تشكُّل الإدراك الأوروبي للإسلام في القرون الوسطي: المصادر والعوامل

مقدمة
يُعَدُّ البحث التاريخي في تصورات الأمم عن بعضهم، وإدراكاتهم لبعضهم البعض، على جانبٍ كبير من الأهمية؛ كونه يمثل جزءًا من التاريخ الذي ينبغي أن يُعرف على وجهه الصحيح من جهة، ولِما لتلك التصورات من أثرٍ بالغ في تشكيل الحاضر وتوجيه مساراته من جهة أخرى. وهو بحثٌ ليسَ حديثَ النشأة، بل هو قديمٌ قدم المجتمعات الإنسانية وتاريخها؛ فكل دراسة تاريخية تتضمن في جوهرها ـبوجه أو بآخرـ تصورات الأمم المتبادلة. بل إنَّ مَن يَمَّمَ وجهه شطر كتب الأديان السماوية المقدسة، سيجدها زاخرة بهذا النوع من الإشارات والتعريفات التي ترصد إدراك الناس بعضهم لبعض.
في هذا السياق، يبرز إدراك أوروبا للإسلام في القرون الوسطى كأحد أكثر النماذج التاريخية تعقيدًا؛ إذ لم يكن مجرد رصدٍ لثقافة مغايرة، بل كان مرآة شكَّلت من خلالها أوروبا هويَّتها الخاصة في مواجهة “الآخر” المسلم. وهو ما تسعى هذه الورقة لاستكشاف آليات تحقُّقه وتشكُّله عبر قراءة بينيَّة مقارنة في ثلاثة كتب تناولت تلك المسألة من جهات ومنطلقات مختلفة، كما سيتبيَّن في الكلام على الأطروحة المركزية لكل كتاب.
الكتب محل الدراسة:
أ) السلام الصليبي: الجماعة المسيحية والعالم الإسلامي والنظام السياسي الغربي، لتوماس ماستناك[1]: تتمحور فكرة الكتاب المركزية حول أنَّ السلام الداخلي المسيحي الغربي لم يتحقَّق إلَّا عبر توجيه العنف نحو الخارج، وتحديدًا نحو العالم الإسلامي والمسلمين، فالحرب الصليبية في جوهرها لم تكن إلا عملية سلام تهدف إلى توحيد المسيحيِّين من خلال خلق عدو مشترك، وهو ما يبين عنه ماستناك في مطلع الفصل الأول حيث «انبثق من السلام المقدس نوع جديد من الحرب المقدسة»[2]. فالسلام هو الذي أنجب الحرب الصليبية. هذا السلام الذي اضطلعت الكنيسة بدورها في ترسيخه واستغلاله منه، وكذلك السلطة العلمانية من جهة أخرى. وعلى حدِّ تعبير ماستناك؛ فإن «إنهاء سفك الدم المسيحي يتطلب الآن ما هو أكثر من تحقيق السلم بين المسيحيين: إنه يتطلب الحرب ضد أعدائهم»[3]؛ فقد كان البديل عن خوض المسيحيِّين الحرب بعضهم ضد بعض خوضها ضد غيرهم.
وكان صنع ذلك السلام له غرض ووسيلة، أمَّا غرضه الظاهري فهو حماية أملاك الكنيسة والفقراء والفلَّاحين من عنف النبلاء المحليِّين، وأمَّا غرضه الحقيقي والجوهري، فكان الصراع على السلطة في ظلِّ انهيار الهيكل الكارولنجي*. وأمَّا الوسيلة فكانت عبر إيجاد عدو وتأطيره ورسم صورة له يتوجَّه إليه الإخوة الفرقاء، ويتَّحدون عليه.
ب) صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى، لريتشارد سوذرن[4]: تتمثل أطروحة الكتاب المركزية في أن الإدراك المسيحي لم يكن مجرد تراكم معرفي للمعلومات، بل كان انعكاسًا للتحولات الداخلية للذات الأوروبية، وصراعًا بين نزعة المعرفة ونزعة إرادة القوة والاستحواذ. وقد تمحور الكتاب بشكلٍ أساسي حول بيان صورة النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام في الوعي الأوروبي، واختلافهم حول تلك الصورة، وتطورها عندهم، تبعًا للخيال المحض تارة، وتبعًا لمصادر يعتريها النقصان والجهل تارة أخرى؛ فيما أسماه سوذرن بحقبة الجهل. حيث ظلَّت مصادر الأوروبيِّين الغربيِّين عن الإسلام حتى مطلع القرن الثالث عشر عبارة عن تحريفات بيزنطية، وأساطير متخيلة. ويركِّز الكتاب على التطور الفكري لدى عدد من المفكرين الأوربيِّين، وكيف انتقل العقل الأوروبي من الجهل المطبق والوعي الأسطوري بالإسلام إلى محاولة الفهم العقلاني والمنهجي (رغم بقاء العداء).
ج) الإسلام والمسيحية، لألكسي جورافسكي[5]: يهدف هذا الكتاب بشكلٍ أساسي إلى إلقاء الضوء على تاريخ العلاقة بين الإسلام والمسيحية بدءًا من ظهور الإسلام حتى العصر الحاضر، مبتغيًا بذلك تمهيد السبيل إلى الفهم المجرد عن الأحكام المسبقة، والتصوُّرات المغلوطة من أجل فتح آفاق للحوار، وإزالة العقبات أمام ذلك. وبخلاف الكتابين السابقين فإنه يلفت النظرَ إلى منحنى من التصور عن الإسلام لم يُسلِّطا الضوء عليه، حيث إن موقف مسيحية أوروبا من الإسلام في بعض مراحلها كان حاديه ضرورة التعلم منه والإفادة، كونه الأقوى والأعلم. ويخلص الكتاب إلى تقديم رؤية بانورامية طولية عبر التاريخ لتطور العلاقة بين المسلمين والمسيحية، يركز فيها على الجدل الديني وكيف تطورت النظرة من الهرطقة إلى الاعتراف الجزئي أو الحوار في العصر الحديث.
