في خبرات البينية: التجسير بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية نموذجًا
تقرير اللقاء الثاني لمنتدى الحضارة (الموسم الثالث)

يأتي هذا التقرير لتوثيق أعمال اللقاء الثاني من “منتدى الحضارة” في موسمه الثالث، والذي عقده مركز الحضارة للدراسات والبحوث عبر (Google Meet) يوم السبت الموافق 25 مايو 2026. انعقد اللقاء تحت عنوان: “في خبرات البينية: التجسير بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية نموذجًا”، مستضيفًا الأستاذ الدكتور بدران بن الحسن، رئيس مركز ابن خلدون بجامعة قطر. ويُمثل هذا اللقاء -بمخرجاته ومداخلات الحضور- حلقةً حيوية ضمن مسار متراكم من الجهود المعرفية الساعية لتجديد بنية العلوم، وتفعيل دورها في معالجة أزمات الإنسانية المعاصرة، والانتقال بخطاب التكامل المعرفي من حيز الدعوة إلى حقل التشغيل والبناء الحضاري المشترك.
القسم الأول – الكلمات والمداخلات
أولًا – افتتاحية اللقاء
كلمة د. مدحت ماهر:
استهل د. مدحت ماهر كلمته الافتتاحية مرحبًا بأساتذته وإخوته في مسار طلب العلم الذي يسّر الله فيه نعمته. ورحب بجميع الحضور في اللقاء الثاني من الموسم الثالث لمنتدى الحضارة، وهذا الموسم ينعقد تحت عنوان: “البينية في المنظور الحضاري: بين العلم والحياة“. وهنأ د. مدحت الحضور بحلول العشر الأوائل من ذي الحجة التي تعبر عن الأمة وعن الإسلام دينًا ودنيا، مقدمًا في الوقت ذاته التعازي في فقدان الأستاذ د. خالد فهمي قبل ثلاثة أيام من اللقاء. ووصف د. فهمي بأنه أستاذ اللغويات والمفكر والأديب، وخبير المجمع اللغوي بالقاهرة، مشيرًا إلى أنه ترك ميراثًا إنسانيًا عده د. مدحت أهم من العلوم الإنسانية ذاتها. وأوضح أن د. خالد -رحمه الله- كان يتحرك متجسدًا بكل القيم التي يُتحدث عنها، تاركًا هذا الأثر العظيم إلى جانب ما تركه من علم وفكر وتعليم وطلاب، داعيًا الله عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، ويتقبله قبولًا حسنًا، ويجعل مثواه الجنة.
وانتقل د. مدحت للحديث عن موضوع اللقاء، مؤكدًا أنه موضوع مهم ومطروق منذ زمن بعيد، وتحديدًا منذ مجيء الإسلام بطبيعته التي تجمع بين الدين والدنيا، وتحوي العلاقة مع الله والإنسان والكون. وبيّن أن العلاقة بين علوم الشرع وعلوم الحياة والاجتماع والإنسان هي قضية قديمة طُرحت بأكثر من شكل في التراث الإسلامي، خاصة عند دخول علوم اليونان وغيرها، وكيفية استيعابها من منظور إسلامي. وأضاف أنه في العصر الحديث، ومع مجيء الصدمة الحضارية بشكل مختلف محملة بعلوم تشكلت في حضارة أخرى، واجه أبناء الأمة هذا التحدي منذ نحو مائتي عام ويزيد برؤاهم الخاصة في ذلك الوقت. وأوضح أن هذه الرؤى تطورت حتى مطلع القرن العشرين، حيث برزت رؤية أخرى ونضجت الأسئلة بشكل أكبر، وظهرت إجابات حدث حولها تدافع، وصولًا إلى النصف الثاني من القرن العشرين الذي شهد، في اعتقاده، إجابات أكثر نضجًا. وبناءً على ذلك، رأى أن مسار الوصل والضبط بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية يتطور نحو الأفضل مع مرور كل يوم وكل عقد، رغم ما يعتريه من تحديات ومشكلات في كل مرحلة.
ولفت د. مدحت إلى أن من أواخر هذه الإجابات جهود د. فتحي الملكاوي والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، منوهًا بأن محاضر اللقاء هو ممن خاضوا غمار هذه المسائل، خاصة خلال مرحلة حياته في ماليزيا بالجامعة الإسلامية العالمية. وتطرق في هذا السياق إلى مشروع “إسلامية المعرفة” وطرح مقولة “القراءتين”: قراءة في الوحي وقراءة في الوجود، وقراءة في الواقع وقراءة في الواجب. وشدد على الأهمية البالغة لحرف العطف “الواو” في هذه الثنائيات، مستدلًا على أهميتها وعمقها بمقولة ابن القيم المشهورة التي تؤكد أنه لا يمكن للحاكم أن يحكم، ولا للمفتي أن يفتي، ولا للقاضي أن يقضي، ولا للقائل أن يقول، ولا للناظر أن ينظر، إلا بنوعين من الفهم: فهم في حقيقة ما وقع، وفهم فيما يجب فيه، ثم تطبيق أحدهما على الآخر. وأشار إلى أن ابن القيم أورد هذه المقولة العظيمة في كتابه “إعلام الموقعين” وفي غيره من المؤلفات. وأكد أن هذا هو جوهر ما تتم مناقشته، مبينًا أن الأمر وصل إلى ظهور مقولات متعددة، منها “التوجيه الإسلامي” و”التأصيل الإسلامي” للعلوم الاجتماعية والإنسانية، ومقولة “إسلامية المعرفة”، ومقولة “التكامل المعرفي” التي يتبناها المخالفون أيضًا، وصولًا إلى مقولة أخيرة تبناها وعمل عليها المحاضر، وهي مقولة “التجسير”.
واستعاد د. مدحت ذكرياته قبل نحو خمسة وعشرين عامًا، حينما سمع د. نادية مصطفى تتساءل عن طبيعة العلاقة بين تلك العلوم المختلفة، حيث كانت تصفهما بأنهما يمضيان في طريق واحد ولكنهما في اتجاهين متقابلين؛ أحدهما ينطلق من الواقع باحثًا عن الواجب، والآخر ينطلق من الواجب أو الوحي والشرع ساعيًا للتعرف على الواقع. ونقل تساؤلاتها حول متى يلتقيان لتشكيل طريق واحد بوجهة واحدة، ومتى يتكون الباحثون القادرون منذ البداية على الجمع بين معرفة علوم الواقع والإنسان والمجتمع من جهة، وعلوم الشرع من جهة أخرى. وأوضح أن هذا هو الهدف ذاته الذي عمل عليه مركز الحضارة، مشيرًا إلى فكرة تبادل الأساتذة والمحاضرات بين الشرعيين والاجتماعيين. وسرد تجربته الشخصية منذ لحظة انضمامه لمركز الحضارة، حيث كانت “د. نادية” تراجع حينها، في عام 2001، مشروع دورة تستهدف باحثي العلوم الاجتماعية لتعريفهم بالعلوم الشرعية.
وبيّن أن هذا المشروع بدأ عام 2002 بسلسلة محاضرات هامة قدمها الشيخ علي جمعة، والتي تمخض عنها كتاب بعنوان “الطريق إلى التراث”، وهو كتاب يستند إلى مادة الشريعة ويستهدف باحث العلوم الاجتماعية لتمكينه من فهم المبادئ والأصول. وأضاف أن أعمال مركز الحضارة توالت في الجمع بين المشتغلين بالعلوم الشرعية والمشتغلين بالعلوم الاجتماعية، حيث استضاف المركز متحدثين في العلوم الشرعية ومبادئها، وفي المقاصد، إلى جانب تقديم دورات تأسيسية للشباب. وذكر أنهم وصلوا إلى ما سُمي بـ “دورة المنهجية العليا”، التي استضافوا فيها د. إبراهيم البيومي بوصفه باحثًا وعالمًا اجتماعيًا، في مقابل د. محمود عبد الرحمن، ليقدم كل منهما محاضرة أمام جمهور من باحثي العلوم الاجتماعية في الأساس. وأقر د. مدحت بأن المركز لم يقدم خدمات كبيرة للشرعيين بشكل مباشر، إذ إن جمهورهم الأساسي هو باحث العلوم الاجتماعية، دون أن يمنع ذلك استقبال بحوث العلوم الشرعية. ولفت إلى أنه منذ الدورة الأخيرة التي عُقدت بين عامي 2016 و2017، بدأ ينضم إليها باحثون من الجانبين، ليتناقش كل طرف من منطلق أرضيته المعرفية، مؤكدًا استمرار هذه الجهود الدائمة لإيجاد ما أسمته د. نادية مصطفى بـ “الطريق الواحد ذي الاتجاه الواحد”.
ثم قدم محاضر اللقاء، “الأستاذ الدكتور بدران بن الحسن”، رئيس مركز ابن خلدون بجامعة قطر، مشيرًا إلى كونه أستاذًا دكتورًا في الفلسفة ودراسات الحضارة. وسرد د. مدحت بعجالة قصة د. بدران منذ بداياته وحتى وصوله للحظة المتعلقة بالتكامل المعرفي وتجسير العلوم وعلاقتها بالعلوم الاجتماعية والإنسانية والنقد المعرفي الغربي، واصفًا هذه القصة بأنها تعبر عن المسار الذي أشار إليه سابقًا. وذكر أن د. بدران بدأ رحلته بدراسة الهندسة الإلكترونية، مشبهًا إياه في ذلك بأستاذه مالك بن نبي الذي كان مهندسًا، والذي يعد د. بدران اليوم من أحسن خلفائه. وأوضح أنه لم يكمل دراسته في الهندسة بعد أن أمضى فيها عامين.
وأضاف أن د. بدران لم ينتقل بعدها إلى العلوم الاجتماعية، بل توجه إلى العلوم الشرعية، ومنها انتقل إلى دراسة مالك بن نبي، مما فتح أمامه آفاق الفلسفة والحضارة والعلوم الاجتماعية. وأكد أن مساره لا يزال يتمثل في هذا الضفر والجدل المستمر بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية، وذلك وفق خط فكري “مالكي” يخضع للتطوير المستمر. وبناءً على ذلك، أشار د. مدحت إلى أنهأن المحاضر ألّف دراسات وكتبًا عن مالك بن نبي، تقارب الأربعين دراسة تدور حول فكره، بالإضافة إلى إسهاماته الكثيرة في مجالات مختلفة أخرى. واختتم د. مدحت تقديمه بالتأكيد على أن الحضور يقفون أمام شخصية تدير مشروعًا متخصصًا في هذا الشأن وتستعرض مجال التجسير بين علم الاجتماع والعلوم الإنسانية بتفصيل دقيق، ويمتلك من المعرفة ما يحتاج الجميع للتعرف عليه.
كلمة أ. د. نادية مصطفى:
بدأت د. نادية مصطفى كلمتها الافتتاحية بالترحيب بالدكتور بدران، مشيرة إلى أنها طالما سمعت عنه الكثير، إلا أن هذا اللقاء يُعد الأول بينهما، والذي يتم عبر الحدود والشاشات. وأعربت عن تشرف مركز الحضارة بهذا اللقاء الذي يتيح فرصة التواصل، والنقاش، وتنسيق الجهود المشتركة. وأشادت بتميز الضيف الكريم، والخبرات التي يتمتع بها، بالإضافة إلى إدارته لمركز مرموق يُشهد له بالحركة والنشاط وهو مركز “ابن خلدون” وبإنتاجه المتميز، لا سيما مجلة “تجسير” التي تتصل اتصالًا مباشرًا بموضوع اللقاء، موضحة أن مركز ابن خلدون سيكون نموذجه في قطر.
وأكدت د. نادية أن هذه الثلاثية تحمل دلالة بالغة الأهمية بالنسبة لموضوع ملتقى هذا العام حول “البينية”، والذي استُهل بلقاء تأسيسي عام في الشهر الماضي، كما أنها تحتل موقعًا رئيسيًا في هيكل ومضمون دورة الملتقى الثالثة وعنوانها الأساسي: “العلاقة ما بين العلوم الاجتماعية والإسلامية”. وأوضحت أنها تتحدث بعموميات لا تقتصر على خبرة مركز الحضارة أو غيره من المراكز، بل تركز على الهم المشترك الذي يسعى الجميع لمعالجته من مداخل متنوعة، والمتمثل في هذه العلاقة التي تُعد المستوى الأول من المستويات البينية المطروحة للنقاش، والتي يشرفهم فيها حضور د. بدران. وبينت أن هذه العلاقة تجسد في الوعي والتفكير أمرين رئيسيين لدى المهتمين بالوجود الحضاري للأمة، تراثًا وواقعًا، والذين يجتهدون في تأصيل هذه العلاقة. وأضافت أن هذه الحقيقة تعكس في جوهرها مأزقًا ذا جانبين يعيشه المعاصرون منذ عدة عقود، كما عاشه من قبلهم علماء وأساتذة.
وشرحت الأمر الأول المتمثل في مسار النكوص والتراجع التدريجي عن طبائع الأمور، موضحة أن طبيعة الأمور تقتضي أن تكون العلاقة بين العلوم الإسلامية والظواهر الاجتماعية والإنسانية والطبيعية حتمية وضرورية وفق المنظور الحضاري الإسلامي والرؤية الإسلامية للعلوم باختلاف مسمياتها. وأرجعت هذه الحتمية إلى طبيعة الرؤية للعالم، والنموذج المعرفي، والمناهج، وأدوات البحث والنظريات التي ترفض بمجملها “الثنائيات النكدة” التي ظهرت نتيجة التراجع الحضاري العام، وتحديدًا في مجال إنتاج العلوم، وبفعل هيمنة نموذج آخر. وأشارت إلى أن هذه الثنائيات نتجت عن فصل تعسفي، وليس مجرد تمييز بين مجالات العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية، وعلى رأسها العلوم الإسلامية أو الشرعية، مؤكدة أن مصطلح “الإسلامية” أوسع دلالة من “الشرعية”.
أما الأمر الثاني المقابل له، وهو مسار الارتداد عن هذا النكوص والعودة إلى طبائع الأمور، من خلال نقد ونقض النموذج السائد والمهيمن الذي أحدث هذا الفصل التعسفي بين أمور كان يجب أن تظل متصلة وإن جاز تمايزها. وأوضحت أن ظهور مفهوم “البينية” بدا وكأنه تطور وحدث جلل في حقل العلوم الغربية التي بدأت تراجع ذاتها. وطرحت د. نادية تساؤلات حول ماهية هذا المسار وكيفيته، مبينة أنه على الصعيد الحضاري الإسلامي يجري البحث بجد لاستعادة العلاقة بين العلوم الشرعية والاجتماعية، في حين يسعى الآخرون للبحث عن العلاقة بين الظواهر الاجتماعية السلوكية الوضعية، وبين ما يطلقون عليه قيمًا أو ثقافة أو دينًا، حتى وإن كان ذلك من منظور علماني. وأشارت إلى أن اللقاء يستضيف أحد الأساتذة المتميزين الذي يحمل في جعبته الكثير ليقدمه حول قصة “البينية”، والتي ترى د. نادية أنها لا تقتصر على قصة واحدة، بل تتعدد قصصها ومساراتها على صعيد الحضارة الإسلامية من جهة، وعلى الصعيد الأكاديمي والمعرفي في الحضارات الأخرى من جهة أخرى.
كما استحضرت ذكرى أستاذها د. عبد المجيد فراج، رحمه الله -أستاذ الإحصاء التطبيقي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- الذي درّسها في عامها الجامعي الثاني، والذي شرفهم بالحضور في بداية الألفية الثالثة خلال الإعداد لمشروع “الأمة في قرن” الذي أصدره المركز عام 2002. وذكرت أنه كان يطرح تساؤلًا حول أيهما أصعب: الذهاب بعالم الاجتماع والعلوم الإنسانية إلى العلوم الشرعية، أم الإتيان بأصحاب العلوم الشرعية إلى العلوم الاجتماعية؟ موضحة أنه لم يكن يبحث في درجة الصعوبة فحسب، بل كان يبحث في الأفضلية والملاءمة والجدوى المتطلبة في تلك المرحلة. وأضافت أن هذا النقاش دار منذ خمسة وعشرين عامًا، حيث طلب منها د. فراج الإدلاء برأيها بصراحة، واصفة إياه بأنه كان إنسانًا حضاريًا بفطرته دون أن تتمكن من تصنيفه تحت مسمى إسلامي أو غير إسلامي، وقد كان يرى أن الذهاب للمتخصصين في العلوم الشرعية أسهل من استقطابهم إلى مجال العلوم الاجتماعية. وعقبت بأن الخبرات قادرة على تقديم إجابات متباينة حول هذا الطرح، مستشهدة بجهود أساتذة كبار كتبوا حول مداخل هذه العلاقة، مثل الراحل د. جمال عطية، والدكتور فتحي الملكاوي الذي يتمتع بإسهامات بارزة في هذا الصدد. وأكدت أن المسميات تعددت بين التكامل، والعلاقة، والتجسير، وغيرها، إلا أنها تصب جميعًا في المسار ذاته.
وأكدت د. نادية أن لمركز الحضارة مدخله الخاص، غير أنهم يتكاملون ويتحاضنون مع كافة المداخل الأخرى المتنوعة؛ إيمانًا منهم بالشراكة في الهم والهمة المعرفية والعلمية والفكرية بهدف تجديد قوى الأمة وتحقيق نهوضها الحضاري. وأوضحت أن هذا السعي ينطلق من آثار الأزمات المعرفية والعلمية والفكرية، وليست المادية فحسب، التي أبعدت الأمة عن مسار دورها الحضاري العالمي، مشددة على أن البداية دائمًا تنطلق من العلم والمعرفة. واعتذرت في ختام كلمتها عن الإطالة التي اشتركت فيها مع د. مدحت، مبررة ذلك بقدر الضيف وأهمية المركز الذي يمثله وحيوية الموضوع المطروح. ووصفت الحاضرين جميعًا بأنهم في سفينة واحدة يمسك كل منهم بمجداف، آملة أن يثمر هذا التواصل خيرًا، ومؤكدة على أهمية إيصال هذه الأفكار لأصحاب العمليات العلمية والنقدية لتقديم إسهام جديد يشارك في الخبرة الإنسانية والحضارية العالمية. وأعربت عن رجائها في القدرة على رفع الصوت أكثر ومد جسور التوصيل بعد إرساء جسور التواصل بين الجميع.
ثانيًا – الكلمة الأساسية للدكتور بدران بن الحسن:
“في خبرات البينية: التجسير بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية نموذجًا”
استهل د. بدران بن الحسن كلمته بتحية للأستاذة الدكتورة د. نادية مصطفى، والأستاذ الدكتور فتحي الملكاوي، ود. مدحت ماهر، وكافة الأساتذة الحاضرين في الجلسة. وعبّر د. بدران عن شعوره بأن المتحدثين قبله قد أشادوا به كثيرًا، بينما هو يعتبر نفسه ثمرة لجهد مدرسة كبيرة تتمثل في مدرسة “إسلامية المعرفة” التابعة لـ “المعهد العالمي للفكر الإسلامي”. وأشار إلى أنه اعتمد على مؤلفات د. نادية مصطفى، ورغم أنه لم يحظَ بشرف الجلوس إليها مباشرة، مرجحًا أن الرابط الروحي بينهما كان د. سيف عبد الفتاح، إلا أن من حسنات التكنولوجيا التي أوصلت كتب د. نادية مصطفى إليه قبل أن يتشرف باللقاء بها شخصيًا.
وأكد على أنه بغض النظر عن الاسم؛ سواء كان تجسيرًا، أو بينيةً، أو تكاملًا، فإن الجميع يركبون سفينة واحدة ويستعملون مجاديف متعددة. وأوضح أن الحوار والنقاش يزيدان من التقارب ووضوح الأفكار، ويؤديان إلى نوع من التركيب الإبداعي للجهود كافة؛ بهدف الانتقال إلى خطوة عملية أكثر إنتاجية من أجل الأمة. وبيّن أن هذا التوجه يهدف أيضًا إلى تطوير بنية العلوم الاجتماعية على وجه الخصوص، والعلوم الإنسانية في العالم العربي الذي يعاني من التبعية لمعطيات المعرفة المعاصرة.
ونوّه بأن كلمته تنبني على جهود مركز ابن خلدون وما تم إنجازه فيه، معربًا عن رجائه في أن يستفيد المركز هو الآخر من الملاحظات التي ستطرح خلال النقاش الذي سيتلو عرضه لتلك الإنجازات وتصوره للأمور. وأمل أن يدفعهم ذلك لخطوة إلى الأمام، بحيث ينتقلون من مجرد الحديث عن البينية إلى الممارسة الفعلية وبناء نموذج يمكن من خلاله تحقيقها، موضحًا أن البينية في ذاتها ليست مقصودة لذاتها، بل القصد هو تحقيق التكامل المعرفي.
وحدد د. بدران مسار حديثه ببدئه في تناول الموضوع من خلال عدة نقاط؛ تشمل مفهوم سؤال البينية، ومفهوم النموذج والبينية في العلوم الشرعية، يليه واقع البينية من خلال مشروع مركز ابن خلدون وتطبيقاته سواء في المشاريع البحثية أو المجلة أو الفعاليات، وصولًا إلى التساؤل حول الخطوات المستقبلية وماذا بعد.
وفيما يتعلق بالبينية، بيّن أنه في تصوره أصبح الحديث عنها “موضة” كبيرة في العقود الأخيرة، وباتت من أكثر المفاهيم تداولًا، وأن هذا التداول لا يأتي بوصف البينية اتجاهًا منهجيًا مستحدثًا، بل بوصفها استجابة معرفية عميقة لأزمة المعرفة المعاصرة؛ ولا سيما ما يتعلق بتغول التخصصات في مقاربة الظواهر الإنسانية والاجتماعية التي تتسم بطبيعة متداخلة ومركبة.
ولفت إلى أن الواقع المعاصر، بتسارع تحولاته وتشابكاته المعيشة، أظهر أن العديد من القضايا في الحقيقة لا يمكن دراستها وفهمها ومعالجتها انطلاقًا من حقل معرفي واحد، مهما بلغ هذا الحقل من التطور والدقة. وأشار إلى أنه أثناء إنجاز مركز ابن خلدون لمشروع الدراسات البينية في أبحاث الأساتذة بجامعة قطر، وعقب المؤتمر الخاص بالدراسات البينية للعلوم الاجتماعية في الجامعات العربية، تبين لهم أن الأزمة في جوهرها ليست أزمة موضوعات، بل هي أزمة نموذج معرفي. وفسر ذلك بأنها أزمة تتعلق بكيفية النظر إلى المعرفة، وكيفية التركيب بين التخصصات، وكيفية توظيف أدواتها من أجل الخروج من التجزئية وتحقيق التكامل والوصول إلى نتيجة مدمجة.
واعتبر أن من التحديات الأساسية هو تكريس منطق التخصص الصارم في كثير من الجامعات، والذي نتج عنه تجزئة للمعرفة وانغلاق سواء في الحقل المعرفي ذاته، أو في أدواته المفاهيمية، أو في طرق إنجازه للبحوث. ونتيجة لذلك، أوضح أنهم في مركز ابن خلدون حاولوا طرح البينية ليس بوصفها أمرًا تكميليًا للتخصص، بقدر ما هي ضرورة معرفية فرضتها طبيعة المعرفة ذاتها، ولا سيما في الزمن المعاصر.
واستشهد د. بدران بإشارة سابقة للدكتور فتحي الملكاوي خلال حضوره مؤتمرهم حول البينية في العلوم الاجتماعية في العالم العربي؛ حيث لاحظ أن هناك حديثًا واسعًا في العالم العربي عن البينية، إلا أنه غير مصحوب بوضوح مفاهيمي أو نضج معرفي مكافئ. وأضاف أن تعدد التعريفات والمقاربات أفضى في الحقيقة إلى حالة من الإرباك المعرفي حول معنى البينية، وحدودها، ومعاييرها، فضلًا عن إشكالية التمييز بينها وبين المفاهيم القريبة منها.
وبناءً على ذلك، ذكر أنه عند إنجاز المركز لدراسته بالتعاون مع فريق بحثي ضم باحثين من المركز ومن كليات أخرى، خلصوا إلى وجود إرباك نظري فعلي وخلط في مستويات البينية. كما رصدوا اختزالًا للبينية في مجموعة من الإجراءات الشكلية التي لا تمس منطق إنتاج المعرفة ولا بنيتها العميقة، وهو الأمر الذي توافق مع ما أشارت إليه د. نادية مصطفى في كلمتها الافتتاحية.
وانطلاقًا من ذلك، طرح المحاضر سؤالًا بهدف الانتقال من مستوى الحاجة إلى مستوى التوجيه، مبينًا أن السؤال المركزي لم يعد يدور حول مدى الحاجة إلى البينية؛ لكونها حاجة واضحة ومتفقًا عليها في الوسط العلمي. بل رأى أن السؤال الأعمق هو: ما البينية التي نريدها؟ وبأي منطق معرفي نمارسها؟ ولأي غاية حضارية نوظفها؟ وأكد أن هذا التساؤل لا ينفصل عن سؤال الرؤية المرتبط برؤية المعرفة ووظيفتها، وصلتها بالإنسان وبالمرحلة الحضارية التي تعيشها الأمة.
وأوضح أن مركز ابن خلدون يستدعي البينية في أكثر من مجال؛ سواء من خلال السعي لتعميق المعرفة بحثيًا عبر مجلة “تجسير”، أو من خلال تحويلها إلى مشروع معرفي نقدي يتجاوز القطيعة بين العلوم، ويُعيد وصل المعرفة بإطارها الفلسفي وبنموذجها التطبيقي عبر إحداث نقاشات تفاعلية. وأشار في هذا السياق إلى مؤتمر “تجسير” السنوي الذي يُختار له سنويًا موضوع يُعالج من منظور تجسيري بيني؛ بهدف بث الفكرة بين الباحثين وتلقي إجابات أو محاولات للإجابة عن تلك الأسئلة. وأعلن بناءً على ما سبق أنه سيتناول البينية في كلمته بوصفها سؤالًا معرفيًا وحضاريًا مركزيًا يرمي لتحقيق التكامل.
وعلى الصعيد المفاهيمي، أشار د. بدران إلى أن المراجعة التي أنجزها الفريق البحثي بيّنت أن مفهوم البينية ليس أحادي الدلالة، بل هو مفهوم تعددي تتراوح دلالاته بين التعاون بين التخصصات، إلى الاندماج المنهجي، إلى التجاور المعرفي، وذلك وفقًا للمسميات الواردة في الأدبيات البحثية. ولاحظ أن هذا التعدد المفاهيمي، في ظل غياب ضبط معياري ونظري جامع مانع، أدى إلى صعوبة بلورة تعريف إجرائي دقيق يساعد الباحثين على تطبيق البينية في بحوثهم للخروج بمعرفة تكاملية.
وأضاف أنه فضلًا عن غياب النموذج المرجعي، يوجد عدد هائل من النماذج غير المتفق عليها لقياس درجة تحقق البينية في الأبحاث. وأكد أن الدراسة تُثبت أن الإشكال لا يقتصر على التعدد المصطلحي، بل يرتبط بطبيعة التحولات التي مست فلسفة العلم ذاتها، حيث لم يعد بالإمكان النظر إلى التخصصات العلمية كجزر مستقلة، بل كحقول متداخلة تتفاعل فيما بينها، مشددًا على أن هذا التفاعل مركزي جدًا للخروج من التجزئية.
وبناءً على ذلك، أوضح المحاضر أن البينية في معناها العميق، كما رآها الفريق البحثي، هي محاولة معرفية مركبة تهدف إلى إنتاج معرفة جديدة تتجاوز المقاربات الجزئية، وتكسر العزلة بين التخصصات، وتعيد تشكيل رؤية أو نظرة تركيبية للظواهر في كليتها وتعقّدها وتشابكها. وبيّن أن هذا التوجه البيني ليس بدعًا من اجتهادات مركز ابن خلدون، بل يبني على الكثير من الجهود الموجودة في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية الساعية للخروج من التجزئية.
