها مفسرًا عسكريًّا مباشرًا لنمط انخراط الجيش الروسي في الحرب (الاقتصاد في القوات وتجنب الخسائر البشرية)… ذلك أنه بسبب انخفاض الخصوبة في روسيا وانعكاسها على التطور بأفول في إجمالي عدد السكان (من 2021 كان 146 مليون إلى 126م في عام 2050) دخلت روسيا طور انكماش للسكان الذكور الممكن تعبئتهم للجيش.
ويستدرك المؤلف بالتحذير من أن العقيدة العسكرية الجديدة (نتيجة قلة الرجال) “أجازت استخدام أسلحة نووية تكتيكية إذا ما كانت الأمّة والدولة الروسيتان مهدَّدتين”، ويطالب الغربيين بأخذ هذا التنبيه على محمل الجدّ.
ويحمل أسلوب المؤلف في هذا الموضع تهكمًا صارخًا على “إدراك الغرب” تكرر في مواضع عدة عبر الكتاب. فيقول: “بالتالي، أولويتنا نحن المواطنين هي في التأكّد من أنّهم على دراية بعقيدة الجيش الروسي أفضل من درايتهم بقدرة البنوك الروسية على ردّ الفعل في حال فصلها عن Swift“. ويخلص المؤلف إلى أن روسيا لم تقدم على حرب 2022 إلا بعد أن استمرت في تراكم الاستعدادات على كَافة الأصعدة منذ الاستيلاء على القرم 2014.
إن هذا التحليل المركب للأوضاع الروسية الداخلية يحمل صورة إيجابية واضحة عن “روسيا بوتين” تعكس إعجابًا بقدر ما تعكس تحذيرًا للغرب واستنكارًا لعدم إدراكه كثير من هذه الأوضاع على حقيقيتها والتي جعلت روسيا تصمد في هذه الحرب وفق رؤية المؤلف.
إلا أن امتداد الحرب حتى الآن (آخر 2025)، بعد عامين من انتهاء المؤلف من الكتاب، ألم ينعكس على هذه الأوضاع سلبًا؟ أحقيقة أن الغرب الرسمي لا يدرك ما نبه إليه المؤلف أم أن الصحافة والإعلام –التي نوه المؤلف إلى نماذج عدة من تحيزها ضد روسيا– هي التي لا تدرك أو ترسم صورة لوعي زائف عمَّن اعتبره بايدن العدو أو التهديد، في حين لا يرى فيه ترامب إلا شريكًا أو حليفًا ولو مؤقتًا؟
إن هذه صورة عن روسيا من الداخل –التي يقارنها المؤلف لاحقًا بصورة شاحبة عن غرب متهاوٍ– تحتاج ميزانا من متخصص في الدراسات الروسية، ومن الداخل بالأساس.
ولكن يظل للعملة (الصمود الروسي في الحرب) وجه آخر خارجي لا يستقيم الفهم بدونه، وهذا ما انتقل إليه المؤلف في الفصلين الثاني والثالث.
[3] اللغز الأوكراني ورهاب ما بعد حداثي من روسيا في شرق أوروبا:
ركز المؤلف على الداخل الروسي على نحو يفرض التساؤل: ما تأثير جواره الإقليمي القريب (أوكرانيا)، والأبعد (أي شرق أوروبا)؟ فإن نتائج الحروب لا تتحدد إلا بمنظومة تفاعلية بين الداخلي والإقليمي والعالمي.
- ويقصد المؤلف باللغز الأوكراني ما يلي:
كيف أمكن لمجتمع ينظر إليه الغرب وروسيا على أنه دولة فاشلة ومجتمع مفكك أن يقاوم الهجوم العسكري الروسي بهذا القدر؟ وأن يصمد أمام الصدمة الأولى وأن يتمسك باستعادة الأرض المفقودة جنوبًا وشرقًا؟
ويفسر المؤلف هذه الصورة عن الفشل، وفق تحليل مدعوم بأرقام ومقارنات بين مؤشرات عدة ديموجرافية واقتصادية (1991- 2021)، بالعوامل التالية:
- انخفاض عدد السكان نتيجة انخفاض الخصوبة وزيادة الهجرة.
- مؤشرات الفساد والأوليجاركية (تأجير الأرحام بأكبر نسبة عالمية تنافسية؟؟).
- الانتقال من أوكرانيا روسوفوتية ذات تركيبة عرقية ولغوية معقدة إلى أوكرانيا متجانسة تُظهِر منذ 2014 قدرة على مقاومة الروس. إلا أن التقييد على اللغة الروسية كان تضييقا على لغة الثقافة على مستوى البلاد.
وفي مقابل هذه المؤشرات عن “الفشل” كانت هناك مؤشرات أخرى للقوة:
- لم تكن أوكرانيا هي روسيا من حيث النسيج المجتمعي، فرغم استمرار الثقافة الأبوية في المجتمع الأوكراني إلا أن الثقافة الأوكرانية كانت أكثر انحيازًا إلى الديموقراطية الليبرالية وأقدر على الحوار من نظيرتها الروسية.
- وعبر تحليل ديموجرافي اجتماعي اقتصادي (مدعوم بالإحصائيات والخرائط)، تحليل عميق ومقارن للمجتمع والدولة الأوكرانية عبر فترة زمنية ممتدة قيصرية سوفيتية ما بعد سوفيتية، نستطيع استخلاص سمات كبرى تفسر ما أسماه المؤلف اللغز الأوكراني.
- فاوكرانيا لديها شعور قديم وقوى بكونها تمثل أمة متمايزة عن الروس.
- وكانت كيانًا، في نطاق إمبراطوري أو سوفيتي، مضطهدًا في البداية، باعتبارها أمة غير حضرية أو فلاحية، إلا أنها سرعان ما أضحت واحدة من أركان التنمية الصناعية مع لغة روسية هي لغة الثقافة العليا للمجتمع.
- لم تنجح أبدًا أوكرانيا في تكوين دولة خاصة بها “لم تكن يومًا ما يسميه “دولة – أمّة”، وذلك -وفق المؤلف- لغياب لغة مشتركة أو طبقات وسطى واسعة وقوية وحضرية، ولأن البلد أخفق في الخروج بسرعة من “الأزمة الذهنية الناجمة عن الخروج من الشيوعية”.
- لم تنمُ ديموقراطية ليبرالية في أوكرانيا، رغم مظاهر تعددية سياسية حزبية وحريات رأي وتعبير، وظلت الثنائية الإثنية اللغوية للبلاد عائقًا أمام هذا التحول والتحرك نحو الغرب نظرًا لاستمرار وجود أوكرانيا روسوفوتية في الشرق. مصممة على البقاء مرتبطة بروسيا بطريقة أو أخرى على عكس الأوكرانوفونيا في الغرب الأوكراني، وهو الذي يعد الأكثر قومية في أوكرانيا والأكثر توجهًا نحو الالتحاق بالغرب والأكثر قابلية للدفاع عن مشروع دولة –أمّة أوكرانية، إلا أنه لم يكن بمعايير عدة الأقوى مقارنة بأوكراني الشرق الأكثر ارتباطًا بالروس.
- ويزداد اللغز وضوحًا مع تزايد الهجرة الجماعية المتميزة اجتماعيًا من شرق أوكرانيا إلى روسيا ومن ثم أفول أوكرانيا الروسوفوينة في مقابل تذبذب الهجرة نحو أوروبا الأمر الذي انعكس على هشاشة الطبقات الوسطى إجمالا في أوكرانيا.
- ولم تنجح أوكرانيا منذ 2014 في تدعيم النزعة الديموقراطية، بل يرى المؤلف أن ثورة 2014 كان نهاية الأمل الديموقراطي؛ حيث تبلورت ثلاثة دوائر ديموجرافية أوكرانية لم تجمع على هذا التوجه الليبرالي الغربي.
ويخلص المؤلف على ضوء هذا التحليل التفصيلي الديموجرافي الاجتماعي السياسي إلى السمات التي ساهمت في تفسير داخلي للتصدي الأوكراني حتى الآن. فهو يقول (ص89-90): من ناحية …”في عام 2014 هي الولادة الحقيقية للأمّة الأوكرانية. وذلك من خلال تحالف القومية شديدة التطرّف غربًا والفوضوية –العسكرية في المركز، في وجه الجزء الروسوفيلي الذي ضعُف كثيرًا بفرار نخبته. هذه الأمّة الأوكرانية الجديدة، المُختزَلة والمكثّفة، هي من قاومت بفعالية هجوم الروس. يكفي النظر في الجغرافيا العسكرية للاجتياح بهدف الاقتناع: كان التقدُّم الروسي سهلا في المنطقة الجنوبية وصولا إلى خيرسون، بينما اصطدم بمقاومة صلبة في اتجاه كييف. مستويات المقاومة المختلِفة هذه تعكس العلاقة الخاصة لكلّ من المنطقتين بروسيا“.
يستدرك المؤلف (ص 96) من ناحية أخرىِ فيقول: “أوكرانيا ليست ديموقراطية ليبرالية، والثيمة الأيديولوجية- الصحافية حول ديموقراطيات ليبرالية غربية تهبّ لإنقاذ ديموقراطية ليبرالية أوكرانية وليدة، عبثية بصورة بيِّنة. إذا وُجِدت صِلةٌ بينهما، فهي تقوم على هوية من طبيعة أخرى”.
- أوروبا الشرقية لم تمثل مفاجأة، فإن الرهاب من روسيا أو علاقاتها مع نظيرتها الغربية كانا طبيعيان في نظر المؤلف. وذلك بالنظر بالطبع إلى تاريخ هذه العلاقات منذ عقود طويلة، وخاصة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ويشرح المؤلف هذه الحالة تاريخيًا ديموجرافيا على النحو التالي:
- فإن السڤيتة ما بعد الحرب لم تنزع ديموقراطية أو ليبرالية هذا الشرق الأوروبي لأنه كان سلطويًا مستبدًا دائمًا تفتك به معاداة السامية (ما عدا تشيكوسلوفاكيا) ومن ثم فإن توجهها بعد 1991 إلى الغرب هو الذي كان مفاجأة.
- وعلى العكس فإن ألمانيا الشرقية والمجر هما الأقل رهابا من روسيا رغم أنهما كان الأكثر كفاحًا من غيرهما في وجهها خلال الحقبة الشيوعية.
- إلا أن تاريخ بعض الدول مثل بولندا مع روسيا طيلة قرنين على الأقل يفسر هذا الرهاب البولندي، إلا أنه لا يفسر تعاطف بولندا مع أوكرانيا رغم عداوات تاريخية قومية بينهما.
كما يشرح المؤلف وجها آخر للعملة وهو زيف الاعتقاد، بالنظر إلى التاريخ الممتد، أن أوروبا الشرقية جزء طبيعي من أوروبا الغربية قسمه الحكم السوفيتي؛ ذلك لأن مسارات التاريخ منذ انقسام الامبراطورية الرومانية تبين التعارض بين الشقين مذهبيًا وثقافيًا ومجتمعيًا ومن ثم سياسيًا. …”ما يُظهره التاريخ بشأن الأوروبيتين الشرقية والغربية ليس انتماءً مشتركًا إلى صيرورةٍ وتحرُّريةٍ هي نفسها، بل تكامليةً في النموّ المتضاد بين الحرية في الغرب والقنانة في الشرق، مع محصِّلة بعيدة المدى تمثَّلت في الديموقراطية الليبرالية في الغرب والدكتاتورية في الشرق”. (ص102)
ويشرع المؤلف في تقديم تفصيل تاريخي ديموجرافي اجتماعي (محوره وضع الطبقة الوسطى مقارنة بالريف والحضر) يشرح هذا التضاد الذي أفرز السلطوية الشرقية (غياب طبقة وسطى قوية) والديموقراطية الليبرالية الغربية (وجود مثل هذه الطبقة).
ومن ثم لم يكن الاحتلال السوفيتي منذ 1945 في رؤية المؤلف هو العائق أمام ديموقراطية هذه الدول، بل يرى المؤلف أن “الطبقات الوسطى التي تمثل اليوم دعامة الديمقراطية على النمط الغربي وقادت انضمام بلدانها إلى حلف شمال الأطلسي تدين بوجودها إلى المنظومة الهرمية الاجتماعية القائمة على الجدارة الفردية الشيوعية. ويبدو لي أن كراهية روسيا تعكس نوعا من الزيف..”. ويستطرد المؤلف (ص110- 113) بعد شرح أسباب ودلالات التقارب الأوكراني البولندي رغم سوء الذاكرة التاريخية، بإجمال الآتي:
“يؤكِّد لي فكرةَ أنّ رهاب روسيا المستمر لدى الديمقرقراطيات الشعبية السابقة من شأنه أن يكون ببساطة شديدة ناجمًا عن دَين تاريخي تجاه المحتل السابق، لا واعٍ ومكبوت، ولا يُقبَل ولا يُسلَّم به”.
“أما أوروبا الشرقية، فُيحرِّكها زيف فادح، فهي تُقدَّم على أنّها ديمقراطية وليبرالية بطبيعتها، مع انتقادات لبولندا والمجر لاستسلامهما أحيانًا لبعض النزعات المحافظة، الواقع أنّ هذه الدول جميعها، ورغم تنوّعها، تسيطر عليها طبقات وسطى صنعتها الشيوعية، ووضعت بروليتارياتها بمجرّد تحرّرها في خدمة الرأسمالية الغربية“.
