العمارة: بين الدين والسياسة والتاريخ من منظور حضاري مُقارن

أهلًا ومرحبًا بحضراتكم في هذا اللقاء الشهري من “منتدى الحضارة”، والذي يدور محوره هذا العام حول “القضايا البينية بين العلوم والواقع”. يُقصد بهذا المحور إعادة تكميل الرؤية الإنسانية التي شرذَمَتْها الفلسفة الوضعية؛ تلك الفلسفة التي جنحت نحو التخصُّصات الدقيقة والمُدقَّقة؛ ما حوَّل العلوم والشؤون الإنسانية إلى جزر منعزلة.

إن العودة إلى فكرة تكامل الظاهرة الإنسانية تقتضي بالضرورة تكامل النظرة الإنسانية لشؤون الإنسان والحياة. ومن هنا انطلقت صيحة “البينية” في الغرب، وهي – كما أشرنا في لقاءات سابقة مع أساتذتنا: الدكتورة نادية مصطفى، والدكتور إبراهيم البيومي غانم، والدكتور بدران بن لحسن، والدكتور سلمان بو نعمان تُعد سمةً ملازمةً للرؤية الإسلامية للحياة، وللعلوم التي تدرس هذه الحياة.

ونحن اليوم بصدد لقاء مهم، هو الخامس ضمن هذا المنتدى، يتَّصل بقضية البينية اتصالًا وثيقًا، ويحمل طابعًا مميزًا كما يتَّضح من عنوانه: العمارة بين الدين والسياسة والتاريخ: من منظور حضاري مقارن.

تُذكرنا كلمة “العمارة” بمصطلح شديد الجوهرية في المنظور الحضاري، وهو كلمة “العمران”؛ ذلك المصطلح الذي اختاره العلامة ابن خلدون للتعبير عن الظاهرة الإنسانية والاجتماعية بصفة عامة حين تحدث عن “طبائع العمران”. فالعمران يُمثل الوجود الإنساني؛ إذ ما وُجد الإنسان في مكان إلا وأنشأ نوعًا من الحياة سمّاه عمرانًا (سواء كان حضريًّا أو بدويًّا) بأشكاله ومجالاته المتعدِّدة: السياسية، والمعيشية والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية.

ولذا، تقع قضية “العمارة” في قلب هذا العمران، وهي لم تعد تقتصر على مجرد تشييد مبنى. فالثقافة العمرانية تتَّسع يومًا بعد يوم؛ فرغم وجود فهم خاطئ -لا يزال مستمرًّا- يقيس الحضارة بمجرد علو البنيان وناطحات السحاب (وهو ما يُحيلنا إلى الحديث الشريف “يتطاولون في البنيان”) ويربط طول البناء بالأُبَّهة أو القوة، إلا أن العمارة في حقيقتها قضية شديدة التركيب. إنها تنبثق من “العمران الكوني” والنظرة الكلية للوجود منذ رفع السماء وبسط الأرض، وصولًا إلى ارتباط الإنسان الدائم بالبيت والمسكن.

لهذه المعاني أصول تاريخية طويلة، ولها امتدادات خطيرة في الأديان -وبالأخص في الإسلام- واتصالات عميقة بعالم السياسة. فكما أن الطغيان يظهر في البنيان، فإن التواضع والقيم تتجلَّى فيه أيضًا. وتختلف الثقافات والمجتمعات في رؤاها لتوظيف العمارة، ممَّا يجعلها نافذةً حقيقية لقراءة الأحوال الإنسانية في كل عصر، ومقارنة الأمم والحضارات، وتقييم ما وصل إليه الإنسان من قِيَم إيجابية أو ما انحدر إليه من سلبيات.

ونستضيف اليوم في هذه القضية المركَّبة أستاذًا متفردًا، وهو الدكتور المهندس أحمد حمدي عبد العظيم. لقد قدَّم الدكتور أحمد، خاصة للشباب المحيطين بالمركز، صورة مبهرة من خلال كتابه الأخير والأشهر “كنيس الخراب: الصهيونية والاستيطان والعمارة”، والذي يتحدث فيه عن قضية الاستيطان والفكر الصهيوني في توظيف العمارة لإنتاج الخراب بدلًا من العمران.

رغم أن البعض قد يتحفظ على ربط العمارة بالسياسة المباشرة، إلا أن من يطالع كتاب “كنيس الخراب” يدرك كيف أعاد الدكتور أحمد الاعتبار للمفهوم الحضاري للسياسة. فهو يتناول تقاطعات العمارة مع السياسة، والدين، والقومية، والطبقات، والحياة اليومية، مُوليًا اهتمامًا خاصًّا لقضية أمَّتنا المركزية: القضية الفلسطينية.

والدكتور أحمد باحث أكاديمي متخصص في مجال العمارة وتاريخها، يجمع في تكوينه بين تخصُّصات متعدِّدة: الهندسة المعمارية، وتاريخ الفن والعمارة الإسلامية، والأنثروبولوجيا الثقافية، والدراسات الإسلامية، والسياسة.

وقدتخرَّج دكتور عبد العظيم في كلية الهندسة المعمارية عام 2010، وخلالها سافر إلى سويسرا في منحة علمية أسَّست لرؤيته الاجتماعية لمجال العمارة. وحصل على الماجستير في الفن والعمارة الإسلامية والأنثروبولوجيا الثقافية من الجامعة الأمريكية، إلى جانب دراسات إسلامية رسمية في مصر. ثمَّ نال درجة الدكتوراه في تاريخ الفن والعمارة الإسلامية من جامعة “ويسكونسن-ماديسون” بالولايات المتحدة، وكانت أطروحته تدور حول تحوُّل العمارة المعاصرة في مصر بوصفها ساحة للتفاوض حول قضايا الأمة (الدين – القومية – السلطة). كما حصل على زمالة ما بعد الدكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، في إطار زمالة الآغا خان، حيث يواصل أبحاثه حول “المسجد، والدولة، والثقافة البصرية”.

هذا، ويعكس إنتاج الدكتور أحمد سياحة معرفية فريدة تؤكِّد أن “البينية” ليست مجرد استعمال أدوات ومناهج، بل هي قضية “تكوين” بالأساس. شملت إسهاماته دراسات حول: القاهرة في ثمانينيات القرن العشرين وأزمة إسكان الطبقة الوسطى، وعن “التعبير عن الحب والحزن في الموسيقى المصرية”، و”التدين والجنسانية في ثقافة كرة القدم المصرية”.

بالإضافة إلى مساهمات أخرى، حيث شارك في تقديم حلقات من برنامج “معمار كاست”، وفي كتابة حلقات للبرنامج الشهير “الدحيح” منها حلقة العمارة الوحشية.

هذا المسار يكشف عن جدية وتراكم علمي، وإصرار على الانطلاق من مساحة العلم لربط العمارة والمدنية بالمعنوي والمادي، والمحلي بالعالمي.

خلال تحضيري لهذا اللقاء، تبلورت لدي عدة أسئلة جوهرية؛ فمجال العمارة هو بالأساس مجال بَيْنيٌّ، والمصمِّم المعماري ليس مجرد شخص يطبق قوانين خرسانية صماء لا روح لها، بل هو متأثر بتصورات اجتماعية، والأهم: بالفلسفة والرؤية الحاكمة له؛ فالمعماري يتأثَّر بخلفية معرفية، وبتصوُّر عن الكون والوجود، وبالعلاقة بين التراث والحداثة. وقد وجدت أن مجال العمارة يزخر بالجدالات بين “الوافد والموروث”، كما يُسَمِّيها أستاذنا المستشار طارق البشري. ومن يُمعن النظر في هذا المجال سيجد نفسه أمام أسئلة كبرى، تدور حول:

  • دوافع البناء واتجاهاته: لماذا وماذا تبني الدول في مناطق معينة كالصحراء؟ وما هي الرؤية الحاكمة لذلك؟
  • النموذج الأمثل: هل هناك نموذج معماري أفضل يمكن تقليده؟ خاصة حين نرى نماذج في دبي أو الولايات المتحدة؛ هل من الأفضل اتباعها للوصول إلى معمار حديث؟
  • الانحياز الطبقي: هل تنحاز العمارة للفقراء بالأساس، أم يمكن أن تقدِّم معمارًا خاصًّا بالأغنياء، أم يجب أن تكون هناك أنماط تراعي مختلف الطبقات العاملة والاجتماعية؟
  • التداخل الديني: كيف تتداخل الأبعاد الدينية مع شكل العمارة وتؤثر فيها وتُوجِّهها؟
  • النماذج المعاصرة وعمارة المقاومة: هل تمتلك مصر الآن نموذجًا معماريًّا محدَّدًا؟ وما هي معالم النموذج المعماري في الدولة الصهيونية؟ والسؤال الأهم: ما هو نموذج “عمارة المقاومة” الذي يمكن توظيفه في مواجهة الاحتلال الأكبر، أو حتى في الحياة اليومية لتشكيل هوية معينة؟

إن الدافع الأكبر لحركة الدكتور أحمد هو سؤاله المركزي: “كيف يمكن أن نفهم المجتمع من خلال العمارة؟”، ولعل هذا يكون مدخلًا مناسبًا لمحاضرته. كما أود التنبيه أن التعقيبات ستبدأ مع أحد كبار المختصين في مجال العمارة الإسلامية، وهو الدكتور مصطفى بن حموش؛ أستاذ العمارة بجامعة البليدة بالجزائر، وهو حاصل على الدكتوراه في تخطيط وإدارة المدن من المعهد الفرنسي للتخطيط بجامعة باريس الثامنة. وقد عمل في دائرة تخطيط المدن ببلدية العين (الإمارات)، وله مؤلفات عديدة منها: معالم العمران الإسلامي، فقه العمران، جوهر التمدن الإسلامي، والمدينة والسلطة والإسلام.

ستنقسم المحاضرة إلى جزأين: الجزء الأول (المقدمة)؛ سأشرح فيه رحلتي من التعدُّدية التخصُّصية (Multidisciplinary) إلى العمل البَيْنيِّ (Interdisciplinary)، وسأوضح الفرق بينهما من واقع تجربتي. إذْ بدأتُ بدراسة الهندسة، ثم التاريخ، ثم العلوم الشرعية، ثم الأنثروبولوجيا، ثم علم اجتماع العمران. من أصعب التحديات التي واجهتني هي إدراك أن لكلِّ علمٍ من هذه العلوم ما يُشبه الهابيتوس (Habitus) كما أسماه عالم الاجتماع بيير بورديو أي: مصطلحاته، وطريقة تفكيره، وأسلوبه، ولغته، وطريقته في عرض البيانات. فالهندسة، على سبيل المثال، لا تتطلب منك لباقة لغوية عند كتابة الأوراق العلمية؛ بل هي مباشرة، وكتب العمارة تتسم عادة بالتخصص الشديد.

أما الجزء الثاني: فسأقدم فيه تطبيقًا عمليًّا (بالمثال يتَّضح المقال) من خلال استعراض كتابي “كنيس الخراب: الصهيونية والعمارة والاستيطان”، ليتَّضح كيف أثْمر العمل بين التخصُّصات، وكيف يمكن تقريب هذا النهج البَيْنيِّ إلى الأذهان.

وقد واجهت مشكلة عند كتابة كتاب “كنيس الخراب”. في البداية، كنت قد أسْميته “عمارة الخراب”، ولكن دار النشر أصابت في أمر جوهري؛ وهو أن القارئ العربي غير معتاد على أن يتناول كتاب في العمارة موضوعات تتجاوز حدود العمارة الهندسية البحتة. كما أن القارئ غير معتاد على كتاب بعنوان “عمارة الخراب” يتخيَّل فيه أنه سيقرأ عن الاجتماع، والسياسة، والتاريخ، والجغرافيا. بل سيتخيل غالبًا أن كتابًا بهذا العنوان سيكون دليلًا حول كيفية التعامل مع المناطق الخربة أو المباني المتداعية وما شابه ذلك. وهذا لن يجذب الجمهور المستهدف الذي أريده. لذلك، تمَّ تغيير الاسم، وقد كان هذا قرارًا صائبًا فعلًا.

أولًا- رحلتي الدراسية من التعددية التخصُّصية إلى البينيَّة

بدأت رحلتي الدراسية مع الهندسة. وفي دراسة الهندسة، أنت تدرس بمنطلق حادٍّ جدًّا ومباشر؛ بمعنى: إمَّا أن “يُركب” أو “لا يُركب”، “ينفع” أو “لا ينفع”. الفكرة مبنية على ثنائية (أبيض أو أسود). بينما ستكتشف لاحقًا أن في العلوم الأخرى درجات كثيرة جدًّا من التدرج. هناك مساحات واسعة من “اللون الرمادي” التي تُتيح لك اتِّخاذ مواقف مختلفة؛ ففي العلوم الشرعية: الأمر لا يقتصر على الحلال والحرام المطلق فقط. فما يحل للإنسان قد يُحرم عليه بتغير الظروف. الصلاة مثلًا واجبة في أوقات معينة، ولكنها تُصبح “مكروهة” في أوقات أخرى. هناك تفاصيل شديدة الدقة.