وعليه، يجدر التنويه إلى أن هذه القراءة المقارنة للكتب الثلاثة ومراجعتها، لم تأتِ على طريقة العرض المنفصل لكل كتابٍ على حدة؛ بل اتَّبعت منهجًا تكامليًّا يقوم على الدمج والتداخل بين أفكارها ومحاورها المشتركة. ويهدف هذا الصنيع إلى تتبُّع خيوط الرؤية الأوروبية للإسلام في القرون الوسطى عبر تلاقُح هذه النصوص الثلاثة وتقاطعها، متجاوزين تكرار أسماء المؤلفين أو الكتب عند كل فكرة، بالاكتفاء بالإحالة المباشرة إلى المصدر في الحاشية، رغبةً في الحفاظ على سيولة النص، وتماسك الطرح، والتركيز على تطور الفكرة التاريخية.
إلَّا أنه وقبل الانتقال إلى صلب البحث، يجدر التأكيد على أن منطلق كل كاتب وغرضه قد ألقيا بظلالهما على المساحات المعرفية والتاريخية التي تناولها؛ فحين ركَّز توماس ماستناك على دراسة المسيحية بوصفها جماعة ذات هوية ووعي غربي جديد من منظور سياسي، كان المحور الأكثر حضورًا في كتابه هو إدراك الأوروبيين للمسلمين ككيان اجتماعي وسياسي، دون التركيز المكثف على رؤيتهم العقائدية للإسلام أو لشخص النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الحال في الكتابين الآخرين، إلا بما يخدم الغرض الأساسي للكتاب. بالمقابل، ولأن غرض سوذرن في كتابه «صورة الإسلام في أوروبا في العصور الوسطى» كان ينطلق من أبعاد معرفية وثقافية، فقد جاءت تغطيتُه شاملةً لرؤية الأوروبيِّين للإسلام والنبي والمسلمين معًا. أمَّا جورافسكي، فقد قارب الموضوع من زاوية الحوار والتثاقف، وهو ما انعكس على سعة المدى التاريخي لدراسته؛ إذ تتبع الإدراك الأوروبي منذ بداياته الأولى وصولًا إلى العصور الحديثة، متميزًا بذلك عن النطاق الزمني المحكم للكتابين السابقين.
أولًا- مصادر تشكل الوعي الأوروبي بالإسلام
يعتبر البحثُ في المصادر وعنها أولَ ما ينبغي أن يعتني به الباحثُ في التاريخ، وبخاصةٍ في موضوعٍ كهذا، إذ لمعرفة المصدر ِالمؤثِّرِ في تشكُّل ذلك الوعي تأثير بالغ فيه؛ حيثُ إن نشوء الوعي بناء على أساسٍ ديني من نحوِ رهبان أو قساوسة يختلفُ بوجهٍ ما عن نشوئه بناء على أساسٍ غير دينيٍّ (علماني أو دنيوي)، فيكون الأول غالبًا مبنيًّا على سرديَّة غائيّة صلبة، بخلاف ما لو لم يكن على أساس محدد كأن يكون الوعي الشعبي / العامي هو مصدر الإدراك.
كانت معلومات الأوروبيِّين عن العرب في البداية ضئيلة جدًّا، بل كانت مشوَّهة ومشوَّشة تمامًا[6]؛ بل إنَّ ريتشارد سوذرن، حسب قوله، قد بحثَ في المصادر الغربية عن اسم النبي قبل عام 1100 فلم يعثر عليه غير مرة واحدة خارج إسبانيا وإيطاليا الجنوبية. ولعل سبب ذلك هو أن المسيحيين الغربيين كانوا في تلك الأزمان جهلاء إلى أبعد حدٍّ فيما يتعلَّق بالشعوب التي تحيا خارج عالمهم. ويمكن القول إن المصادر الأساسية التي شكلت معرفة أوروبا بالإسلام في ذلك الوقت، هي:
· المصادر البيزنطية: وذلك من خلال الكنيسة الشرقية ورهبانها وقساوستها. وقد انفردت الكنيسة -المحتكرة لعالم الأفكار والمعارف آنذاك- بتشكيل الرؤى عن الإسلام والمسلمين ما بين القرنين التاسع والخامس عشر الميلاديين، فالصورة الأوروبية التقليدية عن الإسلام هي في حقيقتها الصورة التي صنعها رجال الكنيسة[7]. وقد صاغ إحدى تلك الرؤى البابا ليو الرابع عندما وصف الحروب ضد المسلمين الذين وصفهم بالوثنيِّين في خطابه بأنها دفاعٌ عن الوطن المسيحي، كما أثرت أيضًا الرؤية التي صاغها البابا يوحنا الثامن، في صوغ موقفٍ شديد العداء حيال المسلمين وديانتهم[8].
· يوحنا الدمشقي*: والذي كتبَ أعمالًا للرد على المسلمين ونقد الإسلام والذي تعد دراساته من أبكر الدراسات الشرقية عن الإسلام، وعنه أُخذت الصورة الوثنية أو نعت المسلمين بالوثنيين، حيث زعمَ أنهم يصلون لأفروديت فينوس*، وافترض أن الحجر الأسود المقدس في الكعبة هو رأس منحوتة لأفروديت فينوس.
· كذلك يعدُّ الكتاب المقدس -باعتباره الأداة الفكرية الوحيدة الفعالة في أوروبا في مطالع القرون الوسطى- أحدَ أهم المصادر التي شكَّلت تصور الأوربيين عن الإسلام والمسلمين، حيث أسْهم في صياغة مفهومهم عن العالم والتاريخ، إذ كانوا يصغون إليه ويلتمسون في نصوصه حلولًا لمشكلات العالم في الماضي والحاضر والمستقبل.
· ومن المصادر أيضًا مؤلَّفات الجدل والمناظرة، وهي أدبيات المواجهة اللاهوتية التي كتبها الإكليروس المسيحي، وأبرزها “المجموعة الطليطلية” أو “فيلق كلوني”، التي أشرف عليها رئيس أديرة كلوني بطرس المبجَّل، وتضمَّنت أوَّل ترجمة كاملة للقرآن الكريم إلى اللاتينية أنجزها روبرت الكيتوني. وقد غدتْ هذه المجموعة -بحسب جورافسكي- المصدر الرئيس للمعلومات عن الدين الإسلامي على مدى خمسمائة عام تقريبًا في أوروبا[9].