[4] ما هو الغرب وما هزيمته؟
عن أي هزيمة للغرب يتحدث الكاتب؟ إنها بالطبع ليست هزيمة عسكرية ولكن وبمقارنة دائمًا بروسيا هي هزيمة حضارية شاملة: اقتصادية واجتماعية بل ودينية، إنها هزيمة هيكلية جذرية بعد أزمة ممتدة هي في قلب أزمة العالم. فهو يقول (ص115):
…”الغرب ليس مستقرًا؛ حتى إنّه مريض. سنتناول تفصيلا هذه الحقيقة الفظّة في هذا الفصل والفصول الآتية. لكن الغرب لا يعاني من أزمة فحسب، بل يشغل موقعًا مركزيًا فيها. فوزنه، سواء الديمغرافي أم الاقتصادي، الذي يفوق وزن روسيا بما يتراوح بين سبع إلى عشر مرات، كما تقدُّمه التكنولوجي، وسيطرته الأيديولوجية والمالية الموروثة عن التاريخ الاقتصادي الممتد بين أعوام ۱۷۰۰ و ۲۰۰۰، يقودونا لا ريب نحو افتراض أنّ أزمة الغرب هي أزمة العالم…
فلنبدأ بتعريفٍ مُجدٍ للغرب…..
سأستمر في تناول الاقتصاد…..
… أيضًا سأواصل في ما له علاقة بالبُني الأسرية، مثلما فعلتُ بشأنَي روسيا وأوكرانيا. وسأولي الدِّين بوجهٍ خاصٍّ أهميةً حيويةً. ففي أصل النموّ الغربي، وفي صميمه، لا نجد السوق، والصناعة، والتقنية، بل نجد، كما ذكرتُ في المقدِّمة دينًا مخصوصًا هو البروتستانتية…
… فإذا كانت البروتستانتية هي فعلا، كما يؤكِّد فيبر، رحِم نهوض الغرب، فإنّ موتها اليوم سبب تفتُّت هذا الغرب، وبلا زخرَفةٍ: سبب هزيمته. أدرج هنا المدى الزمني الطويل للتاريخ الديني في التحليل السياسي الآني.
…. فمن أجل تكهُّن ما إذا كان أفولٌ جزئي أو كلي لا يُعكس، تنبغي معرفة أسباب الصعود، لا في المجال الاقتصادي فحسب. فمن أجل تفسير تبخُّر الدولة -الأمة، علينا تحديد القوى التي أتاحت ولادتها.”…
- وما طبيعة الغرب الذي يستدعيه ليشرح هزيمته وأي هزيمة؟ هو يضع معيارين لتحديد الغرب: أحدهما واسع لناحية النهوض التعليمي والنمو الاقتصادي فيضم الدول الكبرى (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان)، والمعيار الآخر أضيق نطاقًا يشترط “المشاركة في الثورة الليبرالية والديمقراطية تاريخيًا”، وهي ثلاثة: ثورة انكلترا 1688، إعلان الاستقلال الأمريكي 1776، الثورة الفرنسية 1789. ومن ثم فإن المؤلف يرى أن الغرب “الواسع” ليس عبر تاريخه ليبراليا.
ورغم ذلك رفض الغرب النظر إلى روسيا بعد 1991 إلا باعتبارها قيصرية أو شيوعية، في حين أن ألمانيا وإيطاليا واليابان لم تعد النماذج النازية أو الفاشية أو العسكرية على التوالي…
ولذا فإن تود يستبعد العامل “الليبرالي الديمقراطي” فقط في تحديد الغرب وينطلق من الاقتصاد السياسي منذ مجامع البعد البروتستاني. ومن ثم فإن اقترابه الاقتصادي السياسي ليس اقتصاد سياسي وضعي واقعي ماركنتيلي يبحث في العلاقة بين الاقتصادات والسياسات العلوية أي للدول والشركات، ولكن يقدم رؤية اقتصاد سياسي عالمي نقدية تبحث عن موضع “القيم والأخلاق” من البني الأسرية والمجتمعات والناس في تطورهم عبر أجل زمني ممتد، كيف كانت البروتستانية منطلقًا لنمو اقتصادي وكيف حين تراجعت تراجع الاقتصاد ومنظومة القيم الليبرالية الديمقراطية الغربية التي يصفها تود بالهزلية.
- ولم يسقط تود من تحليليه “الديمقراطية الليبرالية” التي وصفها بأنها معيار هزلي لتعريف الغرب. بل تصدى لها على مستويين (ص119- 123) من ناحية: رفض الدفاع عن ديمقراطية لم تعد موجودة بل ووصف الديمقراطيات الغربية بأنها مأزومة “وأنها تعيش في مرحلة ما بعد الديمقراطية” في حين أن الدول الغربية الكبرى ما زالت تقدم نفسها للعالم بأنها ديموقراطية. ويستدعي المؤلف ثبتًا ممتدًا (منذ 1995) لمؤلفات تصف “الغرب” بالأسوء، ويهدف من ذلك “إظهار عدم غرابة وهامشية فكرة وجود ديموقراطية غربية في أزمة ختامية. وأنها فكرة شائعة وتحظى بقبول، مع فروق لا شك بين عدد كبير من المثقفين والسياسين”..”إنها نموذج مثالي للانحطاط الديمقراطي” (ص121- 122).
المستوى الثاني هو وصف الديمقراطية الليبرالية بأنها أضحت أوليجاركية ليبرالية ومقارنتها بما يصفه الغرب الديمقراطية السلطوية الروسية، كل ذلك باستخدام مؤشرات تعليمية واقتصادية وقانونية بل وانتخابية.
- لماذا أزمة الغرب أزمة ختامية لا رجعة فيها وما هي مؤشراتها؟
لا يقتصر تود على مؤشرات التراتب الاجتماعي الهرمي الجديد الناتج عن التراتب التعليمي أو الاقتصادي ولكن يرى أن هذا التراتب الجديد، الذي ينسف قيم الديموقراطية الليبرالية، قد أدى إلى “نسف معتقدات وقوى اجتماعية”… على نحو أدى إلى تشظٍ للهويات وتذرية المجتمع. وفي المقابل فإن جهاز الدولة يكسب حين يتجزأ المجتمع إلى أفراد.
والجدير بالملاحظة رؤية تود عن العلاقة بين الدين والمعتقدات والمجتمع ومن ثم القدرة على إدارة حرب فيقول (ص 126- 128):
“… يقع الدين، أو بالأحرى تفتُّته، في صلب نموذجي كما ذكرتُ سابقًا. كانت المسيحية المصفوفة الدينية لمعتقداتنا الجماعية اللاحقة كافة: في أرجاء أوروبا، الأمّة أو الطبقة؛ وفي فرنسا تحديدًا، الراديكالية الاشتراكية، والاشتراكية، والشيوعية، والديغولية؛ وفي بريطانيا، العُمّالية والمحافظة؛ وفي ألمانيا، الاشتراكية الديموقراطية والنازية، وطبعًا الديموقراطية المسيحية. أما في أميركا، فهيكلت الديانة البروتستانتية الحياة الاجتماعية بتفاعليّةٍ مع الشعور العرقي.
….. الطور تظهر المعتقدات البديلة، وهي عادةً أيديولوجيات سياسية قوية تنظِّم الأفراد وتهيكلهم كما كان الدين يفعل. ورغم الاضطراب المحدث بتراجع الإيمان الديني، بضراوةٍ، هي تجلٍّ مثالي لحالة زومبى للدين.
…. ليست الحالة زومبي نهاية الرحلة. فالسُّنَن والقيم الموروثة عن الدين تذبل أو تتفجّر، ثم تختفى أخيرًا. عندها، عندها لا غير ، يظهر ما نحن في صدده الخواء الديني المطلق، مع أفراد محرومين من أيّ معتقد جماعي بديل. إنها الحالةُ صفر للدين.
….. إذا كان بلوغ الحالة الدينية صفر هو ما أدى إلى تلاشي: شعور الأمّة، وأخلاقيات العمل، ومفهوم الأخلاق الاجتماعية الملزِمة، والقدرة على التضحيه من أجل المجموع، أي هذه الأشياء كلّها التي يصنع غيابُها هشاشةَ الغرب في خلال الحرب، يصير بيِّنا أنّها أشياء لن تعود إلى الظّهور فى غضون السنوات الخمس المقبلة، أي المسافة الزمنية التي قدّرتُها للروس من أجل إنهاء حربهم بنجاح.“…
[5] من انتحار أوروبي… إلى عصابة واشنطن… ولماذا بقية العالم اختارت روسيا؟:
(أ) تقدم الفصول من الخامس إلى السابع تحليلا ديموجرافيًا اجتماعيًا ثقافيًا اقتصاديًا لغرب أوروبا يشرح تفصيليًا الوجه الآخر للعملة… لماذا فشل الغرب في توقع صمود روسيا واستمرارها في الحرب، وهو الشرح الذي رسم المؤلف خريطة ملامحه في الفصل الرابع…
“تطاير الصناعة الأمريكية، هشاشة الناتج المحلي الحقيقي الأمريكي، الاعتماد على السلع المستوردة، نوعية واحجام المنتجين الحقيقين، الاعتماد على العمالة المستوردة، مرض الدولار العضال… هذه هي العناوين الفرعية “للفصل التاسع” عن حالة الاقتصاد الأمريكي الذي وصفه المؤلف بالهشاشة والتقهقر. بعد أن وصف المجتمع الأمريكي في الفصل التاسع “اوليحازكية وعدمية”.
- ثم قفز المؤلف إلى الوجه الأخير للعملة وهو “عصابة واشنطن” عنوان الفصل العاشر ويقصد بها المؤلف “مجموعة الأفراد الذين يديرون عمليًا السياسة الخارجية لهذه القوة العليلة التي صارت إليها أمريكا… التي قادت الغرب بميولها وقراراتها إلى حدود روسيا”.
وهذه النخبة، في إدارة بإيدن التي تقود الحرب في أوكرانيا يصفها المؤلف بالآتي:
من ناحية: لم تكن من Wasp ولم يكن هذا عملا مقصودًا لأن الواسب أضحوا “يحملون بروتستانية صفر” لأن مع “نتاج الدين والأخلاق صفر أصلا” لم تعد الاختلافات الدينية والعرقية والتعليمية تهم احدًا. وبذا ترتب آثار اجتماعية مهمة على غياب نخبة الواسب … حيث لم يعد هناك وجهة معينة أو أهداف أخلاقية مشتركية… لم يعد هناك إلا سلطة خالصة أسقطت نفسها على العالم الخارجي بإثيار القوة العسكرية والحرب. بعد أن كان للواسب في تاريخ أمريكا دور تحرري لأنها كانت نخبة متماسكة متجانسة حافظت على ما هو جيد في البروتستانية واتبعت سياسة خارجية تقوم على الدفاع عن الحرية…
من ناحية ثانية: فإن المجموعة الحاكمة الحالية المكرسة للحرب يمثل فيها الأمريكيون من أصل يهودي تمثيلا زائدًا على نحو دفع المؤلف إلى التساؤل “هل تلاشي الذكاء اليهودي”.
من ناحية ثالثة: لم تعد “نخبة أو عصابة واشنطن إلا مجموعة تفتقر لأي روابط فكرية أو ايديولوجية خارج إطارها الضيق المصلحي بل آمنت أن الأداة العسكرية هي ضمان حيوية الديمقراطية الغربية على الكوكب ..(التي شرح المؤلف من قبل كيف تواجه أزمة وتفكيك).
ومن ناحية رابعة: الحالة صفر للدين لدى النخبة هي أيضًا حالة صفر للذاكرة. فالغياب التام للوعي التاريخي يفسر لديها لماذا لا يزعجها ماضي أوكرانيا (المعادي للسامية) والنازية الجديدة للقومية الأوكرانية، ومن ثم لا يهمها إلا عظمة الامبراطورية الأمريكية. حيث يرون أن الحرب وسيلة لإنهاك روسيا ديموجرافيا ولن تساهم في تدعيم الأمة الأوكرانية بل وتدميرها.
- وأخيرًا، وبعد ماراثون تفصيلي مع تطورات الديموجرافيا والاقتصاد والمجتمع: في داخل كل من روسيا وأوكرانيا وشرق أوروبا وغرب أوروبا وأمريكا، وآثارها على قرارات الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وبعد أن تبلورت رؤية المؤلف الاستراتيجية عن مسؤلية كافة الأطراف المذكورة، من داخلها، من عميق تكوينها الأنثروبولوجي والاقتصادي والسياسي، عن اندلاع الحرب ومسار استمرارها بل ومآلها… يقدم المؤلف في الفصل الأخير والخاتمة ما يدعم رؤيته هذه: روسيا تدافع عن نفسها وتصمد والغرب يدير حربًا تكشف عوراته وتقوده إلى الهزيمة..
عنوان الفصل الحادي عشر: لماذا بقية العالم اختارت روسيا؟ يكشف بوضوح عن مضمون هذه الرؤية بل ويؤكد به المؤلف زيف ووهم قناعات الغرب عن الحرب وذلك في ظل استمرار اعتقادهم بأنه مازال في مركز العالم بل أنه يمثل العالم كله وأن هذا العالم، باستثناء روسيا، مستغرق في إكبار قيمه. فتأتي مواقف معظم العالم، سواء من أدان روسيا ووافق على العقوبات، ومن أدان فقط ومن طالب بحل سلمي، لتثبت عكس ذلك…
ويفسر المؤلف رؤيته هذه بأمرين (ص247- 248):
…”حقيقة العالم هي التضاد المزدوج، اقتصاديًا وأنثروبولوجيًا، الذي يضع “البقية” في وجه الغرب…
- ينبع التضاد الاقتصادي من حقيقة بسيطة جدًّا مفادُها بأنّ الكوكيبة لم تكن سوى إعادة استعمار للعالم على يد الغرب، تحت قيادة أميركية لا بريطانية في هذه المرّة.
- أما التضاد الأنثروبولوجي فينتُج من جهته من وجود بني أسرية ومنظومات قرابة في غالبية بلدان “البقية” متعارضة مع التي للغرب.
تعيش روسيا من مواردها الطبيعية وعملها، ولا تنوي بأيّ طريقة فرض قيمها على العالم. كما أنّها لن تملك وسائل لاستغلال “البقية” اقتصاديًا أو تصدير الثقافة نحوهم. وحيال دولة أميركية تعيش على كدِّ هؤلاء وتعرض عليهم ثقافة عدمية تمتدحها، بدت روسيا لصورة عامة أجدر بالتفصيل، أسهَمَ الاتحاد السوفياتي بقوّة في [عملية] إنهاء الاستعمار الأولى، فيما تتوقَّع جمهرةٌ من الدول الآن إسهام روسيا في الثانية“….
ثم يشرع المؤلف من خلال التحليل الاقتصادي السياسي المندمج مع تحليل اجتماعي ثقافي أخلاقي في استدعاء الأبعاد الدولية الخارجية (التاريخية والمعاصرة) لتوجهات وسياسات خارجية لكل من الغرب وروسيا.
وذلك على نحو يبرز أولا: استغلال العالم اقتصاديًا على يد الغرب، في مقابل، أن المواجهة الاقتصادية في المقام الأول ليست بين روسيا والغرب. وذلك تفاديًا لتصعيد تعقيدات المواجهة العسكرية التقليدية أو النووية بين روسيا والناتو… وتفاصيل الحرب الاقتصادية الغربية على روسيا (حصار عقوبات، تحالفات) كبيرة ومعقدة ومتشابكة الأطراف ويرى المؤلف أنها لا تجدي حتى الآن مع روسيا..
ثانيًا: يشرح المؤلف كيف أن أمريكا، بعد أن كانت واعية بتنوع العالم بعد 1945، حل تدريجيًا لديها تصور موحد الشكل عن شعوب العالم. في حين كان سقوط المنظومة السوفيتية يعلن عن تصور جديد عن تنوع العالم. ومن ثم بررت أمريكا لنفسها نزعة التدخل العسكري، في شئون الدول لتصحيح العالم ليصبح أكثر تجانسًا وموحدًا بأن يغدو ديموقراطيًا ليبراليًا. إلا أن المؤلف يقدم كعادته تفسيرًا أنثروبولوجي مفاده عدم تجانس البني الأسرية في شعوب العالم مع متطلبات النموذج الديمقراطي الليبرالي الذي أفرزته تاريخيًا الواسب وطبقته بطرق مختلفة.
وثالثًا: وفي المقابل يصل المؤلف (ص261- 262) فيما يتصل بتوجه السياسة الروسية الجديدة إلى وصفها “القوة الناعمة الروسية الجديدة”. وذلك انطلاقًا من خريطة رهاب المثلية الجنسية؟؟
فيقول…”صارت مسائل القيم والسلوكيات مهمة بغرابةٍ في العلاقات الدولية. فالغربيون يدينون بالتأخُّر أيّ بلد يعادي أيديولوجية مجتمع الميم LGBT. هُم واثقون بأنّهم يجسِّدون حداثة كونية، إلا أنّهم لا يُدرِكون أنّهم يخسرون مصداقيتهم ومكانتهم في أعين العالم الأبوي النّسب والمعادي للمثليين والمعارض بحكم الأمر الواقع للثورة الغربية في القيم والسلوكيات…
… في مثل هذا السياق، يصبّ في مصلحة بوتين اتهامُ روسيا باحتدادٍ بمناهضة المثليين، ومزدوجي الميول الجنسية، والمتحوِّلين جنسيًا، فيتخيّل العربيون أنّ التشريعات القمعية المتزايدة (منذ بداية الحرب بوجهٍ خاصٍّ) لمجلس الدوما ضد المثلية الجنسية وحقوق المتحوِّلين جنسيًا، تثبِت للعالم أنّ روسيا شنيعة. لكنّهم يخطئون. فروسيا تعلم أنّ سياساتها المتّصفة برهاب المثلية الجنسية والمناهِضة للمتحوِّلين جنسيًا، لا تُنفِّر الدول الأخرى منها، بقدر افتتان كثيرين بها. تهبُها هذه الإستراتيجية الواعية قوّة ناعمة وافرة. فخلَفًا للقوّة الناعمة الثورية للشيوعية، جاءت القوّة الناعمة المحافظة لحقبة بوتين.”…..
إن هذه الصورة المزدوجة المتضادة عن الغرب وروسيا اقتصاديًا وثقافيًا وقيميًا التي قدمتها فصول الكتاب بصفة عامة والفصل الحادي عشر بصفة خاصة، لابد أن تثير نقاشًا بحكم أنها صورة مطلقة وانتقائية في نفس الوقت: تسقط تاريخًا روسيا وسوفيتا حديثًا ومعاصرًا باعتبارها قوة استعمارية امبراطورية، كما تسقط جوانب اقتصادية وثقافية هامة في هذا التاريخ تدحض وصف المؤلف روسيا بالقيمية والتعددية الثقافية أو التنافسية. والتكاملية الاقتصادية في مواجهة الهيمنة الغربية الرأسمالية. فأين تاريخ الروسنة والسوفيتيه في القوقاز وآسيا الوسطى منذ أوائل القرن التاسع عشر؟ وأين استبداد الحزب الواحد الشيوعي بالحريات الدينية والسياسية والاقتصادية وأين تواريخ الانقلابات العسكرية والتدخلات العسكرية في ظل الحرب الباردة في العالم الثالث؟
ومن ناحية أخرى هل تسعى روسيا الجديدة والصين الصاعدة من خلال البريكس مثلا لإسقاط الهيمنة الرأسمالية الغربية وإقامة نظام عالمي جديد أم تتسلح بأدوات في المنافسة العالمية وحتى تستبدل هيمنته بهيمنة أخرى وأن اختلفت شكلا ومضمونًا؟ وهل ردود الفعل تجاه العقوبات الغربية على روسيا والسياسات المضادة الروسية تكفي للحكم أو القول أن العالم اختار روسيا كرهًا في الغرب وطمعًا في رورسيا؟؟ هل العامان المنصرمان من الحرب (أكتوبر 2023- أكتوبر 2025) يقدمان إجابات مختلفة عن توجهات الكتاب الكبرى؟
إن التحليل الأنثروبولوجي والاجتماعي السياسي، والثقافي الديني، داخليًا، شديد الأهمية لتفسير أبعاد داخلية تؤثر في توجهات وسياسات خارجية تجاه مناطق وأزمات وحروب مثل الحرب الروسية الأوكرانية. ونتذكر هنا مثلا التفسيرات المتعددة للحرب العالمية الأولى والثانية ولنهاية الحرب الباردة بدون حرب، ولحروب الخليج الأولى والثانية والثالثة وللحروب الإسرائيلية العربية…إلخ.
إلا أن “الحرب الروسية الأوكرانية” التي يحكم المؤلف على هزيمة الغرب فيها، بعد عام ونصف من اندلاعها أو على الأقل يجعلها كاشفة لما وصل إليه عوار الغرب أخلاقيًا واقتصاديًا و… هي قضية دولية، قضية عالمية بدرجة واضحة تستدعي عوامل إضافية لتفسير اندلاعها أو مسارها أو مآلها، إلى جانب العوامل الداخلية الأنثروبولوجية الثقافية الاجتماعية التي ركز عليها المؤلف. وهي عوامل خارجية خاصة بإدارة الحروب وفق توازنات القوى الدولية التي تلعب فيها أدوارًا هامة عوامل أخرى إلى جانب العوامل الداخلية مثل التحالفات والتحالفات المضادة والاستراتيجيات العسكرية العالمية للطرفين…
ولم يغب عن المؤلف، ولو في آخر فصول الكتاب هذه الطبيعة الدولية العالمية للقضية الأوكرانية، تتفاعل حولها السياسات الخارجية والاستراتيجيات العسكرية الغربية والشرقية على حد سواء. ومن هنا جاءت “خاتمة الكتاب”…
- إذا كانت خاتمة الكتاب: قد حملت عنوانًا آخر موحيًا “كيف وقعت الولايات المتحدة في الفخ الأوكراني (1990- 2022)” فلقد استدعى فيها المؤلف تاريخ تطور القضية المعاصر عبر مراحل متتالية: الطور السلمي (1990- 1999)، العجرفه (1999- 2008)، الانكفاء الأمريكي والعجرفة السلمية المميزة الألمانية (2008- 2016)، فخ العدمية الأوكرانية (2016- 2022). وتحمل هذه العناوين في حد ذاتها دلالات هامة عن تقييم المؤلف لطبيعة توجه السياسة الأمريكية وقراراتها وأدواتها نحو “القضية الأوكرانية” كقضية عالمية تتفاعل حولها سياسات خارجية لعدة قوى أوروبية وأمريكية وروسية في أطر أوسع: أمن أوروبي، أمن أطلنطي، أمن عالمي، تحول توازن قوى عالمية، مستقبل النظام العالمي.
ويضيف “تذييل الكتاب” إضافة أخرى شارحة لرؤية المؤلف عن ماهية وحقيقة “الولايات المتحدة ومحركات سياساتها”…ويكشف مرة أخرى عنوان التذييل “العدمية الأمريكية: الدليل بغزّة” عن هذه الرؤية. والمؤلف لا يتصدى بالطبع لتوجه أمريكا تجاه “غزة”. وقد اندلع الطوفان بعد أيام من جفاف حبر قلمه الذي وقع به خاتمة الكتاب 30/9/2023. ولكنه وظف الموقفين الأمريكي والأوروبي شديد الاندفاع في تأييد العدوان الإسرائيلي على غزة لاستكمال رؤيته عن موقفهما تجاه “روسيا وأوكرانيا”.
فقال: “إن دعم الولايات المتحدة للحرب على حماس هو وسيلة لكي ينسى العالم أنها تخسر الحرب في أواكرانيا. وفي المقابل قدم المؤلف حكمًا وانطباعًا سريعًا متفائلا عن فرص روسيا من وراء “غزة” فقال: “إن الهيئة الصقورية لإدارة بايدين منحت روسيا فرصة الظهور بمثابة قوة سلام رغم كونها في حرب، وبالنسبة إلى العالم العربي صارت روسيا الدرع الوحيد الممكن ضد عنف الولايات المتحدة”…؟ هل تحقق هذا عبر العامين من طوفان الأقصى؟ بالطبع لا.
فلقد كانت المقاصات الاستعمارية تجري وراء الكواليس عبر العامين الماضيين ولا يمكن وصف “المواقف الروسية” إلا بأنها مواقف باهتة مراقبة عن بعد. ومن أحدث الأمثلة الكاشفة الامتناع عن التصويت مع الصين على مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن في 15 نوفمبر (ولهذا الحديث موضع آخر).
(8) مفاد القول في خاتمة هذه المراجعة مزدوج يأتي على مستويين: الأول خاص بالكتاب ذاته والثاني خاص بدلالاته المعرفية والسياسية المعاصرة لأمتي العربية والإسلامية.
المستوى الأول المتصل بالكتاب ذاته يقول لنا:
عن منظور المؤلف ومنهاجيته وعن رسالة الكتاب الظاهرة الواضحة.
- منظور المؤلف: نقدي يساري بدرجة واضحة، يركز على الهياكل والبني الأسرية الاجتماعية والاقتصادية ولكنه يستدعي أحيانًا ما يتصل بالدين والقومية والثقافة والأخلاق والقيم، يركز على الداخل بالأساس: الأسر، الجماعات، الطبقات (الريفية، الحضرية، الوسطى، العمالية…) ويستدعي عند الضرورة سلوك خارجي أو تفاعلات دولية. ويمتد ببصرة من الراهن إلى المعاصر إلى الحديث إبرازًا لجذور تاريخية للوضع القائم.
- لغة الأرقام هامة ولكنها ليست مصمتة. وهو يولد منها معرفة: تحليلا وتطورًا ومن ثم تفسيرًا ورؤية.
- يتم استدعاء حالات دراسية محددة في كل فصل، مع المقارنات عبر الفصول. بين الدول المعنية في الغرب والشرق.
- رغم التوجه الواضح منذ عنوان الكتاب ومقدمته عن موقف المؤلف بين “الشرق الروسي والغرب” إلا أنه حرص على “العلمية بالمعنى الواسع” وليس الضيق السلوكي فقط (الموضوعية الغامضة؟؟) لأنه يبدو بل ويعلن منذ البداية تحيزاته وهي ليست عشوائية حماسية ولكن علمية منظمة، شديدة التعقيد والتركيب تثير تعليقًا أو تساؤلا تحت كل عنوان فرعي في كل فصل، وإذا كانت العناوين الكبرى والفرعية دالة عن هيكلة الموضوع في مجمله وفي فرعياته… إلا أن المضامين تستدعي نقدًا من رؤى أخرى أو من تخصصات أخرى كما في حالة تخصص العلاقات الدولية. فإن الكتاب يحلل هزيمة في حرب ولكن من مداخل سوسيولوجية ديموجرافية، جيوسياسية مركبة…
إلا أن دراسة القضايا العالمية وحروبها تقتضي مداخل إضافية لاستكمال تفسيرها كما جاءت الإشارة في أكثر من موضع سابق.
(ب) رسالة الكتاب السارية، والخيط الناظم عبر فصوله عن الغرب هي:
أزمة الديموقراطية الليبرالية الغربية أزمة حضارية كلية وليس أزمة جزئية، ولا يمكن قلب أو عكس مسار هذه الأزمة. فهي أزمة نموذج حضاري، ذات جذور اقتصادية وفكرية ودينية. وبعد أن مر هذا النموذج بدورة كاملة من الصعود فهو الآن يصل إلى المحطة الأخيرة من دورة الهبوط. وعبر هذه الدورات صعودًا أو هبوطًا ينعكس تأثير غير المادي على المادي، ويتضح من الكتاب كيف أن حالة “غير المادي” الراهنة في الغرب قد انعكست (وفق رؤية المؤلف) في شكل “الهزيمة” الراهنة، ورغم أن المادي الغربي ما زال قويًا إلا أن هذا التحذير أو الإقرار من المؤلف بهزيمة هذا النموذج، ولو في هذه الحرب المفصلية الراهنة، إنما هو ناجم عن تدهور غير المادي. وهكذا يقدم الكتاب نموذجًا تكرر عبر التاريخ ومع حضارات أخرى عن أنماط التفاعل بين المادي وغير المادي:
كيف أن “موت النموذج” يبدأ من “الهزيمة” انطلاقًا من “القيمي والمعنوي”، كما شهد تدشينة وتطوره أيضًا الشد والجذب بين المادي وغير المادي.
هذه الرسالة تبرر السؤال كيق سيكون “موت الغرب ومتى”؟ والتاريخ يقول لنا أن “الهزائم في الحروب” أنماط مختلفة منها ما هو كاشف عن الضعف ومنها ما هو كاشف عن النهاية. ولنا في تاريخ الإمبراطوريات الغربية المتتالية عبر التاريخ، بل وفي تاريخ الامبراطورية العثمانية ذاتها عبرة وذكرى. والمؤلف ذاته يتوقع خمس سنوات حتى تنتهي الحرب (ص121)… فكيف ستكون هذه النهاية وما ستكون دلالاتها عن حالة التوازن الروسي الغربي، بل والعالمي؟
(جـ) ولهذه الرسالة وجه آخر عن “روسيا المعاصرة” وعن مآلها على ضوء تاريخها هي الأخرى (القيصري ثم السوفيتي) وهو التاريخ الذي لم ينفك أبدًا عن التوجه غربًا والاشتباك (التعاوني أو الصراعي) مع الغرب إقدامًا أو إدبارًا عودة للشرق.
فمضمون الكتاب ليس عن “الغرب” فقط ولكنه ابتداء من مقدمته وحتى آخر عنوان “كيف وقعت الولايات المتحدة في الفخ الأوكراني (1990- 2022) هو عن “روسيا والغرب” وعلى ساحة كاشفة هي “أوكرانيا” الراهنة والتاريخية.
ولذا فإن الكتاب هو “نمط من المقارنة” المنظمة بين الجانبين: ابتداء من تكريس فصول ثلاثة أولى خاصة بالشرق: روسيا وأوروبا وأوكرانيا وصولا إلى إعلان المقارنة الواضحة في الفصل الرابع فهو يقول (ص116- 119): ….”سأعتمد في الصفحات التالية التعريف الواسع للغرب، لأنّه ببساطة يطابق منظومة السلطان الأميركية، لكن من دون إغفال الوجودّين المتزامِنَين لغرب ليبرالي وآخر سلطوي كان يمكنه شمول روسيا لو سُلِّم بتقدُّمها بين 1990 و2006.
…. تبدو فكرة المعارضة الجذرية مع روسيا غربيةً على أقل تقدير في ضوء التعريف الواسع للغرب، المشتمِل على ألمانيا. فبدلا من ذلك نأخذ انطباعًا بصلة قربي، بتواطؤ تاريخي جزئي بخاصةٍ في إيلاء الشمولية مع إتاحة الأسرة الجذعية للنازية، مقابل إتاحة الأسرة الجماعتية للشيوعية، لكن حتى إذا أمسكنا بالتعريف الأكثر تقييدًا لغرب هو مهدً الديموقراطية الليبرالية، فنحن نواجه عبثيَّةً. فالغرب يُعلن اليوم تمثيلَه الديموقراطية الليبرالية في وجه الأوتوقراطية الروسية (مثلا)، فيما الحال أنّ هذه الديموقراطية الليبرالية تخمد في النواة الصلبة الأنغلو-أميركية –فرنسية المُبتَدعهة لها بالفعل”....
رسالة هامة معرفية وفكرية وسياسية ليست ناقدة للغرب وشارحة لهزيمته فقط ولكن تحمل أيضًا، بصورة ظاهرة معلنة، تنبيها إلى أن هناك نموذج آخر يتشكل من رحم هزيمة سابقة، (بدون حرب) وهو روسيا منذ 1991، وأن على الغرب إلا يستخف بتحديه، حول شرق أوروبا وأوكرانيا وغيرهما. فهكذا تبدا المفاصل التاريخية في تحول النظم الدولية: قرن أو قرنان من تراجع الأقوى في مقابل نمو متصاعد للمنافس على المركزية العالمية. وتتعدد عوامل التشكل الجديد بقدر ما تتعدد ساحات المنافسة. وأن الأمر لا يتصل بقوة مادية فقط للنخب والحكام ولكن بعوامل ثقافية واجتماعية عن الشعوب.
المستوى الثاني: يتصل بأهمية الكتاب المعرفية والحضارية المقارنة بالنسبة لفضائنا العربي الإسلامي: وهي دلالة مزدوجة كالآتي:
- دلالات بالنسبة للمهتمين بالمقارنات المعرفية بين النقدية الغربية المعاصرة التي ينتمي إليها (المؤلف) والنقدية الحضارية الإسلامية المعاصرة بحثًا عن المشترك أو المختلف في الإنتاج العلمي حول صعود وسقوط الأمم أو الحضارات أو القوى العظمى.
فإن الشرق والغرب دائمًا في قلب وجهين لعملة واحدة: الوجه الأول: هو لغة فلسفة وتاريخ الحضارات والأمم سواء من رؤية إسلامية أو غربية وضعية على ما بينهما من اختلافات بسبب اختلاف المرجعية.
الوجه الثاني: يتحدث عما يسمى في نظرية العلاقات الدولية والنظرية السياسية الدولية بصفة خاصة، التغيرات والتحولات في النظم الدولية التاريخية. وهذا الوجه ركز بدرجة أكبر في الأدبيات الغربية على “التحولات النظمية” في التاريخ الغربي، مسقطًا الخبرة التاريخية الإسلامية، وهو الأمر الذي تداركته واستكملته مدرسة “المنظور الحضاري الإسلامي للعلاقات الدولية”.
وحيث إن الكتاب يقدم نموذجًا نقديًا يهتم إلى جانب تركيزه على الأبعاد الديموجرافية الاقتصادية، بالأبعاد الدينية والثقافية لحالة الغرب في مواجهته الراهنة مع روسيا على أرض أوكرانيا فهو بهذا يتقاسم اهتمامًا مناظرًا مع أدبيات نقدية أيضًا من مرجعية حضارية إسلامية. والقاسم المشترك هو منطقة الإنسان والقيم سواء غربًا وشرقًا. ولكن تظل اختلاف المرجعيات علمانية أو إسلامية ذات دلالة بالنسبة للتمايزات حول هذا القاسم المشترك سواء في دراسات فلسفة الحضارات أو تطور النظم الدولية التاريخية.
فالحضارة الإسلامية صُبغت بصبغة مرجعيتها، نشأت ونمت وتطورت قوة وضعفًا وفق قواعد وأسس المرجعية الإسلامية… المنطلق هو العقيدة الإيمانية وثوابت الأحكام ومقاصد وسنن الشريعة. فلقد كان لكل من الصعود والهبوط قواعده وأحكامه وسننه الشارحة من نفس المرجعية.
وعلى العكس فإن الحضارة الغربية الحديثة انطلقت دائمًا من منطلقات علمانية صبغت طبيعة هذه الحضارة وأسست لنمط قوتها وصعودها في ظل “العلمانية والتنوير والحداثة” وموت الله… وحين تصل الآن إلى ذروة تقدم مادي (إنتاجي، استهلاكي) مقارنة بغيرها يبرز خطاب “التحذير من أثار الضعف بل والانهيار القيمي الأخلاقي نتيجة تراجع بل وغياب البعد الديني..”
إذن الانهيار القيمي والأخلاقي الآن حاضر على جانب الشرق والغرب على حد سواء ولكن في ظل فجوة شديدة الأتساع والعمق من حيث “المستوى الحضاري المادي”؟؟؟ ولذا يظل سؤال قائم وهو كيف للقوي المادي في الغرب أن ينهار وكيف تكشفه الهزيمة في حرب أو عدة حروب؟
- وبالنسبة للأهمية المعاصرة المقارنة بين حالة الغرب وحالة الأمة الإسلامية: ماذا بعد تواتر هذا الحديث عن مآل الغرب أو تأكل قوته العظمى الأمريكية التي تكاد تفقد هيمنتها… كيف نتقبله نحن كعرب ومسلمين… ندير ظهرنا إلى روسيا “الشرق الأقصى”؟ نبحث عن مهيمن جديد؟ أم نستثمر فرص المناورة في المراحل الانتقالية من تطور النظم الدولية؟ أم نزداد انسحاقًا أمام توحش الغرب المتزايد وهو الموشك على الانهيار، وفق أطروحات أبنائه النقدية؟ أم نكذب عيوننا وإذاننا ونصمها عن هذا الكلام الذي لا يصدقه وعينا المتهاوي المستمر في انبهاره بالمتغلب حتى ولو كان هذا الأخير يفقد تغلبه؟ ألم يعد لدينا ما نخاف أن نفقده إذ استمرينا نحن في الانهيار؟ هل لا بد أن يقفز أمامنا درس عن مصدر وماهية التغيير المنشود من داخلنا أم نظل أسرى استيراده من الخارج كما ظللنا نفعل طيلة أكثر من قرنيين تحت وطأة الهزائم والتدخلات الخارجية؟
إن هذا النمط من التأليف الغربي أي النقد الذاتي على غرار كتاب “هزيمة الغرب” بقدر ما يقدم نماذج للتفكير التحذيري التنبيهي للغرب عن قرب السقوط وبقدر ما يذكرنا بنظائر له في تاريخنا الحديث القريب (قرني سقوط الدولة العثمانية).
فمن هذه الكتابات ما حذر الدولة العثمانية من أن أسباب الضعف والتراجع هي داخلية بالأساس وفي هناصر القوة المادية بدرجة أخص. ومنها من حذر من الإصلاح على وتيرة الغرب أو تحت ضغوطه وتدخلاته الخارجية المتزايدة في الداخل العثماني وخاصة بعد الهزائم العثمانية العسكرية الكبرى. ذلك لأن حديث الضعف أو الاصلاحات والتغييرات الداخلية المطلوبة من العثمانيين كان يعقب مشاهد الهزيمة أو التحدي على صعيد أزمات أو حروب مفصلية، مثل حرب القرم (1853- 1850) والأزمة البلقانية (1875- 1878) والحروب البلقانية (1912- 1913) في تاريخ تصفية الإرث العثماني في البلقان وشرارة اندلاع الحرب العالمية الأولى.
ونستطيع القول إن الحرب الروسية الأوكرانية (2022-…….) بعد إرهاصاتها الأولى (2014 – 2015) تقدم مفصلا آخر في تاريخ المواجهة الروسية الغربية المعاصرة (1917-……) أو تاريخ هذه المواجهة الحديث منذ نهاية القرن الثامن عشر الميلادي وعبر عدة مفاصل من المواجهة العسكرية والسياسية اتسمت دائمًا بمدرك استراتيجي غربي مفاده إبعاد روسيا القيصرية عن شرق أوروبا وعن تركة الدولة العثمانية.
كما نستطيع القول من ناحية أخرى، إن مشهد عامين من طوفان الأقصى ليبين كيف وصلت الأمة الإسلامية إلى أقصى انحدارها من حيث انعدام إرادة النصرة أو الحرب دفاعًا عن مقدسات ومن حيث تآكل إرادة استخدام ما تبقى من عناصر القوة حماية للمصالح، حقوق الشعوب والتحرر وتماسك ووحدة الأوطان والأمة، ومن حيث عدم القدرة على المناورة الإيجابية بين القوى الصاعدة الروسية والصينية والقوى الغربية الكبرى.
وإذا كان المؤلف في الفصل الأخير “لماذا اختار العالم روسيا” قد أشار إلى توجهات عربية وإسلامية نحو روسيا، إلا أنه لم يصدق، حتى الآن، في قوله أن الجنوب يجد في روسيا منقذًا من الغرب فمازال “الروس” يناورون بدورهم مع الغرب ويجرون مقاصات ما وراء الكواليس حماية لمصالحهم الصاعدة، وما الموقف الروسي من غزة إلا كاشفًا لهذا طيلة عامي الطوفان والعدوان.
والحمد لله
القاهرة 20/11/ 2025
[1] أوزوالد شبنجلر (1880- 1936)، تدهور الحضارة الغربية (أو انحدار الغرب)، ترجمة: أحمد الشيباني.
[2] ريتشارد كوك، كريس سميث، ترجمة: محمد محمود التوبة.
[3] لوسيان بويا، 2018.
[4] انظر: نادية مصطفى، العلاقات الدولية في التاريخ الإسلامي: منظور حضاري مقارن، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية ودار البشير، 2015)، ص 37 – 112 (التاريخ ودراسة النظام الدولي: رؤى نظرية ومنهاجية مقارنة).
[5] بول كيندي، نشوء وسقوط القوى العظمى، ترجمة: مالك البديري.
[6] حول جميع هذه الأبعاد انظر: المرجع السابق.