فعندما تخرَّجت من الهندسة في سويسرا، حدثَ لي ما يُشبه “اليقظة”؛ اكتشفت أنني أعرف الكثير جدًّا عمَّا يحدث في سويسرا وعن العمارة هناك، لكنني لا أعرف تقريبًا أي شيء عن مجتمعاتنا الشرقية، وعن مصر، والعالم الإسلامي!

لذلك، بدأت أدرس، وكان تناولي -باعتباري مهندسًا معماريًّا- للمسجد يتركَّز في منظور: الحجم – الارتفاعات – الطراز (طراز بسيط – طراز جميل – طراز غربي… إلخ). إنها لغة معمارية بحتة. ولكنني اكتشفت، عندما بدأت دراسة العلوم الشرعية (وقد صادف أنني كنت أدرس التاريخ والعلوم الشرعية في نفس الوقت)، أن الزوايا تختلف جذريًّا:

  1. الزاوية التاريخية: التاريخ يكتب بتناولات مختلفة تمامًا وبناءً على الأرشيف. المؤرخ يحكي لك قصة الجامع؛ مثلًا يحكي عن “زاوية أم السلطان شعبان”، ويكشف لك عبر الأرشيف وتحليل العظام أن المدفون هناك ليس أم السلطان شعبان ولا علاقة لها به، بل هو رجل كان “يعاقر الخمر”.
  2. الزاوية المعمارية: المعماري سيتحدث عن شكل المسجد، القباب، الزخارف، والمئذنة وأين رأيناها من قبل.
  3. الزاوية الشرعية: ستتحدث عن جواز الصلاة على الأضرحة، وحكم بناء المساجد عليها، وما إلى ذلك.

هنا تجد أن كل علم له بابه، ومصادره، وأسئلته، ومشاكله الخاصة؛ رغم أنهم جميعًا يتناولون “نفس الموضوع”.

كان هذا التعدد المعرفي ملفتًا جدًّا بالنسبة لي في رسالة الماجستير. ومن ثمَّ، انطلقت من سؤال: هل كان للمذاهب الفقهية روح معمارية؟ بمعنى آخر، كيف أثرت المذاهب الفقهية على العمارة والعكس؟

فكان ملفتًا جدًّا لي في عمارة تركيا (إسطنبول) الميل العظيم إلى بناء المساجد الكبيرة والضخمة ذات الارتفاعات الشاهقة التي تهيمن على الأفق، وما يحمله ذلك من دلالات على هيمنة الدولة والخلافة والسلطان. في مقابل أماكن أخرى، تجد العمارة فيها بسيطة جدًّا، والفتاوى كلها تُشدد على أن المسجد ليس مبنى للشهرة، ولا ينبغي أن يحتوي على زخارف أو أي مبالغات.

عندما تضع المبنيين (التركي الشاهق والبسيط الخالي من الزخارف) جنبًا إلى جنب، يستحيل أن تقول إن هذا عمارة إسلامية وهذا عمارة إسلامية أيضًا، إلا إذا كنت تعرف أنهما ينتميان تحت نفس المظلة. هنا يتدخل التحليل البيني؛ التحليل التاريخي والسياسي الذي يسأل: هل لعب الموقف السياسي دورًا؟ هل تبني مسجدًّا ضخمًا لأنك على ثغور مواجهة مع عدو وتريد أن تُبين عظمتك ومكانتك وعلمك؟ بينما من يبني في قلب الصحراء ليس بحاجة لإظهار ذلك.

هنا تبدأ مساحة التفكير في البينية: هل الفتوى تتأثَّر بالمكان، والتصور، والواقع السياسي والاجتماعي؟ فتبدأ بدراسة كل هذا معًا؛ تتحدث عن “حكم شرعي” ولكنك تُدخل الشق السياسي الذي أثر عليه، وتستعين بقدراتك الهندسية في تحليل المبنى وبيان تكنولوجيته وعظمته.

ومع مرور الوقت، وجدت نفسي أكثر في المساحة التي يمكن تسميتها “علم اجتماع العمران”؛ أحاول دمج هذه المجالات ببعضها. العمارة ليست -كما يقول صديقي- “طوب وحجارة وأسمنت في شيكارة”، بل هي أكثر تعقيدًا من ذلك؛ العمارة هي حاضنة للنشاط البشري.

فعندما تنظر إلى مدرسة، أو مطار، أو نادٍ، أو ملعب كرة قدم؛ لا تنظر إليه باعتباره مجرَّد مكان يمارس فيه 11 رجلًا ضد 11 رجلًا مهنة الجري وراء الكرة وهناك جمهور يشجعهم. بل تنظر إلى:

  • الأحلام المرتبطة بالمكان (حلم أن أصبح لاعب كرة يومًا ما فأعود للبيت لأتمرن).
  • الروابط الجماهيرية التي تتشكل حول الفرق.
  • طقوس خروج الجماهير، والهتافات.
  • فكرة “اختراع التقاليد” للفرقة ومبادئ النادي (ونادي الوطنية). كل هذه تقاليد مُتخيلة تكشف الكثير جدًّا عن المجتمع.

العمارة أوجدت فراغًا حدث فيه نشاط. وهنا أريد أن أستعير المصطلح الذي استخدمه المفكر عبد الوهاب المسيري (رحمه الله) وهو “اللحظة النماذجية”، والتي من خلالها تقوم بتحليل المجتمع.

على سبيل المثال، الورقة البحثية التي نشرتُها باللغة الإنجليزية، ويمكن ترجمة عنوانها إلى: “أهازيج الإيمان والغضب: التدين والجنسانية في ثقافة كرة القدم الشعبية في مصر”. أتحدث في هذه الورقة عن ظاهرة التناقض: كيف أنه في لحظات معينة، وفي نفس المكان، صدر سلوكان في غاية التناقض من نفس الأفراد! فجأة، تجد الناس تدعو الله وتتضرع: “يا رب نجيب الجول.. يا رب الكورة تيجي.. يا رب انصر الأبطال”. وبمجرد أن يُسجل الهدف (يأتي الجون)، تبدأ استباحة كاملة لعِرض المنافس والشتائم المبتذلة! تتساءل: من الذي كان يدعو منذ قليل؟ اللاعب نفسه بعد أن يُسجل الهدف، يسجد لله شكرًا على الثلاث نقاط، وبعدها بلحظات يتجاوز أو يشتم في الملعب، أو يمثل (يغش) ليحصل على ضربة جزاء!

قد يبدو للناظر لأول مرة أن هذا موضوع عادي جدًّا. ولكنني أقول دائمًا إن “العادي هو مادة جيدة جدًّا للدراسة”. صناعة هذا “العادي” تقف وراءها مؤسسات. وهنا يمكن استدعاء أفكار لويس ألتوسير (Louis Althusser)  حول “مؤسسة الدولة القمعية” و”مؤسسة الدولة الأيديولوجية”؛ حيث يتم صناعة ما هو عادي وتشكيل تصوراتك حوله. ولكن، من غير الطبيعي أن يقوم إنسان بفعلين متناقضين في نفس المكان وفي نفس الوقت ويُعتبر تصرفه “عاديًّا”! هذه “لحظة نماذجية” تستحق الدراسة. وكلما امتلك الباحث أدوات معرفية أكبر، كلما كان تحليله أعمق.

وهنا أقول، إن التنظير الحقيقي يتطلَّب امتلاك الأدوات المعرفية؛ وكما تشير المقولة: “الله يكمن في التفاصيل”، حيث تدرك الحقيقة من خلال التأمل الصغير، وكذلك “الشيطان يكمن في التفاصيل” إذ يمكنه أن يوجِّه الأمور.

لذا، أبسط طريقة لوصف العمل “بين التخصُّصات” (البينية) هي قدرة الباحث على استخدام مناهج موجودة في تخصُّص ما وتطبيقها في تخصُّص آخر.

البينيَّة تمتدُّ إلى اللغات والحضارات

أرى أن “البينية” لا تقتصر على العلوم وحدها، بل تمتدُّ إلى اللغات والحضارات. فمن الأشياء التي أدركتها أنني كنت أقرأ عن العمارة الإسلامية باللغة العربية، ثم قرأت عنها باللغة الإنجليزية؛ أكاد أقول إنه لا صلة بين العِلمين! فالأسئلة مختلفة تمامًا، والتأويل مختلف. فمن أكثر الأمور رواجًا في الكتابات العربية عن العمارة الإسلامية هو “السعي إلى التأويل” المبالغ فيه. لدرجة أنني قرأت لمن يقول إن المئذنة المقسَّمة لثلاثة أجزاء هي “إصبع الشهادة”، وأن هناك شكلًا يمثِّل شخصًا ساجدًا، وغيرها من التأويلات البعيدة.

في المقابل، إذا استخدمت المنهج التاريخي، ستجد وثائق كثيرة لأشخاص عاصروا هذا البناء، ولا يوجد فيها أي ذكر لهذه التأويلات إطلاقًا. ورغم أن هذه المصادر موجودة باللغة العربية، إلا أن تناولها وتحليلها قليل. الباحثون الإنجليز (أو الغربيون) يميلون أكثر إلى التحليل في سياق سياسي واجتماعي لمعرفة كيف ظهرت هذه الأنماط والأشكال إلى الوجود.

ومن أكثر المواقف التي جَلَّت لي هذا الأمر كانت خلال مؤتمر “أنثروبولوجيا الشرق الأوسط”. لفت نظري وجود باحثين إيرانيين بكثافة، وصادف أن مديرة المؤتمر كانت إيرانية تعمل في الأكاديميا الأمريكية. بعد المؤتمر سألتها: “هل تَرَيْنَ أنه لا يمكن التمكُّن في علوم الاجتماع إذا لم يمتلك الباحث اللغة الإنجليزية؟” أجابتني قطعًا: “نعم، قطعًا”. بل ولفتت انتباه الأكاديميين الجالسين معنا على طاولة الغداء، وطلبت مني إعادة السؤال. رغم أنهم طرحوا بدائل كاللغة الفرنسية وغيرها، إلا أن الإجماع كان: نعم؛ لأن الإنجليزية هي لغة المعرفة التي كُتب بها الجزء الأكبر من العلم اليوم.

لذا، عندما سألتني باحثة أرادت التخصُّص في العمارة الإسلامية عن نصيحة، قلت لها: “رأس مالك الأول هو اللغة”؛ لأنها الأداة التي كُتب بها كلُّ شيء تقريبًا للأسف. كلما تمكنت من اللغات، كلما امتلكت القدرة على التنقل بين المصادر بحرية. من يجيد الإنجليزية فقط يفتقد المصادر العربية الأصلية، ومن يجيد الاثنتين يستطيع التحرك بينهما بمرونة تامة.

أمَّا فيما يخصُّ الحضارات، فمن أكبر المشكلات التي واجهتُها في دراسة الحضارات هي فكرة “الخصوصية المطلقة”. أزعم، بل أؤكد، أنه ما من حضارة مررت بها إلا وترى في نفسها “خصوصية” لا تشاركها فيها الحضارات الأخرى. وأؤكد أيضًا أن معظم هذه الأشياء التي يعتبرونها حصرية، موجودة في الحضارات الأخرى، لكنهم لا يعرفون ذلك!

على سبيل المثال، يظن البعض أن الفكر البيني (Interdisciplinary) خاص بالمسلمين فقط. حقيقة الأمر أن هذا المنهج التاريخي موجود في كل الحضارات. إذا نظرت إلى “رجل عصر النهضة” مثل ليوناردو دافنشي أو مايكل أنجلو، ستجده باحثًا، عالمًا، مؤرخًا، طبيبًا، فنانًا، وفيلسوفًا، برع في خمسة أو ستة علوم. ولو بحثنا في الصين أو الهند، سنكتشف أن هذا كان العُرف العلمي منذ القدم؛ معظم العلماء كانوا يعملون بطريقة بينيَّة.

مثال آخر في مجال تخصُّصي: ذكر أحد الباحثين أن المدن الإسلامية تنفرد وتتميز بخصوصية “الثلاثية”: المسجد، الباحة، والسوق. في كتابي “كنيس الخراب”، قدمت نماذج لمدن بناها اليهود في وسط أوروبا في أواسط القرن الثامن والتاسع الميلادي، تقوم أيضًا على نفس الثلاثية: المعبد، الباحة، والسوق. فهذه ليست “خصيصة إسلامية” بالمرة! بل إنك لو عدت لما قبل الإسلام (عند اليونان والرومان) ستجد نفس التخطيط.