· وأخيرًا تُعَدُّ الكتب الأدبية والشعر الشعبي من المصادر القليلة آنذاك، ونجد على رأس ذلك مثلًا الكوميديا الإلهية لدانتي أليغيري، الذي يُوليه جورافسكي أهمية استثنائية بوصفه مُرسِّخًا للصورة الذهنية السلبية.
ومما يلفت الانتباه في أمر المصادر أن الترجمات عن الإسلام التي استند إليها المسيحيون الأوروبيون في مجادلاتهم ومناظراتهم مع المسلمين ومن ثمَّ تعرفهم عليهم، كانت قليلة جدًّا، ولذلك فقد ظلَّ الجزء الأكبر من التراث الإسلامي (أحاديث الرسول والسنة النبوية) مجهولا بالنسبة للأوروبيِّين، مثل عددٍ كبيرٍ من المؤلَّفات الإسلامية في الشريعة والفقه وغير ذلك من علوم المسلمين ومعارفهم.
ثانيًا- صورة الإسلام في الإدراك الأوروبي
ارتبط الإسلامُ من وجهة النظر المسيحية-الغربية بخلفيَّة إشكالية لاهوتية؛ فعلى الرغم من ظهوره في محيط الأديان الإبراهيمية (المسيحية واليهودية) إلا أنه قد وضع نفسه في خندق مضاد ومتعارض تمامًا مع التقاليد الدينية للديانتين، حيث ألغى أي إمكان لتجسيد الطبيعة الإلهية مع نفي تام لفكرة الثالوث المسيحية. وبذلك التوجه العقدي حطَّم الإسلام النظام البنيوي – اللاهوتي، الذي كان مهيمنًا في التصورات المسيحية (لاسيما في العصر الوسيط) حول التكوين الإلهي للتاريخ، وحول التقديس، وتجسيد الإله ذاته. ولهذا كان ظهور الإسلام بالنسبة للديانتين اليهودية والمسيحية نوعًا من التحدي الديني – التاريخي الصارخ.
وفي وقت سابق، ناقشَ يوحنا الدمشقي، الإسلام باعتباره بدعة، مشدِّدًا على أن المسلمين يتفقون مع المسيحيِّين في الإيمان بالإله الواحد، ولكنهم لا يعترفون بالعقائد الأساسية للمسيحية وفي مقدمتها الطبيعة الإلهية للمسيح وصلبه. وقد انتقل هذا التصور من مسيحي سوريا إلى البيزنطيين، ومنهم إلى الأوربيين.
ومن التصورات الخيالية التي حصلت للأوربيين عن الإسلام رميهم المسلمين بأنهم يؤمنون بتعدد الآلهة، ولعل ذلك مرجعه إلى عدم معرفة الغربيين بغير عقيدتهم التي لا تعرف غير التثليث؛ إلا أن ذلك التصور المتخيَّل لم يلبث أن تبدَّد ليدركوا أن الإسلام أكثر الديانات السماوية إصرارًا على التوحيد وعبادة الإله الواحد.
ويُلخص ريتشارد سوذرن التصورات الأوربية عن الإسلام مبينًا القاسم المشترك بينها بقوله: «كان هناك التصور القائل إنَّ ظهور الإسلام وامتداده أمارةٌ من أمارات الساعة. وكان هناك التصور القائل إنَّ الإسلام هو الطريق الفلسفي لتثقيف المسيحية وتقدُّمها. وكان هناك أخيرًا التصور الذي رأى في الإسلام انحرافًا عن جادَّة الإيمان المسيحي الصحيح. بيد أنَّ هذه التصورات كلها كانت تملك قاسمًا مشتركًا هو اقتناعُها بالتباين الكامل بين العقيدة المسيحية والإسلام»[10]. وبشكل عام، فقد تكوَّنت في وعي الأوربيين في القرون الوسطى ملامح الصورة التالية عن الإسلام؛ فهو عندهم عقيدة ابتدعها محمد صلى الله عليه وسلم، وهي تتَّسم بالكذب والتشويه المتعمَّد للحقائق، كما أنه دين الجبر، والانحلال الأخلاقي، والتساهل مع الملذات والشهوات الحسِّيَّة، ودين العنف والقسوة كذلك!
ثالثًا- صورة النبي صلى الله عليه وسلم في الإدراك الأوروبي
كانت صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المخيال والوعي الأوربي ذات مكانة مركزيَّة، وإن كانت بالسلب، فالإسلامَ والمسلمين لم يكونا إلا به. ووفقًا لجورافسكي فإن أكبر كمية من المؤلفات في تاريخ الإسلام قد وضعت عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم[11]. ولذلك فقد نالت صورته درجةً كبيرة من الاهتمام والحديث عنها، وإن في سياق عدائي شديد العداوة كما عند بطرس المبجل -الذي يمكن تسميته مؤسس الدراسات الإسلاماتية لدى مسيحيي القرون الوسطى- وهو الذي اتَّهم النبيَّ بفبركة القرآن وأنه ليس إلا وحيًا شيطانيًّا، وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان «إنسانًا شائنًا ورجلًا بهيميًّا، تملكه الشيطان، رجلًا تكلَّم الشيطان من خلاله، كذَّابًا سَمَّمَ “بسُمٍّ قاتل” الشعب العربي الذي لم يكن يعرف الرب»[12].
ولم تكن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصورته المتشكَّلة لديهم تعتمد على مصدرٍ مكتوب بقدر ما كانت تعتمد على حكاياتٍ، وسنجد أن جيبرت النوجنتي* الذي ترك أول تقرير موجز عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر أول سيرة أوربية له، يبين صراحةً عن أنه لم يعتمد على مصادر مكتوبة عن النبي وأن ما كتبه هو نتاج الرأي العام السائد، وأنه لا يستطيع أن يحدِّد مدى الصحة أو الخطأ في ذلك[13]. أما روجر بيكون فقد زعمَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أسوأ من الساراسين* الشهوانيين الفاسقين الذين لا تتعلق اهتماماتهم إلا بالحياة الدنيا، وأنَّه كان ينتزع كل امرأة جميلة من زوجها ويغتصبها!!
كما كان رامون لول -الراهب والفيلسوف الكتالوني- يعتقد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس نبيًّا حقيقيًّا، وكان يريد إرسال رجال دين متعلمين لمجادلة الأسرى وجعلهم يحفظون الكتب التي تثبت ذلك. وكذا كان وليم الصوري؛ فلم يكن موقفه أو تصوُّره عن النبي صلى الله عليه وسلم متسامحًا، فقد زعمَ أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أول أبناء الشيطان الذي “أعلن زورًا أنه نبي مرسل من الرب”. وعلى مستوى أعمَّ؛ وبناء على ما ورثه المؤلفون الغربيون من معلوماتٍ قليلة متحيزة عن البيزنطيين؛ فقد كانوا يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ مسيحي الأصل، تزوج أيِّمًا ثرية، وكان مصابًا بالصرع، وأن هدفه كان سحق المسيحية عن طريق اشتراع حرية جنسية واسعة.
ومن الأساطير التي نُشرت عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم في القرون الوسطى تلك القائلة إنه ساحر كبير، استطاع عن طريق السحر والخداع تحطيم الكنيسة في أفريقيا وفي الشرق، وأنه سمح بالدعارة والفسق، لكسب مزيد من الأتباع، وبصفة عامة، كانت دعوى التحلُّل الجنسي للمسلمين وصولًا إلى حَدِّ القول والزعم بأن القرآن نفسه يتساهل ويتسامح مع اللواطة من أكثر القصص والموضوعات انتشارًا في المؤلَّفات التي كتبها الأوربيون عن الإسلام في القرون الوسطى[14].
إنَّ هذه الصورة السلبيَّة التي قوامها ومبناها على الجهل والخيال يغذِّيهما العداوة قد أخذت في التغيُّر شيئًا فشيئًا مع ما يسمِّيه سوذرن حقبة التعقُّل والأمل، حيث بدأَ نوع من التتبُّع العلمي لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصورته؛ فظهرت أطروحات من قبيل ما قدَّمه فيلهلم فون مالمسبوري الذي كان أول أوربي يؤكِّد أنَّ المسلمين لا يعبدون محمدًا، بل يعتبرونه نبيًّا، وكذلك بطرس ألفونسو الذي كتب للمرة الأولى سيرةً للنبي محمد ودينه تتَّسم بالروح العلمية. وربما يرجع السبب في ذلك بشكل ما، إلى أن ألفونسو عاش في الأندلس التي عرفت أهم تجربة تعايش مشترك بين الديانات المختلفة في ذلك الوقت، وقد كان ألفونسو يهوديًّا ثم تنصَّر، وبرز بوصفه واحدًا من أهم المعابر الثقافية التي نقلت العلوم العربية إلى أوربا اللاتينية. وهكذا فإنه في منتصف القرن الثاني عشر بدأ تعقُّل ما يتَّصل بطبيعة الإسلام وشخصية نبيه يطَّرد في تصورات المثقفين في أوربا.
رابعًا- صورة المسلمين في الإدراك الأوروبي
يبدأ الإدراك الأوروبي للمسلمين من التسمية ذاتها، وهي نقطة كاشفة بالغة الدلالة. فالمسلمون لم يُعرَفوا في أوروبا القروسطية عادةً بـ “المسلمين”، وتلك الأسماء لم تكن أعلامًا مجردة وإنما ذات دلالات ولها حمولتها الدلالية والمعنوية، ومن ذلك:
· السرازانيين / الساراسان Sarazens، نسبة إلى سارة زوج إبراهيم عليه السلام. وهذا المصطلح أصبح تدريجيًّا المصطلح العام الذي يشير إلى جميع أعداء المسيحية.
· وسُمُّوا أيضًا بالهاجريين، نسبة إلى هاجر مستندين إلى رسالة بولس إلى أهل غلاطية: “اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة”. وبهذا التأويل يُقصى المسلمون رمزيًّا من وعد الخلاص الإلهي الممنوح لأبناء سارة الحرة. وسُمُّوا أيضًا بالإسماعيليِّين، نسبة إلى إسماعيل عليه السلام.
· ومن نعُوتهم أيضًا لديهم «أبناء الجارية»، وهي تسمية ظاهرة الدلالة في الانتقاص.
· وأخيرًا، المحمديُّون، وهي تسمية مشهورة وظلت تتردَّد إلى وقتٍ ليس بالبعيد، لدى المستشرقين فيما بعد القرون الوسطى التي هي محل المراجعة.
ولما كان الشعرُ الشعبي الأوروبي من مصادر تصورات الأوربيين عن المسلمين؛ فإننا نجدُ فيه انعكاسات لذلك التصور والتخيل. إذ ظهر عدد من القصائد والأعمال النثرية تصوِّر المسلمين بوصفهم عبدة أصنام. وكان وصف المسلمين بأنهم وثنيُّون من الأوصاف الحاضرة في المخيال الأوربي آنذاك كما نجده لدى جريجورس السابع*. وأمَّا بطرس المبجَّل* فقد نظر إلى المسلمين كهراطقة يمكن من خلال المحاججة إعادتهم إلى الكنيسة. وهذا بخلاف رؤية توما الأكويني الذي عَدَّ المسلمين وثنيِّين، وليسوا مجرد هراطقة مجدِّفين.
بل إن التصوُّر الوثني المتخيَّل لدى الأوربيِّين، وصل إلى القول بأنَّ الإسلام أخذ فكرة الثالوث المقدس المسيحية، ولكن ضمن توجُّه وثني، وزعم مروِّجو هذا التصوُّر بأن المسلمين يعبدون ضمن معبوداتهم النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهنا تبرز مفارقة ساخرة حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم حاربَ أكثر من غيره عبادة الأوثان كما يقول جورافسكي. وقد استمرَّت هذه الصورة مع الأوربيِّين الذين زاروا ديار الإسلام في القرن الرابع عشر ومطالع القرن الخامس عشر، فكان التصوُّر والوصف السلبي القائم على الحقد ما زال مستمرًّا، أو بعبارة أخرى عاد من جديد بعدَ أن اختفى لبعض الوقت، فنجدُ أحدَ الرهبان الذين أتوا إلى فلسطين عام 1323م وفي تسجيله لملاحظاته كمعظم الرحَّالة، لا يذكر المسلمين مرة دونما قدح وذم، كنعتهم بأنهم خنازير وحيوانات، وأبناء بعلٍ وعُبَّاده.
في المقابل، كانت هناك صورة أخرى مفارقة للصورة السلبيَّة عن المسلمين في الوعي الأوروبي، صورة أخرى مضادة، تعايشت مع الصورة العدائية دون أن تُلغيها، وهي صورة المسلمين كحضارة علمية وفلسفية؛ فقد تكوَّنت في ذهن الأوربي المثقَّف في القرنين الثاني عشر والثالث عشر صورة راسخة للمسلمين كأمة متفلسفة بالدرجة الأولى، بل عند أبيلار* الراهب والفيلسوف الفرنسي، مثلا، كانت كلمة «عربي»، من حيث المعنى الجوهري، معادلة تمامًا لكلمة «فيلسوف». وترجع هذه الصورة في جانب كبير منها إلى تأثُّر بعض أولئك الفلاسفة واللاهوتيِّين بالعلوم الإسلامية التي انتقلت إليهم عبر الأندلس / إسبانيا وجنوب أوروبا عن طريق الرحَّالة والمسافرين من العلماء وطلاب العلم. ومن أبرز الدلائل على ذلك أن أبيلار نفسه عاش في زمن أحد أشهر المعابر الثقافية التي انتقلت من خلالها علوم المسلمين إلى أوروبا، وهو الفيلسوف والمترجم أديلار الباثي*.
خامسًا- العوامل التي شكَّلت تلك الإدراكات التاريخية
1) العامل الديني والثقافي:
حسب أليكسي جورافسكي؛ فإنَّ موقف مسيحية القرون الوسطى من الإسلام حدَّدته محطَّتان رئيستان: أولًا، التصارع معه كعقيدة غريبة ومعادية من جهة، وثانيًا، ضرورة التعلم منه؛ كونه الأقوى والأعلم من جهة أخرى، وإن كان بنسبة أقل[15].
وبناء على ما سبق من النظر في المصادر المؤثرة؛ نجد أن صورة الإسلام والمسلمين تشكَّلت داخل إطار لاهوتي مسيحي نظرَ إلى الإسلام بوصفه عقيدة منافسة أو انحرافًا عن الإيمان المسيحي؛ فالإسلام لم يُرسم بوصفه مجرد دين آخر مختلف، بل رُسم كـنقيض كامل للمسيحية، مصور على هيئة نموذج قبيح سيئ يتعارض ويتناقض كلية مع النموذج المثالي للمسيحية بوصفها ديانة الحقيقة التي تتميز بالأخلاق الصارمة وروح السلام. وهذه الآلية وتلك الصورة المرسومة كانت تخدم وظيفة داخلية هي: تعزيز الهوية المسيحية الأوروبية بتوضيح حدودها من خلال ضدِّها المقابل.
ومن جهةٍ أخرى؛ عزَّز الجهل باعتباره أثرًا من آثار غياب الثقافة أو تشوُّه المعرفة بالآخر هذه الصورة؛ ذلك أن الجزء الأكبر من التراث الإسلامي -أحاديث الرسول والسنة النبوية- كان مجهولًا بالنسبة للأوروبيِّين، مثل عدد كبير من المؤلفات الإسلامية في الشريعة والأحكام.
2) العامل السياسي:
أمَّا من جهة العامل السياسي وهو ما نجده حاضرًا في الأطروحة المركزية في كتاب السلام الصليبي لتوماس ماستناك؛ فقد ارتبطت صورة المسلمين بمشروع توحيد العالم المسيحي الغربي وتعزيز سلطة الكنيسة والبابوية، وأتاح تصوير المسلمين باعتبارهم عدوًّا خارجيًّا توجيه الصراعات الأوروبية نحو خصم مشترك، وتعبئة المجتمع المسيحي خلف قيادة دينية وسياسية واحدة. وهكذا لم تكن صورة المسلم نتيجة الاختلاف العقيدي وحده، بل أدَّت وظيفة سياسية في بناء هوية الجماعة المسيحية وتبرير توسُّعها خارج حدودها[16].
فالإسلامُ لم يُعْطِ أوروبا معارف جديدة وحسْب، بل أثَّر جوهريًّا في طبيعة نموِّ الحالة الثقافية وتطوُّرها، وساعد في كثير من الحالات على تشكُّل الوعي الذاتي الأوربي، بما في ذلك مفهوم «أوربا المسيحيَّة». بل إن التصوُّر العام عن أوربا كوحدة جغرافية وثقافية، تكوَّن في أذهان الأوربيِّين في مسيرة «الاستعادة» و«التحرير» (Reconquista)، وهي المسمَّيات التي أُطلقت على حروب استعادة إسبانيا (الأندلس) من المسلمين، وكذلك الحروب الصليبية، حيث إنَّ تلك التصورات الجغرافية – السياسية (الجيوسياسية) والثقافية ظهرت عندئذ ووضعت نفسها كنقيض مضاد للعالم الإسلامي.
3) العامل العسكري:
أسْهمت المواجهات العسكرية في البحر المتوسط، وحروب الاسترداد في الأندلس، والصراع في صقلية وجنوبي إيطاليا، ثم الحملات الصليبية، في ترسيخ صورة المسلمين بوصفهم أعداءً عسكريِّين للمسيحية. وقد غلب منطقُ الصراع على فرص التعارف الثقافي، ممَّا دعا إلى ترسيخ الصورة العدائية المغذِّية للحالة الصراعية، حتى أصبحت الأراضي الإسلامية في نظر الصليبيِّين جبهات للقتال أكثر منها فضاءات للتعارف الحضاري؛ ولذلك لم تؤدِّ الحملات الصليبية إلى فهم أعمق للمسلمين، بل عزَّزت في كثير من الأحيان الصور العدائية السابقة. ولم تكن لتلك الحروب الصليبية ما يبررها كغيرها من الحروب التي خاضتها الجماعة المسيحية الغربية في نحو حروب الاسترداد الإسبانية، وإنما كانت جريمة المسلمين التي جرى توجيه الحملة الصليبية ضدهم بسببها، هي مجرد امتلاكهم “غير الشرعي” للأماكن المقدسة، ومن ثم اعتُبر المسلمون غاصبين لتلك الأرض. وعلى الرغم من أن تلك الحملات لم تكن بالنسبة للمسلمين -حسب جورافسكي- أكثر من سلسلة من المصادمات الحدودية، فإنَّها بالنسبة لأوربا كانت ذات معنى مقدس؛ فإنه خلافًا للموقف الإسلامي الهادئ وحتى اللامبالي، كان موقف المسيحيين الغربيين من الإسلام انفعاليًّا وغير متسامح روحيًّا؛ لأن الإسلام كان في تصوُّرهم «تحدِّيًا» تطلَّب ردًّا ومقاومة واهتمامًا دائمًا به.
4) العامل الجغرافي:
تباينت الصورة باختلاف الموقع الجغرافي؛ فالمسيحيون في الدول القريبة من العالم الإسلامي (كوليم الصوري*) كانوا على تماسٍّ مباشر مع المسلمين، وكانوا أكثر “تسامحًا” لا من حيث المبدأ والأصل، وإنما بشكل يمكن وصفه بالبراجماتي. أمَّا الغرب اللاتيني البعيد فقد بقي رهين الصورة النمطية المتخيلة في الخطاب اللاهوتي والكنسي الجاهل بالآخر وأشدَّ تطرُّفًا في تصوُّره. وقد تجسَّد أثر التقارب الجغرافي ودوره في التفاهم والتسامح على أفضل ما يكون في التجربة الأندلسية، حيث عاشت الديانات الثلاثة جنبًا إلى جنب لفترة طويلة.
سادسًا- تطور الرؤى المسيحية للمسلمين
يمكن القول إن الرؤى والمدركات المسيحية تجاه المسلمين قد شهدت تطوُّرًا على عدَّة مراحل في العصور الوسطى الأوربية. فمع انتصاف القرن التاسع الميلادي قادت روما عملية تشكيل وصوغ صورة الإسلام والمسلمين. وكان هذا الصنيع وثيق الارتباط بصياغات أيديولوجية جديدة تتعلق بمفهوم “الجماعة المسيحية”؛ إذ عبَّر البابا “ليو الرابع” عن إحدى هذه الأفكار حين وصم الحروب ضد الوثنيِّين بأنها ذودٌ عن حياض الوطن المسيحي. غير أن السياسة الباباوية والكهنوتية التي صاغها البابا “يوحنا الثامن” -بوصفه شخصية سياسية صارمة ونافذة الرأي- هي التي تولَّت بدرجة كبيرة صوغ موقف، غدا معاديًا للمسلمين ودينهم دون أي فرصة للتفاهم أو التعارف.
ولم تكن التصوُّرات والرؤى الأوربية عن المسلمين ثابتةً لا تتغيَّر، فكان يؤثِّر فيها مزيد الاحتكاك عبر زيادة المعرفة بالمسلمين، أو الحروب والصراعات، فنجدُ مثلًا الأسلوب الذي تحدث به مدونو الأخبار الأوائل في العصر الوسيط عن المسلمين صارَ أقسى عندما وصل التوسُّع العربي إلى الأراضي الفرانكية “أراضي مملكة الفرنجة”. وفي منعطف آخر بعد منتصف القرن الخامس عشر، الذي سبقه نوع من الفتور في الاهتمام الأوربي تجاه الإسلام والمسلمين، حدثَ نوع من التحول في الرؤى الأوربية بعد هيمنة الأتراك العثمانيين على البلقان والقسطنطينية، وقد برز ما سُمِّيَ (مشكلة الإسلام) وهيمن الإسلام مرة أخرى على عقول الأوربيِّين وكتاباتهم. وقد برزت أطروحات ومواقف جديدة كل الجِدَّة في هذا السياق، مثلها نيكولاي كوزاني* (1401-464ام) ويوحنا من سيغوفيا* (حوالي 1400-458ام). حيث انطلق الاثنان من رؤية، مؤدَّاها أن الحرب لا تحلُّ الخلاف بين الديانتين (المسيحية والإسلام). وكلاهما اعتقد أن المحاولات الرامية إلى تحويل المسلمين إلى المسيحية بلا معنى ولا طائل منها، ولم تؤدِّ إلى نتائج إيجابية، ولهذا طالبَا بضرورة الكشف عن الفوارق والاختلافات الواقعية، والبحث الجاد عن الأمور المشتركة بينهما.
يمكن إيجاز تطورات الرؤى الأوربية تجاه الإسلام وفق ماستناك في مراحل أربعة تاريخية ومحورية حيث بدأت في القرن الحادي عشر برسم رؤية أيديولوجية للعدو قادها البابا أوربان الثاني*، الذي وَظَّفَ التراث اللاهوتي لتوجيه العنف الداخلي نحو المسلمين كسبيل لتحقيق السلام المسيحي، وصياغة مفهوم الجماعة المسيحية بالتضاد الوجودي مع الإسلام. وتعمَّقت هذه النظرة وتكثَّفت فكريًّا وروحيًّا في القرن الثاني عشر مع القديس برنارد من كليرفو*، الذي شَرْعَنَ ظاهرةَ الفارس الراهب وحوَّل قتلَ المسلمين إلى فعل مبارك يمنح الفاعل نفعًا روحيًّا وخلاصًا دينيًّا[17].
ومع الانتقال إلى القرنين الثالث عشر والرابع عشر، اتخذ العداء منحىً عقلانيًّا وتوظيفًا فلسفيًّا وسياسيًّا؛ فرغم دعوات روجر بيكون وبطرس المبجَّل للرَّدِّ الفكري والعلمي كبديل للحرب، ورغم اعتراف توما الأكويني بحرمة الضمير، إلا أن الغاية ظلَّت إقصائية تستهدف نفي الإسلام ونزع الإنسانية عن أتباعه، وهو ما تجسَّد بوضوح عند رامون لول الذي اعتبر وجود المسلمين عقبة كونية وخللًا بالنظام الإلهي لا يتحقَّق السلام إلَّا بزواله. وأخيرًا، ومع أُفول سلطة البابوية لصالح الممالك القومية، تكيَّفت الروح الصليبية هيكليًّا لتتحوَّل من حرب لتحرير الأرض المقدَّسة إلى حركة إقليمية سياسية تستهدف إبادة الآخر، ورفض أي سلام معه. ولعلَّ هذه الروح الإبادية قد تبدَّت بوضوح مطالع عصر الحداثة والنهضة الأوربية في التعامل مع الأمم والشعوب الأخرى التي اعتبرت غير متحضِّرة وهمجيَّة.
خاتمة:
خلصت تلك المراجعة للكتب الثلاثة إلى أن صورة الإسلام والمسلمين في الإدراك الأوروبي خلال العصور الوسطى لم تتكوّن عبر التعارف المباشر أو التعرُّف على حقيقة الإسلام ومصادره الأصلية، وإنما نشأت داخل سياقات تاريخية مركَّبة وغالبًا مغلقة؛ تداخل فيها الديني بالسياسي والعسكري والثقافي. ولذلك كانت هذه الصورة، في جانب كبير منها، تعبيرًا عن المجتمع الأوربي ووعيه بنفسه وإسقاط تصوراته الذاتية على الآخر. كما أسْهمت هذه الصورة في تحديد هوية الجماعة المسيحية الغربية، ورسم حدودها العقيدية والحضارية في مقابل العدو / الآخر، الذي منه الإسلام والمسلمين بشكل خاص.
وأبانت المراجعة عن أنَّ الكنيسة ورجالها أدُّوا دورًا محوريًّا في إنتاج المعرفة الأوروبية المبكِّرة عن الإسلام وتوجيهها؛ إذ اعتمدت التصورات الأولى على المصادر البيزنطية، والتأويلات الكتابية، والمؤلَّفات الجدلية التي خطَّها آباءُ الكنيسة وممثِّلوها، والحكايات الشعبية، وذلك في ظلِّ محدودية الاطلاع على القرآن والسنة النبوية والتراث الإسلامي. وقد ترتَّب على ذلك شيوع صور اتَّسمت بالتحريف والخيال، فقدَّم الإسلام تارةً بوصفه بدعةً أو هرطقةً مسيحية، وتارةً باعتباره دينًا وثنيًّا أو عقيدة قائمة على العنف والجبر والانحلال الأخلاقي. كما احتلَّت صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم موقعًا مركزيًّا في هذا الخطاب، وتعرَّضت لتشويهات واسعة استندت غالبًا إلى الروايات المتداولة والتصوُّرات الذهنية المتخيَّلة أكثر من استنادها إلى مصادر تاريخية موثوقة.
وكشفت المراجعةُ كذلك عن أنَّ النظرة إلى المسلمين لم تنفصل عن الوظائف السياسية والعسكرية التي أُنيطت بها؛ فقد ساعد تصوير المسلمين عدوًّا دينيًّا وعسكريًّا مشتركًا على توحيد القوى المسيحية المتنازعة، وتعزيز سلطة الكنيسة والبابوية، وتوجيه العنف الداخلي نحو الخارج، كما هي الأطروحة المركزية لتوماش مستناك في كتابه السلام الصليبي. ومن هذه الزاوية، لم تكن الحرب الصليبية مجرد مواجهة عسكرية، وإنما كانت جزءًا من عملية إعادة تنظيم المجتمع المسيحي الغربي، عبر إقامة السلام بين المسيحيِّين وتعبئتهم لمواجهة الآخر المسلم؛ وبذلك أدَّت الصورة السلبية للمسلمين وظيفة سياسية في بناء وحدة الغرب المسيحي، كما وفَّرت غطاءً دينيًّا وأخلاقيًّا للتوسُّع والحرب.
ومع ذلك، فإنَّ الإدراك الأوربي للإسلام لم ينغلق تمامًا على هذه الصورة؛ فقد جاورت الصورة العدائية صورةٌ أخرى -وإن بشكل محدود- رأتْ في المسلمين أمةً متفلسفة. وأدَّى الاحتكاك المباشر، وحركة الترجمة، واتِّساع الاطِّلاع على المؤلَّفات الإسلامية عبر المعابر الثقافية وأهمها الأندلس فترة حكم المسلمين، إلى تراجع بعض التصوُّرات الخياليَّة، وظهور محاولات أكثر عقلانية في فهم الإسلام وشخصية نبيِّه، وإن لم تتحرَّر بصورة كاملة من الخلفية الجدلية العدائية؛ كما اختلفت هذه الإدراكات بحسب الأزمنة والبيئات والفئات الاجتماعية.
وتتمثَّل الخلاصة الأساسية لتلك المراجعة في أن صورة الإسلام في أوربا القروسطية كانت بناءً تاريخيًّا متغيِّرًا، أنتجته علاقة معقَّدة تراوحت بين الجهل والمعرفة، والعداء والإعجاب، والصراع والتعارف الحضاري. ولم يكن تطوُّر هذه الصورة مسارًا خطيًّا ينتقل بالضرورة من الخطأ إلى الصواب، بل كان قابلًا للتقدُّم والتراجُع تبعًا لتغيُّر موازين القوة وظروف المواجهة والاحتكاك.
* ماجستير في الفلسفة، كلية الآداب – جامعة طنطا، وطالب دكتوراه تخصُّص فلسفة.
[1] توماش ماستناك، السلام الصليبي: الجماعة المسيحية والعالم الإسلامي والنظام السياسي الغربي، ترجمة: بشير السباعي، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009).
[2] المرجع السابق، ص 15.
[3] المرجع السابق، ص20.
* انهارت الإمبراطورية الكارولنجية في القرن التاسع بسبب الحروب الأهلية المستمرة، والتقسيمات الأسرية للإمبراطورية، والتهديدات الخارجية مثل غزوات الفايكنج. وقد أدَّى غياب سلطة مركزية قوية وضعف الولاء إلى تفتُّت الإمبراطورية إلى ممالك مستقلة أسَّست لاحقًا ملامح دول أوروبا الحديثة. [المحرر]
[4] ريتشارد سوذرن، صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى، ترجمة وتقديم: رضوان السيد، (بيروت: المدار الإسلامي، 2006).
[5] ألكسي جورافسكي، الإسلام والمسيحية، ترجمة: خلف محمد الجراد، سلسلة عالم المعرفة 215، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1996).
[6] المرجع السابق، ص39.
[7] ريتشارد سوذرن، صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى، مرجع سابق، ص 12.
[8] توماش ماستناك، السلام الصليبي، مرجع سابق، ص 158.
* يوحنا الدمشقي (676 – 749م)، المعروف أيضًا باسم “منصور بن سرجون”، لاهوتي وفيلسوف وراهب مسيحي بارز يُعتبر آخر آباء الكنيسة الشرقية. ولد في دمشق لعائلة مسيحية وجيهة كانت تتولى شؤون المال والجباية في بلاط الخلافة الأموية. [المحرر]
* أفروديت (Aphrodite) وفينوس (Venus) هما اسمان لإلهة الحب والجمال والخصوبة في الأساطير القديمة، حيث تمثلان نفس الشخصية العقيدية لكن في ثقافتين مختلفتين؛ الأولى في اليونانية والثانية في الرومانية. [المحرر]
[9] ألكسي جورافسكي، الإسلام والمسيحية، مرجع سابق، ص73.
[10] ريتشارد سوذرن، صورة الإسلام في أوروبا، مرجع سابق، ص 125.
[11] ألكسي جورافسكي، الإسلام والمسيحية، مرجع سابق، ص 64.
[12] توماس ماستناك، السلام الصليبي، مرجع سابق، ص 257.
* جيبرت النوجنتي (Guibert of Nogent) هو مؤرخ بندكتيني، وعالم لاهوت فرنسي بارز عاش في العصور الوسطى في الفترة ما بين (1055 – 1124 م). [المحرر]
[13] ريتشارد سوذرن، صورة الإسلام في أوروبا، مرجع سابق، ص ص 62، 68.
* الساراسين (أو الساراكينوس) هو مصطلح تاريخي أطلقه الرومان قديمًا على سكان الصحراء. ومع مرور الوقت وتحديدًا في العصور الوسطى، استخدمه الأوروبيون لوصف العرب، ثم شمل لاحقًا كل المسلمين. [المحرر]
[14] أليكسي جورافسكي، الإسلام والمسيحية، مرجع سابق، ص 64. وانظر أيضًا: توماش ماستناك، السلام الصليبي، مرجع سابق، ص 253.
* البابا جريجوري السابع (أو جريجوريوس السابع) هو أحد أبرز بابوات الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى، حكم بين عامي 1073 و1085. واشتهر بقيادته لحركة إصلاح كنسي جذرية عُرفت باسم “الإصلاح الجريجوري”، وخاض صراعًا تاريخيًّا مريرًا ضد الإمبراطورية الرومانية المقدسة لترسيخ سلطة البابوية فوق السلطات. [المحرر]
* راهب وعالم لاهوت فرنسي شهير، تولى رئاسة دير كلوني التاريخي في جنوب فرنسا. عاش بين عامي 1092م و1156م، ويُعتبر من أبرز الشخصيات الدينية في العصور الوسطى بفضل دوره المحوري في تشكيل أولى المحاولات الغربية لفهم الإسلام ومجادلته فكريًّا بدل الاعتماد المفرط على المواجهات العسكرية فقط. [المحرر]
* فيلسوف ولاهوتي فرنسي ومن كبار المناطقة والجدليين في القرن الثاني عشر، تأثر بالعلوم العربية، ووضع طريقة في الجدل في كتابه ” نعم ولا”. يرى جورج مقدسي أنها كانت بسبب التأثُّر المباشر بالمصنَّفات الإسلامية في الفقه، وأن الكتابات الإسلامية قد وصلت إليه عبر أحد أهم المعابر الثقافية بين العالمين (الإسلامي والمسيحي) في ذلك الوقت وهو أديلار الباثي الذي عاش في زمن أبيلار. انظر: جورج مقدسي، نشأة الكليات: معاهد العلم عند المسلمين وفي الغرب، ترجمة: محمود سيد محمد، (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، ط3، 2020)، ص ص475-477. [المحرر]
* أديلارد الباثي Adelard of Bath من مفكري الإنجليز الذين عرفوا في القرن الثاني عشر في نطاق الفلسفة المدرسية. درس في فرنسا وعلم فيها وزار عددًا من البلدان منها سوريا وفلسطين وقضى بقية حياته في باث بإنجلترا حيث علَّم ولي العهد هنري الثاني. ويعدُّ من روَّاد ترجمة المؤلفات العلمية العربية إلى اللاتينية ونشرها في بلاده وأوربة الغربية. [المحرر]
[15] أليكسي جورافسكي، الإسلام والمسيحية، مرجع سابق، ص 57.
[16] توماش ماستناك، السلام الصليبي، مرجع سابق، ص21. وانظر أيضًا: توماش ماستناك، الإسلام وخلق الهوية الأوروبية، ترجمة: بشير السباعي، مجلة الملتقى، العدد3، 1999.
* وليم الصوري هو رئيس أساقفة صور (في لبنان في عصرنا الحالي) وأحد أبرز المؤرخين اللاتينيِّين في العصور الوسطى، ولد في مدينة القدس عام 1130م وتوفِّي في مدينة صور عام 1186م.
* نقولاس الكوزاني (1401 – 1464م) كان أسقفًا كاثوليكيًّا ألمانيًّا وموسوعيًّا نشطًا. عُرف كفيلسوف ولاهوتي وقانوني ورياضي وعالم فلك. وكان أحد أوائل المؤيدين الألمان للمذهب الإنساني في عصر النهضة. [المحرر]
* يوحنا الأشقوبي لاهوتي ومترجم إسباني من القرن الخامس عشر، اشتهر بمحاولاته لدعم الحوار السلمي مع العالم الإسلامي، حيث قام بمساعدة عالم مسلم بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة القشتالية (الإسبانية القديمة). [المحرر]
* أوربان الثاني هو بابا الكنيسة الكاثوليكية (1088 – 1099م) والمسؤول المباشر عن إطلاق الحملة الصليبية الأولى. [المحرر]
* القديس برنارد من كليرفو (1090 – 1153م) هو راهب، وعالم لاهوت، ومصلح كنسي فرنسي، ويُعَدُّ أحدَ أكثر الشخصيات تأثيرًا في الكنيسة المسيحية خلال العصور الوسطى. لُقب بـ”العسل المتدفق” (Doctor Mellifluus) لفصاحته وحلاوة مواعظه، واعتبرته الكنيسة الكاثوليكية “معلمًا للكنيسة”. [المحرر]
[17] توماش ماستناك، السلام الصليبي، مرجع سابق، ص 188.