واستدرك موضحًا أن ما يميز الجهد المنجز في مركز “ابن خلدون” هو الانطلاق من مراجعة نقدية؛ حيث دخلوا على أدبيات البينية مدخلًا نقديًا يحذر من الانزلاق نحو التعامل معها بوصفها مجرد إجراء تقني أو مطلب شكلي في البحث العلمي. وفسر ذلك بأن اختزال البينية وتحويلها إلى إجراء مجرد من الخلفية الفلسفية أو النموذج التفسيري، يؤدي إلى إفراغها من بعدها النقدي والتحويلي، وهو البعد الذي يحول المعرفة من قطائع إلى تكامل، ويجعلها ممارسة منهجية تهدف إلى إنتاج معرفة أصيلة.
ومن هذا المنطلق، أشار د. بدران إلى إلحاح مشروع مركز “ابن خلدون” على ضرورة الانتقال بالبينية من كونها أداة إلى كونها رؤية معرفية تعيد التفكير في العلاقات بين التخصصات، وفي طبيعة الأسئلة المطروحة، وفي وظيفة المعرفة ذاتها داخل المجتمع. وذكر أن هذا المشروع يلتقي في هذا السياق مع رؤية مركز “ابن خلدون” ذاته، والذي تأسس على النموذج الخلدوني المنطلق من رؤية تكاملية بين العلوم.
وأكد أن المركز يجعل من البينية مدخلًا لإنتاج أطر تفسيرية جديدة تنبثق من السياق العربي الإسلامي في جانبه المعرفي، وتكون قادرة على التفاعل النقدي مع النقاشات الدائرة في حقل المعرفة المعاصرة. ولخص المحاضر أن البينية، كما يتصورها مشروعهم، تمثل تحولًا بنيويًا في منطق المعرفة، يفتح المجال للانتقال لاحقًا من مجرد البينية إلى أفق يؤسس لتجسير معرفي يُنتج تكاملًا، كما سيتضح في تطبيقاتهم داخل العلوم الشرعية، والبينية بينها وبين العلوم الإنسانية والاجتماعية.
وكشف أنه من خلال دراسة ميدانية أجراها المركز على بحوث الأساتذة، والأوراق المقدمة في مؤتمراته، تبين أن العلوم الشرعية تمثل أحد أكثر الحقول القابلة للمقاربة البينية. وأرجع ذلك إلى أن طبيعة العلوم الشرعية تميزت تاريخيًا بتداخل معرفي وتكامل منهجي بين علوم متعددة؛ سواء العلوم المِلِّيَّة أو العقلية بمصطلح ابن خلدون. وأوضح أن التجربة الإسلامية التراثية، كما تبرزها كتب تصنيف العلوم وكتب منهجية الاجتهاد، لم تقم على الفصل الصارم بين المعارف، بل على التداخل فيما بينها.
لكن د. بدران استدرك مبينًا أن دراستهم وصلت إلى نتيجة أخرى مفادها أن هذا الرصيد التكاملي التراثي لم يتحول إلى ممارسة بينية في السياق الحديث. وأشار إلى أن العلوم الشرعية اليوم، أسوة بغيرها من الحقول، تأثرت بنموذج الجامعة الحديثة الذي فرض منطق التخصص الدقيق، والتقسيم المؤسسي الصارم، ومعايير التقييم الأحادي. ولاحظ أنه ربما في مناهج صياغة مقررات العلوم الشرعية اليوم وإخضاعها لدرجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه بطريقة العلوم الأخرى، فقدت هذه العلوم ذاتيتها وهويتها وصُبّت في قالب غير قالبها، متخلية عن صفتها المعيارية لتتحول إلى نوع من العلوم القابلة للتسويق ضمن منطق السوق.
وأكد أن هذا التحول أفضى إلى فجوة بين التداخل المعرفي التراثي وبين الممارسة المؤسسية المعاصرة. وأوضح أن هذه الفجوة
لا تعكس أزمة داخل العلوم الشرعية ذاتها في أصلها، بقدر ما تعكس أزمة في شروط إنتاج المعرفة الشرعية داخل منظومة البحث والتدريس والتكوين الجامعي الحديث.
وذكر المحاضر أنه من خلال المقابلات التي أُجريت مع الكثير من الأساتذة، وتحليل بحوث أساتذة الكليات الشرعية، اتضح أن وعي أساتذة العلوم الشرعية بمفهوم البينية حاضر من حيث المبدأ، ويقرون بحتمية التكامل بينها. غير أنه لفت إلى أن هذا الوعي لا ينعكس دائمًا في ممارسات بحثية مُؤَسَّسَة، ولا سيما فيما يخص البينية بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية الأخرى. وأرجع د. بدران ذلك إلى سببين؛ أولهما وأساسهما يتعلق ببنية البرامج الشرعية المعاصرة في صياغتها، وثانيهما يعود لمجموعة عوائق من خارج حقل العلوم الشرعية كالعوائق المؤسسية الخاصة بالنشر والترقية، والخوف من فقدان الهوية التخصصية، وغياب نماذج معيارية واضحة لتقويم البحث البيني الشرعي في تواصله مع حقول المعرفة الأخرى.
وبيّن المحاضر أن هذا الوضع أدى إلى حالة من “الانكماش المنهجي”؛ حيث تُختزل البحوث الشرعية غالبًا في مقاربات داخلية بين الحقول الشرعية فقط، حتى وإن تناولت موضوعات معقدة ذات طبيعة اجتماعية أو واقعية كقضايا الأسرة والاقتصاد والفتوى المعاصرة والنوازل. وشدد على أن هذه القضايا لا يمكن دراستها بمعزل عن تفاعل حقيقي مع مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة استمدادًا ونقدًا وإمدادًا، موضحًا أن العلوم الشرعية ينبغي أن تَستمد، كما يجب عليها أن تُمِد في الجانب المعياري العلومَ المعاصرة التي تكاد تفقد بُعدها الإنساني والقيمي.
وانطلاقًا من ذلك، نقل د. بدران تأكيد دراستهم على أن البينية في العلوم الشرعية تُمثل شرطًا علميًا لتحرير الفهم الشرعي من التجزئية، ولتعزيز قدرته على استيعاب الواقع وتحولاته بغية إنتاج معرفة تكاملية، حتى لا يبدو الباحث الشرعي المعاصر وكأنه يُنشئ أرشيفًا بدلًا من إنتاج معرفة تواكب يومنا.
وأشار إلى أن تشخيص مشروعهم يلتقي مع كثير من البحوث المنشورة في مجلة “تجسير”، التي دعت للانتقال من حالة التجاور المجرد بين العلوم الشرعية والاجتماعية والإنسانية إلى نوع من التجسير المنظم الذي يقتضي تفاعلًا بين الحقول، وحوارًا منهجيًا، وتكاملًا للأدوار مع احترام التخصصات. وعلل ذلك بأن البينية لا تتحقق في ظل ضعف الباحث في تخصصه الأصلي، مؤكدًا أن إتقانه يُعد مدخلًا منهجيًا هامًا لتحقيق التكامل مع بقية الحقول.
وخلص د. بدران إلى أن إشكالية البينية بين هذه الحقول لا تكمن في الاستعداد المعرفي، بل هي إشكالية مؤسسية، معلنًا وضعهم لنموذج أسموه “نموذج حوكمة ورؤية مؤسسية”. ويهدف هذا النموذج لقياس تحقق البينية لتجنب تمييع التخصصات، على أن تتبناه رؤية مؤسسية تدعم البحث البيني، مما يفتح الباب للانتقال من التشخيص إلى التفكير في نماذج مؤسسة للتجسير المعرفي.
وفي سياق تطبيقي، استعرض المحاضر عينة “واقع البينية” في جامعة قطر، مقسمًا الأمر إلى مرحلتي ما قبل عام 2025 وما بعده. وأشار إلى أن نتائج الدراسة المنجزة على مدار سنتين أظهرت وجود فجوة واضحة قبل عام 2025 بين الوعي النظري المتزايد بأهمية البينية، وبين حضورها المحدود في الممارسة البحثية المؤسسية المنظمة بعيدًا عن المبادرات الفردية. وأوضح د. بدران ارتباط هذه الفجوة بعوائق بنيوية؛ أبرزها هيمنة التخصص الدقيق في أنظمة الترقية والتقويم والنشر، وغياب نماذج معيارية واضحة لقياس البحوث البينية، مؤكدًا أن الأمر يتجاوز مجرد رصف المصطلحات أو المراجع ليتطلب نموذجًا معينًا.
ولفت إلى أن عام 2025 مَثَّل منعطفًا مؤسسيًا هامًا عقب اكتمال المشروع البحثي وتقديم التوصيات، حيث أطلقت الجامعة “برنامج منح العلوم الإنسانية والاجتماعية البينية” الذي يندرج تحته الشرعي أيضًا، ورُبطت مشاريعه بالقضايا المجتمعية ذات الأولوية. ونصت الإعلانات الرسمية على إعطاء الأولوية للمراكز البحثية، وأهمية شمول المشاريع لتخصصات متعددة وانخراط الباحثين فيها، وهو ما اعتبره المحاضر دلالة على تطور الإدراك المؤسسي والانتقال نحو دعم البينية وتطوير المقاربات وتشكيل الفرق بفضل الدعم الكبير المقدم. وكشف أن مركز ابن خلدون يمتلك ثلاث محاولات لتحقيق البينية وتعميقها، خاصة لتركيزه على العالم العربي وتطوير بنية العلوم الإنسانية والاجتماعية فيه. وتمثلت هذه المحاولات في “مجلة تجسير”، و”مؤتمر تجسير” السنوي، ومشروع “النموذج المعياري لتحقيق البينية في المقررات”.
وفيما يخص مجلة “تجسير”، أوضح أنها تجسيد عملي ومؤسسي لمفهوم التجسير المنشود ومختبر لاختبار المقاربات العابرة للعلوم لمعالجة القضايا من أجل التكامل. وبيّن أن هيئة التحرير لاحظت غيابًا للشق التطبيقي في معظم البحوث الواردة رغم تأسيسها النظري الجيد، مرجعًا ذلك لغياب النماذج التي توضح كيفية التطبيق الميداني في مختلف العلوم شرعية كانت أم اجتماعية.
وأكد أن المجلة لهذا السبب تشترط في مقالاتها أن يكون السؤال البحثي ذاته بينيًا، وأن تُعالج القضايا من زوايا متعددة تتفاعل تحليليًا، مع التركيز على قضايا الأولوية كالأخلاق التطبيقية والهوية والتحولات الرقمية وغيرها. واعتبر المجلة نوعًا من المأسسة للبحث البيني سعى من خلالها المركز لتدريب الباحثين وإحداث تراكم معرفي يمهد لبناء نموذج ينتج معرفة تكاملية.
كما تطرق د. بدران إلى مؤتمر “تجسير” السنوي بوصفه فضاءً للحوار والتكامل البحثي يستقطب الباحثين من مختلف الجامعات العربية لمناقشة قضايا مشتركة، محولًا البينية إلى نقاش جماعي مؤطر. وشدد على أهمية المؤتمر في تنظيم جلسات حوارية تُبرز نقاط الالتقاء والاختلاف المنهجي، وتُفرز أسئلة تُؤسس لتلاقح معرفي يُعمق البينية.
وأشار المحاضر كذلك إلى مشروع “النموذج المعياري للمقررات البينية”، استجابةً لملاحظتهم أن مقررات كثيرة ذات طبيعة بينية لم تُبنَ بوضوح لغياب المعايير والأطر التي تضبط تصميمها وتحدد معايير تكاملها.
وأوضح أن هذا النموذج يربط البينية بمعايير تشمل وضوح الإشكال، وتكامل المداخل النظرية، وتوازن الحقول المشاركة، وانعكاس ذلك على المخرجات لإنتاج معرفة مدمجة. وأكد أن النموذج ينقل البينية إلى مستوى بناء كفاءات واعية لدى الطلبة في مراحل دراستهم المختلفة، معربًا عن أمله في تعميق هذه التجربة الناشئة مستقبلًا.
وفي ختام كلمته طرح عنوان “نحو رؤية حضارية إسلامية للبينية والتجسير”، معللًا ذلك بأن الانتقال للتجسير المعرفي يظل ناقصًا دون الغاية الحضارية منه، وما إذا كان مجرد تحسين للبحث الأكاديمي أم مدخلًا لإعادة بناء بنية العلوم الإنسانية والاجتماعية في السياق العربي الإسلامي لانتشالها من التجزئية. وبيّن أن هذه الرؤية تنطلق من مسار نقدي مزدوج.
وأوضح أن المسار النقدي الأول ينصب على نقد بنية العلوم الاجتماعية المعاصرة المشكلة في المركزية الغربية، القائمة على فصل صارم بين القيم والواقع والإنسان وغاياته، محذرًا من نقل العلوم ببنيتها الفلسفية الغربية دون إخضاعها للرؤية الحضارية الإسلامية.
أما المسار النقدي الثاني، فيتوجه لنقد أداء العلوم في العالم العربي التي أعادت إنتاج النموذج التجزئي الغربي دون امتلاك شروطه، مما قلّص إسهام الجامعات العربية وجعل تأثيرها المجتمعي محدودًا أو عكسيًا بسبب اغتراب رؤيتها ومناهجها.
وفي المقابل، اقترح توجيه البينية لتطوير بنية العلوم الاجتماعية في رؤيتها وفلسفتها وتطبيقاتها لجعلها أقدر على فهم المجتمعات العربية بتركيبتها المختلفة، لتكون البينية مدخلًا لتجاوز التجزئية وربط البحث بالرؤية والقيم وغايات الأمة.
وشدد د. بدران على أن استحضار المرجعية الحضارية ليس استدعاءً هوياتيًا دفاعيًا أو عيشًا مصمتًا في التراث، بل استرجاع نقدي لأصالة المعرفة الإسلامية المتميزة تاريخيًا بطابعها المركب الذي لم يفصل بين الاجتماع والأخلاق والواقع والقيم. وأكد أن هذا يجعل التراث سندًا لتجديد العلوم بمنطق تكاملي نقدي لا تلفيقي.
وفي ختام كلمته، أقر بأن الجهد لا يزال في بداياته، معلنًا السعي في الخطوة القادمة للمركز لبناء نموذج يحقق معرفة تكاملية فعلية. وتطلع لتحقيق ذلك بالتعاون مع المؤسسات العريقة كمركز الحضارة والمعهد العالمي للفكر الإسلامي وبقية المراكز الموافقة لرؤيتهم، للاستفادة من ثراء تجاربهم لتعميق المشروع.
تعقيب أ. أحمد خليفة منسق اللقاء:
“عقب أ. خليفة -منسق المنتدى- شاكرًا د. بدران على كلمته التي طاف فيها حول البينية في مركز ابن خلدون بقطر، وانطلق من سؤال مهم جدًا: “أي بينية نريد؟” فالمسألة ليست في مطلق البينية أو تطبيق البينية ذاتها بين العلوم أو بين التخصصات، ولكن في الوجهة المعرفية والحضارية لهذه البينية، التي يجب أن تنطلق من الجمع بين القيمي والحضاري بتجاوز المعرفة الجزئية، وتقديم رؤية تكاملية شاملة للظواهر. وذكر أنهم انطلقوا من خبرة مشروع بحثي كبير حول البينية في بحوث أساتذة جامعة قطر في العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية، وكانت أبرز النتائج أنه لا يوجد مقياس حول البينية في المقررات أو في البحوث؛ ومن ثم جرى الجهد على كيفية تقديم نموذج ومقياس للبينية يجمع بين متغيرات مختلفة تحقق تكامل المعرفة.
ثم افتتح مساحة المداخلات والمشاركات الخاصة بالحضور.
ثالثًا – مداخلات الحضور
(1) مداخلة د. فتحي الملكاوي:
استهل د. فتحي الملكاوي مداخلته مقدمًا شكره الجزيل للدكتور بدران، ولمركز الحضارة، وللدكتور مدحت ماهر والدكتورة نادية مصطفى، داعيًا الله أن تكون هذه الجهود مباركة وتتكامل في توجيه دفة السفينة. وذكر أنه من التوفيق، أنه حدد ذات يوم في ورقة المسميات المختلفة المطروحة كالتكامل والأسلمة والتأصيل والتجسير وما إلى ذلك، حيث رسم صورة سفينة أو قارب يحتوي على ثمانية مجاديف بألوان مختلفة ولكن بنفس الحجم. وأوضح أن من يحرك هذه المجاديف هم ثمانية أشخاص بملامح مختلفة؛ شيخ أزهري، وشيخ بعمامة غير أزهرية، وشيخ بغترة بيضاء، ورجل “أفندي” بربطة عنق حمراء، ورجل ملتحٍ بربطة عنق كذلك، وما إلى ذلك، مبينًا أن هؤلاء الأشخاص الثمانية يتحركون بثمانية أزواج من المجاديف على بركة قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾.
ووعد د. الملكاوي بالبحث عن هذه الصورة وإرسالها للدكتور بدران، وانتقل د. الملكاوي إلى نقطة أخرى، مؤكدًا أن المحاضرة كانت غنية ومفيدة جدًا في التعريف بجهود مركز ابن خلدون، وفي الوعد بما سيأتي من جهود لاحقة تستكمل وتبني على سابقتها. إلا أنه لفت الانتباه إلى أن الحديث لا يزال إلى حد كبير مستغرقًا في البعد المعرفي والمفاهيمي، مضيفًا أن هذا البعد يتناول صورًا من النقد لغياب الأبعاد القيمية في العلوم الاجتماعية الغربية، ويشمل في الوقت نفسه نقدًا لغياب الأصالة في الإنتاج العربي الإسلامي في هذا الميدان.
وأشار د. الملكاوي إلى النقطة الثالثة التي تناولها د. بدران والخاصة بموضوع “النموذج المعرفي” الذي طُور في المركز، معربًا عن أمنيته في معرفة تفاصيله وماهيته، حيث أوضح أنه اجتهد في محاولة تلمس ما يلزم القيام به لتطوير النموذج المعرفي. وأكد أن الأساس في تطوير هذا النموذج ليس مجرد الحديث عنه، بل السعي لتطوير مشروعات بحثية تقوم على التجسير، وتُفعّله، وتمارسه في الواقع. وبيّن أن النموذج الذي ستقود إليه هذه البحوث لن يظهر بصورته الكاملة أو يُبنى دفعة واحدة، فالمسألة ليست قفزة، بل هي عملية نمو وتطور تستوعب خبرات وتجارب متعددة للوصول إلى صيغة مناسبة تفيد الدارسين والباحثين، وتُمكّنهم من البناء على هذا النموذج المبدئي التجريبي وممارسة عملية التطوير فيه. وشدد على أن بناء النموذج لن يبدأ دون ممارسة نوع معين من النماذج التجريبية التي يقدمها أو يوحي بها الأساتذة ذوو الخبرة في الممارسة العملية لهذا الموضوع، ضاربًا المثل بالدكتور بدران والدكتورة نادية وغيرهما.
وطرح د. الملكاوي تساؤلًا حول الغاية من كل هذا العمل، مجيبًا بأن الأساس هو الرغبة في أن يكون البعد الحضاري المستهدف قادرًا على منح الأكاديمية العربية الإسلامية حضورًا في واقع العالم. وأكد أن الهدف ليس مخاطبة الذات فحسب، فبالرغم من أهمية بناء صرح حضاري خاص بالأمة، إلا أن الغاية هي أن يكون هذا البناء محاولة لإنقاذ الإنسانية المتعبة والمرهقة، التي تتطلع إليهم لتقديم ما عجزوا عن تقديمه خلال القرون الأخيرة. واختتم د. الملكاوي مداخلته معربًا عن أمله في المسارعة نحو وضع مشاريع بحثية تمارس التكامل المعرفي والتجسير، بدلًا من الاستمرار في الاستغراق في الحديث عن البعد المعرفي والمفاهيم، آملًا أن تقود المرحلة الأولى من هذه المشاريع إلى مرحلة ثانية أكثر نضجًا، تتلوها مرحلة ثالثة وهكذا.
(2) مداخلة د. كريم حسين:
بدأ د. كريم حسين مداخلته بالتأكيد على أن العلاقة بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية، أو غيرها من العلوم، تُعد مسألة ضرورية للغاية. وعلل ذلك بأن العلوم الشرعية المستندة إلى القرآن الكريم الذي نزل به الروح الأمين على النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما يتعلق بعلوم الأحاديث، تحمل حكمة مطلقة. ومن هذا المنطلق، رأى حتمية دوران العلوم الأخرى حول هذه الحكمة المطلقة، مبينًا أن أي اكتشاف في أي علم آخر من شأنه أن يستفز في الباحثين الرغبة لاكتشاف جواهر الأصول الموجودة في الدين الإسلامي.
وأوضح أن التحدي الحقيقي يكمن في أن هذه العلوم جاءت في الأصل ليتم تفعيلها على أرض الواقع، بالإضافة إلى أن الوحي كما ورد في القرآن الكريم جاء فيه ما هو للتسرية والتسلية عن النبي صلى الله عليه وسلم. وبناءً على ذلك، طرح تساؤلًا حول مدى ارتباط مركز ابن خلدون، أو غيره من المراكز، بسياسات تتفاعل مع القضايا ذات الصلة أو القضايا العالمية. وضرب مثالًا من واقعه، مشيرًا إلى صلته الطيبة بالبلاد الآسيوية، والتي تعرف من خلالها على ديانات أخرى كالبوذية والهندوسية، كاشفًا عن معلومة مؤكدة توصل إليها مؤخرًا تفيد بأن هناك عددًا من العرب، ومن ضمنهم مصريون، سيبدأون في ترك الدين الإسلامي واعتناق البوذية. واعتبر أن هذا يُعد تطورًا متوقعًا في ظل الأجيال الحالية كجيل “زد” وجيل “ألفا”؛ إذ إنه مع طغيان البعد المادي، واستمرار الحروب العالمية، وتفاقم مشكلات النموذج الغربي، بدأ الناس يتجهون نحو الشرق بأشكال متنوعة عبر الرياضة أو اليوجا، ومنهم من سيتجه لاعتناق ديانات كالديانة البوذية.
وفي هذا السياق، ذكر أنه تساءل في حديث مع أحد أصدقائه من أساتذة كلية الدعوة بالأزهر الشريف عما إذا كانوا يدرسون الثقافات الأخرى، والعلاقات الدولية، وعلم الأنثروبولوجيا، مستنكرًا كيفية تحرك الدعوة في العالم دون الإلمام بثقافات الشعوب. ونقل عن صديقه إجابته بأنهم لا يدرسون سوى مقدمات بسيطة عن البوذية والهندوسية والديانات الشرقية، وقليلًا عن المنظمات الدولية، مبينًا أن ذلك يتم بمجرد الاجتهاد الشخصي. وأكد أن توجه بعض العرب للديانات الشرقية، في ظل ضعف الحالة الروحية وطغيان المادية والنموذج الغربي، يفرض تحديًا كبيرًا حول كيفية المواجهة. وأشار إلى أنه بالرجوع للتجارب، واستدعاءً لسؤال د. نادية الذي طرحته سابقًا نقلًا عن أستاذتها، حول ما إذا كان المتخصصون في العلوم الشرعية هم من يجب أن يذهبوا للعلوم الأخرى أم العكس؛ فإنه يرى أن الواقع والتجربة يثبتان وجوب مبادرة متخصصي العلوم الأخرى بالذهاب لمتخصصي العلوم الشرعية. وعلل رأيه بأن الانغماس في الإطار الشرعي والفكري والنظري يستغرق وقتًا طويلًا في ظل المناهج التقليدية القائمة، ومن ثم فإن عملية “التجسير” يجب أن تحدث بمبادرة تنطلق من المتخصصين باتجاه متخصصي العلوم الشرعية، مؤكدًا أن حدوث ذلك يتطلب وجود سياسة واضحة. وأوضح أنه يتعين على المراكز البحثية أن تتساءل عن هوية البلد في العالم الذي يمكن أن يهتم بحماية الإسلام والمسلمين، واصفًا هذا السؤال بالمهم جدًا في ظل بدء اتجاه الناس لديانات أخرى. وطرح تساؤلًا عما إذا كان هناك بلد يمكنه الاهتمام بهذا الأمر، وما إذا كان بإمكان المراكز أو المؤسسات الدينية أن تمتلك سياسة تتفاعل مع التطورات السريعة في العالم.
وأشار إلى سرعة هذه التطورات، ضاربًا المثل بما يحدث في القضية الفلسطينية، حيث تقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة عاجزين عن فعل أي شيء، بينما تمكنت مجموعة من الأشخاص الذين استقلوا سفنًا لكسر الحصار من صنع تأثير دولي يفوق ما أحدثته المؤسسات الدولية الرسمية. وتساءل في ظل هذه التغيرات الكثيرة عن دور المؤسسة الدينية، وعن موقع الباحثين الشرعيين مما يحدث في العالم. واختتم د. كريم مداخلته محذرًا من الوقوع في أزمة تحول أمور الدين والشرع إلى الجانب الكهنوتي المنعزل في المعابد، والذي يقتصر حديثه على أساسيات تطبيق الشعائر تاركًا الجانب التفعيلي، أو أن يتحول الأمر لمجرد بحوث تُحفظ في المكتبات بينما يظل حال الأمة مترديًا كما هو عليه الآن. ووجه هذه التساؤلات للدكتور بدران حول إمكانية الاهتمام بمثل هذه الأمور، موجهًا إياها كذلك للدكتور فتحي الملكاوي ود. نادية مصطفى والجميع.
(3) مداخلة أ. شيماء مصطفى:
استهلت مداخلتها بالحديث في موضوع التجسير بين العلوم، وذكرت أنها تعتقد أنه لا يمكن التعامل مع كافة العلوم بالوتيرة ذاتها، نظرًا لأن الإشكال يتباين من علم إلى آخر. ورأت أن هناك خمس مساحات يمكن من خلالها النظر للعلوم في هذا السياق.
وبيّنت أن المساحة الأولى تتمثل في نموذج التمازج بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، مستشهدة بتجربة شخصية لها حين دُرِّس لهم أحد مقررات علم النفس ومدارسه في كلية الصيدلة، انطلاقًا من مبدأ أن الصيدلي يتعامل في النهاية مع البشر ويجب أن يمتلك خلفية نفسية. واستدركت موضحة أن المدارس التي دُرست لهم كانت كلها مدارس غربية بحذافيرها، كمدرسة فرويد وغيرها، مما أدى إلى إشكال حقيقي وتهافت في النتيجة الخارجية المتمثلة في الحديث عن منهج لا يمكن إنزاله أصلًا وتطبيقه عمليًا على أرض الواقع في المناهج. وأشارت إلى أن هذا الإشكال كانت قد تحدثت عنه سابقًا، وهو يتمحور حول فكرتها بأن البينية أو التجسير أو التكامل بين العلوم لا يمكن، في رأيها، أن يسبق عملية “التشكيل”، لأن التكامل يستلزم الوجود ابتداءً. وأكدت أنه لكي يتم التكامل بين العلوم، يجب أن تكون هذه العلوم موجودة أولًا، أو أن تُمتلك مناهج مُشَكَّلة وواضحة يمكن البناء عليها وتستطيع تنظيم مصطلحات تصف المجتمعات من خلالها، لينطلق بعدها الباحثون لمرحلة التكامل. وحذرت من أنه بخلاف ذلك، سينتج في النهاية منتج متهافت لا يمكن البناء عليه، وسينقل الإشكالات المُحَمَّلة بدايةً في هذه العلوم إلى المنتج الثالث الجديد الذي كان يُفترض إنتاجه.
وانتقلت إلى المساحة الثانية، والمتمثلة في التمازج بين علوم لا تتفق بشكل أساسي على منطلقات فلسفية، وعلوم طبيعية كالمحاسبة، والتي أشارت إلى دراستهم لها كذلك في الكلية بغرض إدارة شركات الأدوية والصيدليات وغيرها. وأكدت أنه لم يبرز إشكال حقيقي بين هذين العلمين نظرًا لقلة الحمولة الفلسفية فيهما، مبينة أنه حتى في المساحات الطبية أو العلوم الطبيعية، يمكن التفريق بسهولة بين المساحات المتداخلة مع الفلسفة والمساحات الموضوعية التي تتعامل مع العلم بشكل تجريبي. وخلصت إلى أن هذه المساحة كانت أقل كلفة من حيث الإشكالات التي تنجر عن الدمج بين العلمين.
أما المساحة الثالثة، فأوضحت أنها تجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم الشرعية، كالربط بين الطب والشرع أو الصيدلة والشرع. وذكرت أنها درست مسار البحث في الطب الشرعي في هذا السياق، واصفة إياه بأنه أسهل بكثير، لأن المساحة المراد النظر إليها بالنسبة للعلوم الشرعية تتوافق فلسفيًا مع المنطلق الشرعي المبحوث عنه، مما جعل الوضع أفضل بكثير. وأعادت التأكيد على أنه رغم دراسة العلوم الطبيعية بلغات أجنبية كالإنجليزية وتَحَمُّل هذه العلوم ببعض الفلسفات، إلا أنه يمكن تخليصها والتخلص من النزعة الفلسفية الأوروبية أو الغربية فيها بسهولة، وذلك على عكس العلوم الإنسانية.
وفيما يخص المساحة الرابعة، بيّنت أنها تتمثل في الدمج بين علمين لا تُمتلك فيهما مناهج واضحة، كالاقتصاد والسياسة، أو الاجتماع والسياسة. واعتبرت هذه المساحة صاحبة الإشكال الأضخم والأكبر، مؤكدة أنه لا يمكن دمج علم يعاني من إشكاليات أصلًا وتغيب عنه المناهج والنماذج المنهجية الواقعية القابلة للبناء عليها، مع علم آخر يشاركه نفس الحالة. وأوضحت أن النتاج في هذه الحالة يكون مُشكلًا بشكل كبير جدًا، وأن هذه الإشكالات الناتجة عن عدم تشكل المناهج تُخرج نتيجة تعجز عن مواكبة الواقع وتفرز إشكالات أخرى، مرجحة أن يكون هذا هو السبب فيما يصفه الأساتذة الحضور.
واختتمت مداخلتها بذكر المساحة الخامسة المتمثلة في الدمج بين العلم الشرعي والعلم الإنساني، مشيرة إلى أن هذا هو سياق الموضوع الذي دار حوله اللقاء. ورأت أن الإشكال في هذه المساحة يشبه قليلًا الإشكال في المساحة الأولى، مع الأخذ في الاعتبار أن العلم الشرعي يحتاج للكثير من الاجتهاد والتصويب ويعاني من إشكالات متعددة، كما تعاني العلوم الإنسانية من المشكلات التي سَبَقَ ذكرها. ولخصت رأيها بضرورة النظر للعلوم عبر هذه المساحات الخمس، لتجنب خلط المساحات الأقل كلفة والخالية من النزعات الفلسفية الثقيلة، بالمساحات الأخرى التي تتطلب عملًا أكبر، ونظرًا أعمق، وتشكيلًا للمناهج من الأساس، وتحتاج إلى تعامل من نوع خاص يتناسب مع الإطار الحضاري.
(4) مداخلة د. عبد القادر عبد العالي:
بدأ د. عبد القادر عبد العالي مداخلته مبينًا أن موضوع التجسير بين العلوم يحمل الكثير من النقاشات، ويحتمل الاختلاف حوله من زوايا متعددة، مشددًا على ضرورة تقديم أمثلة واضحة لتجلية الأمر وتوضيحه، ومستشهدًا بما سبق وطرحته إحدى المتدخلات حول إشكالية العلاقة والتجسير بين العلوم الطبية والصيدلية والعلوم الشرعية. وأكد أن وجهة نظره تتلخص في ضرورة أن يكون للتجسير هدف واضح؛ يتمثل في تراكمية المعرفة وتطويرها، وتحسين القدرة على استيعاب العلوم المعاصرة، بالإضافة إلى وضع حد للانغلاق الفكري وتحسين المعرفة، مشيرًا إلى أنه سبق وأعطى أمثلة للباحثين حول هذا الأمر.
واستعرض مثالًا لباحث مغربي تناول إشكالية إعادة النظر في تصحيح الأحاديث، معتبرًا أن الأمة مبتلاة بمجموعة من التصورات الدينية النابعة من أحاديث مغلوطة يرى الباحث أنها موضوعة من الأساس وتشكل عائقًا يحول دون معايشتنا للعصر المعاصر. وذكر أن الباحث المرحوم د. محمد العمراني ألّف كتابًا حول هذا الموضوع بعنوان “الهندسة الحديثية: السلم المعياري لقياس درجة وثوقية النقل للحديث النبوي الشريف”. وأوضح أن من المنهجيات التي أكد عليها د. العمراني إعادة توظيف التشدد في الأسانيد كما طرح الإمام البخاري في منهجه، مع إضافة توظيف ما أسماه بـ “الروائز العلمية” المختلفة. وضرب مثلًا للتوضيح متسائلًا عن سبب التمسك والتكلف في الدفاع عن حديث يُكذبه الواقع التاريخي أو الواقع العلمي الحديث. وبيّن أن الباحث المغربي طَبَّق هذه المنهجية في دراستين قام بهما؛ جاءت الأولى تحت عنوان “كيف يَرِدُ الخطأ على المحدثين المعاصرين الكبار روايةً ودرايةً لعدم إلمامهم بالعلم: الشيخ الألباني نموذجًا”، حيث رد فيها على حديث يفيد بأن “الرعد مَلَك”، نافيًا صحته ومؤكدًا في دراسته الكاملة للسند أنه حديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أصله يعود للخرافات اليونانية. أما الدراسة الثانية فحملت عنوان “كيف يَرِدُ الخطأ على المفتين الكبار روايةً ودرايةً لعدم إلمامهم بالعلم: الشيخ ابن باز والشيخ العثيمين نموذجًا”، والتي تناولت تقديرات حول مسألة كروية الأرض وغيرها من القضايا.
وقدم أمثلة أخرى، متمثلة في إشكالية التكامل أو التجسير بين العلوم فيما يخص قضية خدمة المشاعر المقدسة، والتصورات المتعلقة بماء زمزم من حيث كونه صحيًا للشرب في الوقت الراهن أم غير صحي. وأردف بمثال أخير يتعلق بالتكامل بين الأنثروبولوجيا المعاصرة والتصورات الغريبة التي يحملها بعض المسلمين حول سيدنا آدم، طارحًا تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التصورات علمية بالضرورة دائمًا، وحول كيفية التوفيق بين العلم والعقيدة في هذا المجال.
(5) مداخلة أ. هشام جعفر:
استهل الأستاذ هشام جعفر مداخلته مشيرًا إلى أنه من الواضح أن تجربة “التجسير” تكتسب فاعليتها الكبرى من خلال تجربة مركز ابن خلدون في الإطار الأكاديمي بشكل أساسي، لا سيما حينما ارتبطت بتقديم أمور محددة وواضحة. وانتقل الأستاذ هشام لبيان أن د. بدران قد أشار لعدد من النقاط التي يرى من الأهمية بمكان توجيه النقد إليها، مبديًا رغبته في نقل النقاش إلى مستوى ثانٍ يتمثل في فكرة معالجة “تجزئة المعرفة” أو “تجزئة التخصصات”. وأضاف أن النقطة الثانية التي يتصور أهميتها هي ضرورة بناء ما يمكن أن يُطلق عليه “الإطار المرجعي”، بشقيه الفلسفي أو القيمي، ليكون إطارًا حاكمًا لمسألة العلوم أو البينية والمعرفة بشكل عام.
واستدرك متحدثًا عن تجاربه الشخصية التي خاضها في هذا المضمار، والتي بانت فيها الفجوات المعرفية جلية حتى مع الرغبة في تطبيق فكرة “البينية” على نطاق واسع. وأكد أنه طالما لا يوجد “جمهور محدد” يُراد خدمته وتقديم هذه المعرفة له، فإنه يعتقد أن الباحثين سيظلون يرددون المقولة التي أشار إليها د. عبد القادر وهي: “سَنُحَسِّن معرفتنا”، متسائلًا بوضوح: وماذا بعد ذلك؟ وبماذا ستُحسن المعرفة؟ وأوضح أن هذه الفجوة المعرفية الكبيرة بين الواقع وما أُنتج من معارف قد برزت بوضوح بعد ثورة يناير 2011، مما استدعى الحاجة الماسة لردم هذه الفجوة أو تجسيرها حتى فترات زمنية قريبة.
وسرد تجربته المحدودة في مؤسسة “إسلام أون لاين”، مشيرًا إلى أن التحدي الأساسي الذي واجههم كان يتمثل في استقبال ما أسماه بـ “الأسئلة الصغرى” بدلًا من “الأفكار الكبرى”. وبيّن أن هذه الأسئلة كانت تَرِد في المجال الاجتماعي ومجالات مختلفة تتعلق بتربية الأبناء والعلاقات الزوجية وغيرها، وكان المطلوب هو تقديم إجابات تحمل قدرًا من البناء المعرفي والقيمي والفلسفي، بحيث تكون “إجابات صغرى” قادرة على التعامل مع مشكلات محددة. وأضاف أن هذا السياق أفرز حوارًا بين أصحاب التخصصات الاجتماعية المختلفة، كعلم النفس والتربية، وبين الإطار الفقهي. وأكد أنه كان يرى دائمًا، رغم غضب البعض منه، أن هذا هو التفاعل المنظم الذي كان يجب أن يحدث بين كلا الطرفين لتقديم إجابات على تلك الأسئلة، بعيدًا عن مجرد الكلام النظري.
كما تطرق لتجربة ثانية خاضها في إطار المجتمع المدني، مؤكدًا على وجوب تقديم “الخِدمة” لأطراف محددة لضمان تحقيق التطوير. وأشار إلى تجربة رعاها الراحل د. محمد كمال إمام، حيث عملوا على الجمع بين الفاعلين القادرين على طرح مشكلات حقيقية في المجتمع تخص جوانب الأسرة والمرأة، وبين المتخصصين الشرعيين القادمين من خلفيات فقهية وشرعية متعددة، جنبًا إلى جنب مع أصحاب التخصصات في العلوم الاجتماعية. وعبّر عن تصوره بأن هذا الحوار كفيل بإنتاج معرفة تجيب على الأسئلة الواقعية، معتبرًا أن هذا هو جوهر “التجسير” الحقيقي.
ولفت الانتباه إلى أنه في ظل غياب الأطراف الفاعلة التي يُمكن تقديم المعرفة لها، سيتم خلق الوضع الذي أشار إليه د. بدران؛ حيث يمتلك الناس أطرًا نظرية جيدة، لكنهم يعجزون عن إيجاد الميدان عند الرغبة في التطبيق. وشدد على ضرورة التفكير العميق في هذه الفجوة، محذرًا من أنه دون وضوح هذا الأمر الذي يربط الباحثين بالواقع ومشكلاته وأسئلة ظواهره الجوهرية، ودون الانطلاق من هذه الظواهر الواقعية قبل العودة للبينية والتجسير، سيظل الجميع يدور في فلك ما أسماه بـ “التفكير الثقافي الفكري المعرفي” بمعزل عن التفكير في “أزمة السياسة الحقيقية” بامتداداتها الواسعة وليس فقط المتعلقة بالسلطة.
واختتم كلمته بنقطة يراها في غاية الأهمية من واقع احتكاكه ودوره فيما أُطلق عليه دعم فكرة “النسوية الإسلامية” حركيًا ومعرفيًا. وأوضح أنه من خلال مراجعته لكثير مما كان يفعله، اكتشف أن فكرة النسوية الإسلامية ظلت بشكل أساسي معلقة في “الإطار الثقافي والمعرفي”. وأشار إلى أنه في المقابل، عندما يحتك الباحث بالنسوية الغربية، لا سيما في تجلياتها النقدية، يجد أنها ارتبطت بحراك فعلي على المستوى الحركي والاجتماعي والجامعي. وأضاف أن النسوية الغربية أدركت أهمية توجيه نقد جوهري وأساسي يتعلق بعلاقة الهياكل المنتجة للمظلوميات واللاعدالة وكيفية التفاعل معها، فربطت نفسها بتطورات الرأسمالية والاقتصاد السياسي والحركات العرقية، مما أحدث نقلة في فهم الواقع بشكل مختلف. وانتقد استمرار إنتاج “النسوية الإسلامية” في المنطقة العربية كإنتاج ثقافي معرفي إلى حد كبير، دون ربط نفسه بالهياكل والبنى التي تنتج اللاعدالة تجاه المرأة.
(6) مداخلة أ.محمد الديب:
في مداخلته أشار إلى أن حركة “إسلامية المعرفة” أو “أسلمة العلوم” بدأت منذ خمسين عامًا، وأنتجت نقدًا للمعرفة الغربية ومحاولات دؤوبة لصياغة معرفة إسلامية من منظور إسلامي بكافة تفرعاتها واتجاهاتها. وطرح تساؤلًا محوريًا حول موقعهم الحالي من هذه الحركة التي انطلقت قبل نصف قرن، ولاقت رواجًا واسعًا، وأفرزت إنتاجات متعددة ومختلفة.
وعرض وجهة نظره التي تفيد بأن التجربة التي بدأت منذ خمسين عامًا كانت تمتلك سعة قد لا تتوفر للمعاصرين اليوم؛ موضحًا أن الرواد الأوائل بدأوا في “صحراء” تقريبًا حيث لم تكن الفكرة موجودة أصلًا، فانطلقوا من العدم وواجهوا مقاومة شديدة لا تزال موجودة اليوم ولكن بحدة أقل. وأضاف أن هذه الدعوة أصبح لها أتباع في العالمين العربي والإسلامي، بل وفي العالم الغربي أيضًا، سواء من غير المسلمين الناقدين للمعرفة الغربية، أو من المسلمين المتبنين لهذه الفكرة داخل أروقة الأكاديمية الغربية.
وأكد على أن الموضوع يحتاج إلى نظرة بعيدة المدى، مبررًا ذلك بأن الإشكال لن يُحل عبر الأبحاث والمناهج ونقد المعرفة الغربية والمحاولات المجردة فحسب، بل يستلزم نظرًا واسع الأفق وتخطيطًا دقيقًا. وأشار باختصار إلى وجود مُشكل ظاهر يواجهه الباحث الاجتماعي أو الشرعي أثناء سعيه لمسألة التكامل، مركزًا على إشكال شاهده من واقع تجربته الشخصية ويرتبط قليلًا بمسألة “علم النفس المعرفي”.
وشرح هذا الإشكال مبينًا أنه عند الاستعانة بأستاذ ملم بالعلوم الشرعية منذ عشرين أو ثلاثين عامًا، ويُطلب منه البدء بالتعامل مع العلوم السياسية، فإنه سيواجه بطبيعته إشكالات ضخمة ومقاومة شديدة في تعلم وصياغة هذا العلم، ولن يقتصر الأمر على الجانب الفلسفي فقط. وأوضح أن إدخال مثل هذا الشخص في مسار الإنتاج سيكون موضوعًا صعبًا للغاية، ويتطلب دراسة وتخطيطًا أكبر بكثير، رغم أنه يُرجى منه تقديم إسهامات في مستوى أكاديمي معين.
ودعا إلى ضرورة السعي لإيجاد مناهج بينية وتكاملية منذ المراحل الدراسية الأولى، ليتمكن العقل المتشكل من استيعاب العلوم الشرعية واللغوية جنبًا إلى جنب مع العلوم الاجتماعية. وأشار إلى أن الواقع الحاصل، والذي استشفه حتى من الإسهامات الجيدة التي تقدمها مجلة “تجسير”، يظهر بقاء باحثين متخصصين في السياسة أو الاجتماع أو علم النفس يُطالبون بتقديم مقاربات أو أبحاث بمنظور إسلامي، فيصطدمون بإشكالية كبيرة في التعامل مع المصادر الشرعية. واستشهد بأمثلة د. عبد القادر ليؤكد أن الباحثين يفتقرون غالبًا لأدوات التعامل مع العلوم الشرعية، مما يدفعهم للاجتهاد غير المدروس الذي ينتج أعمالًا سلبية نتيجة عدم إدراك كيفية الدخول السليم للموضوع. وشدد على أن الكتب المصنفة كـ “مداخل للتراث الإسلامي” لا يصح أن تبقى مجرد “مداخل”، بل يجب أن يتم التعمق في هذا التراث تمامًا كما يتم التعمق في دراسة العلوم الاجتماعية.
واستطرد محاولًا التقاط طرف الخيط من الأستاذ هشام جعفر لحديثه في نقطة يراها في غاية الأهمية وهي ضرورة وضوح الرؤية حول الفئة المخاطبة ومضمون الخطاب الموجه لها؛ مبينًا أن الباحث المبتدئ في المرحلة الجامعية الأولى (البكالوريوس) يحتاج إلى خطاب وتكوين ورؤية تختلف تمامًا عن طالب الدراسات العليا أو الأستاذ الجامعي، نظرًا لاختلاف هدف ورؤية كل شريحة. واتفق تمامًا مع ما ذكره الأستاذ هشام من عدم الحاجة الدائمة للحديث على مستوى كلي نظري، مشيرًا إلى أهمية التجارب العملية على أرض الواقع، كتجربة د. مدحت ماهر مع الأسرة، واصفًا ذلك بأنه التطوير الفعلي لمنهج بيني تكاملي يمتلك أثرًا وفاعلية.
(7) مداخلة أ.مراد بو فلة:
استهل الأستاذ مراد مداخلته موضحًا أنه سيكون مختصرًا للغاية في تناوله لقضية التجسير والتكامل بين العلوم، وبشكل خاص بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية. وأكد على ضرورة هذه البينية، معللًا ذلك بوقوعهم حاليًا في مشكلة حقيقية أمام الطلبة؛ إذ يتساءل الطالب عن سبب تدريسه نظريات لعلماء مثل (إميل دوركايم)، مستنكرًا عدم وجود علماء مسلمين بديلين. وأضاف أن المشكلة تمتد لبعض الأساتذة أيضًا، حيث إنه في حال ذُكرت آية قرآنية خلال نقاش أو حدث معين، يُسارع الأستاذ بالرد بأنهم ليسوا في درس دين، بل هم في صدد دراسة العلوم الاجتماعية وعلم الاجتماع. وبناءً على ما سبق، خلص إلى أن التكامل المعرفي يُعد أمرًا ضروريًا، وكذلك بناء النماذج التطبيقية لهذا التجسير.
(8) مداخلة أ. قوت صالحين:
انطلقت في مداخلاتها من واقع تجربة شخصية لها في قراءة كتاب يُعد في أصله كتابًا قانونيًا، ولكنه يحاول فهم القانون من خلال علم الاجتماع، وهو كتاب “مدونة التطور القانوني”. وأوضحت أنها أثناء قراءتها للكتاب، استحضرت في ذهنها النقاط البينية التي نوقشت في الأسبوع الماضي، وتساءلت، متوافقة مع طرح الأستاذ هشام، عما إذا كانت هناك حاجة فعلية للجلوس والغوص تنظيريًا في موضوع البينية. وبيّنت أن الباحث في هذا الكتاب دخل مباشرة إلى ظاهرة “القانون المدني”، معلنًا استخدامه للمنهج الاجتماعي أو المنظور الاجتماعي لفهم هذه الظاهرة القانونية، مما دفعها للاعتقاد بأن البدء من القضايا والواقع سيكون أجدى بكثير من التناول التنظيري البحت للموضوع.
وفي حديث عن مسألة العلوم الشرعية، أعربت عن شعورها بالحاجة الماسة لاستخلاص ما أسمته بـ “منهج التفكير الشرعي”. وأوضحت أن الهدف من ذلك هو استخدام هذا المنهج لتمكين المهتمين بالعلوم السياسية أو أية علوم اجتماعية أخرى من التفكير في علومهم من خلاله، مرجحة أن د. إبراهيم البيومي قد قدم شيئًا مشابهًا في دورة “التأسيس الحضاري”.
واعتبرت أن هذا المسعى سيشكل تحديًا كبيرًا، مستدلة على ذلك بتجربتها كخريجة في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، حيث تُدرَّس العلوم الشرعية وفق دراسة “تفكيكية” تُعلّم الطالب كيف يُفكك العلوم، فيغيب المنهج البيني بشكل كبير. واعترفت بأنها لم تتخرج من الجامعة بعقلية تدرك كيفية التفكير الشرعي بطريقة كُلية. وأن هذا النقص هو ما رغّبها ودفعها للإسراع نحو دراسة العلوم الشرعية مجددًا، ولكن هذه المرة وعينها مُنصبة على استخلاص “المنهج”، سعيًا منها لتقديم إسهام جديد.
وفي النقطة الأخيرة من مداخلتها، أوضحت أنها شاركت تجربة عملية خاضتها كمعلمة في برنامج مخصص للفتيات المراهقات. وأكدت أن مسألة البينية واجهتها في تلك التجربة بصورة شديدة الوضوح؛ حيث فرض عليها واقع الفتيات واحتياجاتهن أن تلعب أدوارًا متعددة ومندمجة، فأصبحت بحاجة لأن تكون معلمة، وطبيبة نفسية، ومشرفة اجتماعية، وفقيهة شرعية في آن واحد.
(9) مداخلة أ. عبد الرحمن فهيم:
استهل مداخلته بأنه سيركز على نقطتين سريعتين ومجموعة من الأسئلة. وأشار إلى ما ذكره د. مدحت ماهر في تقديم اللقاء حول الجهود الخاصة بمدرسة المنظور الحضاري فيما يتعلق بمسألة إنتاج العلوم الاجتماعية بمنظور حضاري إسلامي. وذكر أنه يرى أن هذه المدرسة قد انقسمت، في مسألة الجزء البيني على وجه التحديد، إلى مسارين؛ الأول يتعلق بالتعامل مع الفكر الغربي بين العلوم الاجتماعية نفسها من خلال مسألة “الهضم ثم التجاوز”، والثاني يتعلق بالتعامل البيني فيما بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية عبر مسألة “الهضم بغرض الوصل والتكامل” وأن هذين المسارين جهدان كبيران جدًا. وأضاف أن نسق المدرسة ذاتها يمكن أن يكون قد انقسم إلى قسمين كما ذكر أستاذه في البداية؛ القسم الأول يضم أساتذة قادمين في الأصل من خلفية شرعية جيدة، ولديهم باع طويل في العلوم الشرعية وقدرة على التعامل مع النص التراثي بشكل جيد. وأوضح أن هؤلاء الأساتذة استطاعوا من خلال ذلك إدخال ما ينقص العلوم الاجتماعية عليها، أو هضمها وتجاوزها بما يمتلكونه من مخزون ومهارة وإتقان للعلوم الشرعية. أما القسم أو الفرع الآخر من المدرسة، فقد بيّن أنه فرع مستوعب للفكر الغربي بكلياته، ويحاول كذلك الاقتراب من الكليات الإسلامية والإضافة إليها من خلال فهم الواقع بالمنظور الحضاري الإسلامي. ثم نقل حديثه إلى قضية مهمة جدًا تدور حول كيفية تحقيق مسألة الوصل ما بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية.
وعبّر عن اعتقاده بأن الجهود العملية والاشتباك مع الواقع بشكل أساسي هو ما يُنتج هذه الحالة المثمرة، التي تنطلق من “همّ البحث” بالأساس؛ وهو همّ شخص يحترق بقضايا الأمة وهمومها ومشاكلها. واستشهد على ذلك بكيفية بداية هذه الحالة مع أساتذتهم في مشروع “العلاقات الدولية في الإسلام”، حيث انطلق المشروع من واقع احتياج يتمثل في وجود واقع دولي للأمة الإسلامية وللدول العربية والإسلامية يتطلب التعامل مع هذا النظام الدولي وتكتلاته وتحولاته وفاعليه وكافة مستوياته. وأكد أن هذا “الهم” هو الذي أنتج الحالة البينية ودراسة العلاقات الدولية عبر هذا الوصل بين التراث الإسلامي ورؤيته، وبين علم العلاقات الدولية وتخصصاته.
وانتقل بعد ذلك إلى مجموعة الأسئلة التي أراد أن يختم بها مداخلته، مشيرًا إلى أن من ضمن الذين تحدثوا في هذه المساحة د. ساري حنفي عندما كتب كتابه “نحو تجاوز القطيعة”، حيث كان جزء من التوصيات أو الاقتراحات التي قدمها يتعلق بمسألة التدريس. وأوضح أن هذا المقترح يتمثل في أن يدرس طلاب العلوم الشرعية بعضًا من الفلسفة والعلوم الاجتماعية التي تتصل بدراستهم أو تخصصاتهم، والعكس بأن يدرس بعض طلاب العلوم الاجتماعية بعضًا من المواد الشرعية كسبيل للإنتاج وحلقة وصل بين العلوم الشرعية والاجتماعية. ورأى أن هذا الطرح يُحيل إلى تساؤلات حول ما إذا كان الحل يكمن فعلًا في مسألة هذا الدمج؛ كأن يبدأ التداخل بين الكليات الشرعية وكليات العلوم الاجتماعية، متسائلًا عما إذا كان هذا سيكون كافيًا بمفرده. كما طرح تساؤلات تتعلق بالجزئية الخاصة بالجهود التي تقدمها مجلة “تجسير” التي ذكرها المحاضر؛ متسائلًا عما إذا كانت توجد معايير يمكن على أساسها قياس نجاح هذه المبادرة، كأن تُقاس بمدى اشتغالها مع الواقع، ووصولها لصناع القرار، وتدخلها في أمور ذات علاقة بالتشريعات أو المشكلات الاجتماعية وما إلى ذلك. وتساءل كذلك عما إذا كانت القضايا التي تتناولها المجلة مجرد قضايا محصورة في الإطار التنظيري المتمثل في الأوراق الأكاديمية، أم أنها تشتبك فعلًا مع الواقع وتقدم أشياء ملموسة؟
(10) مداخلة د. نادية مصطفى:
استهلت د. نادية مصطفى مداخلتها بتقديم مجموعة من الملاحظات الكلية. وأوضحت أن هذه الملاحظات تنطلق من المحاضرة، مرورًا بالتعليقات التي قُدمت خلال اللقاء، وصولًا إلى عنوان الملتقى وأهدافه ابتداءً، مضيفة أنها تقوم بدور يصعب عليها تسميته أو إيجاد وصف دقيق له.
وبينت د. نادية رغبتها في التحدث في ثلاث مناطق رئيسية:
أشارت في “المنطقة الأولى” إلى أن د. بدران كان شديد الوضوح في عرضه لخبرة مركز ابن خلدون فيما يخص مشروع التجسير أو البينية. ولفتت إلى تأكيده على عدة أمور، منها أن البينية ليست مجرد إجراء، بل لا بد أن تنطلق من رؤية وإطار مرجعي، وذلك على ضوء فك الاشتباك بين التعريفات والمفاهيم المختلفة التي أحدثت إرباكًا حول ماهية البينية، وأي بينية يُتحدث عنها، ولماذا هي مطلوبة. وأكدت أن هذه البينية مطلوبة لإنتاج علوم جديدة، ولتغيير واقع الأمة، وهما أمران واضحان ومرتبطان، مُذكرة الحضور بأن الملتقى يحمل اسم “البينية والمنظور الحضاري المقارن في الواقع وفي العلم”.
وانتقلت إلى “المنطقة الثانية” التي أبرزها عرض د. بدران، والمتمثلة في الحاجة، على ضوء تقييم حالة البحوث والمناقشات في المؤتمرات، إلى وضع “نموذج معياري” ومقياس يحدد ماهية هذه البينية، وكيفية تطبيقها وممارستها في البحث والتدريس وإدارة أمور الواقع. وشددت على أن ذلك يجب أن يتم في ظل شرطين أساسيين؛ هما إتقان التخصص، وإتقان التعامل والتعاون مع التخصصات الأخرى.
وأشارت د. نادية إلى “المنطقة الثالثة” في كلام المحاضر والمتعلقة بضعف خرائط التطبيق وضعف الجانب التطبيقي عمومًا. وأكدت في هذا السياق أن مجال التطبيق واسع جدًا، مستدعية تعليقات د. كريم حسين، والأستاذ هشام جعفر، والأستاذة شيماء مصطفى حول مجالات البينية المرجوة. وأوضحت أن بعض المتحدثين، كالأستاذة شيماء، تناولوا المجالات الأكاديمية والعلاقة بينها في تدريس مجال معين، بينما ركز د. كريم والأستاذ هشام على تفعيل البينية في إدارة قضايا الواقع كالدعوة، والمجتمع المدني، والنسوية الإسلامية، أو الحركية الثورية التفاعلية. ووصفت هذه المنطقة بأنها مهمة جدًا ولا تقل أهمية على الإطلاق عن منطقة الأكاديميا وإنتاج العلم والمعرفة والفكر، مؤكدة أن خرائط التطبيق تتسع في معناها لتشمل ذلك كله.
ولفتت إلى نقطة أخرى في غاية الأهمية وردت في حديث د. بدران، وهي مسألة “المأسسة”. وأكدت أن هذه الجهود تحتاج إلى مؤسسات ترعاها من خلال مأسسة أنشطة معينة، كما أشار المحاضر إلى المجلة، والمؤتمر العلمي السنوي، ومجالات التدريب، ومجالات المراجعة، معتبرة هذا الأمر مهمًا جدًا بناءً على ما استمعت إليه من د. بدران.
وأوضحت د. نادية أن معظم الأسئلة المطروحة تراوحت حول أمرين؛ أولهما يتعلق بإشكاليات الواقع وإدارته، مؤكدة أن الأمر لا يقتصر على مجرد إنتاج أكاديميا أو فكر وعلم جديدين، بل يتعداه إلى كيفية تشغيل هذا النتاج وتفعيله حضاريًا على أرض الواقع لإدارة قضايا الأمة. أما المجموعة الثانية من الإشكاليات فتمحورت حول كيفية إحداث هذا التواصل بين الجانبين الشرعي والاجتماعي. ووصفت هذه المشكلة بأنها أزلية، مشيرة إلى أنها استمعت إلى آراء وتعليقات حولها تتردد منذ أربعين عامًا، وأن الجميع يحاول سد الثغرات والفجوات. وتوافقت مع ما ذكره أ. محمد الديب حول وجود فارق بين مخاطبة الأستاذ، وطالب الدراسات العليا، والطالب المبتدئ. وبينت أن الطالب المبتدئ يأتي بأسئلة تم التعامل معها منذ خمسين أو ستين عامًا بجهود متنوعة برزت في كتب وخبرات مختلفة، ورغم ذلك يأتي ليتساءل عما يجب عليه فعله.
ورأت د. نادية أن هناك مشكلة حقيقية في نقل الخبرات، وفي إسقاط فكرة “التراكم”؛ إذ يبدأ كل باحث مهمته أو دوره وكأنه أول من يطرح هذا السؤال. وأشارت إلى أن هذا الوضع لدى الشباب يعكس غياب التراكم ونقل الخبرات، حتى في ظل توجيههم في الدورات لقراءة مراجع محددة. ووضعت الحضور أمام مشكلة أساسية تتلخص في التساؤل حول كيفية حرق المراحل، متسائلة عن المدة الزمنية التي عملت فيها جهات كمركز ابن خلدون ومركز الحضارة، وطارحة تساؤلًا جوهريًا عما إذا كان الحل يكمن في حرق المراحل، أم في التدريب على الاستيعاب المتراكم ومتابعة التراكم، واصفة هذا الأمر بأنه في غاية الأهمية.
وأوضحت أن مركز الحضارة يعمل منذ ثلاثين عامًا، وسبق ذلك بعشرة أعوام عملهم في “مشروع العلاقات الدولية في الإسلام” الذي أشار إليه أ. عبد الرحمن فهيم. وأكدت أنهم لم يكتبوا عن إشكالية البينية قبل أربعين عامًا حينما لم تكن قد ظهرت بعد على مستوى الأكاديمية الغربية، ولكنهم وصلوا إليها عمليًا. وفسرت ذلك بأن “مشروع العلاقات الدولية في الإسلام”، والذي دعت لقراءة مقدمته العامة إلى جانب مقدمة مشروع النظم المقارنة بمنظور حضاري، انطلق من ثلاثة أمور أساسية: إرادة إنتاج علم، والاستفادة من التراث الإسلامي، وتقديم رؤية جديدة لمشاكل الأمة والعالم.
وبيّنت د. نادية أنها وقفت حينها أمام محددات رئيسية تمثلت في التساؤل عن طبيعة واقع الأمة والعالم، وما تعانيه الأمة من مشكلات في القوة، والوحدة، والعلاقة مع الآخر أو الجهاد. وأشارت إلى أنها نظرت فيما يقوله الغرب عن الأمة وعن العالم الثالث في هذه القضايا، فوجدت أنه يطرح كلامًا لا ينطبق على واقعهم على الإطلاق. وأمام تساؤلها عن كيفية البحث والعمل، وجدت نفسها مضطرة للبحث في الفقه والعلوم الشرعية بكافة فروعها من حديث وتفسير وفكر سياسي وتاريخ وعلوم مساندة. وأدركت ضرورة العمل بطريقة معينة تختلف عن طريقة الباحث الشرعي التقليدي، ووجدت أنها بحاجة كنقد بعض المنتجات الشرعية التقليدية، لترى كباحثة اجتماعية كيف يمكنها توظيف ذلك في ضوء هدفها وإطارها المرجعي الذي أكد د. بدران على أهميته. وأكدت أن هذه الخبرة في هذا المجال المعرفي مُسجلة بالتفصيل الدقيق، ومُضاف إليها كتاب المداخل.
وميزت د. نادية بين هذا المستوى الأكاديمي المتعلق بمجال معرفي واحد، وبين المستوى الذي انطلق منه مركز ابن خلدون. وأوضحت أن المركز بدأ برؤية خريطة البينية في العالم العربي عبر تقييم حالة البحوث والكتب وغيرها، معتبرة أن هذا مستوى مختلف تمامًا عن التعامل داخل فرع أو تخصص معرفي واحد كالعلاقات الدولية أو العلوم السياسية أو الاقتصاد أو الفلسفة، وهو ما قام به المعهد العالمي للفكر الإسلامي في مشروعاته الكبرى الأولى. وأكدت على أهمية هذا المستوى، رغم ما يواجهه من انتقادات تدعي استمراره في نقد الغربي أو الاكتفاء بالإنتاج الإسلامي.
وتطرقت إلى المستوى الثاني الذي تناوله المتحدثون كريم وهشام ومحمد، والمتمثل في “التطبيق التشغيلي” أو “التشغيل والتفعيل الحضاري” بتعبير د. سيف عبد الفتاح. وأكدت أن الأمر لا يقتصر على الإنتاج الأكاديمي والنظري، بل يمتد لكيفية توظيفه على أرض الواقع، سواء في الإطار الإسلامي أو في التفاعل مع الآخرين، موضحة أن هذا يمثل نظرًا للبينية من مستوى ثانٍ ومهم يكمل المستوى الأول.
وأبدت أسفها من ظاهرة تتمثل في اعتقاد بعض الفاعلين والمتميزين في مناطق محددة، كمجالات الحركة الاجتماعية والمدنية والدعوية التي تسعى لتفعيل رؤية حضارية وإنسانية، بأن مساحتهم هي الوحيدة الواجب العمل فيها. وشددت على أن الجزء الأكاديمي المعرفي والعلمي النظري مهم للغاية، وتتعاظم أهميته بوجود من يأخذه ويستوعبه ويفهمه ويراجعه ثم يطبقه على أرض الواقع.
ورفضت د. نادية تكريس ثنائية منفصلة بين “الواقع والعلم” عند الحديث عن البينية، داعية إلى إيجاد بينية تربط بين الواقع والعلم ذاتهما. واعتبرت أن هذا هو الجزء الذي يجب التركيز عليه في المرحلة القادمة، إلى جانب أمرين آخرين دعت د. بدران والمراكز المعنية للتركيز عليهما. وأوضحت أن الأمر الأول يتمثل في كيفية نقل خبرات خمسين عامًا من العمل في هذا المجال للأجيال الجديدة التي تطرح تساؤلاتها وكأنها تُطرح للمرة الأولى، متفقة مع أ. محمد الديب في أن الصعوبات قبل نصف قرن كانت تفوق بكثير ما هو عليه الحال الآن حيث كثر المتحدثون في هذا الشأن.
وأشارت إلى أن الأمر الثاني يتمثل في التشغيل والتفعيل؛ عبر الانتقال من مستوى إنتاج العلم والمعرفة والفكر فحسب، على أهميته، إلى ضرورة إيجاد مجموعات عمل متلاحقة ومتزامنة ومتفاعلة تجمع بين منتجي الفكر ومنتجي الواقع الساعين لتغييره. وأكدت أن هذا هو الهدف الأسمى؛ فتغيير واقع الأمة يسبق غاية إنتاج أكاديميا جديدة. واستشهدت بقول د. فتحي الملكاوي حول الحاجة لإنتاج علمي وأكاديمي جديد يُحقق اختراقًا وتواصلًا مع الدوائر الأكاديمية الغربية الساعية لفكر عالمي إنساني تشارك فيه الحضارات، وللمساهمة في علاج أزمات الإنسانية العالمية، شريطة الابتداء بحل مشكلات وأزمات الأمة الخاصة.
وفي حديث عن آليات العمل التي يقومون بها، كشفت عن استعداد المركز -بإذن الله تعالى- للاحتفال في نهاية عام 2027 بمرور ثلاثين عامًا على تأسيس مركز الحضارة، وأربعين عامًا على مشروع العلاقات الدولية في الإسلام. وأشادت بدراسة خلفية أعدها “د. مدحت” ووصفتها بالعميقة جدًا، حيث جمعت كافة القطع المتناثرة التي جرى الحديث عنها، موضحة أنه بناءً على هذه الدراسة تم تصميم مشروع مؤتمر مكون من خمسة محاور، يأملون إقامته فعليًا على أرض الواقع وليس افتراضيًا، ليكون أساسًا لتقييم أي مركز مناظر أو مشارك في هذا المجال.
وأوضحت أنهم يبدأون بالتطبيق على أنفسهم من خلال طرح تساؤلات محورية حول هويتهم كمراكز بحثية في الأمة. واستدعت كلمة د. كريم حسين لتتساءل عن هوية الدولة المستعدة للحفاظ على الإسلام والمسلمين، متسائلة عن موقع المراكز البحثية وسط شبكة مراكز الفكر والتفكير الاستراتيجي التي تضج بها أرجاء العالمين العربي والإسلامي. وطرحت تساؤلات تقييمية حول وزن هذه المراكز، وقدر تأثيرها، وحجم الرعاية التي تتلقاها، ومدى تحررها من الخوف من القيود أو الأوقاف.
(11) مداخلة أخرى أ. هشام جعفر وتعقيب د. نادية مصطفى عليها:
قدّم الأستاذ هشام جعفر في مداخلته الثانية مقترحًا وصفه بأنه مقترح عملي نوعًا ما. وأوضح أن هذا المقترح يتمحور حول وجود تجارب فعلية لـ “البينية”، مشيرًا إلى أنه تذكر حينها تجربة ما كتبه المستشار طارق البشري حول الوصل بين القانون والشريعة، معتبرًا إياها تجربة واقعية. وأضاف أن هناك تجربة واقعية أخرى يظن أن صديقتهم د. فاطمة حافظ قد تناولتها في دراستها حول تاريخ الفتوى، وتحديدًا في كتاب “الفتوى والحداثة” والدولة الحديثة، والذي يستعرض كيفية إحداث البينية بين الشريعة وبين الواقع الجديد.
ودعا إلى أخذ تجارب واقعية لمسألة البينيات لتتبين منها الدروس، ضاربًا المثل بعمل البنوك الإسلامية كإحدى هذه التجارب، مع احتفاظهم بتحفظاتهم أو مواقفهم المتباينة تجاهها. ولفت الانتباه إلى أن د. نادية مصطفى قد أشارت لتوها إلى مشروع العلاقات الدولية ومنهجيته، كما أشار د. بدران إلى تجربة واقعية في المركز، فضلًا عن وجود تجربة المعهد العالمي للفكر الإسلامي. وأكد أنه بناءً على وجود هذه التجارب المتعددة، فإنه ينبغي البدء بها واستخراج الدروس منها، والتي من شأنها أن تحدث نقلة نوعية أخرى. وأعرب عن يقينه الأكيد بوجود تجارب أخرى كثيرة على أرض الواقع، ضاربًا المثل بتجارب الوصل بين المجتمع المدني وبين الجوانب القيمية، وغيرها.
تعقيب د. نادية مصطفى على المداخلة:
وفي تعقيبها على هذا الجزء، أكدت د. نادية مصطفى أن ما طرحه أ. هشام يأتي موافقًا لما سيتم تناوله في المحاضرات التالية من الملتقى. وأوضحت أنه سيجد في تلك المحاضرات مجالات محددة تتضمن خبرات تطبيقية معينة، سواء تجسدت تلك الخبرات على أرض الواقع الفعلي أو على أرض إنتاج العلم الجديد، واصفة هذه النقطة بأنها مهمة جدًا.
(12) المداخلة الختامية للدكتور بدران بن الحسن:
استهل د. بدران بن الحسن مداخلته الختامية بالبسملة، معربًا عن شكره العميق لجميع الأساتذة المتدخلين وأوضح د. بدران أن تخصيصه الحديث عن الأكاديميا وعن إنتاج المعرفة لا يعني بأي حال من الأحوال تجاهلًا لمجالات الفعل وتطبيق الواقع الأخرى، وإنما جاء استجابة لمقتضى الحال الذي تطلب الحديث في موضوع محدد. وبرر ذلك برغبته في عدم التدخل في كل التخصصات، وتجنب ادعاء الإلمام بكل المجالات، مؤكدًا أن هذا التركيز الأكاديمي ليس إهمالًا للمجال الفاعل الذي أشار إليه كل من الأستاذ هشام والأستاذ كريم وغيرهما من المتحدثين. واستدرك مبينًا تصوره الخاص بأن المعرفة هي التي تقود الفعل الاجتماعي في الواقع، سواء كان ذلك الفعل في المجتمعات المدنية أو في المجتمع المدني، أو في غيرها من المجالات.
وانتقل المحاضر إلى النقطة الثانية التي أشارت إليها د. نادية مصطفى في تعقيبها، والتي أعرب عن إيمانه الشديد بها؛ والمتمثلة في أن الأمة خلال القرون الثلاثة الأخيرة أو يزيد، فقدت القدرة على مراكمة الخبرات، مستشهدًا بالآية الكريمة: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾. وفسر ذلك بأن كل باحث أو فاعل يبدأ عمله اليوم، يظن أن المعرفة قد بدأت من عنده. ونفى د. بدران أن يكون لديهم في مركز ابن خلدون، رغم تعدد مجالات عملهم، أي اعتقاد بأنهم الأوائل في هذا المضمار، مؤكدًا بوضوح أنهم يقفون على أكتاف كيانات ومؤسسات كبرى أمثال “مركز الحضارة” و”المعهد العالمي للفكر الإسلامي”. وأضاف، في إشارة إلى شخصه المتواضع، أنه يعد نفسه ثمرة لمشروع “الجامعة الإسلامية العالمية” ولـ “المدرسة الجزائرية” التي تأسست بُعيد الاستقلال بهدف استعادة الهوية الحضارية للجزائر وللإنسان المسلم عمومًا.
وأكد د. بدران على حاجة الباحثين، إلى جانب جهود التنظير والحديث المتصل بالإطار المرجعي، إلى وضع وبناء نماذج تشغيلية؛ موضحًا أنه لكي تُنتج المعرفة، تبرز الحاجة الماسة لنماذج تشغيلية جزئية. وبيّن أن هذا هو السبب الذي جعله يركز في محاضرته على طبيعتهم كمركز أكاديمي لا يسعى لحل مشكلة الأمة بأكملها دفعة واحدة، بل يهدف إلى حل مشكلة جزئية ليتكامل من خلالها مع بقية الجهود المبذولة من الآخرين.
وتفاعلًا مع تساؤل طرحه أحد الزملاء حول التحدي المتمثل في كيفية إنجاز الباحث الشرعي للبحوث، أبدى المحاضر اعتقاده بأن طبيعة الموضوع المدروس هي التي تفرض حقول المعرفة التي يجب أن تتدخل فيه. وأوضح أن البينية لا تُفرض ابتداءً من قِبَل الباحث، بل إن طبيعة الموضوع وحقول المعرفة هي التي تحتمها وتفرضها. وأشار إلى أن كل حقل معرفي يمتلك مفاهيمه ومصطلحاته الخاصة، مبينًا أن كيفية اشتغال وتفاعل هذه الحقول بمصطلحاتها ومفاهيمها وأدواتها ومناهجها للخروج بنتيجة ومُخْرَج معين، تتطلب نموذجًا نظريًا مرسومًا بخطوات ومراحل واضحة لضمان الإنجاز. وحذر د. بدران من أنه بدون هذا النموذج التشغيلي النظري، سيستمر الحديث عن التكامل والبينية طوال العمر دون تحقيق أي إنجاز فعلي على أرض الواقع.
من جهة أخرى، إلى جانب التجارب التي أشارت إليها المداخلات، من المهم التذكير بتجربة وصفها بالرائدة والعريقة جدًا، وهي تجربة “الجامعة الإسلامية العالمية” في ماليزيا. إلا أنه استدرك موضحًا بأسف أن هذه التجربة أفسدها أمران أساسيان؛ أولهما الاستبداد السياسي، الذي اعتبره قوة تجعل المشروع يصل إلى مرحلة جني الثمار ثم تعيده فورًا إلى نقطة الصفر والمبتدأ من جديد. أما الأمر الثاني الذي يفسد كثيرًا من مشاريع الأمة، فقد حصره المحاضر في وجود من أسماهم بـ “المرتزقة” من أبناء المسلمين. ووصف هؤلاء بأنهم أشخاص يشاركون في المشروع طالما أنه يوفر لهم المكاسب ويوصلهم لأهدافهم، ولكن بمجرد أن ينفد رصيد المشروع، يذهبون للاستفادة والأكل مع جهات أخرى، بل ويقومون بالدوس على المشروع السابق. وأبدى استعداده التام لذكر تجارب عديدة تؤكد هذا الأمر وسردها واحدة تلو الأخرى إن اقتضى الأمر ذلك.
وشدد على ضرورة تحصين المشاريع بطريقة تمنع الاستبداد والمرتزقة من هدمها من القواعد في كل مرة وإجبار الجميع على البدء من جديد. وأشار إلى أنه لو تم إحصاء التجارب الناجحة الممتدة من المحيط إلى الخليج، ومن طنجة إلى جاكرتا، لتبين أن الاستبداد أو أولئك المرتزقة من أبناء المسلمين هم من قتلوها. ووصف هؤلاء المرتزقة بأنهم قد يصلون الصبح والعشاء مع القائمين على المشروع، لكنهم يبيعونه في أول لحظة، ويعودون عليه بالإبطال والتخريب. وأكد مجددًا أنه ما لم تُحصن هذه المشاريع بوضوح نظري، ونماذج قابلة للتنفيذ، ومأسسة محكمة، فإنها ستنهار سرعان ما تبدأ، ليعود الباحثون إلى نقطة الصفر. واعتبر أن هذا الأمر مؤرق ويحتاج إلى إجابات صريحة وحقيقية. واستشهد في هذا السياق بما أشار إليه الإخوة المتدخلون حول توقف الحراك الذي وقع قديمًا في المجتمع المدني في مصر، متسائلًا عن أسباب توقفه، ليؤكد أن أسبابه معروفة للجميع. وأضاف أن هذه الأسئلة ذاتها مطروحة وتُتداول في الجزائر، وفي ماليزيا، متسائلًا بشكل عام وبحرقة عن أسباب توقف المشاريع في العالم الإسلامي.
وضرب المحاضر مثلًا بمشروع “المعهد العالمي للفكر الإسلامي”، حيث أوضح أن هناك من المسلمين من كان يعمل في المشروع ويتقاضى راتبًا ويُصلي مع العاملين فيه، ولكنه بمجرد خروجه من المكان يبدأ في التشكيك في مشروع “إسلامية المعرفة” من الأساس، معتبرًا إياها مجرد غطاء أيديولوجي، على الرغم من أنه لم يقرأ كتابًا واحدًا في هذا المجال. وتساءل د. بدران باستنكار عما إذا كانت أطروحات د. عبد الوهاب المسيري أو أطروحات د. فتحي الملكاوي تُعد مجرد أطروحات أيديولوجية!
وخلص د. بدران في نهاية مداخلته إلى ضرورة الانتباه الشديد إلى البنية الاجتماعية للمنتج المعرفي والجهد المعرفي. وأشار إلى وجود دوائر أخرى تعمل وتشتغل في إنتاج المعرفة خارج نطاق الدوائر الأكاديمية. مؤكدًا أن الخلاصة التي صاغتها أستاذته د. نادية مصطفى تُغني عن كلامه وعن كلام كثير من الإخوة الحاضرين.
رابعا-الختام
كلمة ختامية د.مدحت ماهر (وتعقيب د. نادية مصطفى):
استهل د. مدحت ماهر كلمته الختامية، مشيدًا بكلمة د. بدران بن الحسن، وأوضح د. مدحت أن تعبير د. بدران عن طبيعة المركز يعكس مدى تأثر هذه الرؤية بشخصه، مبينًا أنها نظرة متأثرة بالرؤية المعرفية الحضارية وليست مجرد نظرة مؤسسية بحتة. وأضاف أنه يتحدث في الختام من موقعه الإداري كمدير للجلسة، وبصفته مساعدًا للدكتورة نادية مصطفى في “إدارة العلم” و”إدارة البحوث”، وهو المجال الذي أفنى أو بالأحرى استثمر فيه العمر أساتذة أجلاء كالدكتور فتحي الملكاوي، والدكتور بدران، والأستاذ هشام، والدكتور عبد القادر.
وأشار إلى وجود مداخلة مكتوبة مرسلة من د. دليلة بن كوسة، والتي أشارت فيها إلى التحديات والفجوات الكثيرة التي تعيق عملية التجسير والبينية. وذكر مداخلة أخرى من أ. ضحى مصطفى، والتي تعلقت كذلك بمثل هذه القضايا والاحتياجات.
ولفت د. مدحت الانتباه إلى كلمة د. بدران في البداية وتعقيب د. نادية مصطفى عليها فيما يخص مسألة “الإدارة”. ونقل عن د. نادية قولها إن الإدارة في هذا السياق ليست “إدارة أعمال” (بزنس)، بل هي إدارة لمساحات معرفية، وإدارة لعملية إنتاج المعرفة والعلم. وأوضح أن دورهم يتمثل في المساعدة والوقوف خلف الباحثين، والأساتذة، والنابهين، والمبدعين سواء كانوا صغارًا أو كبارًا، وكذلك خلف طلبة العلم الحقيقيين والمنتمين والمؤتمنين على العلم.
كما أشار إلى أن المحاضر قد أشار إلى انتقال فعلي من عالم “التأصيل” إلى عالم “التفعيل”، معتبرًا أن البينية والتجسير وغيرها تُمثل مرحلة مهمة في هذا المسار. وأضاف أن د. بدران قد تطرق إلى نموذج لقياس البحث البيني، وإلى تأسيس مجلة، ومؤتمر، وتبنيات متعددة. وأوضح أن مصطلح “التفعيل” لا يعني بالضرورة أن يقوم الباحث المتخصص في العلوم السياسية مقام وزير الخارجية أو يحل محله بالكامل. وسلط د. مدحت الضوء على مجال بيني يعتقد أنهم معنيون به، موجهًا حديثه للدكتور فتحي الملكاوي الذي كان لا يزال يستمع إليهم، وهو مجال “التعليم ما بعد إنتاج العلم والمعرفة”، أي تعليم ما يُنتج وتحويله إلى مقررات دراسية. وبيّن أن الهدف من ذلك هو سد الفجوة التي تحدثت عنها الأستاذة شيماء وضحى ومحمد الديب والشباب الجدد؛ وهي الفجوة بين ما تعلمه الكبار وعلّموه، وما تعلمته الأجيال الوسطى، وما هو مطلوب منهم تعليمه الآن، لضمان وجود منتج تعليمي مستمر ومُطور باستمرار. ورأى د. مدحت بناءً على ذلك أن إخراج المقررات التعليمية من أرضية “إسلامية المعرفة” و”التكامل المعرفي” و”المنظور الحضاري” أصبح “واجب الوقت”، مناديًا بتعليم موازٍ وعابر للتخصصات وللحدود، بما في ذلك الكتابة باللغة الإنجليزية.
وأعرب د. مدحت عن اعتقاده بأن هذه المساحة قد تجيب عمليًا عن كثير من الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها إلا بأسلوب عملي. واستشهد بالآية الكريمة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾، موضحًا أن السائلين أرادوا معرفة كيفية تغير القمر، إلا أن الإجابة القرآنية صرفتهم عن ذلك إلى الجانب العملي: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
وأكد أن ما قدمه د. فتحي الملكاوي في هذا الشأن يحتاج منهم، قبل إقامة حفل أو مؤتمر لمركز الحضارة، إلى إقامة مؤتمر مخصص للدكتور الملكاوي نفسه، معتبرًا ذلك واجب الوقت. وعلل ذلك بأن أستاذه قد خاض طولًا وعرضًا في مسائل المعرفة والتربية والتعليم، مبينًا أنه يُعَلِّم في المجالين المعرفي والتربوي التعليمي، وأنه جعل للتعليم والمعرفة جذورًا أثمرت في الأطروحات التي قدمها. وعبّر د. مدحت عن سعادته الغامرة بوجوده في هذه المدرسة، معتبرًا أنه من فضل الله عليه أن يكون بين هذه الكوكبة من الأساتذة والزملاء والجيل التالي له، ليعينوا ويعاونوا بعضهم البعض.
التعقيب الختامي للدكتورة نادية مصطفى:
أشارت د. نادية في تعقيبها إلى أن د. فتحي الملكاوي حين أخرج آخر كتبه عن الثلاثي: (الفاروقي، والعلواني، وأبو سليمان)، طلب منها النظر فيه. وأبدت أسفها لعدم تمكنها من تقديم إسهامها، إلا أنها أكدت قراءتها للكتاب. وذكرت أن أول تعليق لها أرسلته للدكتور الملكاوي كان تساؤلًا حول موقعه هو من هذه الثلاثية؛ معتبرة أن أولئك الثلاثة كانوا قيادات، وأنهم في المركز قاموا بعمل قراءات في فكر أبي سليمان وطه العلواني. وأوضحت أن هؤلاء كانوا قيادات ولكنهم لم يؤدوا ما أدوه فُرادى، مشددة على أن هذا هو المعنى الذي تحرص دائمًا على قوله حين يشكرها أحد، وهو أنها لم تفعل شيئًا بمفردها. وأكدت أن المجموعة كلها هي من تُنبت وتُخرج، وأن لكل فرد دوره، معتبرة أن هذا هو أساس “البينية”.
وأضافت د. نادية أنها رغم تخصصها في العلوم السياسية، إلا أنها تعلمت الكثير على يدي د. الملكاوي، والدكتور طه العلواني، والدكتور جمال عطية، والمستشار طارق البشري، والدكتور حامد ربيع. وأكدت أنها لا تذكر هذا الكلام لأساتذتها فقط، بل تنقله للشباب ليُدركوا فضل هؤلاء الأساتذة، مضيفة إليهم د. منى أبو الفضل والدكتورة حورية توفيق مجاهد. وطرحت تساؤلات حول ما فعلوه بعد ذلك وما درسوه وأشرفوا عليه من رسائل، لتخلص إلى أن هذه هي “الأمة”، مبينة أن الأمة مفهوم “جَمْعي”، وأنها أنتجت وأظهرت حضارتها فقط حينما حافظت على هذه “الجَمْعِيَّة”. واختتمت د. نادية تعليقها بالتأكيد على وجوب شكر د. الملكاوي وفكره، متسائلة عمن سيقوم بقراءة كامل إنتاجه، ومقترحة أن هذا الأمر قد يحتاج منهم إلى سنة من العمل لإنجازه بإذن الله.
اختتام اللقاء:
اختتم د. مدحت ماهر اللقاء مؤكدًا أن هذا الأمر (القراءة الكاملة لإنتاج د. ملكاوي) هو واجب الوقت وسيعملون عليه بإذن الله. وكرر شكره الجزيل للأساتذة والحضور وخص بالذكر د. بدران، سائلًا الله أن يحفظ أرض الخليج وشعبها، وأرض الأوطان وشعوبها، وأراضي وثروات وشعوب المسلمين في كل مكان. وأن يحفظهم من المرتزقة ومن المعتدين، ومن الخصمين الرئيسيين اللذين بيّن أنهما معروفان جيدًا وهما: الكيان الصهيوني ومن حالفه.