للوهلة الأولى، قد يبدو كلامي هذا طعنًا على المعرفة الإسلامية، لكنه في حقيقة الأمر “محاولة للتحليل الجادِّ للوصول لمعرفة حقيقية”. أنا لا أريد أن أصدِّر لك معرفة متخيَّلة وغير حقيقية تظن أنك وصلت بها إلى التميُّز. لو أن صاحب تلك المقولة السابقة حول المسجد والباحة والسوق اطَّلع على معارف اليهود أو اليونان أو الرومان، لما قال هذه الجملة، ولتغيرت نظرتُه للمسألة برمَّتها؛ بدلًا من النِّضال لإثبات أن هذه الثلاثية المميزة (وهي جميلة لا جدال فيها) هي خصيصة إسلامية حصرية، سيبحث عن التميز الحقيقي. فلو كنت تبحث عما هو إسلامي حقًا، فأنت لم تجده بعد هناك، رغم أن هذه الثلاثية لا تتعارض مع الإسلام قولا واحدًا. هذه النقطة تدفعك دائمًا لمحاولة الوصول إلى ما أنت مميز فيه حقًّا، وهذا يشكِّل بالتبعية تصوُّراتك حول: كيف يغيِّر الإسلام الحياة بصورة حقيقية، وليس بصورة متخيلة؟

عقبات الدراسات البينية

النقطة الأخيرة التي أودُّ طرحَها في هذا الجزء التمهيدي، تدور حول سؤال: ما هي مشكلة الدراسات البينية وعقباتها؟

بدايةً، أرى أن الدراسات البينية “وسيلة وليست غاية”. هي تمنحني أدوات أنظر من خلالها للموضوع بطرق مختلفة وأكثر عمقًا، ولكنها ليست الغاية في حَدِّ ذاتِها. أنا لا أريد أن أتباهى بأنَّني قمت بدراسات بينيَّة وانتهى الأمر، بل أستخدمها للوصول إلى نتيجة ترفع من جودة البحث، وهذا ما أحاول استعراضه من خلال تناول الموضوع من زوايا متعدِّدة.

لذلك، تُعَدُّ الدراسات البينيَّة من قبيل “السهل الممتنع”. على سبيل المثال، يطلب أساتذة كثيرون في كليات العمارة من طلبة الماجستير في الدراسات التصميمية النزول للواقع لعمل “استبيانات” لجمع آراء الناس وبناء التصميم عليها. ولكن، من الناحية النظرية، إذا طبَّقنا قواعد الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا التي تدرس الناس وتفاصيل حياتهم المعيشية واحتياجاتهم في الفراغ، سنكتشف أن ما يُعلمه هؤلاء الأساتذة لطلبتهم هو إجراء باطل علميًّا.

ويوضِّح هذا المثال التطبيقي أوجُهَ الخَلل: فإذا كان هناك باحث يريد تطوير مناطق اللعب في “المدارس الحكومية”، فيقوم بعمل استبيان وينشره على منصات التواصل الاجتماعي (مثل فيسبوك أو إنستجرام). من منظور الإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا، هذا الاستبيان “لا قيمة له!” لماذا؟

  1. شريحة غير منضبطة: من هي الشريحة المستهدفة؟ هل هم فعلًا من دخلوا المدارس الحكومية؟ عندما تنشر الورقة في أوساط عامة، ستجد أشخاصًا لم يدخلوا مدرسة حكومية قط يشاركون لمجاملتك بإجابات يظنون أنها الصحيحة. وشخص آخر سيُجيب بناءً على صورة المدارس الحكومية التي رآها في “فيلم سينمائي”. الإجابات هنا غير محكومة؛ أنت جمعت بيانات كثيرة، لكنها بلا قيمة بحثية حقيقية.
  2. علاقات القوة: إذا حاولت التحدث مع أطفال بمنهج أنثروبولوجي، فهناك ضوابط صارمة تمنعك من سؤالهم بشكل مباشر وعشوائي. علاوة على ذلك، هناك “علاقات القوة” التي تضبط العلاقة؛ فإذا نزلت الميدان وسألت شخصًا: “ما رأيك في المدرسة؟”، سيجيبك بإجابة نموذجية يتخيَّل أنك تتمنَّاها (الحمد لله كويسة، نحتاج كذا وكذا). لاحقًا، ستكتشف من خلال نمط استخدامه الفعلي للفراغ أن إجابته النموذجية لا تمتُّ للواقع بصلة!

وهنا يكون الحل المنهجي الملاحظة بالمشاركة: فالمنهج الصحيح يتطلَّب منك أن تجلس وتراقب الوضع، وتكسر علاقات القوة. وجود “شخص غريب” في الفراغ يُغير السلوك البشري فورًا. إذا دخل غريب لتقييم أداء مُدرِّس في الفصل، سيتوتَّر الجميع، ولن يأخذَ أحدٌ راحتَه، ولن يتحدَّث الطلاب المشاغبون في الخلف! لكن إذا تكرَّرت الزيارات (مرة وثانية وثالثة)، سيعتادُون عليك، أو يمكنك استخدام كاميرا مراقبة، أو الاستعانة بوسيط محلي موثوق ينقل لك الصورة الحقيقية.

وهنا، نكتشف الحقيقة: الغاية لدى هؤلاء الأساتذة كانت مجرد “عمل استبيانات” للقول بأننا اتَّبعنا المنهج العلمي، دون الاكتراث بمدى رصد هذه الاستبيانات للواقع أو حقيقة الصورة التي تنقلها. هذا ما يجعل الدراسات البينية تبدو “سهلة” ظاهريًّا (مجرد إدخال تخصُّصات في بعضها)، لكنها في الواقع “ممتنعة” وتحتاج لضبط منهجي صارم.

في بعض الأحيان، قد تبدو الدراسات البينية للوهلة الأولى مجرد “موضة” أو توجُّهًا معرفيًّا رائجًا (تريند) يسعى الباحثون لمواكبته، فيقول أحدهم: “أنا أيضًا أقوم بدراسات بينية”. ولكن الشاهد هنا يكمن في فكرة التدليل، أو ما أُطلق عليه “المنهج الوتدي”؛ حيث يكون الظاهر منه بسيطًا، لكن عمقه الحقيقي يكمن في التفاصيل الداخلية (كوتد الخيمة).

على سبيل المثال، عندما أستخدم تصور ألتوسير حول “أجهزة الدولة الأيديولوجية” (كما سيأتي شرحه في كتاب “كنيس الخراب”)، فإنني كمعماري أرى أن هناك أيديولوجيا سياسية تم ترويجها باستخدام كافة أجهزة الدولة، وكانت العمارة إحدى هذه الوسائل لنشر الفكرة. العمارة هنا تُجلي ما هو أكبر منها؛ فهي مساحة تداخل فيها الدين، مع الأنثروبولوجيا، مع علم الإدارة، وغيرها.

تكتشف هنا أن الموضوع أشبه بـ“الوتد”، ظاهره قليل ولكن عمقه كله في التفاصيل. عندما تغوص في أغوار الدراسة، تكتشف أن الأمر ليس سهلًا؛ لأنك تحتاج إلى التمكُّن من أدوات كلِّ حقلٍ معرفيٍّ على حدة. يجب أن تكون عارفًا بالتاريخ ومصادره وطريقة تفكيره، وعارفًا بالهندسة، وعارفًا بالعلوم الشرعية ومساحاتها. ثم تبدأ بالتشبيك بين هذه الحقول لتصل إلى تحليل أعمق، وأكثر قوة وحِدَّة ممَّا لو عمل كل تخصُّص بمفرده.

ثانيًا- كنيس الخراب والبينية في دراسة العمارة

أبدأ هذا الجزء بالإجابة على سؤال: لماذا العمارة؟

فكتاب “كنيس الخراب: الصهيونية والاستيطان والعمارة” واجه تساؤلًا تعاملت معه كثيرًا: لماذا العمارة؟ ولماذا نتَّخذ من العمارة منظورًا للتحليل في ظل أحداث دموية تموت فيها أرواح، وتُزهق أنفس، وتُدمر مدن، ونرى الألم يُبث يوميًّا على منصَّات التواصل الاجتماعي؟ ألَا يبدو الحديث عن العمارة وسط كل هذا نوعًا من الترف الفكري أو الطوباوية الزائدة عن الحدِّ؟

هذا التساؤل نابعٌ من ارتباط العمارة في أذهان الكثيرين بأنها شيء جمالي تكميلي ليس أكثر (لدرجة أن هناك أساتذة في كليات الهندسة يعتبرون أنفسهم “مهندسين” وليسوا “معماريين”؛ لأنهم يرون المعماري كصانع جماليات، بينما الهندسة صنعة نفعية ووظيفية جادة).

وقد كان ردِّي دائمًا: لأن العمارة تحديدًا هي “حلبة من حلبات الصراع التي لا نراها”. ومن خلال العمارة، سأحكي لك قصة الحرب كاملة.

وهذا يُعَدُّمنهجًا أنثروبولوجيًّا بامتياز؛ حيث الاعتماد على جزء صغير لرسم صورة كاملة. ولتوضيح الفرق بين الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع:

  • في علم الاجتماع: إذا أردت دراسة حالة طلاب قسم العمارة بكلية الهندسة، وقمت بتوزيع استبيان لسؤالهم (من المبسوط؟ من المتضايق؟ من الأستاذ المفضل؟ ما أصعب مادة؟ هل الجامعة قريبة أم بعيدة؟ مع تقييم من 1 لـ 5). في النهاية، ستحصل على حالة عامة وإحصائيات قد تستخدمها لاحقًا.
  • أمَّا الأنثروبولوجيا: فتتيح لك دراسة الحالة العميقة؛ فيمكنك أن تمسك بطالب واحد فقط (مثلًا طالب متعثِّر ماليًّا ويسكن بعيدًا)، وتتتبَّع حالتَه بدقَّة: ما هي المشقَّة التي يُعانيها؟ كيف يدبِّر أموالَه؟ كيف يتعامل مع مصاريف الطباعة العالية (هل يطبع على الوجهين أم يستلف)؟ هل يضطر للعمل؟ وبما أن العمارة تخصُّص يستهلك الوقت، كيف يوازن بين عمله ودراسته لتوفير الدخل؟

من خلال هذا التفصيل العميق والالتصاق بهذه الحالة، ستحصل على صورة دقيقة جدًّا تنقل لك التجربة الحقيقية والمعاناة بشكل أفضل بكثير، وبناءً عليها يمكنك اتِّخاذ القرارات. وقِسْ على ذلك: الطالب المتفوق سيحكي لك تجربة ممتازة، والطالب المتعثِّر سيحكي لك تجربة سيئة.

إذا عدنا إلى حالة دراستنا في الكتاب، ستجد الآتي:

  1. العمارة بالنسبة للعدو الصهيوني هي سندُ الوجود الأساسي وعمود ادِّعائه بملكية الأرض. في عام 1948، ذهب المبعوث الإسرائيلي للأمم المتحدة حاملًا نسخة من التوراة لتقديمها كـ“سند ملكية” للأرض (ادِّعاء ديني لتعزيز موقف سياسي). ولكن، لأن الكثيرين قد يرفضون هذا السَّنَدَ الديني بحجَّة التحريف أو عدم الإيمان به، كان البديل هو إيجاد دليل مادي على الأرض يثبت الوجود التاريخي (كأن تجد أثرَ يدٍ، أو قدمٍ، أو ملابسَ لشخص كدليل على وجوده). هنا بدأ الاحتلال يعمد إلى ما أطلقت عليه الباحثة الدكتورة نادية أبو الحاج في كتابها (Facts on the Ground) مصطلح “الهواية القومية”؛ حيث أصبح البحث والتنقيب عن الآثار شغفًا قوميًّا حقيقيًّا، لأنه يقدِّم “دليل الوجود”.
  2. من خلال استهدافات الاحتلال في حروبه (الأخيرة وما قبلها)، نكتشف استهدافًا معماريًّا ممنهجًا يمثِّل “استهدافًا اقتصاديًّا”. إذا نظرت إلى الخرائط وأسقطت عليها الجانب الاقتصادي، ستجد مناطق (حيزات جغرافية) تمثِّل مراكز المال والأعمال التي تشغل المدينة بأكملها، وحيزات أخرى سكنية أو ترفيهية. عندما يضرب العدو حيزات المال والأعمال، فهو لا يخطئ الهدف، بل يقصده تمامًا. هذا القصف له أثران: أثر مباشر (قتل الأشخاص وترويعهم)، وأثر ممتد؛ لأن تدمير هذه البنية المعمارية (بأوراقها وشركاتها) يؤدي إلى توقف النشاط الاقتصادي وتشريد آلاف الموظفين والعمال، مما يوقف شريان الحياة في المدينة.
  3. في مراحل كثيرة جدًّا، كان نجاح المشروع الاستيطاني في العمارة والتخطيط يوازي نجاح المشروع السياسي ذاته. وسأستعرض هنا أربع قصص تلخِّص هذا الدور (وهناك قصص أخرى متوفِّرة في المحاضرات السابقة وعلى يوتيوب). وقد اعتمدت في هذا الكتاب على أكثر من 120 مصدرًا (كثير منها باللغة العبرية تمت ترجمتها، ومصادر إنجليزية من الأرشيف الرقمي بأمريكا) موثقة بالصفحة، وهي مصادر غير متوفرة عادة باللغة العربية.

ومن ثمَّ، قامت العمارة بأدوار عدَّة في مراحل الاستيطان الأولى وحتى الآن، منها:

  • دمج المهاجرين: جاءت مجموعات من الأشخاص من بلدان غريبة لا يعرفون بعضهم البعض، وكان النجاح في إيجاد “مخطط معماري” يدمج بينهم يوازي نجاح المشروع الاستيطاني ككل.
  • التحصين والانتشار: في مراحل الحروب، كانت الحاجة إلى أنماط معمارية تحصينية “سريعة البناء” تعادل القدرة على استعمار الأرض والانتشار عليها بأسرع وقت.
  • استيعاب الهجرة الكثيفة: في اللحظات الأولى بعد التأسيس، هاجر إلى دولة الاحتلال ما يوازي 50% من عدد السكان خلال سنتين! أشخاص تركوا أعمالهم وسكنهم. إذا لم تكن تمتلك آلية معمارية وتخطيطية لامتصاصهم وتسكينهم وتوجيه النمو، ستفشل حتمًا. العمارة هي التي أنجحت هذا الاستيعاب، وهي التي دعمت المشروع بعد حرب 1967.

كل مرحلة من هذه المراحل لها تبعات اقتصادية، سياسية، اجتماعية، ودينية. وهذا ما جعل العمارة هي الحلقة المفقودة في فهمنا للصراع. وقد حاولت من خلال الكتاب أن أقدِّم تناولًا أكثر سعة للتحليل المعماري، وأتمنى أن أرى هذا التناول ينمو بصورة أكبر. وهنا سأستحضر مجموعة من القصص لعلها تبيِّن فكرة البينية وتطبيقها في دراسة نمط “العمارة” الصهيوني.

القصة الأولى: مستوطنة “عمانوئيل” (الفشل المعماري رغم التخطيط)

سأبدأ بسرد القصص الأربع، وأولها قصة مستوطنة عمانوئيل (Emmanuel). هذه القصة قريبة جدًّا إليَّ، لأنها كانت من أول ما كتبتُ وقرأتُ عنه في مشروع الاحتلال.

بدأت حملات ترويجية لمشروع سكني باسم “عمانوئيل” (وتعني: الله معنا). يشير الاسم إلى نبوءة توراتية يعتبرها اليهود بشارة وتأييدًا إلهيًّا (بينما يرى المسيحيون أنها نبوءة بقدوم المسيح). استهدف المشروع بالأساس فئة “اليهود الحريديم” (المتدينين الأرثوذكس). تمَّ اختيار الموقع بشكل خاص في الضفَّة الغربية لدلالته التوراتية العميقة كأرض مباركة؛ لدرجة أن الحملات الترويجية كانت تصف السكن هناك بأنه يمتلك “إطلالة على الكتاب المقدس / التوراة” (بدلًا من إطلالة على البحر!).

بُنيت المستوطنة على قمم التلال (أعالي الجبال)؛ فمن الناحية الدينية، يرى المتدينون أن المؤمنين يفرُّون لأعالي الجبال ويتركون السهول. ومن الناحية العسكرية، التمركز فوق الجبال يسهل مراقبة القرى الفلسطينية في الأسفل. هنا تمَّ استخدام المدنيِّين بوظيفة عسكرية. أصبح المدني المتمركز فوق الجبل، والمربوط بشبكة طرق وكباري تخنق القرى التي تحته، يقوم بمهمة المراقبة، بل ويحمل السلاح ويعتدي على القرى؛ فتمَّ توظيفُه عسكريًّا لضرب “أربع عصافير بحجر واحد”.

ثمَّصُمِّمت المباني باستخدام الحجر والقباب لتناسب الذوق الديني، وتمَّ إطلاق حملات ترويجية ضخمة لجلب المتديِّنين من أوروبا وأمريكا، وتسيير رحلات طيران خاصة لهم، وإقامة حفلات دينية على التلال. كل شيء كان يبدو مثاليًّا، وكان المستهدف تسكين 80 ألف نسمة. ولكنني فوجئت بأن عدد سكَّانها حتى اليوم لا يتجاوز 2000 شخص! لماذا فشل المكان فشلًا ذريعًا؟

اكتشفت أن فشل المشروع كان لسبب معماريٍّ بامتياز؛ حيث رفض اليهود الحريديم السكن فيها لأن التصميم لم يُلبِّ احتياجاتهم الدينية والاجتماعية. وعند النظر إلى المساقط الأفقية نجد الأخطاء التالية:

  1. غرفة النوم الرئيسية: تم وضع سريرين منفصلين للزوج والزوجة (لأن الشريعة اليهودية تمنع لمس المرأة أو التواجد معها في سرير واحد أثناء فترة الطمث). ولكن وضع أحد السريرين كان يسدُّ باب الحمام، ممَّا يجعل الدخول إليه شبه مستحيل أثناء النوم.
  2. ركن العائلة: صُمِّمَ ركنٌ لاجتماع العائلة حول طاولة أو تلفاز أو لعبة شطرنج. وهذا كله محرم عند الحريديم؛ فهم لا يجتمعون لهذه الأغراض، وبالتالي كان هذا الفراغ غير مفيدٍ لهم.
  3. غرفة المعيشة المفتوحة: تصميم غرفة المعيشة يكشف البيت كله بمجرد فتح باب الشقة، وهذا يتنافى مع متطلبات الخصوصية لديهم.
  4. تجاهل طبيعة عمل الحريديم: من المفاجآت التي وثَّقتها هي أن الرجال الحريديم لا يعملون إطلاقًا؛ بل يعكفون منذ سن السابعة على دراسة التوراة. والزوجة هي من تعمل وتكسب المال إلى جانب مساعدات الدولة. إذن، فالرجل يحتاج لمساحة لاستقبال أصدقائه للدراسة الدينية، وهو ما لم يوفِّره التصميم المفتوح.
  5. البلكونة شبه الدائرية: صُمِّمَت البلكونات بشكل شبه دائري لأغراض جمالية، وهذا مرفوض دينيًّا؛ فهم يحتاجون لبلكونة مربعة مكشوفة تمامًا للسماء لبناء الخيام فيها أثناء “عيد العرش”، حيث يجب ألا يكون هناك حائل بينهم وبين السماء.
  6. عدد الغرف: متوسط الإنجاب لديهم هو 7 أطفال للأسرة، وبالتالي فإن أيَّ نموذج سكني من غرفتين هو نموذج مرفوض مسبقًا.

وبسبب هذه الأخطاء، رفض الحريديم السكن. ومن اضطرَّ للسكن بسبب الحاجة واجه مشكلة أخرى؛ فلا العلمانيون يقبلون السكن بجوار الحريديم، ولا حتى الفصائل المختلفة من الحريديم يقبلون السكن معًا! (لدرجة أن أحدهم رفض السكن بحجة أنه لا يقبل أن تدخل ابنته نفس الحضانة التي تدخلها ابنة يهودي من فصيل متدين آخر خوفًا على “أخلاقها”). النتيجة: لم تكتمل الأقساط، لم تُبَع الشقق، وفشل المشروع وظل على حاله حتى اليوم.

القصة الثانية: مستوطنة “بيتار عيليت” (النجاح عبر التصميم التشاركي)

في المقابل، نجد نموذجًا ناجحًا وهو مستوطنة “بيتار عيليت”، والتي تُعتبر من أنجح النماذج التصميمية لليهود الحريديم.

وربما كان سبب نجاح هذه المستوطنة هو اعتمادهم على ما يمكن تسميته بالتصميم عبر-التخصُّصي (Transdisciplinary) حيث أشركوا نساء من المجتمع اليهودي المتدين في عملية التصميم. وبناءً على مشاركتهن، تغير التصميم بالكامل ليُعالج أخطاء “عمانوئيل”:

  • تمَّ توفير غرف معيشة ومساحات يمكن إغلاقها بأبواب لضمان الخصوصية ولتوفير عزل للزوج عند استقبال أصدقائه للدراسة.
  • تم ترك مساحات هندسية تتيح إضافة “غرفة رابعة” مستقبلًا عند زيادة عدد الأطفال.

عندما أُشرك السكان في تصميم الفراغات التي تُلبي احتياجاتهم الدينية والاجتماعية، حَقَّقَ المشروع نجاحًا معماريًّا واستيطانيًّا.

وعندما تحدَّثنا عن إشراك المجتمع في التصميم، نحن هنا لا نتحدَّث فقط عن العمل “بين التخصصات”، بل نتحدث عن منهج عابر للتخصصية (Transdisciplinary). رغم أن هذا المصطلح قد يُستخدم أحيانًا في الأكاديميا الغربية والأمريكية كمرادف للبينية، إلا أن التفريق بينهما يحمل معنى هامًّا؛ “العبور” يعني أن تخرج من التخصص الأكاديمي المغلق إلى العوام، وتُدخل الناس وآراءهم ومشاكلهم معك في عملية التصميم، فتتَّسع مساحة التخصص لتبدأ بالمجتمع وتسعى لإيجاد الحل معه. لقد أدخلوا فئات المجتمع كلها لتقول رأيها، وهذا أثَّر بشكل مباشر على الحل المعماري.

وثمة ملاحظة مهمة على هذا المشروع، هي أنه إذا نظرنا إلى قمم المباني في المستوطنات، سنجدها جميعًا مبنية بـ “القرميد الأحمر”. السبب الحقيقي لذلك ليس جماليًّا؛ بل كان توجيهًا عسكريًّا لضمان تمييز الطيارين الإسرائيليِّين للبيوت اليهودية (ذات القرميد) عن القرى الفلسطينية أثناء القصف من الجو، لتجنُّب قصْفها. فالعمارة هنا، وإن بدت مسالمة، تحمل العنف في طياتها.

القصة الثالثة: سويسرا الصغيرة وأيديولوجيا الغابات

نبدأ بالقصة الثالثة، وهي قصة “سويسرا الصغيرة”. أُحب أن أبدأ هذه القصة بحدثٍ وقع عام 2010، حيث قامت قناة أمريكية تُدعى(GOD TV)  تابعة لكنيس أنجليكانية بحملة ضخمة لزراعة “مليون شجرة” في صحراء النقب؛ تمهيدًا -وفق معتقداتهم- لقدوم “ابن الله” (المسيح).

للوهلة الأولى، إذا لم تكن تعرف التفاصيل، قد يبدو الموضوع غريبًا؛ أمريكيون يجمعون تبرُّعات لزراعة مليون شجرة في صحراء النقب على الأراضي المحتلَّة! لكنك ستكتشف أن زراعة الأشجار في دولة الاحتلال تحمل بُعْدًا أعمق من ذلك بكثير. ففعل زراعة الشجر -الذي يبدو مسالمًا ومحبَّبًا- هو في حقيقته “فعل عنيف” وله دلالات خطيرة.

فإذا رجعنا خطوتين للوراء، سنجد أن تاريخ زراعة الأشجار ممتد منذ تأسيس هذه الدولة. قديمًا، كان أي زائر مشهور لدولة الاحتلال يجب أن يزرع شجرة تضامنًا (مثلما يأخذونهم اليوم إلى حائط البراق / المبكى). لدينا صور تاريخية لمشاهير مثل المطرب “فرانك سيناترا”، والممثلة “إليزابيث تايلور” (بطلة فيلم كليوباترا)، يزرعون الأشجار كنوع من التضامن.

لكن، لماذا تعتبر زراعة الشجر فعلًا تضامنيًّا؟

حتى قبل قيام دولة الاحتلال، كانت كلُّ الكُنُسِ اليهودية في أوروبا وأمريكا تحتوي على “الصندوق الأزرق”، الذي يدعو الناس للتبرع لـ “الصندوق القومي اليهودي”، وكانت كل حصيلة هذا الصندوق تذهب لزراعة الأشجار!

كان هناك هوسٌ شبهُ مَرَضِيٍّ بزراعة الأشجار. لدرجة أن المجتمع اليهودي في قصر “باكنجهام” بإنجلترا جمع تبرعات لزراعة أشجار في غابة “الملك جورج” (تخليدًا لذكراه)، وتلقُّوا خطابات شكرٍ على دعمهم. حقيقة الأمر أن هذا الموضوع له بُعْدٌ فلسفي، ورمزي، ووظيفي.

وتدليلًا على هذا المعنى الرمزي، أذكر أحد المشاهد الدعائية لمستوطنة سويسرا، يُظهر أطفالًا يزرعون الأشجار وتحتهم عبارة ترجمتها الحرفية هي: “اليوم انزرعنا وتجذرنا، عامًا بعد عام ونحن هنا”. إحدى الأساطير المُؤسِّسة لدولة الاحتلال هي الترويج بأن هذه الأرض كانت خضراء ثم تحولت إلى صحراء قاحلة وجدباء، وأنهم هم من جاؤوا وزرعوها وعمَّروها. فهم يصدِّرون صورة: “نحن جئنا بالخير ونزرع الشجر”.

ويقول المؤرخ اليهودي إيلان بابيه (Ilan Pappé) إن دولة الاحتلال كانت تسير بمنظور تأسيس وطني أطلق عليه: “وطن يهودي أوروبي أخضر”. منذ اللحظة الأولى (وما بعد 1948)، أطلق مؤسِّس الدولة ديفيد بن جوريون مقولة شهيرة مفادها: “لقد استعمرنا الأرض، وحان وقت إعمارها”.

وُجِّهت الجهود لزيادة الأشجار بشكل هائل؛ ففي سنة 1948 وحدها زُرِعَ أكثر من نصف مليون شجرة! دولة الاحتلال هي الدولة رقم واحد في العالم التي دخلت القرن الحادي والعشرين بتعداد أشجار يوازي أو يفوق تعدادها القديم؛ فهي تمتلك اليوم أكثر من 100 ألف فدان من الغابات، وأكثر من 240 مليون شتلة زراعية. لقد خَصَّصْتُ فصلًا في الكتاب لأُبَيِّنَ كيف أن دولة الاحتلال قامتْ فيها “الزراعة” أولًا، ثم قامت الدولة لاحقًا؛ فهي “دولة زراعية بامتياز”. فلماذا هذا التركيز على الزراعة؟

أولًا، كانت وسيلةً لتغيير الصورة النمطية عن اليهود في الثقافة والأدب الغربي؛ حيث كانوا يُصوَّرون دائمًا كمُرَابِين، وبخلاء، وأسافل القوم، وجُباة للأموال، وأن اليهودي “لا يشتغل بيده”. فجاءت الحملات الأولى تروج لليهودي وهو يمسك بالمعول ويزرع. أحد المنظِّرين الصهاينة، ويُدعى يوسف ترومبلدور (Joseph Trumpeldor)، كان يقول: “تقف حدود الأرض عند آخر مِحراث يهودي”. فالمنظور الديني لديهم يرى أن استعمار الأرض وتخضيرها يجعلها مِلكًا لك، بغض النظر عمَّن كان يسكنها قبلك.

تغريب الأرض: استيراد الأشجار الأوروبية

أطلقت على هذا الفعل اسم “تغريب الأرض”. إذا نظرت للمشهد هناك، ستشعر وكأنك في وسط أوروبا، ولن تتخيَّل أنك على بُعد خطوات من صحراء النقب! لقد عمد اليهود بقوة إلى استيراد أشجار أوروبية مثل: الصنوبر والسرو.

بما أن هذه الدولة قامت على أيدي مهاجرين أوروبيين (من وسط وشرق أوروبا)، كانت الخطوة الأولى هي محاولة جعل هذه البلاد تبدو كالبلاد التي جاؤوا منها. تمَّ استيراد الأشجار، وهناك دراسة تشير إلى أن أكثر من 85% من النباتات المزروعة في أرض فلسطين مستوردة من الخارج (زراعة دخيلة).

المشكلة أن أشجار السرو والصنوبر تنمو في البيئات الباردة كوسط أوروبا وسويسرا، ولا تناسب مناخ حوض البحر المتوسط. وسنأتي لاحقًا لذكر المشاكل التي سبَّبها ذلك. كان الهدف الأساسي هو أن تبدو الأرض “غريبة” على أصحابها الأصليين. ولم يقتصر الأمر على الغابات، بل امتدَّ لأسماء الأماكن؛ حيث عُقدت لجان من الخبراء لتغيير أسماء المعالم والقرى.

الغابات كوسيلة لمسح التاريخ (إخفاء القرى الفلسطينية)

لعبت الغابات دورًا أشد قسوة في “التوغُّل”؛ فالصورة النمطية لدينا غالبًا هي الفلسطيني الذي يحمل مفتاح بيته الذي طُرِدَ منه وسكنه يهودي. هذا حدث بالفعل في المدن القديمة (مثل يافا والقدس)، لكن الغالبية الكاسحة من أراضي فلسطين تَمَّ هدمُ بيوتها بالكامل، واستزراعها كغابات، بينما تُبْنَى المستوطنات اليهودية بجوارها.

كان القانون يمنع اليهود من السكن في بيوت الفلسطينيين في كثير من الأحيان، والسبب؟ حتى لا يعود الفلسطيني يومًا ما ويطالب ببيته. كان الحل هو: هدم البيت، وبناء غابة مكانه، وسكن اليهودي في مستوطنة مجاورة.

عندما يتمشَّى الزائر في غابة ويصادف آثارًا لقرية فلسطينية مهدَّمة وسط الأشجار الكثيفة، سَيُخَيَّلُ إليه أن هذه آثار تعود لـ 300 أو 400 سنة خلت! لقد أعادوا كتابة التاريخ المعماري للبيئة؛ فلا يمكن للزائر أن يتخيل أن هؤلاء السكان هُجروا منذ 20 أو 30 سنة فقط، وأن أبناءهم ما زالوا أحياء يطالبون بالعودة. الغابات لعبت دورًا في “طمس ملامح الأرض” وإضافة صورة رومانسية خادعة تخفي جريمة التهجير.

سويسرا الصغيرة وحرائق الغابات

أحد هذه النماذج هي محمية أطلقوا عليها اسم سويسرا الصغيرة (Little Switzerland)؛ وهي محمية استزرعها اليهود بمساحة تقارب 10 آلاف فدان، وسُميت بهذا الاسم تشبهًا بطبيعة سويسرا. وبالطبع، لم تُبْنَ إلَّا على أنقاض قرى فلسطينية قُصفت بالمدافع في عام 1948.

الشيء الغريب أن هذه المناطق تُعَدُّ من أكثر المناطق اشتعالًا للحرائق! والسبب هو نوع الأشجار الدخيلة. فأشجار السرو والصنوبر تستهلك مياهًا كثيرة، وتجفُّ جدًّا في أجواء شرق البحر المتوسط، ممَّا يجعلها شديدة القابلية للاشتعال السريع. وقد قرأت العديد من الدراسات التي تقارن بين هذه الأشجار الدخيلة وبين “شجرة الزيتون” الأصيلة؛ فجذور الزيتون شديدة العمق، وإذا قصصت الشجرة تنبت مرة أخرى، بل إن فحم الزيتون تخرج منه فروع جديدة. بينما أشجار السرو جذورها سطحية وتبرز فوق الأرض. هذه الزراعة “غير الطبيعية” في المكان تسببت في حرائق كارثية متكررة.

وخلاصة هذه القصة يوضِّح: كيف أن شيئًا كزراعة الأشجار، والذي يبدو مسالمًا ومحبَّبًا، يحمل في طيَّاته عنفًا، ومحاولة لتغيير الأرض، وتغييب الحق، وصناعة عالم غريب على أصحابه الأصليِّين لتعزيز الاستيطان.

القصة الرابعة: تل أبيب (مدينة بلا جذور)

ننتقل إلى القصة الرابعة، وهي قصة مدينة “تل أبيب”؛ وهي من أكثر القصص التي توضِّح كيف تفكِّر هذه الدولة بطرق غير تقليدية.

نشأت المدينة عام 1909 عندما تجمَّعت 60 عائلة يهودية لبناء 60 بيتًا. الأسطورة التي روَّج لها اليهود لتأسيس المدينة تقول إنهم ذهبوا لتقسيم الأراضي، ولأنهم لم يجدوا ورقًا، جمعوا قواقع ومحارًا من البحر، وكتبوا عليها أرقامًا، وأجروا قرعة (أنت تأخذ القطعة 1، وأنت 2، وهكذا) للدلالة الرمزية على أن هذه الأرض “نبتت من البحر”.

سُميت المستوطنة في البداية “أحوزات بايت” وتعني البيت / القصر، ثم تغيَّر الاسم لاحقًا إلى “تل أبيب” (أي: تل الربيع). الكثيرون لا يعرفون أن المنظر الصهيوني تيودور هرتزل ألَّف كتابًا بعنوان “الأرض القديمة الجديدة”؛ وهذا الكتاب يشرح بالتفصيل الدقيق كيفية توطين الاحتلال على الأرض (على عكس كتابه الأول “الدولة اليهودية”). اعتبر البعض هذا الكتاب ليس مجرد رواية، بل خطة تطبيقية دقيقة. واسم “تل أبيب” جاء إشارة مباشرة لهذه الرؤية التي وضعها هرتزل. وقد اكتملت معالم “أحوزات بايت” وتحوَّلت إلى تل أبيب عام 1914.

بدأت المدينة تشهد عمرانًا ونموًّا سريعًا جدًّا (من 500 فرد عام 1910، إلى ألفين في 1920، ثم 40 ألف فرد في 1930). كان الهدف هو بناء مدن كبيرة لاستيعاب اليهود بعد أن ضاقت بهم الأحياء القديمة في يافا. ولكنهم اصطدموا بواقع معماري مأزوم: بأي طراز نبني؟

  1. الطراز الانتقائي/الهجين (Eclectic): حاولوا تصميم مبانٍ (مثل مدرسة هرتسليا) بأسلوب يجمع عناصر معمارية لخلق “عمارة يهودية تقليدية”. ولكن لأن اليهود تاريخيًّا لم يكن لهم طراز معماري خاص (بل كانوا متأثرين ببيئاتهم)، خرجت المباني بشكل وصفه البعض بأنه أقرب لـ“ديزني لاند” أو بيت رعب خيالي للأطفال، يفتقر للجدِّية!
  2. الطراز العربي المشابه: حاول البعض الاستعانة بالطرز العربية (مثل معهد يافا التقني)، لكنهم رفضوه قائلين: “إذا بنينا كالعرب، فلن نختلف عنهم في شيء”.
  3. الطراز النيوكلاسيكي الأوروبي: اقترح البعض بناء طرز أوروبية نيوكلاسيكية، لكن الرد كان: “هذه هي الشعوب التي قمعتْنا، فإذا تبنَّينا معمارهم، سنُنَاقض رسالتَنا كدولة تؤمن بالعمَّال وحقوقهم”.
  4. العمارة الشتاتية: اقترح آخرون أن يبني كل مهاجر بطراز البلد الذي جاء منه (اليهودي الإسباني يبني طرازًا أندلسيًّا، والروسي يبني طرازًا روسيًّا). تمَّ رفضُ هذا المقترح لأن هذه العشوائية ستُرسخ فكرة أنهم “شعب مهاجر وشتات”، بينما هم يريدون إثبات انتمائهم لهذه الأرض.

الطراز العالمي (البوهاوس) وصناعة “المدينة البيضاء”

أصبح اليهود أمام معضلة معمارية: فهم بحاجة إلى “طراز قومي”. وهنا وُلدت فكرة: “طراز بلا شعب، لشعب بلا طراز”. كان هناك طراز معروف عالميًّا باسم “الطراز العالمي” أو الحداثي، ويتَّسم بالمسطَّحات البيضاء الصريحة، والزجاج، والخلو التام من الزخارف والدلالات الثقافية (كما نرى في الأبراج الزجاجية اليوم). سُمِّيَ عالميًّا لأنه يمكن نقله وتطبيقه في أي مكان دون أن يرتبط بجغرافيا معيَّنة.

نشأ هذا الطراز وتطوَّر في ألمانيا في مدرسة الباوهاوس (Bauhaus). وكان هناك عددٌ كبيرٌ من اليهود في هذه المدرسة. عندما طُردوا من ألمانيا (بسبب توجُّهاتها)، جاؤوا إلى فلسطين وطبَّقوا هذه الفلسفة المعمارية على الأرض. رأوا في هذا الطراز الحل الأمثل؛ فهو “طراز بلا جغرافيا” لشعب “يبحث عن هوية وطراز”. تبنوا الطراز الأبيض وتوسَّعوا فيه لدرجة أنه أصبح السِّمَةَ الأساسيَّة لمدينة تل أبيب.

دلالات اللون الأبيض (الرغبة في التبييض): اللون الأبيض ليس اختيارًا عبثيًّا، بل له دلالة معمارية وأخلاقية. المعماري الحداثي الشهير لو كوربوزييه (Le Corbusier) قال: “اللون الأبيض ذو دلالة أخلاقية، وانتشاره سيعزز الفضيلة في المجتمع”. والمؤرخ المعماري جون راسكن (John Ruskin) اعتبره لونًا صادقًا وصريحًا.

هنا أستحضر تحليلًا عميقًا أستند فيه إلى مقولة المفكر فرانز فانون (Frantz Fanon) حول “الرغبة في أن تكون أبيض”. صاحب البشرة السمراء (أو غير الأبيض) يتعرَّض لعنف وتمييز عنصري مباشر بسبب لونه البادي للعيان. أما اليهودي (في السياق الأوروبي)، فهو يحظى بميزة كونه “أبيض اللون”، فيمكنه الاختباء خلف بياضه ليتجنب الأذى المباشر. ولكنه في اللحظة التي تُكشف فيها هُويته كيهودي، يتعرَّض للإيذاء والتمييز.

لذلك، أرى أن الحركة الصهيونية واليهود كانوا دائمًا في حاجة إلى “تبييض أنفسهم”. اليهودي يريد دائمًا أن يقول للغرب: “أنا أبيض، أنا أتبع خطواتك، أنا مثلك”. وهذا يتجلَّى في خطابهم السياسي المستمر: “نحن دولة أوروبية، قيمنا أوروبية، وثقافتنا أوروبية”. لذلك، تبنُّوا قلب الحداثة الأوروبية المعمارية (المدينة البيضاء) ليقولوا: نحن مدينة فاضلة أخلاقية. الاحتلال يسعى دائمًا لتبييض صورته أمام العالم من خلال العمارة.

في عام 1994، قدَّمت دولة الاحتلال طلبًا لمنظمة اليونسكو (UNESCO) لحماية المدينة، وتمت الموافقة، وأصبحت تل أبيب “محمية تراثية بيضاء” (لأنها تضم أكثر من 2000 إلى 3000 مبنى بطراز الباوهاوس الحداثي الأبيض). ورغم أن اللون الأبيض منتشر في مدن كثيرة عبر البحر المتوسط، إلا أنه طُبِّقَ هنا بمنظور أيديولوجي شديد الوضوح.

لكن فساد هذا المنظور (الذي يسعى لتبييض صورة الاحتلال عبر العمارة) سيتَّضح في المشكلة الكبرى التي واجهت مدينة تل أبيب لاحقًا وهي أزمة “المساحة والتوسُّع”. تل أبيب مدينة محاصرة جغرافيًّا وعمرانيًّا؛ ففي الشرق تجد مدينة (بتاح تكفا)، وفي الشمال تجد (هرتسيليا). المدينة بلغت أقصى حَدٍّ ممكن لتوسُّعها الأفقي، فكان الحل المعماري هو هدم المباني القديمة لبناء أبراج شاهقة.

هنا ظهرت المعضلة: أوسع منطقة في تل أبيب تحتوي على مبانٍ قديمة بارتفاعات قصيرة (والتي لم تُهدم) هي ذاتها المنطقة التي نالت بسببها المدينة لقب “المدينة البيضاء” وحماية منظمة اليونسكو (UNESCO)! لقد سعوا بأيديهم لحماية هذه المباني دوليًّا، وبعد 20 سنة اكتشفوا أن هذا القرار أصبح مشكلة تعوق التطور؛ فهم الآن يريدون هدم هذه المباني للارتفاع رأسيًّا.

بدأوا بتقديم نماذج ومقترحات لهدم بعض المباني وتطويرها بشكل يُعيد إنتاج المشكلة. أصبحوا في خلاف دائم مع اليونسكو، لدرجة أن أكثر من 800 مبنى خرجت من قائمة الحماية التراثية بسبب أعمال “الترميم” وإعادة البناء التي تمَّت فيها.

هذا التخبُّط يُبَيِّنُ بوضوح أن حماية “المدينة البيضاء” لم تكن نابعة من سعي حقيقي للحفاظ على العمارة، ولا من حُبٍّ للعمارة كقيمة فنية وطنية. بل كان الهدف هو إضفاء “ستار معماري” يستر المدينة ويُعيد تقديمَها للعالم؛ فبدلًا من أن تُعرف كـ“مدينة يهودية بُنيت على أرض مُستعمرة”، تُطبع في الأذهان كـ “تل أبيب: المدينة البيضاء، قلب العمارة والفن”. كانت هذه وسيلة احتاجها اليهود بشدَّة لإعادة رسم هُويتهم.

تعقيب: د. مصطفى بن حموش

أشكر الأستاذ أحمد عبد العظيم على هذه المحاضرة التي استفدت منها كثيرًا، خاصة الجهد المبذول في العمل الميداني والبحث الأرشيفي الذي ليس سهلًا لجمع المعلومات وصناعة رأي ومعرفة، فهذا عمل غير مسبوق فيما أعلم. لدي تعقيب منهجي وفكري على ما قُدم في هذه المحاضرة:

  1. المنهجية (طغيان دراسة الحالة على البينية): كنت أتوقع أن يركز العرض على “التكامل بين المعارف وعلاقتها بالعمارة” (البينية)، ولكنني وجدت أن “دراسة الحالة” طغت بشكل كبير جدًّا على الموضوع. لدرجة أنني أقترح عنوانًا آخر للمحاضرة: “الصهيونية في زي العمارة” أو “تأثير الصهيونية في العمارة”؛ لأن البعد التكاملي/ البيني أصبح ثانويًّا في الطرح.
  2. خطر التأويل المفرط: من الناحية المنهجية، عندما نضع “فرضيَّات” مسبقة، ونحاول تأكيدها بكلِّ السُّبل، يصبح كلُّ شيء نراه مُمَثِّلًا ومُؤكِّدًا لما نريد قوله! أخشى على هذه الدراسة من هذا المنزلق؛ بحيث يُفسر كل شيء على أنه “صهيونية” و”استهداف”. هناك ممارسات و”مقومات بشرية” يشترك فيها جميع البشر (مسيحي – صهيوني – مسلم – أو ملحد)، مثل زراعة الأرض أو الغرس. يجب الحذر من تقديم تأويلات سياسية وأيديولوجية قد لا تحتملها العمارة في الواقع.
  3. إشكالية التركة المعمارية الاستعمارية: أطرح هنا فرضية للنقاش: إذا مكَّن الله المسلمين من استعادة فلسطين، ماذا سنفعل بهذه المستوطنات المصبوغة بصبغة صهيونية وأيديولوجية؟ هل نمحوها بالكامل أم نسكنها؟ من المستحيل أن نمحي كلَّ شيء ونبني شيئًا جديدًا خاصًّا بالمسلمين.

أستحضر هنا علاقتُنا في الجزائر بالاستعمار الفرنسي. الجزائر ربما تكون أكبر دولة تُعاني من “التركة الاستعمارية الثقيلة”؛ فهناك مدنٌ بأكملها، وأحياء سكنية شاسعة (في وهران، وقسنطينة، وغيرها) بُنيت في العهد الفرنسي، للفرنسيين، وبطراز فرنسي مَحض. بعد الاستقلال (السياسي والعسكري)، اضطر الناس للسكن في هذه المدن الفرنسية. وبحكم ثقافتي الإسلامية، أستحضر دائمًا الآية الكريمة: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ) ]سورة إبراهيم: 48[.

السؤال هنا: هل هذا “الظلم” المتلبِّس والمُدمج في هذه العمارة يبقى فيها حتى وإن تغيَّر الساكن أو المستعمل؟ هذه إشكالية معمارية وفكرية كبرى. حاليًّا في الجزائر، هناك صراع كبير في الجامعات حول: هل نعتبر هذه المباني “تراثًا جزائريًّا”؟ الغالبية تقول إنها من بقايا الاستعمار ولا يمكن تصنيفها كتراث جزائري. أطرح هذه الإشكالية على الدكتور أحمد للتفكير فيها.

  • العمارة في الإسلام مقابل العمارة البرجوازية الحديثة: بحكم تخصُّصي في تاريخ العمارة، أؤكِّد أن أصل “العمارة” في المفهوم الإسلامي واسع وشامل، ولا يحتاج إلى إثبات “للبينية”. العمارة / عمارة الأرض في الإسلام تشمل: الزراعة، والصناعة، والسياسة.

ولكن في عصر النهضة الأوروبية وما بعدها، انحرف مفهوم العمارة وأصبح “فنًّا خاصًّا بالمُترفين والبرجوازيِّين” (أصحاب الأموال). والدليل على ذلك أن أقسام العمارة في باريس أُدرجت ضمن “الفنون الجميلة”. ونحن في الجزائر، ورثنا هذا الانحراف؛ حتى إن المدارس الأولى لتعليم العمارة سارت على نفس الدرب؛ فأصبحت مخصَّصة لأصحاب الذوق العالي، وارتبطت بالموسيقى، واللباس، وما يُسمَّى بـ“الطرز الرفيعة”. هذا الانحراف ورثناه في مدارسنا؛ فالنظرة للعمارة على أنها مجرد “فن نخبوي” هو خطأ فادح.

العمارة أشمل من ذلك بكثير؛ هي في صُلب “الاستخلاف في الأرض” وفق المنظور الإسلامي. إنها تجسد الوجود الإنساني؛ فالله سبحانه وتعالى أمرنا بعمارة الأرض بالمفهوم الحقيقي (بناء المساجد – استصلاح الأراضي – عدم الإفساد – والاستعمال العقلاني للطاقات). نحن بحاجة إلى إعادة تأصيل العمارة من خلال ثقافتنا الإسلامية، وتخليصها من هذا “التعريف المُترف” السائد حاليًّا في كلِّ مدارسنا. من خلال تجربتي في التدريس لمدة 20 سنة في البحرين، والإمارات، والسعودية، والجزائر، وجدت أن كلمات مثل “الإبداع” و”الابتكار” تطغى على العمارة، ويُطلب من المعماري أن يُبدع بالمفهوم “الفني الخيالي” المفرط. في المقابل، تُهمش استجابة العمارة لمتطلبات المجتمع، والضوابط الشرعية، والثقافة.

أصبح يُنظر للمعماري الناجح على أنه “المبدع فنِّيًّا” وحسْب، وهذا أمر خطير. نحاول حاليًّا في الجزائر إعادة تأصيل العمارة لتستعيد أبعادها الحضارية الحقيقية كاستجابة للمجتمع، والثقافة، والدين. هذه الجرعات يجب أن يتشبَّع بها المعماري، وألَّا يقتصر دورُه على كونه مجرَّد فنان. خاصة اليوم مع التكنولوجيا الجديدة، والإنفوغرافيا، وبرامج التصميم ثلاثية الأبعاد؛ أصبح المعماري يدخل في عالم خيالي وينتج أشكالًا تفوق الخيال، كما نرى مع كبار المعماريين مثل “زها حديد” أو “ريتشارد روجرز”. أصبح همهم الأكبر إخراج أشكال مبهرة واستعراضية، دون الاكتراث بأي ثقافة أو سياق مجتمعي!

مداخلة د. عمار جيدل:

الظاهر أن العرض يؤكِّد على أن الاستئناف العمراني أمر لا مفر منه من الناحية الواقعية، والغالب في التعقيب العلمي عليها يتعلق باستحضار القيم في الممارسات العمرانية. فمع الغزو العمراني الغربي للعالم، يضطر المستلفون لها إلى إدخال تعديلات وفق ما يتوافق مع القيم الرئيسية. وقد استقرَّ الشرق على قبول الغزو وإدخال التعديلات على المستلَف العمراني. وهذا يفرض سؤالًا: من يضع خُطط المدن والمنازل في الشرق؟ هل هناك تعاون حقيقي بين الفقهاء من مختلف التخصصات (الشريعة، والعمران، والاجتماع، والسياسة)؟ وهل يمكن أن نقول إن الرؤية الحضارية الإسلامية هي أعلى الرؤى من جهة الاستئناف الحضاري؟”.

مداخلة د. كريم حسين: “العمارة بوصفها حاضنة للهوية والمقاومة”

بحكم اهتمامي بالعالم الإسلامي، أود مشاركة بعض الملاحظات؛ تدور حول أنه كيف كانت العمارة رمزًا للمقاومة في عالم المسلمين، وتدليلًا عن الهوية سواء في الحاضر أو تاريخيًّا ومنع طمسها في مواجهة الآخرين. ففي وسط آسيا رغم محاولة السوفيت طمس أي معالم إسلامية واضطهاد المسلمين؛ فقد قاوم المسلمون وقتها عسكريًّا وثقافيًّا من خلال العمارة؛ حيث صمَّموا في بيوتهم خنادق وأماكن مخفية في الجبال ليتمكنوا من حفظ وتدارس القرآن رغم القمع السوفيتي. هذه الحالة تربط بين العمارة، الإنسان، التاريخ، والسياسة وسط قسوة الاستعمار.

وفي أفريقيا، شاهدت نماذج للعمارة الإسلامية المتميزة التي تتحدَّى الخطاب السياسي المعادي للعرب والمسلمين؛ ففي بوركينا فاسووجدتُ هناك مسجدًّا مبنيًّا بطراز معماري فريد بـ 4 مآذن يعود لـ “حضارة مملكة مالي”، ويرتبط بتكوين المجتمع بالقرآن. أما في شرق أفريقيا (تنزانيا وزنجبار): فللمنطقة تاريخ حضاري عربي عماني في إدارة المحيط الهندي. لاحظتُ طرازًا معماريًّا فريدًا للعمانيِّين؛ فكل مسجد يُبنى يجب أن تلحق به مدرسة قرآنية (كُتَّاب). يوجد اليوم في تنزانيا نحو 30 ألف مدرسة قرآنية! ومع دخول الاستعمار وبناء المدارس الحديثة، أصبح الأفارقة يذهبون للمدرسة الحديثة صباحًا، وللمدرسة الإسلامية (الكُتَّاب) ليلًا. هذه المنظومة العفوية التي تشكَّلت عبر العمارة أصبحت أداة لـ“المقاومة الحضرية” لحفظ الدين والهُوية.

وفي بلاد الشام (فلسطين، والأردن، ولبنان، وسوريا)، يُعتبر “البيت” حاضنًا للعائلة الممتدَّة (بيت فلان، أو عائلة فلان). إذ يضم البيت الشامي الكبير العائلة، وله أدوار تجارية، وتعليمية، واجتماعية؛ فكل بيت يُشكل “وحدة مجتمعية حضرية” متكاملة وأصيلة. وعندما تقارن هذه “الوحدة الأصيلة” بالمنظومة الاستيطانية “المصطنعة والمُتخيلة” التي تحدث عنها الدكتور أحمد حمدي، تدرك لماذا تقاوم العائلة الشامية وتستمر في ذلك. ولذلك أدعو الدكتور أحمد لتوسيع نظرته المعمارية لتشمل بقية بلاد العالم الإسلامي، لخدمة هذه الرؤية الحضارية.

مداخلة أ. محمد الديب: العمارة وإشكالية تماسك المجتمع

لدي مجموعة ملاحظات بشأن العمارة، أود أن أطرحها على حضراتكم:

  1. العمارة أزمة شخصية ومجتمعية: أعتقد أن العمارة لها مستويات من النظر؛ ليس فقط النظر الكلي على مستوى المجتمعات والمدن، بل هي مسألة تمس الإنسان بشكل “شخصي”. من الواضح بالنسبة لي أن العمارة التي نعيش فيها الآن تؤثر علينا سلبًا؛ البيوت ضيقة، لا توجد مساحات للعب، الشوارع نفسها ضيقة ومكتظَّة ولم تعد متاحة للعب كما في الماضي. المدن باتت مزدحمة لدرجة أنك قد لا تجد مكانًا للفسحة داخل المدينة! هذا له انعكاسات مادية، ونفسية، وتربوية على الأولاد. هذه مشكلة معمَّمة تقريبًا في غالب مدن مصر حاليًّا، وهي تمسُّنا شخصيًّا ولا نعرف لها حلًّا، وهي مرتبطة في صُلبها بسياسات العمارة والعمران المجتمعي.
  2. العمارة وتماسك المجتمع.. ودور الأسرة الممتدة (بيت العائلة): أصبح هناك “تحذير” مستمر من فكرة العمران المؤسَّس على سكن الإخوة مع بعضهم! بدلًا من مناقشة إيجابيات وسلبيات “بيت العائلة”، أصبح يُنظر للأمر بسلبية مطلقة يُحذر منها. ورغم ذلك، لو نظرنا برؤية شمولية، سنجد أن الكثير جدًّا من المشكلات المجتمعية والاقتصادية والأخلاقية تُحل بوجود “عائلات ممتدة” لها تقاليد وأخلاقيات.

مداخلة أ. ضحى بهاء: العمارة، والإصلاح، والقرار السياسي

إذا كنا ننظر للعمارة على أنها تُمَثِّلُ قيمًا وتعكس حضارة، ولنتخيَّل أنَّنا نعيش في قرية مليئة بالفواحش والرذائل، وأردنا إصلاحها؛ هل يمكن للعمارة أن تلعب دورًا محوريًّا في “تشكيل الوعي”؟ وكيف يمكن تبسيط هذه الأفكار المعمارية الكبيرة المتعلِّقة ببناء الدول والهُوية وتحويلها إلى واقع من خلال الأشخاص العاديِّين البسطاء (كمحاولة بناء جامع بمواصفات معينة تعكس حضارتنا وتميزنا؟

مداخلة أ. شيماء مصطفى: العمارة بوصفها تجسيد حتمي للفلسفة والبحث عن الأصالة

أعتقد أن العمارة هي مجال بَيْنيٍّ بالضرورة؛ لأنها تُجسد فكرة وفلسفة المصمِّم سواء أدرك ذلك أم لم يدركه. بمجرد إخراج الفكرة من رأسه إلى الواقع، هو يُنفذ تصميمًا يحمل فلسفة أو يخدم أهدافًا معيَّنة. هذا ما يجعل هذا العلم لا يمكن فصله عن الأبعاد الفلسفية، والتاريخية، والسياسية، وحتى الاستعمارية.

وهنا، نقطة تلفت النظر: حول تأثير الأزمات السياسية والاجتماعية على الفكر المعماري؛ فتدفع إلى استكشاف أنماط مختلفة ومساحات قد تكون أكثر أصالة أو أكثر عُنفًا. فمثلًا نجد نموذج الأصالة المعمارية الذي يجسده بدايات مدرسة المعماريين حسن فتحي وعبد الواحد الوكيل كان نتيجة لـ“أزمة”. فبعد نكسة 1967، كان هناك عجز ونقص شديد في مواد البناء التقليدية في مصر. اتَّجه حسن فتحي للبناء بالطين للبحث عن مواد بناء رخيصة تُغنيه عن هذا العجز. ومع الوقت، اكتشف أن هذا النمط “أكثر أصالة” وأفضل في البناء، والتكيف مع درجات الحرارة، وطبيعة المجتمع، فضلًا عن رخص ثمنه.

على الطرف الآخر، المستوطنات الصهيونية، رغم ما فيها من عنف، لا ننكر أن فيها ابتكارًا وبحثًا عما يُناسب فئة مخصوصة من الناس لها أفكار معينة. وهذا أيضًا كان نتاج أزمة (أزمة البحث عن مستوطنة واستيعاب مهاجرين).

هذه النقطة يجب النظر إليها عند البحث في مجال المعمار، خصوصًا عندما نتحدث عن الأزمات الموجودة في عواصمنا اليوم؛ حيث نعاني من أزمة استنساخ معماري “ممسوخ” أفقد العمارة في تراثنا خصائصها التي تُميزها، كالحفاظ على الاجتماع وسلاسة التفاعل الاجتماعي.

مداخلة د. دليلة بن كوسة: التركة المعمارية “للمستدمر” والوظيفة الحضارية للعمارة

في الحقيقة، ما يقع في فلسطين من ناحية تاريخية وعمرانية ليس ببعيد عما وقع في الجزائر.

قبل الاستعمار الفرنسي، كانت المدن والحواضر في الجزائر (مثل القصبة في العاصمة، بومرداس، قسنطينة، وتلمسان) تعكس منظومة قيمية إسلامية: كتمثيل العدل، وحُرمة المنزل، واحترام الآخر، والحرية الدينية (حيث كان يمكن التمييز بين مساكن المسلمين ومساكن الأقلية اليهودية من تصميم باب المنزل). مع دخول “الاستدمار” الفرنسي، استُخدمت العمارة كأداة لطمس الخصوصية الثقافية والهوية الإسلامية للجزائر.

  • قام المستعمر ببناء عمارات شاهقة في “القصبة السفلية” بالجزائر العاصمة؛ لتغطية وإخفاء معالم “القصبة العلوية” وطمس الطابع الإسلامي للمنطقة.
  • عَمد الاستدمار إلى بناء الكنائس في أعالي الواجهات البحرية (مثل “كنيس السيدة الأفريقية” في العاصمة، وفي عنابة، ووهران). صُمِّمَ تمثالُ مريم عليها السلام في أعلى الكنيس وهو يمد يديه للترحيب بالقادمين من البحر، لإعطاء صبغة مسيحية للمنطقة، ترسيخًا لمشروع فرنسا آنذاك بأن: “الجزائر هي بوابتنا لأفريقيا المسيحية”.

هذا التاريخ المشترك لا يزال يتكرر في فلسطين. فالعمارة الحالية في الحقيقة لا تعكس المنظومة القيمية الأصيلة للأمة، ولا تعكس الهوية التاريخية. سؤالي هو: إذا أردنا أن نُعيد للعمارة وظيفتها الحضرية وأصالتها في الوقت الراهن، كيف السبيل إلى ذلك؟

مداخلة أ. أحمد البوهي: التوظيف الأيديولوجي للعمارة، والطبقية

لديَّ عدَّة أسئلة سأحاول التركيز عليها:

  1. تكلفة التوظيف الأيديولوجي: هل الاعتبارات الأمنية والأيديولوجية التي اضطر الصهاينة لفرضها في معمارهم أضرت بمجتمعهم بشكل كبير أم أفادتهم؟ وهل هناك جوانب أضرت بالمجتمع نتيجة هذا المعمار المؤدلج؟
  2. الطبقية المعمارية: في السنوات الأخيرة، برزت في العالم (وفي مصر تحديدًا كما نرى في الساحل) ظاهرة المدن الفخمة والمعمار الفاخر المخصَّص لطبقات مجتمعية معيَّنة بأسعار خيالية ومستوى رفاهية يفصل الطبقات عن بعضها بشكل حاد. ما هو تأثير هذا الانعزال المعماري على بنية المجتمع؟

تعقيب د. مدحت ماهر: بينية العمارة من منظور حضاري إسلامي

تُمثل هذه المحاضرة نموذجًا تطبيقيًّا حيًّا لـ“البينية”. ومداخلتي تدور حول “المنظور” مرة أخرى، وعودة إلى الجمع بين ثنائية: العمارة والخراب؛ هذه الثنائية تُحيلنا إلى المقولة العربية الشهيرة أو بيت الشعر المعروف لأبي العتاهية: لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ.

السؤال هنا: ما هو المنظور الذي يُفسر أن تؤول العمارة إلى خراب؟ بل وأن يكون تخريب بعض الأشياء هو في حد ذاته “عمارة”؟ يقول الله تعالى في كتابه الكريم: }يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ{ ]الحشر: 2[، كيف يُخرب المؤمنون شيئًا؟ الإجابة هي أنهم يخربون ما هو “مُنتج للخراب” بالأساس.

هذا المنظور يخبرنا أن للعمارة “مقاصد” عامة؛ وكما أن هذه المقاصد تفتح باب “العمران” الحقيقي، فإنها في الوقت ذاته تُغلق وتسد أبواب العمارة الكاذبة والخاطئة. ولذلك فالأمر لا يقتصر على “العمارة الصهيونية” فحسْب، بل يمتد -إن صَحَّ التعبير في هذه اللحظة التاريخية- إلى “العمارة المتصهينة”، أو حتى ما قبل الصهيونية؛ وهي العمارة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه: تَطَاوَلُوا فِي الْبُنْيَانِ. هذه العمارة التي تتطاول ولا تبالي بالإنسان (لا أقول إنها تهدمه، بل على الأقل تتجاهله ولا تبالي به) ليست من العمارة في شيء وفق “المنظور الحضاري الإسلامي”.

هذه العمارة تسرق المسمَّيات، إذ سرق المُدمّرون كلمة “العمارة” ليطلقوها على “الاستعمار”، بينما التعبير الدقيق هو “الاستدمار”. وهذا يُحيلنا إلى مصطلح “الكلمات المغتصبة” الذي صاغه المفكر الطاهر بن عاشور؛ وهي الكلمات التي اغتصبها منا أعداؤنا، فصاروا يُسمون أنفسهم بأسماء إيجابية ونحن نرددها خلفهم! فيقولون “مُسْتَعْمِر” (أي طالب للعمارة)، بينما هو بكل المعاني مستنزف ومدمِّر لنا.

هذا، ويزخر القرآن الكريم بإشارات موجزة في مبناها ولكنها غزيرة وعميقة جدًّا في دلالاتها. وقد تُبنى الأشياء، ويُقال عنها “ما أروعها!”، وتُقام المسابقات العالمية على بناء أشكال مختلفة. ولكن القرآن يُلخص هذا المشهد المعماري الخالي من القيمة بقوله تعالى: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ) ]الشعراء: 128[. وصفها القرآن بأنها “آية” (أي شيء مبهر يثير العجب بين الناس)، لكنه أتبعها بكلمة “تَعْبَثُونَ”؛ أي أنها عمارة لا مقاصد لها، أو أن مقاصدها عبثية لا تستحق كل هذا العناء الذي بُذل فيها. ثم يقول تعالى: في الآية التي تليها مباشرة: (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ). هذا السعي نحو الخلود المادي عبر البنيان هو ذات الوهم الذي أخرج آدم عليه السلام من الجنة (شجرة الخلد وملْك لا يبلى). ومن هنا تنبع الحاجة الماسة إلى منظور يضبط هذه البينية.

ونحن في مركز الحضارة نعمل ضمن مدرسة “المنظور الحضاري” منذ زمن بعيد، ومن خلال مؤسَّسات وتخصُّصات مختلفة تشمل: التربية، والقانون، والاقتصاد، والاجتماع، والإعلام، وحتى العلوم الطبيعية وغيرها. لماذا نفعل ذلك؟ لنبحث عن شيء يضبط حركتنا جميعًا. لذلك، أنا أفكر بصوت عالٍ أمام الدكتور أحمد عبد العظيم حول مسألة أهمية وجود “منظور ناظم” للتحرك بين العلوم. فلا ينبغي للإنسان أن يترك تخصُّصه، ولا ينبغي له في الوقت ذاته أن ينحبس ويتقوقع فيه.

وأختم حديثي بتأكيد نقطة جوهرية: إن هذه “البينية”، وذلك الانطلاق من “المنظور الحضاري”، لن يُنتج قوالب جامدة أو نُسخًا متطابقة كما يخشى -أو ينشد للأسف- بعض الطلاب والزملاء! فالبعض يظن أننا عندما نتحدث عن “المنظور الحضاري” فإننا سُنخرج باحثين أشبه بـ“عساكر الشطرنج”؛ يشبه بعضهم بعضًا ولا يختلف أحدهم عن الآخر. هذا التصور ليس طبيعيًّا، ولا إنسانيًّا، ولا اجتماعيًّا.

الموضوع سينتج من “مُبتدأ” أو مدخل كل واحد منا؛ فتخرج “جُمل مختلفة”، ولكنها ليست مُتخالفة أو متناقضة، بل هو تنوع يُفضي إلى التكامل. فالدكتور أحمد عبد العظيم: يبدأ من (العمارة)، ويذهب إلى (السياسة)، ويستصحب (الدين) بهويته ومرجعيته وأحكامه، ويستعمل أدوات (الأنثروبولوجيا).. وهكذا، رغم أن منطلقه الأساسي كان العمارة. والأستاذ أحمد خليفة: يبدأ من (السياسة)، ويذهب إلى (التاريخ)، و(الجغرافيا)، وإلى (العمارة).. وهكذا.

النتيجة هي أن تنتجَ جُمَلٌ معرفية تسدُّ كلٌّ منها ثُغْرًا، وليست جملًا تتزاحم ويضع بعضها أقدامه فوق بعض. أرجو أن تكون رسالتي قد وصلت؛ بأننا -بالإضافة إلى تخصُّصاتنا وتجاربنا المختلفة- نحتاج إلى أن نبحث معًا عن “منظور ناظم جامع”.

تعقيب ختامي للمحاضر: د. أحمد عبد العظيم

لقد سعدت جدًّا بالاستماع لكافَّة الأسئلة والتعليقات، والتي أرى فيها دلالة على أهمية الموضوع. لقد جعلتُموني ألوم نفسي على بعض النقاط التي لم أُفصلها كما يجب. عادةً ما كنت أُعِدُّ ترتيب القصص وفق التسلسل التاريخي، وأُجيب هنا على تساؤل الدكتور مصطفى: هل لعبت العمارة فعلًا هذا الدور الهام في ترسيخ وجود الدولة الصهيونية أم أننا نحملها ما لا تحتمل؟

وهنا أستحضر بعض النماذج التي تثبت دور العمارة:

  • مشروع الزراعة الاستثمارية وتدخُّلات روتشيلد: بدأ نجاح المشروع بتدخلات إدموند دي روتشيلد الذي حوَّل الزراعة من (نزرع لنأكل) إلى زراعة استثمارية من المصدر تهدف بالأساس إلى التصدير، فنجح النموذج.
  • نموذج “11 نقطة في النقب”: بناءً على هذا النموذج، تم تنفيذ ما يُسمى بـ “11 نقطة في صحراء النقب”. والسبب التاريخي الفاصل بين الضفة وغزة يعود إلى عام 1937 عندما جاءت لجنة بيل ورسمت خريطة تقسيم فلسطين على شكل حرف (L) متصل، تاركة أجزاء واسعة. فما كان من القائمين في دولة الاحتلال إلا تطوير هذا النموذج المعماري وزرعوا 11 مستوطنة في النقب خلال يوم واحد فقط! كان هذا بمثابة “استشكال معماري” قُدِّمَ للجنة بيل لإجبارها على إعادة النظر بحجة وجود “مستوطنات قائمة بالفعل”.

لقد تَمَّ إعادة التخطيط بناءً على الواقع الذي فرضتْه هذه الأدوات المعمارية. وكما نتحدَّث عن تطوُّر الأسلحة واعتبار السلاح عاملًا أساسيًّا، فإن العمارة قد تَمَّ تسليحها، وكذلك التخطيط تَمَّ تسليحه. على سبيل المثال: عندما اكتشفت دولة الاحتلال أن 80% من المهاجرين يسكنون في المدن الساحلية (بينما كانت الخطة تستهدف 40% فقط)، بدأوا بتنفيذ سياسات لتهجير الناس ودفعهم للسكن في الأطراف. كيف سيبنون في الأطراف باحترافية لإقناع الناس بالانتقال؟ ستكتشف أن السؤال المعماري كان دائمًا حاضرًا بقوة بجانب السؤال الاقتصادي والسياسي. والهدف من كتابي: كنيس الخراب هو إبراز هذا الجانب الذي قد لا يُظن للوهلة الأولى أنه موجود، ولكنه لعب دورًا أساسيًّا طوال مسيرة الصراع.

أما بخصوص المستعمرات القائمة حاليًّا في دولة الاحتلال، عندما يستعيدها العرب أو المسلمون بإذن الله، هل نمحيها أم نسكنها؟” ظني الشخصي أنهم ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ﴾، أي أنهم سيدمِّرونها قبل أن يرحلوا. هذا ما فعلوه في سيناء عندما هدموا المستوطنات التي بنوها قبل خروجهم، وفعلوا الشيء ذاته عندما انسحبوا من غزة. أظن أنهم لن يهربوا ويتركوها سليمة هذه المرة أيضًا. ولكن، إذا تُركت، هل نمحوها أم نسكنها؟ ليس لدي رأي قاطع، ولكن: لِمَ لا نسكنها؟ لقد كان فيها نفع وتؤدِّي وظيفة معيَّنة، فلماذا لا يتم استخدامها؟

أمَّا فيما يتعلَّق بفكرة أن “العمارة تؤثِّر علينا سلبًا”، فهذا حقيقي جدًّا. أنا أقرأ بتشابه كبير في تاريخ العمارة؛ فالمدن القديمة في أوروبا كانت تمتلك الطرق المنكسرة والمتعرجة، والمشربيات كانت موجودة في الهند ما قبل الإسلام. وفكرة “الفناء الداخلي” بَرَع فيها الرومان والإغريق واستخدموها لتنظيم حركة الهواء. كل هذا كان موجودًا، ولا أرى حرجًا في استدعائه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ. وهي توحي إلى إمكان الاستبقاء على الخير والنفع حتى غير الصادر أو النابع من الإسلام.

ومن وجهة نظري، فالإسلام لم يأتِ بما يُسَمَّى حرفيًّا بـ“عمارة إسلامية” أو “مدينة إسلامية” بقوالب جامدة. دعني أضرب مثالًا: هل يوجد ما يسمى بـ “مطبخ إسلامي” أو قائمة مأكولات إسلامية؟ بعض أصدقائي الذين أسلموا حديثًا في أمريكا كان أحدهم يقول لي: “أنا أحب أكل الكنافة والقطايف والمهلبية لأنني أشعر أنها إسلامية أكثر!”. ضحكتُ وقتها؛ فالكنافة والقطايف ليست بالضرورة “إسلامية”، والإسلام لم يأتِ بقائمة مأكولات، بل جاء بـ“قواعد عامة”  (أوامر ونواهٍ). قيل لك: أطِبْ مطعمَك، تجنَّب الأكل الحرام، وتجنَّب أشياء معيَّنة، والباقي كله يقع في “مساحة المُباح” الكبيرة. ولكن بالحديث عن العمارة، أؤكد أن هناك أنماطًا معمارية كان يستحيل أن تظهر في مجتمع مسلم، مثلما نراه الآن من العمارة الحداثية، وفكرة “الواجهات الزجاجية” التي جعلت الخصوصية مستباحة تمامًا.

أحضر حاليًّا مساقًا تعليميًّا بعنوان “النظر والعمارة”، يتحدَّث عن كيف لعب “النظر” دورًا كبيرًا في تخطيط المدن:

  • من فكرة “الهيمنة” وتخطيط المناطق للسيطرة على الجماهير.
  • إلى “المراقبة” في السجون والمدارس والمرافق التعليمية ليكون الكل مكشوفًا.
  • إلى الساحات العامة والترفيهية القائمة على قاعدة: أن تَرى وتُرى (See and be seen).

لقد كُتِبَ الكثيرُ جدًّا عن علاقة “الحداثة والجنسانية”، وعندما تُصَمَّمُ عمارة تكشف دواخل البيوت، فإن الناس لن تظلَّ بكامل ملابسها طوال الوقت داخل بيوتها، بل سيرتدون ملابس المنزل المريحة. وبما أن المارَّة في الشارع سيَرونهم، حدث تصالح تدريجي مع فكرة “أن تكون مرئيًّا”، فتغيَّر السلوك وتغيَّرت النظرة. السؤال هنا: مَن جاء قبل مَن؟. أنا أرى أن الأمر يحدث “بالتوازي”؛ تنتشر فكرة، فيظهر شيء مادي يخدمها. وكما يشير الفيلسوف جاك دريدا لفكرة التوالد؛ فالحاجة تتوالد طالما هي مستمرة. بدأنا بتلبية رغبة في “الحريات” فصمَّمنا عمارة تُظهر الداخل، فزادت الحريات بسبب هذه العمارة، وأصبح هناك اختلاط بين تعريف “العام” و”الخاص”. هذا التطور حدث من خلال الاستخدام والممارسة وليس بتنظير مسبق.

ولكن، هناك نماذج معمارية كان يستحيل أن تظهر في بيئة وثقافة تُحرم “النظر” وتُقدس الخصوصية. في الإسلام، حُرمة النظر شديدة؛ لدرجة أن الحديث الشريف يقرِّر أنه إذا نظر أحدهم داخل بيتك بغير إذنك، ففقأت عينه، فلا دية له ولا قصاص، «لو أن رجلا -أو قال: امْرَأً- اطَّلَعَ عليك بغير إِذْنِكَ؛ فَحَذَفْتَهُ بحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عينه: ما كان عليك جُنَاحٌ» (رواه البخاري). في مقابل حضارة أخرى تعتبر النظر للداخل أمرًا مُباحًا. لذا، أرى أن هناك أنماطًا معمارية غربية ظهرت هناك، وللأسف نحن تبنَّيناها ونُكمل فيها دون “فلترة” أو وعي انتقائي (لنقرِّر ماذا نأخذ وماذا نترك). بل أخذنا كلَّ شيء، والآن نحاول أن نلفق لها معالجات متأخرة (مثل تغطية الزجاج بالستائر الدائمة)!

ولكن السؤال هنا: هل يمكن للعمارة أن تساعد في تغيير وتشكيل الواقع وتجسيد النظريات؟” نعم، أرى ذلك ممكنًا. تطبيق ذلك يتم بالتوازي؛ فمن المشاكل التي تواجهني في التصميم أن العميل (المستخدم) قد لا يكون مقتنعًا بالفكرة الأصيلة. هو يريد “البيت الزجاجي” الذي انتقدته للتو، ثم يضع ستائر بالكامل لكي لا يراه أحد! إذا رفضتُ تصميمه، سيذهب لمهندس آخر لينفذه له. الشاهد هنا أن التغيير يحتاج أن يسير بالتوازي:

  • نحتاج إلى معماري يمتلك القدرة على إخراج أفكار إبداعية وتصميمات بصرية فائقة تنافس البدائل المستوردة. (مثل برامج أطفال “ديزني” التي تجذب الطفل بصريًّا رغم محتواها، فإذا أردت تقديم بديل محلي، يجب أن يتفوَّق أو ينافس بصريًّا).
  • نحتاج إلى مستخدم لديه الوعي والقابلية.
  • ونحتاج إلى قرار سياسي يدعم انتشار هذا النمط لتسريع العملية.

إذا سار الجميع معًا سنصل لمنتج سريع. أمَّا إذا غَرَّدَ كلُّ واحدٍ في سربٍ، فإن الناس يمتلكون دائمًا القدرة على الالتفاف حول القوانين إذا فُرضت عليهم أشياء غير مقتنعين بها.

وهنا أرى أن الأزمة دائمًا هي نقطة الانطلاق ومحفِّز للبحث عن بدائل (الحاجة أم الاختراع). نحن بالفعل نعيش في أزمة ونحاول إيجاد حلول، ولكننا لا نجابه مجرد “ذوق عام”، بل نجابه اقتصادًا عالميًّا وتصوُّرات ضخمة عن الحداثة والتطوُّر. وأكثر ما يواجهنا هو رغبة الناس في التقليد الأعمى (“أريد مثل ما رأيت عند فلان” أو “مثل الموجود في الخارج”)، وهذا يتطلب تغيير وجهة نظر الناس من الأساس.

أمَّا بخصوص الطبقية والعمارة في إسرائيل؛ فنجد أن الطبقية في المجتمع الإسرائيلي تُستخدم دائمًا كمبرر للهروب من سؤال “العنصرية”؛ ففي قصة مدينة (يروحام)، عندما أرادوا تهجير الناس من الشريط الساحلي للداخل لتأمين الأطراف، أرسلوا “العرب” (اليهود الشرقيين) ليبنوا هناك. وعندما يُسألون: لماذا أرسلتم العرب؟ يتذرَّعون بأنهم “جاؤوا متأخرين” أو لأسباب اقتصادية. ولكن في حقيقة الأمر، الطبقية هناك كانت تحمل طابعًا عِرقيًّا وعنصريًّا، حيث تمَّ استخدام هؤلاء المهاجرين في وظائف أقل شأنًا كدروع بشرية.

أخيرًا، الإجابة على سؤال: كيف نقاوم؟

أكثر مَن استفاد من التكتيكات النازية كان اليهود أنفسهم! لقد طوَّروا فكرة “المدني المقاتل” وطرق التخطيط. أرى أنَّنا يمكن أن نستفيد من هذه النماذج حتى في حالتنا السلميَّة في “تعمير الصحراء”. وفي مقاومتنا للمشروع الاستيطاني، ندرك أن الاستيطان يعتمد على “التخطيط الشبكي”. المستوطنة تحتاج إلى أربعة أركان: (مواد بناء، وزراعة، وسلاح، وطريق سريع). إنها مجرد بؤر منتشرة تعتمد على شبكة خطوط الاتصال. لذا، فإن تقطيع هذه الشبكة (شبكة المواصلات) هو النقطة الأولى للمقاومة؛ لأن ذلك يُحَوَّلُها إلى “جزر منعزلة” فتسقط المستوطنات بالتدريج.

___________

د. أحمد عبد العظيم

باحث ما بعد الدكتوراه في تاريخ ونظريات ونقد العمارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بالولايات المتحدة الأمريكية. حاصل على الدكتوراه في تاريخ العمارة من جامعة ويسكونسن – ماديسون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى