الفقه والبينية من منظور حضاري إسلامي

هذا هو اللقاء السادس من منتدى الحضارة في موسمه الثالث لعام ٢٠٢٦، الذي يدور هذا العام حول البينية في العلوم والواقع. وهو منتدى معني برأب الصدع بين العلوم، وصولًا إلى رأب الصدع بين مجالات الحياة وشؤونها وشجونها.

بدأنا لقاءات المنتدى بمدخل تأسيسي حول البينية وعلاقتها بالمنظور الحضاري المقارن، وكيف أن العلوم، بعد مرحلة طويلة من التخصص والتخصص الدقيق، الذي دفع كل علم إلى أن يضرب لنفسه خيمة تكاد تكون منعزلة عما سواه، بدأت تراجع هذا المسار وتتجه إلى مزيد من الحوار والتفاعل فيما بينها، بحثًا عن البينية في المناهج والمداخل والموضوعات والنظريات، وفي كيفية بناء الخطط البحثية نفسها.

ثم انتقلنا في اللقاء الثاني إلى خبرة حيَّة في التجسير بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية، قدَّمها الأستاذ الدكتور بدران لحسن من خلال تجربة مركز ابن خلدون بجامعة قطر، وهي خبرة تمثل أرضية مهمة لموضوع لقائنا اليوم؛ لما قدمته من تأطير لمسألة التفاعل بين الحقلين، ومن قراءة لأنماط البحوث التي ينتجها الأساتذة وإمكانات تطوير هذا التفاعل.

وبعد هذا التأطير العام، انتقل المنتدى إلى عدد من المجالات والعلوم نفسها. فتناول الأستاذ الدكتور إبراهيم البيومي غانم في اللقاء الثالث الاقتصاد السياسي للأمة الإسلامية، وما يقتضيه من رؤية متميزة للاقتصاد وإدارته والأنساق الحاكمة له من منظور إسلامي ومقاصدي.

ثم تناول الدكتور سلمان بو نعمان في اللقاء الرابع: البينية في علم السياسة العربي، وكيف يمكن للأدوات والمناهج المختلفة أن تتفاعل في صورة تركيبية صحيحة، بحيث تقدم نموذجًا للتفعيل من زاوية حضارية، لا مجرد توظيف أداتي يغلب فيه الشكل على المضمون.

أما اللقاء الخامس، فقد تناول العمارة بين الدين والسياسة والتاريخ من منظور حضاري، من خلال قراءة في كتاب كنيس الخراب والاستيطان الصهيوني للدكتور أحمد حمدي عبد العظيم. وقد كشف اللقاء بوضوح أن العمارة مجال بيني بطبيعته، يتصل بالدين والسياسة والتاريخ، كما أتاح إطلالة واسعة على العمارة الصهيونية ودورها في تأسيس المشروع الصهيوني وتحريكه.

وهكذا بدأت تتشكَّل أمامنا، شيئًا فشيئًا، باقة من الإسهامات التي تكشف أبعادًا مختلفة للمنظور الحضاري. فهذا المنظور لا يقتصر على التجديد داخل كل علم، أو نقد المنظور السائد فيه، وإنما يعمل كذلك على مستوى أوسع، هو وصل العلوم بعضها ببعض وحماية مناطق التماس بينها.

وفي علم الاستراتيجية يوجد تعبير دال على هذا المعنى، هو حماية الأجناب ووصل الأجناب. فعندما تتحرَّك الجيوش بقطاعاتها المختلفة، تصبح مناطق الاتصال بينها من أكثر المواضع حاجة إلى الحماية؛ لأن الثغرات تنشأ غالبًا في المساحات الفاصلة بين القطاعات. ولدينا في تاريخ حروبنا المعاصرة ما يجعل لمفهوم الثغرة دلالة شديدة الوضوح.

وبهذا المعنى، فإن وظيفة البينية ليست مجرد جمع تخصصات متجاورة، وإنما أن تمضي العلوم معًا، وتتكاتف، ويدفع بعضها بعضًا إلى التجدد والتنمية والبناء.

واليوم ننتقل إلى مجال جديد من مجالات هذا المشروع، يتعلق بإسهام العلوم الشرعية في البينية، وسيكون الفقه في مركز هذا الإسهام، من خلال اللقاء مع الدكتور محمود النفار حول: الفقه والبينية من منظور حضاري إسلامي.

والدكتور محمود النفار أستاذ أكاديمي وباحث فلسطيني، له مسار علمي يلتقي مباشرة مع القضية التي يناقشها المنتدى؛ إذ يتحرك إنتاجه في المساحات الواصلة بين أصول الفقه، والسياسة الشرعية، والفكر السياسي الإسلامي، والمقاصد، والعمران، والواقع المعاصر.

بدأ اشتغاله العلمي من مساحة تتقاطع فيها الشريعة بالسياسة، منذ دراسته لتقييد السلطة التنفيذية في التشريع الإسلامي في الماجستير، ثم تعمَّق هذا المسار في أطروحته للدكتوراه حول أثر علم أصول الفقه في التراث السياسي الإسلامي عند الإمام الجويني. وتكشف خريطة إنتاجه عن مشروع بيني متماسك يصل أصول الفقه بالسياسة الشرعية والفكر السياسي والمقاصد وعلم الكلام والفلسفة والدراسات القرآنية والعمران، ثم يمتد بهذه الأدوات إلى قضايا الواقع المعاصر، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وإلى مجالات الإعلام والفن وبناء المفاهيم. ومن هنا لا تبدو البينية في تجربته مجرد موضوع للبحث، بل منهجًا حاكمًا لمشروعه العلمي، ينطلق من أصول معرفية ومنهجية ثم يختبر قدرتها على التفاعل مع حقول متعددة وقضايا واقعية متجددة.

 وهو ما يجعل تجربته نفسها مدخلًا مهمًّا للنظر في سؤال البينية، لا من حيث التأطير النظري فحسب، وإنما من حيث إمكان تحولها إلى مشروع بحثي متراكم تتصل حلقاته بعضها ببعض.

ملخص الكلمة الرئيسية

نشأت البينية في السياق الغربي الحديث استجابةً لأزمة انغلاق التخصصات وعجز العلوم المنفصلة عن الإحاطة بالظواهر المركبة. أما في السياق الإسلامي، فالإشكال مختلف؛ إذ لا يرجع إلى أصل النموذج المعرفي، الذي يقوم بطبيعته على وصل مجالات المعرفة، وإنما إلى اختلالٍ أصاب الخبرة الحضارية الإسلامية، ثم تعمَّق مع انتقال النظم التعليمية والتخصصية الغربية إلى المجتمعات العربية والإسلامية من دون مراجعة كافية لمرجعياتها ومدى ملاءمتها لحاجات الأمة ومقاصد علومها.

ومن ثم، فالبينية من منظور حضاري إسلامي ليست مجرد استجابة حديثة لتجزُّؤ التخصُّصات، بل هي استعادة لمنطق أصيل يقوم على وحدة المعرفة ووصل الوحي بالواقع، والغيب بالشهادة، والعلم بالعمران. ويمكن النظر إليها على ثلاثة مستويات مترابطة:

  1. باعتبارها خاصية معرفية نابعة من الرؤية التوحيدية؛
  2. ومسلكًا منهجيًّا يقوم على تعاون العلوم في فهم الظواهر المركبة؛
  3. ومشروعًا حضاريًّا يستهدف إعادة وصل ما تفرق من المعرفة بأصوله وواقعه ووظيفته الإصلاحية.

وهي بهذا المعنى لا تلغي التخصص ولا تدعو إلى مزج العلوم قسرًا، وإنما تجعل مقدار التداخل بينها تابعًا لطبيعة المشكلة وحاجتها.

وتتأكد هذه الحاجة في المجال السياسي؛ لأن الظاهرة السياسية بطبيعتها لا تستقل عن الدين والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والقيم والعمران. وقد عكست النصوص المؤسسة والخبرة الإسلامية المبكرة هذا الترابط؛ فالمفاهيم السياسية في القرآن جاءت داخل شبكة أوسع من الرحمة والعدل والأمانة والشورى والطاعة والتدافع والعمران، كما جمع مفهوم الربانية بين العلم والفقه والبصر بالسياسة والتدبير. وتجسدت هذه الرؤية عمليًّا في الخبرة النبوية والراشدية، حيث تداخل الوحي والاجتهاد والتدبير والمصلحة والاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، كما يظهر في صلح الحديبية واجتهاد عمر في أرض السواد.

وظلت المعرفة السياسية في التراث الإسلامي موزعة بين حقول متعددة؛ فالتفسير أنتج معاني سياسية من داخل أدواته، وعلم الكلام بحث قضايا الإمامة والسلطة في اتصال بالعقائد والفرق، بينما أفادت كتب السياسة الشرعية من هذه العلوم في بناء تصوراتها وأحكامها. ولذلك لم تكن السياسة علمًا منعزلًا عن بقية البناء المعرفي، بل مجالًا تتفاعل فيه أدوات ومفاهيم متعددة.

ومع ذلك، تنبَّه عددٌ من علماء التراث إلى بدايات اختلال هذا الوصْل. فقد انتقد الجويني ضعف انشغال بعض الفقهاء بالكليات السياسية والواقع والمآلات، وسعى إلى بناء نظر سياسي أوسع من الأحكام الجزئية. ورصد ابن تيمية انفصالًا بين أهل الشرع الذين قد يضعف إدراكهم للسياسة العادلة، وأهل السياسة الذين قد ينفصلون عن مرجعية الشرع. أما ابن خلدون فلفت إلى مشكلة أخرى، هي غلبة التجريد والكليات على تكوين العلماء، في مقابل طبيعة السياسة التي تقتضي إدراك خصوصيات الوقائع وأحوال العمران. ومن هنا يظهر أن البينية المقصودة ليست مجرد اتصال بين تخصصات، وإنما وصل بين الوحي والعمران، وبين الكلي والجزئي، وبين المعرفة والواقع.

وفي الواقع المعاصر تظهر الحاجة إلى هذا الوصل على ثلاثة مستويات:

أولها- داخل العلوم الشرعية نفسها، بعد أن أدَّى التخصُّص المؤسَّسي إلى تفكيك البناء الذي كان يصل الفقه بالأصول والعقيدة والتفسير والسيرة والمقاصد.

وثانيها- بين الفقه السياسي والعلوم السياسية والاجتماعية؛ إذ يحتاج الفقيه إلى أدوات تساعده على فهم الدولة والمجتمع والاقتصاد وموازين القوى، كما تحتاج العلوم السياسية إلى مساءلة مقدِّماتها ومفاهيمها ومرجعيَّاتها، بدل أن يظل أحد الطرفين يقدم حكمًا بلا تصور، والآخر وصفًا بلا تقويم.

أما المستوى الثالث فهو الصلة بالواقع؛ لأن الاجتهاد السياسي لا يكتمل إلا بفهم الواقعة وسياقها ومآلاتها والاستعانة بالخبرات اللازمة لفهمها.

وعلى هذا الأساس يمكن بناء نموذج حضاري للبينية في الفقه والسياسة يقوم على خمسة مرتكزات: وحدة المرجع، وائتلاف الغاية، ورسوخ التخصُّص، وتمايز الوظائف مع تكامل المدارك، والتدرج في اكتساب القدرة البينية. ويبدأ هذا النموذج بإعادة الوصل داخل العلوم الشرعية، وفي الوقت نفسه بتعزيز التكامل داخل العلوم السياسية والاجتماعية، ثم الانتقال إلى التفاعل بين المجالين على أساس نقدي ومنهجي، لا بمجرد ضم مفاهيم أحدهما إلى الآخر.

ولا تكون البينية مطلوبة لذاتها؛ بل تُقاس قيمتها بما تضيفه إلى فهم المشكلة ومعالجتها. ولذلك تحتاج هي نفسها إلى فقه للموازنات والأولويات يحدد متى نحتاج إلى علم آخر، وما الوظيفة التي يؤدِّيها، وما حدود الإفادة منه. ويبقى المعيار النهائي لأي نموذج بيني هو قدرته على تقديم تفسير أعمق للواقع، وتحويل المعرفة إلى أداة للإصلاح؛ فالمقصود ليس فقط إعادة وصل العلوم بعضها ببعض، بل استعادة الصلة بين المعرفة والعمران وبين الفكر واحتياجات الأمة.

بدايةً أريد أن أضع هنا عددًا من النقاط التي أرى أنها تؤطر فهمي للمحاضرة:

أولًا- المنظور الحضاري الإسلامي بيني بطبيعته؛ والبينية عندنا طريق ذو اتجاهين، وله كذلك روافد متعدِّدة. أما الطريق الرئيسي فهو العلاقة بين العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية، وأنا أفضل هنا استخدام تعبير العلوم الإسلامية لأنه أوسع من العلوم الشرعية وحدها.

وهذه العلاقة لا تسير في اتجاهٍ واحدٍ؛ فلا يكفي أن ننتقل من الإسلامي والشرعي إلى الاجتماعي، كما لا يكْفي أن ننتقل من الاجتماعي إلى الإسلامي، وإنما لا بدَّ أن يعمل الاتجاهان معًا إذا أردنا تجديدًا حقيقيًّا في المعرفة وفي إنتاج العلوم.

أما روافد هذا الطريق، فمنها البينية بين العلوم الاجتماعية نفسها؛ بين السياسة والاقتصاد والاجتماع والفلسفة والتاريخ وغيرها، ومنها كذلك البينية بين العلوم الإسلامية ذاتها؛ بين أصول الفقه والتفسير والحديث والتاريخ والفكر وغيرها.

ونحن جميعًا، بهذا المعنى، نحرث في هذه الأرض ونبذر فيها بذورًا مختلفة. كل منا يأتي إليها من موقعه ومن تكوينه، لكن الغاية أن نصل في النهاية إلى حالة لا نشعر فيها بهذا الفصل الحادِّ بين الحقول، وأن يتحوَّل الطريق ذو الاتجاهين شيئًا فشيئًا إلى فضاء معرفي أكثر اتصالًا.

وقد يبدأ هذا المسار من الواقع نفسه، بما يطرحه من قضايا جديدة تستدعي تجديدًا في المنهجية وفي التعامل مع الأصول الإسلامية، وقد يسير في الاتجاه الآخر بأن ننطلق من ميزان إسلامي متجدِّد ننظر من خلاله إلى واقع الأمة، فنفسره ونقترح سبل تغييره.

ثانيًا- إن ما نسميها المدرسة المصرية في المنظور الحضاري الإسلامي نشأت أصلًا من تفاعل مسارات متعدِّدة حاولت تجديد السياسة والاقتصاد والتربية والاجتماع والفلسفة وغيرها، عبر وصل الاجتماعي بالإسلامي.

ومن أبرز الخبرات التي جسَّدت ذلك مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، الذي قدم تجربة واضحة في التعامل مع العلوم الإسلامية وروافد العلوم الشرعية داخل حقل اجتماعي وسياسي حديث. وقد سجَّلت مقدِّمات المشروع المنهجية، في طبعتيها الأولى والثانية، هذه الخبرة بوضوح، ثم راكم مركز الحضارة على هذا المسار على مدى عقود.

وظلَّ السؤال دائمًا: إلى أي مدى يستطيع الباحث الشرعي أو الإسلامي أن يتفاعل مع الاجتماعي؟ وكيف ومتى يحدث هذا التفاعل؟ فالقضية ليست فقط تجديد العلوم أو إنتاج المعرفة، وإنما كذلك رأب الصدع المعرفي والفكري بوصفه مقدِّمة لرأب الصدع في واقع الأمة وتجديد قدرتها على النهوض.

وخلال العقدين الأخيرين لاحظنا أيضًا تنامي استخدام تعبيرات مثل الفقه الحضاري، والعمران الحضاري، والتجديد الحضاري، وغيرها. وهذه ليست ظاهرة لغوية فقط، وإنما مؤشر على صحوة معرفية وفكرية بدأت تتسع وتبحث عن صيغ جديدة للتعبير عن نفسها.

ولا يعني ذلك أن هذا المسار جديد تمامًا؛ فله جذور تمتد إلى قرن أو أكثر، لكن الإشكال أن إنتاجه لا يزال متفرقًا. ولذلك نحن بحاجة إلى مؤسسة كبيرة تجمع هذا التراث المعاصر، وتصنفه وتقدمه بصورة تراكمية، كما تفعل المؤسسات الكبرى التي تقدم المنظورات الغربية، التقليدية منها والنقدية.

أمَّا بالنسبة إلى المحاضرة نفسها، فقد كنت في البداية أتصوَّر أن الحديث عن الفقه السياسي سيذهب إلى معناه المعتاد: العلاقة بين الراعي والرعية، والسلطة والطاعة، والشورى، والنصائح السلطانية، ومرايا الملوك، وما إلى ذلك.

لكنني وجدت أن الطرح يتجاوز هذا المعنى إلى منهجية النظر في الفقه السياسي نفسه، وإلى تقييم حالة هذا النظر عبر مراحل القوة الحضارية ثم مراحل الاختلال. ولهذا بدا لي أننا لا نتحدث عن فقه سياسي بالمعنى الجزئي، وإنما عن نوع من التنظير السياسي الإسلامي، بل وعن محاولة لإعادة تعريف السياسة من منظور حضاري.

وهنا ظلَّ عندي سؤال حاضر غائب طوال المحاضرة: ما المقصود بالسياسي؟

ومن خلال العرض فهمت أن الفقه هنا لا يعني فقط معرفة الأحكام الجزئية، وإنما الفهم والمعرفة والتدبر والنظر في الظاهرة من خلال مصادر متعدِّدة. فالسياسي يتشكَّل من القرآن والسنة والعقيدة والقيم والسُّنن، لكنه لا يقف عند المصادر؛ بل يمتد إلى منظومة من المبادئ والأسس، مثل الأمانة والعدل والشورى، وإلى منظومة من العلاقات التفاعلية، وفي مقدمتها التدافع بين الفكر والواقع، وبين عناصر الواقع نفسه. ومن هنا رأيت أن المحاضر يقدم في الحقيقة تصورًا لمنظومة سياسية بينية متكاملة.

وكان عرض نماذج مختلفة مثل الجويني وابن تيمية وابن خلدون مهمًّا جدًّا؛ لأنه قدم ثلاثة مستويات مختلفة لتشخيص الاختلال. فعند الجويني ظهر ضعف الاهتمام بالظاهرة السياسية، وغلبة النظر الجزئي، وما نتج عن ذلك من جمود في الفقه السياسي. وعند ابن تيمية ظهر وجه آخر، هو ضعف العلم الشرعي من جهة، وفي المقابل اتِّساع الممارسة السياسية القائمة على الرأي بعيدًا عن الاعتصام بالشريعة من جهة أخرى. ثم جاء ابن خلدون ليُضيف مستوى أعمق يتعلَّق بتكوين العلماء أنفسهم؛ فالعالم يتدرَّب على التجريد والكليَّات، بينما تحتاج السياسة إلى خبرة مباشرة بالواقع وتفاصيله ومناطاته.

وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأننا كثيرًا ما نقول بضرورة ربط الفكر بالواقع وكأن المسألة سهلة، بينما هناك فرق فعلي بين من وظيفته التأصيل والنظر، ومن وظيفته ممارسة الواقع. وكانت هذه المسافة تاريخيًّا أضيق في بعض المراحل، حين كان العالم قد يكون فقيهًا وقاضيًا ومشاركًا في المجال العام، وكان الحاكم نفسه يمتلك قدرًا من العلم. أما اليوم فقد ازدادت الفجوة بين التكوين العلمي ومتطلبات الممارسة السياسية. فالواقع نفسه أصبح أكثر تركيبًا وتعقيدًا، مع الضغوط الخارجية وحالة التراجع الحضاري، وهو ما يزيد من صعوبة هذا الوصل.

وفي تشخيص الواقع المعاصر، وضعت المحاضرة يدها بوضوح على ضعف البينية بين العلوم الشرعية ذاتها نتيجة أنماط التعليم، ثم على ضعف الصلة بين العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية. ولذا كنت أتمنى أن يتَّسع العرض أيضًا لنماذج من القرنين الأخيرين تتعلق بما يمكن أن نسمِّيه شيوخ السلطان، ودور بعضهم في تكريس فهم للفقه السياسي يقوم على تضخيم الطاعة وتقديس الحاكم، حتى أصبحت هذه الصورة نفسها تُقدم أحيانًا باعتبارها التعبير الإسلامي عن السياسة.

ثم الْتقط بعض المستشرقين والعلمانيين هذه الصورة ليبنوا عليها اتهامات للإسلام بالتسلط والاستبداد ورفض الحريات وحقوق الإنسان، بينما نحن في الحقيقة أمام صورة تاريخية جزئية نشأت في سياقات من التراجع والاختلال، ولا تختزل الرؤية الإسلامية للسياسة.

ولهذا أرى أن الخريطة التي قدَّمتها المحاضرة مهمَّة جدًّا، لكنها كثيفة، وتحتاج في مجال التدريس والإنتاج العلمي إلى قدرٍ من إعادة العرض والتنظيم؛ لا بمعنى تخفيف الجرعة العلمية أو التنازل عن العمق، وإنما بتقديم البنية الأساسية بصورة تسمح للدارس أن يمسك بالخيط الناظم للمشروع.

ولذلك، يبقى سؤال موقع الباحث نفسه مهمًا جدًا. فحضرتك تتحدث من موقع العالم الشرعي أو المتخصص في العلوم الإسلامية الذي دفعه واقع التدافع إلى الانفتاح على المجال السياسي. والسياسة ليست شيئًا غريبًا عن التراث الإسلامي، لكنها اليوم أصبحت حقلًا معرفيًّا وممارسيًّا قائمًا بذاته، وله مؤسساته ومفاهيمه وأدواته، وبعض ما أنتجه هذا الحقل لم يكن بالضرورة في مصلحة الأمة.

ومن هنا تصبح أهمية هذا الجهد في إعادة وصل المتخصِّص في العلوم الإسلامية بالمجال السياسي من غير أن يفقد منطلقاته ومرجعيته، وفي الوقت نفسه من غير أن يبقى بعيدًا عن الواقع وأدوات فهمه. لكن المشكلة الكبرى أننا لا نمتلك إلى الآن مساحة كافية لممارسة هذا الفكر الحضاري السياسي في الواقع. فالمشكلة ليست في إنتاج النماذج النظرية فقط. نحن نستطيع أن نتحدث عن المقاصد والأولويات، وأن نبني نماذج للحركة الخارجية، أو للتنشئة السياسية، أو للإدارة، لكن هذه النماذج تظل فكرية ما لم تجد مجالًا للفعل والاختبار.

وتظهر المشكلة كذلك لدى الحاكم وصاحب السلطة، كما تظهر داخل الحركات الإسلامية نفسها، سواء كانت فكرية أو إصلاحية أو دعوية أو تربوية أو سياسية، سلمية أو عسكرية؛ فكلها تواجه مشكلات في الإدارة وفي التعامل مع الواقع.

