عرض كتاب: سردية النهوض الأفريقي: رؤى متغيرة

مقدمة:
صدر كتاب سردية النهوض الأفريقي: رؤى متغيرة[1] (The Narrative of Africa Rising: Changing Perspectives) في 2024، يهدف هذا الكتاب إلى تقييم خطاب نهوض أفريقيا (Africa Rising)؛ وهو مصطلح يُشير إلى التحول من حالة التشاؤم الأفريقي (Afro-pessimism) التي هيمنتْ على الفترة من الثمانينيات وحتى مطلع الألفية الثانية، نحو تبنِّي رؤية أكثر تفاؤلًا. فبينما استفاضت الأطروحات سابقًا -قبل ما يزيد قليلًا عن عقدين- في الحديث عن القارة الفاقدة للأمل، باتت أفريقيا تُصنف اليوم لدى الكثيرين بوصفها بيئة خصبة للفرص الاقتصادية، والحوكمة الديمقراطية، وتنامي الانخراط الدولي، والتحول الاجتماعي، فضلًا عن انتعاش مجالات الفنون والآداب والعلوم، حيث يستعرض هذا الكتاب تداعيات سردية نهوض أفريقيا وانعكاساتها على الأفارقة في القارة، وفي دول الشتات، وعلى المجتمع الدولي بأسره.
حَرَّرَ هذا الكتاب كلٌّ من دارلينجتينا كي إيسياكا (Darlingtina K. Esiaka) وهي باحثة وأكاديمية تشغل حاليًّا منصب أستاذ مساعد في قسم العلوم السلوكية في كلية الطب بجامعة كنتاكي. وجامين م. أبيدوجون (Jamaine M. Abidogun) وهي باحثة أمريكية بارزة وأستاذة متفرغة في قسم التاريخ بجامعة ميزوري الحكومية.
- منهجية الكتاب:
إن سردية نهوض أفريقيا تتمحور حول فكرة مفادها أن زمن أفريقيا قد حان، وأن القارة تشرع في مرحلة تاريخية مغايرة جذريًّا وأكثر ازدهارًا؛ وتستند هذه السردية في جوهرها إلى الإيمان بقدرة السياسات الاقتصادية الليبرالية، وريادة الأعمال، والتجارة الحرة على تحفيز النمو الاقتصادي وتطوير البنية التحتية الاجتماعية. كما يشير هذا التوجُّه إلى دور انتشار الديمقراطية في تعزيز الحوكمة الرشيدة، فضلًا عن رصد مؤشِّرات المركزية الأفريقية (Afrocentric) التي تؤكد تنامي نفوذ الأفكار الثقافية والفلسفية والدينية الأفريقية، وأن القارة تشكِّل وجهة جاذبة للاستثمار.
وبالرغم من انتشار هذه السردية في الإعلام والأوساط المالية العالمية فإنها تواجه انتقادات عدَّة أهمها أنها تُعَدُّ تكالبًا من نوع جديد على القارة، خاصة أن تلك السردية تُعيد تكريس نفس الأنماط والمنظومات التي أنتجها الاستعمار وما بعده من تبعية للدول الاستعمارية القديمة، ولكن بقوى قديمة جديدة كالولايات المتحدة والصين، وعليه يطرح الكتاب تساؤلًا في غاية الأهمية: هل سردية النهوض الأفريقي نوع من أنواع الوهم الجديد؟
واتصالًا بما سبق، فإن الكتاب يطرح من تخصُّصات متنوِّعة، تحليلات نوعية لسرديَّة نهوض أفريقيا، حيث يسلِّط كلُّ فصل الضوءَ على خصوصيات هذه السردية وتداعياتها على الأفارقة في الداخل وفي دول الشتات. ويُشير الكتاب إلى أن أفريقيا قد تكون ناهضةً بالفعل، إلا أن هذا الصعود تحجبه موجاتٌ من الفساد، وسوء إدارة الأموال، والنهب، وغياب واضح للمسؤولية تجاه المواطنين؛ وهي العوامل التي تشكِّل حجرَ عثرةٍ أمام التنمية الأفريقية، وذلك من خلال سبعة فصول؛ الفصل الأول: صعود جمهورية الكونغو الديمقراطية؟ دراسة حالة لاستكشاف سردية نهوض أفريقيا. الفصل الثاني: السلطة البرلمانية في شرق أفريقيا الجديدة. الفصل الثالث: الإرهاب والعنف الإثني في شمال غرب أفريقيا: التطورات الأخيرة على طول محور مالي-ليبيا. الفصل الرابع: تطور النفوذ السياسي للمجتمع المسلم في بوغاندا من 1844 إلى1900. الفصل الخامس: تجسيد الوقار الأنثوي: تحليل خزانة ملابس تجمع بين طُرز المالينكي والإسلامية والغربية في غينيا. الفصل السادس: استكشاف التصورات والتوافقات بين الأجيال حول الدعم الاجتماعي في نيجيريا. الفصل السابع: أبي جيه. بي. ديسمور في كلية المعلمين بجامعة كولومبيا، 1935-1936: المحفز للغياب السياسي والمنفى، بحث قيد الإنجاز.
مضمون الكتاب:
الفصل الأول: صعود جمهورية الكونغو الديمقراطية؟ دراسة حالة لاستكشاف سردية نهوض أفريقيا
كاتبة هذا الفصل هي آشلي إي. لينويبر (Ashley E. Leinweber) هي باحثة وأكاديمية أمريكية تشغل حاليًّا منصب أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية والفلسفة في جامعة ميزوري الحكومية.
تحاول الكاتبة فهم خطابات النهوض الأفريقي في ظل دراسة حالة دولة الكونغو الديمقراطية، وتتساءل: هل هذا الخطاب له وزن حقيقي في حياة المواطنين في الكونغو؟ في البداية تؤكِّد الكاتبة في الفصل على أن هناك تحسُّنًا مستمرًّا في مؤشِّرات التنمية، فمنذ عام 2000، أصبحت “نهضة أفريقيا” سردية بارزة في الحديث عن القارة، ويرجع ذلك في الغالب إلى النمو الاقتصادي السريع؛ حيث تضاعفت التجارة الخارجية لأفريقيا أربع مرات تقريبًا بين عامي 2000 و2015 كما تضاعف ناتجها المحلي الإجمالي (GDP) أربع مرات من عام 2000 إلى 2017؛ وذلك يرجع لعددٍ من الأسباب؛ منها: ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتخفيف ديون القارة، وتراجع حدَّة النزاعات، وظهور شركاء تجاريين جدد. ففي عام 2001، بدأت دول «بريكس» (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا) في إبداء اهتمام متزايد بالاقتصادات الأفريقية؛ وفي الواقع، أصبحت الصين في عام 2009 أكبر شريك تجاري للقارة، بديلةً للولايات المتحدة.
وعلى الرغم من أن الكونغو تنطبق عليها مؤشِّرات التحسُّن السابقة في الاقتصاد بشكل نسبي، زيادة التبادل التجاري بين الكونغو والصين، إلا أن تلك المؤشِّرات لا تعني بالضرورة تحسُّن حياة الناس، إذ تُشير البيانات إلى زيادة معدَّلات الفساد السياسي والاضطرابات المتعلِّقة بحقوق الإنسان التي تهدِّد عملية التحوُّل الديمقراطي في البلاد، وزيادة في معدَّلات البطالة وتراجعًا في التصنيع، وذلك من خلال دراسة انتخابات عام 2018 التي أَتَتْ برئيس جديد من المعارضة، لكنها شابتْها عمليات تزوير كبرى وانتصارات انتخابية هامَّة لائتلاف الرئيس السابق. ومن جانب آخر، فإن البلاد تعاني حاليًّا من ثاني أسوأ تفشٍّ لوباء إيبولا في التاريخ شرق البلاد، بالإضافة إلى زيادة هجمات تنظيم الدولة (ولاية وسط أفريقيا) ممَّا يضع مفهومَ الأمن الإنساني في مهبِّ الريح، وحتى زيادة التبادل التجاري بين الكونغو والصين يطرح علامات استفهام نتيجة اعتماده على استخراج ما قد ينتج عنه تجربة استعمارية جديدة. ويحاول الفصل تبنِّي مقاربة أكثر شمولية لتقييم مدى تحسُّن حياة المواطنين العاديِّين، بحيث لا يكتفي بالمؤشِّرات الاقتصادية فحسْب، بل يشمل أيضًا أدوار النزاع، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والصحة، والتنمية.
الفصل الثاني: السلطة البرلمانية في شرق أفريقيا الجديدة
كاتب هذا الفصل هو ريان غيب (Dr. Ryan Gibb) الأستاذ المشارك في الدراسات الدولية بجامعة بيكر (Baker University) في الولايات المتحدة، والذي يُركز في أبحاثه بشكل أساسي على القارة الأفريقية، وتحديدًا منطقة شرق أفريقيا.
يفحص الكاتب حالة الديمقراطية في دول شرق أفريقيا من خلال بعض قواعد البيانات التي تركِّز على دراسة أنماط الديمقراطية في العالم ويعتمد الكاتب على “أنواع الديمقراطية (V-Dem)”، حيث تُتيح تلك القواعد بيانات يسْهل الوصول إليها، كما تمنحُ الباحثين القدرةَ على تفكيكها وتحليلها، وتوفِّر المؤشِّرات المركَّبة والبيانات بدقَّة منهجية لازمة لاستكشاف النجاح النسبي للحكومات في أفريقيا في تطوير ديمقراطيَّتها.
وينصبُّ تركيزُ هذا الفصل على تحليل سلوك الأحزاب والبرلمانات، فضلًا عن استجابة السلطات التنفيذية للمعارضة؛ نظرًا للدور المحوري الذي تلعبه الأحزاب والسلطة التشريعية كحصون ديمقراطية في مواجهة تمدُّد السلطة التنفيذية منذ نيل الاستقلال. ويركِّز هذا الفصل على دول شرق أفريقيا، حيث سجَّلت كلٌّ من كينيا وتنزانيا معدَّلات تُضاهي أفضل الحكومات الأفريقية، بل واقتربت في فترات معينة من المتوسِّطات العالمية، وتُعَدُّ هذه النتائج بمثابة إنجازات بالنظر إلى العقبات التاريخية، والمعوقات البنيوية، والهزَّات الاقتصادية التي واجهَتْهَا تلك الدول، ويقدِّم الفصلُ نظرةً عامَّةً على التقدُّم الذي أحرزتْه الدولُ الأفريقية نحو الصعود إلى مستوى مقبول يُمكِّنها من أن تُعتبر حكومات ديمقراطية مستقرة.
الفصل الثالث: الإرهاب والعنف الإثني في شمال غرب أفريقيا.. التطورات الأخيرة على طول محور مالي-ليبيا
كاتب هذا الفصل ستيفن هارمون وهو أستاذ مشارك في تاريخ أفريقيا والشرق الأوسط بجامعة بيتسبرج الحكومية (Pittsburg State University) في كنساس.
يركِّز الفصل على مساحات العنف في مالي، فعلى الرغم من مرور سنوات على الاضطرابات العنيفة التي اجتاحت مالي في عام 2012، لا يزال جزءٌ كبيرٌ من منطقة الساحل الأفريقي يرزح تحت وطأة الصراعات الجهادية والإثنية، مما أشعل المنطقة وحدودها خاصة مع وجود حرب أهلية في ليبيا مما أثر على حركة الناس في هذه المنطقة الحيوية فغالبًا ما كان العمال المهاجرون من غرب أفريقيا، الساعون للحصول على فرص عمل في الصحراء الكبرى وشمال أفريقيا وأوروبا يسلكون محور (مالي-ليبيا) كقطاع حيوي في رحلتهم؛ حيث تنتقل أعداد غفيرة من المهاجرين من منطقة الساحل إلى شمال النيجر، عبر شاحنات مكشوفة ومكتظة يديرها مهربون، غالبًا من الطوارق أو عرب الرقيبات، ومنها يتوجَّهون عبر هذا المحور إلى منطقة فزان الليبية، ويتابع الكثيرون طريقهم من فزان نحو المدن الساحلية الليبية، حيث يحاول بعضهم العبور بحرًا إلى أوروبا.
وفي المقابل، تنتقل الأسلحة والمعدَّات العسكرية من مخازن القذافي الضخمة (ذات المصدر السوفيتي أو الروسي) غربًا عبر محور (مالي-ليبيا) لتلبية الطلب المستمر على السلاح في دول غرب أفريقيا غير المستقرَّة، لا سيَّما في مالي، وبشكل متزايد في النيجر وبوركينا فاسو، فضلًا عن نيجيريا. كما يُستخدم محور مالي-ليبيا، لنقل أنواع أخرى من المهرَّبات؛ بدءًا من المخدرات والتبغ، وصولًا إلى السلع العادية حيث كانت تحظى تقليديًّا بدعم حكومي. وبناءً عليه، أضحى محور (مالي-ليبيا) حلقة وصل لوجستية كبرى عبر الصحراء الكبرى لتجارة المهرَّبات ضمن ما يطلق عليه الاقتصاد الرمادي والأسود[2] ومركزًا لتحركات مجموعات مسلحة متباينة الدوافع والأهداف، مما يزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.
الفصل الرابع: تطور النفوذ السياسي للمجتمع المسلم في بوجاندا، من 1844 إلى 1900
كتبت هذا الفصل بريندا مكولوم (Brenda McCollum) الباحثة في مجال الدراسات الأفريقية والتاريخ الأفريقي، ويتقصَّى هذا الفصل تطوُّر النُّفوذ السياسي لمجتمع البوجندا المسلم منذ دخول الإسلام وحتى توقيع اتفاقية بوجندا عام 1900. ولا يقتصر هدف هذا التحليل على تتبُّع مسار هذا التطوُّر فحسْب، بل يمتدُّ لتحديد الأسباب الكامنة وراءه؛ كنموذج لفاعلية الدول الأفريقية وقدرتها على التأثير، ويستعرض الفصل كيفيةَ تفاوض مملكة بوجندا مع المؤثِّرات العربية والإسلامية خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر للوصول إلى شبكات التجارة مع الحفاظ على سيادتها السياسية؛ ممَّا يوضِّح كيف استفادت العديد من الدول الأفريقية من الانفتاح على التجارة العربية. ويشرح الفصل نتيجة تطوُّر شبكات التجارة، وكيف أصبح الإسلام دينًا مركزيًّا ذا نفوذ ملموس في المنظومات السياسية والاجتماعية للمملكة. ثم ينتقل الفصل إلى بيان حال المجتمع المسلم تحت الاستعمار، مع انحسار كلٍّ من النفوذ والمساحات التي يسيطر عليها، وكيف تفاعل هذا المجتمع مع الاستعمار في ظلِّ الرغبة في الحفاظ على خصوصيَّته الإسلامية وديناميكيَّات التفاعل فيما بينهم.
الفصل الخامس: تجسيد الوقار الأنثوي: تحليل خزانة ملابس تجمع بين طُرز المالينكي والإسلامية والغربية في غينيا
كتبت هذا الفصل إيرين كينيErin Kenny الأستاذة مشاركة في الأنثروبولوجيا بجامعة ولاية ميزوري، المتخصصة في الدراسات الجندرية.
ويتناول هذا الفصل كيفية استخدم النساء في غينيا (وتحديدًاشعب الماندينكا/المالينكي) الملابس للتعبير عن هُويتهن ومكانتهن الاجتماعية، وكيف تمكن الموازنة بين ثلاث مرجعيَّات ثقافية مختلفة (التقاليد المحلية – القيم الإسلامية – الموضة الغربية) لصناعة صورة “المرأة المحترمة” في المجتمع، وذلك من أجل التفصيل في آليات تشكيل الهوية عبر المظهر لدى الطبقة الوسطى من النساء الغينيات. واعتمدت الكاتبة في الفصل على المقابلات الإثنوغرافية لفحص الموازنات اليومية بين الموضة والتقوى، والتي تبرز قضايا أوسع تتعلَّق بالارتباط والممانعة تجاه التدفُّقات العالمية للموضة والصرَعات والوقار الديني.
وقامت الكاتبة بفحص ومناقشة الكيفية التي تُعَدُّ بها الأهمية الاجتماعية للملابس وممارسات التجميل في الأحياء الحضرية مؤشِّرًا على خطابات متنوِّعة حول الازدهار الاقتصادي والمكانة والهُوية؛ حيث تُستخدم المشارِكات المواردَ المادية والرمزية لتمثيل الشخصية المثالية في سياق دولة أو قارة صاعدة. وفي معرض تدليلها على أن ريادة الأعمال النسائية عنصر جوهري في صعود أفريقيا، كشفت الكاتبة عن الشبكة المعقَّدة من التاجرات اللاتي يعتمدن على شبكات التبادل التقليدية القائمة على المعاملة بالمثل من خلال صِلات القرابة والصداقات المتينة. كما أشارت إلى تأثير تدفُّق الواردات من الشرق الأوسط والصين على المنتجات وعمليَّات الإنتاج عبر هذه الشبكات التسويقية الممتدَّة عبر قرون.
الفصل السادس: استكشاف التصورات بين الأجيال حول الدعم الاجتماعي في نيجيريا
كاتبة هذا الفصل هي كفايات محمود (Kafayat Mahmoud) باحثة وأكاديمية نيجيرية متخصِّصة في الدراسات الإسلامية والجندرية، وتركِّز أبحاثَها بشكل أساسي على النسوية الإسلامية في أفريقيا.
يركِّز هذا الفصل على الدعم الاجتماعي لكبار السِّنِّ خاصَّةً في نيجيريا، وعليه ترسم الكاتبةُ صورةً للوضع في البلاد تؤكِّد على أن البلاد تتكوَّن مما يصل إلى 250 مجموعة عرقية، مع انتماء السكان لديانات مختلفة (المسيحية، والإسلام، والديانات التقليدية)، كما أن هناك توقعات مرتفعة فيما يتعلق بتقديم الرعاية لكبار السن نتاجًا للمعتقدات التقليدية والدينية، حيث ينظر النيجيريُّون عادةً إلى الشيخوخة كفترةٍ للتراخي والاسترخاء والاستمتاع بثمار تعب المرء، لذا فإنه من المتوقع أن يرعى الأبناءُ الآباءَ، ويشمل شكل الدعم الذي يتلقَّاه كبارُ السِّنِّ الدعمَ الجسدي، والعملي، والمالي، والعاطفي، فتوفُّر الأسرة وشبكات القرابة ما يصل إلى 90٪ من الدعم الاجتماعي لكبار السن، مع مساهمة ضئيلة في الرعاية من قِبل الحكومة الوطنية.
ويستعرض هذا الفصلُ العوائقَ الهيكلية، والشخصية، والفردية التي تحُول دونَ تقديم الرعاية من قبل أنظمة الأسرة وشبكات القرابة، باعتبارها المصادر الأساسية لتوفير الرعاية لكبار السِّنِّ في نيجيريا، نتيجةَ تدهور وضع الأسرة وأزمات العلاقات بين الأجيال، فعلى مدار العقود الماضية حدثتْ مجموعةٌ من الاختلالات في تقديم الرعاية لكبار السِّنِّ في نيجيريا.
الفصل السابع: “أبي جيه. بي. ديسمور في كلية المعلمين بجامعة كولومبيا، 1935-1936.. المحفِّز للغياب السياسي والمنفى – بحث قيد الإنجاز”
كتب هذا الفصل ريتشارد جلوتزر (Richard S. Glotzer) وهو بروفيسور أمريكي وأكاديمي بارز في جامعة أكرون (University of Akron) متخصِّص في تاريخ التعليم والتنمية البشرية، وله اهتمام خاصٌّ بكيفيَّة تأثير السياسات الاستعمارية والدولية على أنظمة التعليم في أفريقيا، وخاصة جنوب أفريقيا.
يدور الفصل حول محاولات ديسمور في نقل نماذج تعليمية “حديثة” إلى جنوب أفريقيا لتحسين وضع مجتمعه والتحديات التي واجهها كمثقَّف أسود / ملوَّن في عالم يُسيطر عليه البِيض (سواء في أمريكا أو جنوب أفريقيا)، وذلك من خلال التفصيل في تجربة ديسمور في نيويورك، وتحديدًا في كلية المعلِّمين بجامعة كولومبيا، مع التركيز على الجانب المتعلِّق بتحوُّل الوعي في تلك التجربة، ويسلِّط الفصل الضوء على تفاعلات ديسمور مع مربِّين أمريكيِّين من أصول أفريقية مثل دبليو. إي. بي. دو بويز.
ويوضِّح الكاتب كيف أدَّت عودة ديسمور إلى جنوب أفريقيا إلى تفاقم التناقضات الداخلية في دوره كقائد تعليمي في ظلِّ نظام الفصل العنصري، ويخلص الفصل إلى أن التعليم الغربي قد عَزَّزَ من قدرة أفريقيا على التواجُد في المساحات العالمية، ولكنه عمل في الوقت ذاته على ترسيخ الانقسامات والتراتُبيَّات العرقية داخل تجربة جنوب أفريقيا. ويدعو البحث إلى ضرورة تفكيك التعليم النظامي في الدول الأفريقية للتمييز بين التعليم الذي يدعم نهوضَ أفريقيا والتعليم الذي يغذِّي استمرار العلاقات الاستعمارية الجديدة.
خاتمة:
يطرح الكتاب سؤالًا في غاية الأهمية يتعلَّق بنهوض أفريقيا، فهل يُجاب عن هذا السؤال بقياس ما تملكه الدول من موارد وبنية تحتية، ومؤشِّرات ديمقراطية فحسب، أم يمتد ليشمل ما إذا كان هناك تحسُّنٌ في حياة المواطن الأفريقي العادي أم لا، وهل المشكلات التي تعوق نهضةَ أفريقيا، بما في ذلك السيطرة الخارجية على الموارد، والتأثيرات السياسية التي غالبًا ما ترتبط بمشاريع التنمية أو البنية التحتية يمكن تجنُّبها في الإجابة على السؤال الأول، وإذا كانت تلك الإجابة بمحاولات الفصل في المتغيِّرات أنتجتْ رؤًى قاصرةً عن الوضع الأفريقي، وعليه تحتاج القارَّة منظورًا مختلفًا كليًّا وشاملًا يضع المواطن الأفريقي وحياته في المركز، والنظر إلى أمنِه بمعناه الواسع على أنه الغاية من السياسات وليس الأرقام الاقتصادية الجامدة.
يحاول الكتاب طرح رؤى متنوعة ومتعددة التخصُّصات للإجابة عن سؤال معقَّد، ويحاول الإجابة عن هذا السؤال من منظور نقدي يرفض الخضوع للمعايير المتعارف عليها، خاصَّةً المعايير الاقتصادية الجامدة التي لا تلمس حياة المواطنين إلا أنه مالَ للاستغراق في تفاصيل جزئيَّة في بعض الموضوعات خرجت عن الهدف الأصلي للكتاب، منها على سبيل المثال الفصل الخاص بملابس النساء في السنغال.
إن السؤال الرئيسي في الكتاب يمكن طرحه في مساحات تتعلَّق بالعالمين العربي والإسلامي وإعادة النظر في المؤشِّرات التي يُقاس بها التحديث والتنمية وإعادة وضع الإنسان في قلب أهداف التنمية وليس الناتج المحلي الإجمالي، فيجب الإجابة عن أسئلة الأمن الإنساني وما الذي يعنِيه التحديثُ بالنسبة إلى الإنسان، إن الكتاب والكتب المشابهة التي تحاول طرح رؤى نقدية للمنظورات السائدة وطرح رؤيةٍ مغايرةٍ لما يعنيه النهوض والتنمية، تطرح مساحة جديدة للتنظير في مؤشرات التنمية من أجل تغييرها لصالح الإنسان وحياته، لإعلاء الأمن الإنساني والحياة الطيبة فوق مؤشِّرات الناتج المحلي والتبادل التجاري بين الدول، وغيرها من مؤشِّرات لا تهتم في الغالب بحياة الإنسان.
⁕ باحثة في مركز الحضارة للدراسات والبحوث.
[1] Darlingtina K. Esiaka and Jamaine Abidogun. The Narrative of Africa Rising: Changing Perspectives. London: Lexington Books, 2024.
[2] الاقتصاد الرمادي هو الأنشطة الاقتصادية المشروعة والقانونية في جوهرها (مثل البيع في الشوارع، والحرف اليدوية، والخدمات المنزلية) ولكنها تتم خارج الأطر التنظيمية الرسمية؛ أي إنها غير مسجلة لدى الحكومة، ولا تخضع للضرائب المباشرة، ولا يتم رصدها في الإحصاءات الرسمية مثل الناتج المحلي الإجمالي، ويتميز عن الاقتصاد الأسود بأنه يتعامل في سلع وخدمات قانونية، بخلاف “الاقتصاد الأسود” الذي يشمل أنشطة إجرامية بطبيعتها مثل تهريب المخدرات.