وأختم تعقيبي بأننا نحن أصحاب الفكر والتأصيل والتنظير لدينا مشكلة أخرى، لا تتعلق فقط بفهم الواقع، وإنما بالتواجد داخله: داخل الأكاديمية، والمنصات الفكرية، والمنصات الإعلامية، ومجالات التأثير المختلفة. ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس فقط أن نبني نظرية بينية جيدة، وإنما أن نمتلك القدرة على تحويلها إلى تعليم، وتكوين، وممارسة، ومؤسسات، وحضور فعلي في الواقع.

من الأمور التي لفتتني جمال التعبير في المقدمات والتمهيدات. فهذه المحاضرة مؤطرة بالمنظور الحضاري، لكنها تأتي هذه المرة من زاوية فقيه منفتح على عصره وعلومه وأزماته، وعلى كيفية مواجهة هذه الأزمات. كما أن المحاضرة ازدانت بعدد من الكلمات والمقولات والنصوص التي كانت شديدة الثراء. وعلى رأسها ما نقلته عن أبي جعفر الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) [آل عمران: ٧٩].

وقد جعلني هذا النص أعيد طرح السؤال على نفسي وعلى السامعين: أين نحن من هذا المعنى؟

فالطبري يبين أن الربانيين هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، وينقل عن مجاهد أنهم فوق الأحبار؛ لأن الأحبار هم العلماء، أما الرباني فهو الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم.

ومن العبارات المهمَّة كذلك قول ابن الأزرق: إن السلطان أحوج الناس إلى العلم. وإذا استكملنا هذا المعنى في التاريخ، نجد أن عددًا كبيرًا من الحكام، ولا سيما في العصور المتأخِّرة، افتقروا إلى التكوين العلمي، وبخاصة العلم الشرعي. وقليل منهم من كان له نصيب معتبر من العلم أو التربية العلمية. وفي مرحلة مبكرة نجد الماوردي في مقدمة الأحكام السلطانية يشير إلى انشغال ولاة الأمور بأعمال التدبير، ولذلك أفرد لهم كتابه ليعرف ولي الأمر ما له فيستوفيه وما عليه فيوفيه. كان الإشكال هنا إشكال تشاغل؛ فكل مجال يشغل صاحبه عن المجال الآخر.

ثمَّ يأتي الجويني، الذي عاصر نظام الملك، وهو رجل سياسة له اهتمام بالعلم، بل ألَّف في السياسة، وكان مؤسِّسًا للمدرسة النظامية التي درس فيها الغزالي. ولذلك ارتفع الجويني في خطابه من الأحكام الجزئية إلى مستوى الأصول، وأراد أن يقدم تصوُّرًا إجماليًّا للسياسة وكيفيَّة فهمها.

كما أن كلام ابن القيم وابن تيمية وابن خلدون عن علاقة علماء الشرع بالسياسة شديد الأهمية. ويندرج في ذلك أيضًا نقد الجويني لعلماء عصره، وإن كنت أرى أن هذا النقد نفسه يحتاج أحيانًا إلى نقد.

فالجويني لم يكن ينتقد فقط قلة العناية أو ضعف الفهم، وإنما كان ينتقد كذلك طريقة التأليف. وقد رأى بعض المحقِّقين، ومنهم الدكتور عبد العظيم الديب، أن بعض هذا النقد كان موجَّهًا إلى الماوردي، وربما تأثَّر أيضًا بالخلافات الكلامية والمذهبية.

وقد يعترض المرء هنا على الجويني؛ لأن الماوردي كان من كبار الشافعية وله إنتاج ضخم ومهم، وكتاب الأحكام السلطانية نفسه منتج أصولي وإن لم يُصَغْ في صورة كتاب في أصول الفقه. ولذلك فإن بعض نقد الجويني يحتاج إلى قدر من المراجعة، وإن كان الرجل، في كثير من المواضع، محقًا في أصل ما أراد أن ينبه إليه.

أما المسألة الأهم فهي: كيف يتكون عالم السلطان بالمعنى السلبي؟

فنجد عند ابن القيم تشخيصًا دقيقًا جدًّا. فقد تحدَّث عن موضع تزلُّ فيه الأقدام وتضلُّ فيه الأفهام، وبيَّن أن طائفة فرطت وطائفة أفرطت. فالطائفة الأولى ضيَّقت فهم الشريعة حتى صوَّرتها وكأنها عاجزة عن الاستجابة لمصالح الناس وحاجاتهم السياسية، فتركت للحكَّام أن يتصرَّفوا خارجَها. ومشكلتها ليست فقط أنها لا تفهم الواقع، بل إنها تفهم الشريعة نفسها فهمًا قاصرًا، فلا تستطيع أن تستخرج من كلياتها وجزئياتها ما يجيب عن أسئلة السياسيين واحتياجات المجال العام.

وفي المقابل ظهرت طائفة أخرى وسَّعت الأمر بلا ضابط، حتى سوَّغت من التصرُّفات ما يُنافي حكمَ الله ورسوله. فأصبحنا بين طرف يقول إن الشريعة لا تتسع لهذه المسائل، فاتركوا السياسة تسير وحدها، وطرف آخر يقول إن كل ما يريده الحاكم يمكن العثور له على غطاء داخل الشريعة.

وهنا يبرز أيضًا سؤال الرعية. فابن تيمية، حين تحدث عن إصلاح الراعي والرعية، أشار إلى معنى بالغ الأهمية، هو إمكان إفساد الرعية للراعي كذلك. ففي قضية الرشوة، التي كان يعبر عنها أحيانًا بالبراطيل، نجد دائرة يصعب تحديد نقطة بدايتها: هل قدمت الرعية الرشوة فأفسدت القضاة والحكام، أم أن الحكام والقضاة طلبوها وقبلوها فأفسدوا الرعية؟ نحن أمام عملية إفساد متبادل.

وهناك معنى آخر مهم نجده عند الجبرتي، وهو أن الفساد إذا أصبح عامًّا في المجتمع فإنه لا يترك للفقيه أو للعالم الشرعي أو للحاكم السياسي مساحة سهلة للإصلاح. وهذه نقطة ينبغي أن ندرسها في زماننا: حين يصبح الفساد عامًّا، كيف ننتج جيلًا من طلاب العلم لديه استعداد للإصلاح؟ وكيف ننتج حكامًا لديهم القدرة على الخروج على منظومة الفساد بدلًا من استكمالها، ومقاومة التيار بدلًا من الانخراط فيه؟

وَأَصِلُ بعد ذلك إلى نقطة أخيرة تتعلَّق بالمشروع الذي طرحه د. محمود النفَّار في نهاية المحاضرة؛ لقد أشارَ إلى أن كل علم لم ينفرد بموضوعاته فقط، وإنما طوَّر كذلك مناهجه، حتى تحوَّل إلى ما يشبه القلعة ذات الحدود والأسوار. لكن هناك إلى جانب الموضوع والمنهج لغة خاصة بكل علم. فحين يتحدَّث الفقيه بلغته الاصطلاحية قد تمرُّ بعضُ العبارات على المتخصِّص في العلوم الاجتماعية من دون أن يفهمها على الوجه المقصود، والعكس بالعكس.

والأمر نفسه يحدث حين يتحدَّث المتخصِّص في العلوم الاجتماعية بمصطلحات البنيويَّة وغيرها من الاصطلاحات النظرية والمنهجية التي أصبحت خاصة بحقل بعينه. ولهذا أعتقد أننا نحتاج بالفعل إلى معاجم بينية تساعد على عبور اللغة بين الحقول، وتيسِّر على الباحث في أحد التخصُّصات فهمَ المفاهيم الأساسية في التخصُّص الآخر.

وهذه النقطة تُعيدني إلى سؤال: من يبدأ من أين؟ هل يبدأ الباحث الاجتماعي من العلوم الشرعية، أم يبدأ المتخصص الشرعي من العلوم الاجتماعية؟

والجواب هو أن يبدأ كل واحد من الموقع الذي يقف فيه. فمدرستنا نفسها كانت لها روافد متعددة، بدأ كل واحد منها من منطلقه ثم اتجه نحو الآخر. وربما نحتاج إلى جيل أو جيلين آخرين حتى نصل إلى مرحلة ينشأ فيها الطالب منذ البداية على أرضية جامعة، فيدرس العقيدة إلى جانب العلوم الأخرى، ثم يدرس الاجتماع والتفسير وغيرها في بناء لا يقوم أصلًا على هذا الفصل الحاد.

ويبقى سؤالي: ماذا نفعل في مشكلة اللغة بين هذه الحقول؟

دارت المداخلات حول عدد من القضايا المتصلة بإمكان تحويل البينية من إطار نظري إلى مشروع معرفي ومنهجي قابل للتطبيق.

فقد أثارت الدكتورة دليلة بن كوسة سؤالًا حول إمكان الوصول إلى نمذجة لفقه العلوم السياسية وفقه العلاقات الدولية، تنطلق من المخزون الحضاري للأمة ومنظومتها القيمية، وتراعي في الوقت نفسه مقتضيات الواقع وشروط الاستمرار والصعود الحضاري.

واتصل بذلك سؤال الأستاذ أحمد خليفة عن الباحث القادر على القيام بهذا العمل البيني: هل يبدأ به المتخصص في علوم الشريعة أم الباحث في العلوم الاجتماعية؟ وكيف يتحقق الوصل بين الطرفين؟ وما الخطوات المنهجية التي ينبغي أن يسلكها الباحث في العلوم السياسية إذا أراد معالجة موضوع يجمع بين الفقه والسياسة؟

ومن زاوية أخرى، ميَّز الدكتور عمار جيدل بين الشرع السياسي، بما يتضمنه من قواعد وتوجيهات، والسياسة الشرعية بوصفها نظرًا في حركة الواقع وما تفرضه من أولويات وموازنات وتحالفات في سياقات التدافع المحلي والدولي. ومن ثم طرح سؤالًا عن مدى إمكان اعتبار بعض الاختيارات السياسية التي تفرضها موازين الواقع من السياسة الشرعية، وإن بدت في ظاهرها بعيدة عن مقتضى بعض الأحكام المجردة، ما دامت مؤطرة بفقه الأولويات والموازنات. كما اقترح استعمال تعبير علوم الشريعة بدلًا من العلوم الشرعية، تمييزًا بين مجال المعرفة وبين وصف الشرعية.

وطرح السفير معتز أحمدين بعدًا تطبيقيًّا آخر، متسائلًا عن إمكان إدخال تجربة الحكومة الإسلامية ونظرية ولاية الفقيه ضمن دراسة البينية بين العلوم الشرعية والعلوم السياسية، باعتبارها نموذجًا انتقل فيه اجتهاد فقهي وسياسي من مستوى التنظير إلى بناء مؤسسات وتجربة حكم قابلة للدراسة والتقويم.

أمَّا الأستاذ محمد مصطفى فتوقَّف عند البعد التربوي والتاريخي للبينية. فمن واقع عمله في التعليم، رأى أن نظم التعليم العربية لا تؤسِّس في صورتها الراهنة الوعي المتكامل الذي تحتاج إليه البينية؛ إذ قد تقدم القيم والعلوم الدينية في صورة أجزاء منفصلة عن بقية العملية التعليمية والممارسة اليومية، ثم يصل الطالب إلى الجامعة من دون قاعدة معرفية ومنهجية تمكنه من التعامل النقدي مع المناهج الوافدة. وأشار كذلك إلى فجوة تاريخية بين التكوين العلمي والممارسة السياسية؛ فقد يتلقى بعض الحكام قدرًا من التعليم الشرعي، ثم لا يظهر أثر ذلك في ممارستهم بسبب تغلب مقتضيات السياسة وضغوطها.

ومن جهة أخرى، أكد الدكتور حازم علي ماهر أن البينية لا ينبغي أن تبدأ من إهدار الفقه والشريعة والعقيدة، وإنما من داخلها. وضرب مثالًا بمفهوم الطغيان، الذي يمكن الانطلاق في دراسته من مفاهيم قرآنية مثل الاستغناء والاستخفاف، ثم الانتقال إلى النظريات والخبرات الإنسانية المعاصرة. فالأصل، في تصوره، ألا نبدأ من النظرية الغربية ثم نفتش في التراث عن شواهد لها، وإنما ننطلق من القرآن والسنة والتراث، ثم نستفيد من الخبرة الإنسانية بقدر ما تحقق المقاصد ولا تعارض أصول الشريعة القطعية.

وتكشف هذه المداخلات مجتمعة عن ثلاث قضايا مركزية في بناء البينية: من أين ننطلق معرفيًّا، ومن يقوم بالعمل البيني منهجيًّا، وكيف تنتقل البينية من التأصيل إلى التربية والبحث والممارسة السياسية الفعلية. وهي أسئلة تعيد التأكيد على أن البينية لا تتحقق بمجرد الجمع بين معارف متعددة، وإنما تحتاج إلى تحديد المرجعية، وترتيب الوظائف والأولويات، وبناء تكوين علمي قادر على الوصل النقدي بين الشريعة والعلوم والواقع.

أثارت المداخلات جملة من القضايا التي أرى أنها تتصل مباشرة بموضوع البينية، ويمكن جمعها في عدد من المحاور:

أولًا- وحدة المقامات النبوية وعدم تفكيكها: فيما يتعلق بمقامات التصرفات النبوية، لم يكن المقصود من استدعائها القول إن الحاكم أو الإمام يرث جميع وظائف النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما التنبيه إلى أن تعدد هذه المقامات لا ينبغي أن يقود إلى تفكيك الشخصية النبوية نفسها. فالنبي صلى الله عليه وسلم تصرف بمقتضى الجبلة البشرية في مواضع، وبمقتضى الإمامة والقيادة في مواضع أخرى، كما تصرف بمقتضى التعليم والفتوى والقضاء وغيرها. لكن هذه التصرفات جميعًا تصدر عن وحدة واحدة.

وهذا مهم في المجال السياسي؛ لأن الإفراط في تفكيك المقامات قد يفقدنا القدرة على قراءة السيرة والسُّنة في بنائهما الكلي، ويحُول دون استثمار ما بين هذه المقامات من اتصال وتكامل.

ثانيًا- الواقع بوصفه مجال اختبار للفكر: من أهم القضايا التي أثارتها المناقشة علاقة الفكر بالواقع. ويحضرني هنا قول إمام الحرمين إن الأصول تمتحن بالفروع، والفروع تمتحن بالأصول. فنحن يصعب أن نختبر مشروعات مثل أسلمة المعرفة، والتكامل المعرفي، والمنظور الحضاري، ما لم تُتَحْ لها فرصة للجريان في الواقع. والمشكلة ليست في أن هذه المشروعات تدَّعي الكمال، فهي أصلًا لا تدعي العصمة، وإنما في أن كثيرًا منها لم يتح له من الاختبار العملي ما يكشف كفاءته وحدوده ومواطن ضعفه.

وهذا ينطبق كذلك على المشروع السياسي الإسلامي والحركات الإسلامية. فقد أصبحت الثقافة السياسية اليوم تتشكَّل بدرجة متزايدة من مواد متفرقة ومتعارضة في وسائل التواصل الاجتماعي، تختلف في مرجعيَّاتها وغاياتها ودوافعها، حتى إن الكتاب الذي قد يكون جزئيًّا أو جامدًا يبدو أحيانًا أكثر تماسكًا من الطريقة التي يتشكَّل بها الوعي السياسي المعاصر.

ثالثًا- المجال السياسي بوصفه مجال فروض الكفايات العامة: أما مفهوم السياسي، فأميل إلى فهمه فهمًا أصوليًّا متأثرًا بدرجة كبيرة بإمام الحرمين الجويني. وأقرب تعريف له عندي أنه مجال فروض الكفايات العامَّة. فكلُّ ما يتعلَّق بأمر الأمة والجماعة، اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا أو سياسيًّا أو غير ذلك، يدخل في هذا المجال.

ومشكلة فروض الكفايات أنها تعرضت لاختزال شديد في الوعي الفقهي، حتى ارتبطت في الأذهان بصلاة الجنازة، وغسل الميت ودفنه، ورد السلام، بينما دائرتها في الحقيقة أوسع بكثير.

ومن هنا أفهم المجال السياسي باعتباره مجالًا كليًّا متعلِّقًا بشؤون الأمة، لا مجرد تجميع للأحكام الجزئية المتصلة بوظائف السلطة.

رابعًا- اللغة والمفاهيم وحوار العلوم: من القضايا التي تستحق عناية خاصة مشكلة اللغة والمفاهيم بين العلوم. فنحن لا نحتاج فقط إلى توحيد المصطلحات، وإنما إلى تحريرها، وإدراك اختلاف وظائفها، وبناء قدر من التعارف المفاهيمي بين الحقول.

وقد يكون من المفيد أن ننظر إلى وظيفة المفهوم نفسه. فإذا كان يؤدي وظيفة معيارية، فقد يكون للعلوم الشرعية حضور أكبر في ضبطه، أما إذا كان يؤدي وظيفة وصفية أو تفسيرية، فقد يكون للعلوم الاجتماعية مجال أوسع في بنائه.

لكن هذا لا يعني نقل المفاهيم من علم إلى آخر بصورة مباشرة؛ لأن الطرفين يحتاجان بالأساس إلى تجديد. فبعض المفاهيم الشرعية تعرَّض للاختزال، كما أن مفاهيم العلوم الاجتماعية ليست جميعًا على درجة واحدة؛ فبعضها تقني وإجرائي، وبعضها مُحَمَّلٌ بحمولات فلسفية تحتاج إلى قدر أكبر من النقد والتحرير.

ومن المسائل المفاهيمية كذلك تعدُّد التسميات: السياسة الشرعية، والفقه السياسي، وعلم الإمامة، والشرع السياسي، وغيرها. والسياسة الشرعية تعبير تراثي معروف، بينما الشرع السياسي تعبير معاصر فيما أعلم. ويمكن من حيث الاصطلاح التمييز بينهما، بحيث يُحيل الشرع السياسي إلى بناء الشريعة فيما يتعلق بالمجال السياسي، بينما تُحيل السياسة الشرعية إلى النظر الفقهي والتدبير السياسي.

وهنا تظهر أيضًا مشكلة ما يمكن تسميته بأمية التخصُّص. فقد أصبح التخصُّص الدقيق ينتج أحيانًا جهلًا بالحقول الأخرى. ولهذا نحن بحاجة إلى حوار العلوم والمعارف، بل إلى حوار أصحاب العلوم أنفسهم.

خامسًا- التربية البينية: من امتدادات هذا النقاش ما يمكن أن نسميه التربية البينية؛ فإذا كنا نتحدث عن البينية في المعرفة، فإن التربية نفسها تحتاج إلى هذا المنظور منذ المراحل المبكرة؛ بحيث تصل الدنيا بالآخرة، وتجمع حاجات الجسد والروح والنفس والعقل والقلب في بناء واحد، على أن يتم ذلك بدرجة تناسب كل مرحلة عمرية.

وقد يفرض الواقع أحيانًا الحاجة إلى استعادة بعض صور البينية بصورة خاصة، ومن ذلك اليوم العلاقة داخل الأسرة بين الرجل والمرأة، والحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى هذه الزوجية في إطارها الفطري والأسري المتكامل.

سادسًا- الإصلاح وفق فقه الموازنات: يُعد سؤال الإصلاح من الأسئلة المحورية في البيئات التي يعم فيها الفساد. وأعتقد أن التراث يقدم هنا منظورًا أكثر تركيبًا من الثنائية المبسطة بين المشاركة والاعتزال. فقد تناول ابن تيمية، في بعض فتاواه، العمل في مواقع يغلب عليها الظلم من زاوية الموازنات؛ فإذا كان بقاء الإنسان في موقعه يدفع مفسدة أكبر، ويمكنه من تحقيق قدر من الإصلاح، فإن هذا البقاء قد يكون أولى من الانسحاب.

ولهذا لا أرى أن مسألة الاتصال بالسلطة أو العمل داخل مؤسساتها يمكن أن تحسم بحكم مجرد واحد. فقد تعظم المصلحة من الاتصال في سياق، وتعظم المفسدة في سياق آخر، بحسب الزمان والمكان، والشخص نفسه، وطبيعة الموقع، ومن يتعامل معه. وهذه واحدة من المسائل التي تحتاج إلى فقه سياق وموازنة، لا إلى أحكام كلية مجردة.

سابعًا- دراسة التجارب السياسية المطبقة: أرى أهمية دراسة التجارب التي انتقلت من مستوى التنظير إلى مستوى التطبيق، لأنها تكشف ما لا تكشفه النماذج النظرية وحدها. ومن الأمثلة المهمة التجربة الإيرانية، التي تستحق الدراسة بعيدًا عن الأحكام الطائفية المسبقة. فالفكر السياسي الشيعي نفسه ليس كتلة واحدة، بل يضم اتجاهات متعددة، من ولاية الفقيه إلى ولاية الأمة على نفسها، فضلًا عن إسهامات محمد باقر الصدر وغيرها.

وهذا النوع من الخبرة مهم لأي دراسة بينية؛ لأن الفكرة حين تنزل إلى الواقع تصبح قابلة للاختبار والمراجعة. وبالمعنى العلمي نفسه، فإن حضور الدين في المجال السياسي داخل دولة الاحتلال يمثل أيضًا مادة تستحق الدراسة والتحليل من حيث تفاعل الديني مع مؤسسات الدولة والمجال العام، مع اختلاف السياق بطبيعة الحال.

ثامنًا- الفقه السياسي والقانون ومسألة الجمود: من أكثر مجالات البينية حضورًا العلاقة بين الفقه السياسي والقانون، ولا سيما القانون الدستوري، ولهذا تعمَّدت ألا أتوسَّع فيها؛ لكثرة ما كُتِبَ فيها ولقُرب المجالين من بعضهما. ولدينا محاولات مبكرة مهمة في هذا الاتجاه، مثل أعمال الشيخ عبد الوهاب خلاف وغيره في تقريب الشريعة وأصول الفقه من المجال القانوني.

أما مسألة الجمود، فأرى أن الجمود ليس تهمة للشريعة، وإنما هو وصف يمكن أن يُصيب الفكر عندما ينفصل عن الواقع. فأي فكر لا يجري في الحياة ولا يختبر في التنزيل سيُصيبه قدرٌ من الجمود، مهما كانت حيويَّته النظرية. ولذلك لا أرى أن طريق التجديد يكون بالقفز من القرآن والسنة مباشرة إلى الخبرة الإنسانية وتجاوز التراث. فالتراث نفسه هو حصيلة تفاعل المسلمين مع القرآن والسنة والواقع، ومن ثم ينبغي أن يكون موضوعًا للتقويم والمراجعة.

فإذا لم نجد فيه ما يجيب مباشرة عن بعض تحدياتنا المعاصرة، فهذا لا يعني تجاوزه، وإنما يدفعنا إلى البحث عن موطن الخلل: أين وقع؟ وكيف وقع؟ وكيف يمكن أن نستعيد من هذا التراث قدرته على التفاعل والتجدد والإسهام في بناء الواقع؟

________

______

د. محمود النفار

أستاذ جامعي فلسطيني متخصص في أصول الفقه والسياسة الشرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى