الرحلة اليابانية بين الجرجاوي وتوكوتومي كينجيرو: المرآة والنافذة

يُعد أدب الرحلات من أهم المصادر التي يعتمد عليها المؤرخون وعلماء الجغرافيا والاجتماع للتعرف على أحوال الأمم وثقافات الشعوب. فقد دأب الرحالة على تدوين مشاهداتهم للبلدان ومعالمها الحضارية وعادات الشعوب، لتصبح كتاباتهم أشبه بوثائق تاريخية واجتماعية توثِّق حضارات الأمم السابقة[1]. وفي مطلع القرن العشرين، وعقب الانتصار الياباني على الإمبراطورية الروسية عام 1905م، وفي ظل التغييرات السياسية العالمية ومقاومة الاستعمار الأوروبي، بدأت النخب العربية والإسلامية في الالتفات نحو أهمية النظر إلى الشرق ومن ثم بدأت رحلات السفر نحو الشرق الأقصى للبحث في أسباب الرقي المادي والتقدم، والنظر فيما وراء الانتصار الكبير لليابان[2]. وعلى الجانب الآخر، امتلكت اليابان أيضًا أدبًا للرحلات، حيث وثَّق الرحالة اليابانيون زياراتهم للمنطقة العربية، ووظفوا أحيانًا الرموز الدينية والروحية للتعبير عن متطلباتهم واحتياجاتهم النفسية والروحية والبحث عن الخلاص الروحي[3].

بناءً على ذلك، يقدم هذا التقرير قراءة بينية لكتابين يوثقان رحلتين متقابلتين في الاتجاه والجغرافيا، متزامنتين في التوقيت، الكتاب الأول هو “الرحلة اليابانية” الذي صدرت طبعته الأولى عام 1907 للشيخ المصري علي أحمد الجرجاوي[4]، انطلق الجرجاوي في رحلته عام 1906، من أجل حضور مؤتمر مقارنة الأديان في طوكيو وغرضه الدعوة إلى الإسلام من ناحية، والوقوف على أسباب النهضة اليابانية من ناحية أخرى[5]. أما الكتاب الثاني فهو للأديب الياباني توكوتومي كينجيرو (المعروف أدبيًّا باسم “لوقا”)، ويضم جزأين مترجمين للعربية؛ يعرض الجزء الأول رحلته إلى فلسطين ومصر عام 1906 بدافع الحج، بينما يوثق الجزء الثاني رحلته إلى المنطقة ذاتها عام 1919[6].

يعتمد هذا التقرير على “المنهج السيميائي” (علم العلامات)، وهو العلم الذي يدرس حياة العلامات وأنظمتها وكيفية إنتاجها وتأويلها داخل المجتمع. ترجع الأصول المعاصرة لهذا المنهج إلى عالمين بارزين؛ الأول هو عالم اللسانيات السويسري فرديناند دي سوسير الذي رأى أن اللغة عبارة عن نظام من العلامات، وأن العلامة تتكوَّن من شِقَّيْنِ متَّصلين هما “الدال” و”المدلول”، والثاني هو الفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس الذي وسَّع المجال ليشمل الظواهر كلها، وصنف العلامات إلى أيقونة، ومؤشر، ورمز[7]، وتطوَّر هذا المنهج لاحقًا في النقد الأدبي والثقافي على يد نقاد مثل رولان بارت، ليتجاوز دراسة الجملة واللغة المباشرة إلى تفكيك أنساق الخطاب والرموز الثقافية[8].

وعند تطبيق المنهج السيميائي على أدب الرحلات، فإن الأماكن والمدن والأشخاص لا تؤخذ بمعناها الحرفي والمباشر، لكنها تُعامل كعلامات وشفرات ثقافية. على سبيل المثال، يتجاوز توكوتومي كينجيرو في كلامه الدلالة التقليدية للصليب؛ فبينما يُوظف الصليب مسيحيًّا كرمز أبدي للمعاناة والألم، يعمد كينجيرو إلى تفكيك هذه الدلالة ورفضها، معلنًا -سيميائيًّا- انتهاء عهد الصليب بوصفه علامة على الشرور والحروب. وبدلًا من التعلق بالمسيح النازف، يطرح كينجيرو بديلًا هو الشمس. وبذلك، يتحول الصليب في نص الرحلة من رمز للخلاص إلى علامة تمثِّل لعنة الماضي التي تجب التضحية بها وإلقاؤها في البحر للعبور نحو العالم الجديد. ويتيح لنا هذا المنهج تفكيك بنية كتابة الجرجاوي وكينجيرو، وفهم الآليات التي صاغ بها كل منهما نظرته وتصوره لعالم الآخر.

يبدأ هذا المحور بالنظر في السياق التاريخي والسياسي والنفسي الذي سبق انطلاق الرحلتين. لم يكن خروج كلٍّ من علي أحمد الجرجاوي وتوكوتومي كينجيرو مجرد انتقال مكاني عابر، بل كان هذا الانتقال استجابة مباشرة لظروف عالمية وداخلية حتَّمت عليهما السفر والترحال، حيث دأب كثير من الرحَّالة على الاتِّكاء على الحوادث المؤثِّرة في عصورهم لاتخاذها حافزًا للحركة، وهو ما تجلَّى بوضوح في هاتين الرحلتين.

على الصعيد العالمي، شهد مطلع القرن العشرين حدثًا سياسيًّا وعسكريًّا بارزًا تمثَّل في الانتصار العسكري الذي حقَّقته اليابان على الإمبراطورية الروسية في عام 1905. هذا الانتصار لم يقف عند حدود كونه حدثًا سياسيًّا عاديًّا، لكنه أحدث تحوُّلًا في صورة “الآخر” المتبادلة بين الشرق والغرب[9]، وتسبَّب في كسر أسطورة التفوق الأوروبي المستقرِّ في الأذهان خاصةً في بداية القرن العشرين ومعاناة مصر والعالم العربي  من وطأة الاحتلال والهيمنة الغربية، وعليه، فقد نظر أبناء الشرق إلى اليابان بوصفها نموذجًا شرقيًّا استطاع تحقيق نهضة شبيهة بالنهضة الأوروبية[10]، ومن هنا، برزت التطلُّعات الشرقية للبحث عن أسباب هذا الرُّقي المادي والنهوض ونقله إلى بلدانهم. وفي عام 1906، انتشرت الأخبار في حواضر العالم الإسلامي بأن رئيس وزراء اليابان الكونت كاتسورا أرسل خطابات رسمية لدول العالم لإرسال علمائهم لحضور مؤتمر كبير في طوكيو[11]، كان الهدف من هذا المؤتمر هو المقارنة بين الأديان المختلفة لاختيار أفضلها وأصلحها ليكون دينًا رسميًّا للإمبراطورية اليابانية الصاعدة[12].

قرأ الداعية الأزهري الشيخ علي أحمد الجرجاوي هذا الخبر في صحيفة عندما كان في قريته “أم القرعان” بمركز جرجا في صعيد مصر. وعليه فقد توجَّه الجرجاوي فورًا إلى علماء الأزهر لحثِّهم على إرسال وفد رسمي لنشر الإسلام في أقصى الأرض، لكنه لم يجد استجابة فعلية ولم يتلقَّ سوى الوعود. لم يستسلم الجرجاوي، فكتب نداءً عامًّا في صحيفته “الإرشاد”[13]، وعندما لم يتلقَّ رَدًّا، قرَّر السفر بنفسه متحمِّلًا المسؤولية الكاملة. قام الجرجاوي ببيع خمسة أفدنة من أرضه الزراعية لتمويل نفقات رحلته الشاقَّة من ماله الخاص[14]، وقد صرَّح الجرجاوي بوضوح أن دافعه الأول والأخير لم يكن السياحة، وإنما كان نفع بلاده وخدمة دينه وجامعته. كما حمل في ذهنه مشروعًا سياسيًّا بعيد المدى يتمثَّل في طموحه لتشكيل حلف إسلامي قوي يجمع اليابان والصين مع الدولة العثمانية لإعادة مجد الإسلام ومواجهة التغوُّل الغربي.

على الجانب الآخر، وفي العام نفسه (1906)، خرج الأديب الياباني توكوتومي كينجيرو، المعروف باسمه الأدبي “لوقا”[15]، قاصدًا البلدان الإسلامية وغرضه الرئيس الحج إلى بيت المقدس. لم تكن رحلته بدافع سياسي أو استشرافي لانتصار بلاده العسكري، لكنها كانت هربًا من الفراغ الروحي والاضطرابات النفسية التي عانى منها. ففي أغسطس من عام 1905، تسلَّق كينجيرو جبل فوجي المقدس في اليابان، وأصيب بإغماء مفاجئ وظل فاقدًا للوعي بين الصخور لمدة 72 ساعة. بعد نجاته من هذه الحادثة، اعتبر كينجيرو نفسه قد وُلد من جديد، وقرَّر العُزلة في الجبال لعدَّة أشهُر يقرأ فيها الأناجيل وكُتُبَ الفيلسوف تولستوي ويبحث عن إجابات روحية. قرر كينجيرو أن يقوم برحلة روحية خالصة أسماها “رحلة الحج” (جونرئيه)[16] إلى الأراضي المقدسة في فلسطين للبحث عن “ماء الحياة”[17] وتغيير مسار حياته بالكامل.

لم تتوقف دوافع كينجيرو عند الرحلة الأولى، لكنها تجدَّدت بشكل أعمق في رحلته الثانية عام 1919. جاءت هذه الرحلة في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى التي أحدثت دمارًا وفراغًا روحيًّا هائلًا. اعتبر كينجيرو أن عام 1919 يمثِّل السنة الأولى في حقبة جديدة لعالمنا. اصطحب كينجيرو زوجته “آي” في هذه الرحلة، واعتبر أنهما يمثلان “آدم وحواء”[18] لتدشين هذا العهد الإنساني الجديد. وقد تجلَّى هدفه السلمي والتنويري عندما ذهب إلى القنصلية البريطانية في يوكوهاما للحصول على تأشيرة السفر للبدء برحلته حول العالم. هناك، كتب بخط يده في الوثائق الرسمية في خانة الغرض من الرحلة أنه خارج بصفته: “رسول السلام لنشر النوايا الحسنة بين الأمم”[19]. كان هدفه هو مواساة البشرية بعد مصائب الحرب وويلاتها، والتأسيس لمشروعه العالمي الذي يتجاوز الانغلاق على الذات.

لم تكن الوجهة الجغرافية مجرَّد بقعة على الخريطة، لقد كانت مقصدًا ورمزًا يحمل دلالات للرحَّالتين. خرج الجرجاوي من بيته قاصدًا أقصى الشرق ليبث من روحانية الدين الإسلامي في منطقة يرى أن تقدُّمها المادي والعسكري ينقصه الجانب الروحاني ليكتمل. رأى الجرجاوي في اليابان رمزًا للنهضة التي تحتاج إلى العقيدة لتوجيهها. وقد انعكست هذه الدلالة الرمزية للوجهة في لغة الكتابين؛ حيث مالت لغة الجرجاوي وكينجيرو إلى التبشير أكثر من التوثيق الجغرافي. فالجرجاوي يبشر بعز الإسلام عبر تحالف شرقي، وكينجيرو يبشر بعهد جديد يخلو من الحروب المدمِّرة وتنتفي فيه الصور النمطية المسبقة التي تصوِّر الغربيَّ مُستعمرًا فقط أو الشرقي أدنى مرتبة.

في هذه الرحلات، مثَّلت السفينة فضاءً مكانيًّا متنقِّلًا يُتيح للرحَّالة استخلاص خواطره وأفكاره بعيدًا عن ارتباطه بمكان أو ظروف معينة. استغرقت رحلة الجرجاوي البحرية أكثر من شهرين، مر خلالها بموانئ متعدِّدة انطلاقًا من الإسكندرية، مرورًا بإيطاليا وتونس وعدن وبومباي وكولومبو وسنغافورة وهونج كونج، وصولًا إلى يوكوهاما. أتاح هذا الانتقال الطويل له استحضار الأحداث وطرح التساؤلات حول أسباب تراجع الأمة وكيفية النهوض بها. وبالمثل، أتاحت رحلة البحر لكينجيرو مساحة للتحرُّر، حيث كان يقضي وقته متأمِّلًا المحيط الواسع والنجوم، ومستحضرًا تطلُّعاته بعيدًا عن وطنه، ممَّا يكشف ما تُتيحه الرحلات للرحَّالة من فرص ليتأمَّل ويعبِّر عن خواطره وسوانحه بحُرية.

لا يقتصر أدب الرحلات على تدوين المسافات الجغرافية أو الرصد العابر للمعالم السياحية. يعمد الرحالة إلى التأمل في أحوال الأمم التي يمرُّ بها وملاحظة المشاهدة العمرانية والأخبار الاجتماعية والسياسية. وبتطبيق المنهج السيميائي، لا تعود الجغرافيا مجرد أماكن مادية، وتتحوَّل المدن إلى “علامات” ونصوص مفتوحة يقرأها الرحَّالة، ويُسقط عليها أفكاره وتصوُّراته المسبقة. وفي هذا الإطار، يبرز التباين بين نظرة علي أحمد الجرجاوي إلى العاصمة اليابانية طوكيو، ونظرة توكوتومي كينجيرو إلى كل من القاهرة والقدس.

تبدو الرحلة الجغرافية عند كينجيرو مثل طواف دائري يمثل مسارًا يبدأ وينتهي بالوطن. في رحلته الأولى عام 1906، ينطلق من ميناء يوكوهاما عابرًا كوبه وموجي، ثم شنغهاي، وهونج كونج، وسنغافورة، وكولومبو، وصولًا إلى بورسعيد والقاهرة. ومن يافا يستقل القطار إلى القدس، ليقطع فلسطين شمالًا على ظهر الخيل مارًّا ببئر يعقوب في السامرة، والناصرة، وطبرية. ومن حيفا يبحر شمالًا عابرًا صور وصيدا وبطمس وسميرنا وصولًا إلى إسطنبول. أما في رحلته الثانية عام 1919 برفقة زوجته، فيعيد رسم هذه الجغرافيا؛ فيعبر القنطرة واللد إلى القدس وبيت لحم، ثم يتجه إلى حيفا ودمشق، ليعود جنوبًا ويغادر بورسعيد نحو برينديزي في إيطاليا طائفًا حول العالم كطائر السنونو[20] الذي يتحرَّك بلا حدود. هذا التحرك الدائري يعبر سيميائيًّا عن البحث الروحي والسعي لالتقاط غصن من شجرة الخلاص في عالم ما بعد الحرب.

اتَّسمت قراءة الجرجاوي للعاصمة اليابانية طوكيو بالإيجابية الشديدة والانبهار. لم يأت الجرجاوي كسائح تقليدي يبحث عن الترفيه، لقد جاء باحثًا عن أسباب التقدُّم، ومستكشفًا لنموذج شرقي استطاع أن يحقق نهضة كالنهضة الأوروبية. اتخذ الجرجاوي من جغرافية طوكيو مرآة تعكس طموحاته لنهضة العالم العربي والإسلامي. لقد أفرد مساحات واسعة في كتابه لوصف مظاهر النظام، والنظافة، والانضباط، وتطور المدارس والأسواق والمؤسسات. وجد الجرجاوي في تقدُّم طوكيو حلًّا عمليًّا للتخلُّف الذي تعاني منه أمَّته، ولكنه في الوقت ذاته أبصر الآفة التي تنقص هذا التقدُّم؛ وهي افتقار اليابان إلى عقيدة دينية سماوية تضبط هذه الحضارة المادية[21]. لقد قرأ الجرجاوي استعداد المكان والناس الفطري للتغيير، مؤكِّدًا أن “حالة اليابانيِّين الطبيعية ساعدت على اعتناق الإسلام، لأنهم قوم عندهم استعداد طبيعي لقبول كل ما يوافق العقل ونفي كل ما يخالفه”[22]. ولخَّص الجرجاوي رؤيته وإعجابه الشديد بالعاصمة اليابانية حينما قال: “إن هذه العاصمة المدنية فيها في ريعان شبابها ولولا شدة البرد فيها لكانت تعد جنة الشرق منظرًا وبهاءًا”[23].

على الجانب الآخر، اتسمت قراءة توكوتومي كينجيرو لمدن الشرق الأوسط بالذاتية المفرطة والتأمل العميق، مبتعدًا عما يُعرف بنظرة السائح الغربي التقليدي[24]. عندما حَطَّ كينجيرو رِحَالَهُ في القاهرة، لم ينظر إليها للبحث عن الآثار والتاريخ وحسْب، لكن بحث عن “روح” المدينة وتفاصيل الحياة اليومية للناس. قرأ كينجيرو شوارع القاهرة وأسواقها بتعجُّب قائلًا: “ألوان السجاد الفارسي مع صوت الناس الذين يبيعون المشروبات تداخلت وتوحَّدت معًا، وأعطتني شعورًا غريبًا كأنني أعيش إحدى حكايات ألف ليلة وليلة!”[25]. كما نظر كينجيرو إلى جغرافية المكان كرمز للتباين الحضاري، فوصف مشهد القرى المصرية بقوله: “شاهدت صفًّا من الإبل بدلًا من الجياد، تحثُّ خطاها على الرمال، هذه هي صورة مصر. شاهدت بيوتًا من طين بُنيت على شكل مربع تُحيطه أشجار النخيل، هذه هي قرى مصر”[26]. وفي الوقت نفسه، انتقد كينجيرو مظاهر التغريب التي طرأت على المدينة، وعبَّر عن أسفه من انسلاخها عن جذورها قائلًا: “أنا حزين قليلًا من أجل مصر التي تأثَّرت بالثقافة الغربية وبالحضارة الغربية”[27].

أمَّا إستانبول عند كينجيرو فمثَّلت بؤرة التفاعل مع الجغرافيا السياسية والدينية للشرق الأوسط. فعلى الرغم من إعجابه باتساع المدينة وقباب مساجدها المطلة على البوسفور، وجلال آياصوفيا التي تأمل فيها خشوع المصلين، فإنه انتقد واقع المجتمع العثماني؛ إذ اتخذ من قذارة الشوارع وانتشار الكلاب الضالَّة رمزًا لتعطُّل الإدارة المدنية والسياسية للدولة. وتتجلَّى جدلية الهوية والسيادة في اللقاء الذي يوثقه كينجيرو بين التاجر الياباني “ناكامورا” والسلطان العثماني (عبد الحميد الثاني)، حين دعاه السلطان لاعتناق الإسلام ونشره في اليابان، فرفض ناكامورا بأدب معتبرًا أن قبول ذلك يمسُّ بولائه المطلق لإمبراطوره الذي يمثِّل الرمز والسيادة الأعلى لليابانيين. هذا الاصطدام بين مفهوم الخلافة والوطنية اليابانية يقود كينجيرو إلى بلورة رؤية ترمي إلى ضرورة التحديث وتجاوز الماضي العثماني من خلال شعاره (اخلع الطربوش الأحمر)، متمنيًا لبلد الهلال أن ينهض بقوة عسكرية وعلمية على غرار بلد الشمس المشرقة.

صُدم كينجيرو أيضًا بالعشوائية والحالة الرثَّة التي وجد عليها مدينة القدس، وعبَّر عن غضبه الشديد من هذا التناقض قائلًا: “حين تلقي بالنظرة الأولى على القدس من خارج أسوارها تتعجَّب بالطبع، لكن مشاهدة المدينة نفسها داخل الأسوار تجعلك تودُّ لو تحرق المكان كلَّه”[28]. كما قرأ كينجيرو التضاريس المحيطة بالقدس باعتبارها علامات مكانية توحي بالكآبة والموت، حيث وصف أحد أوديتها بقوله: “هذا حقا وادى الموت، وادى الجحيم، وادى الحطام، يجعلني هذا الوادي أشعر بالاشمئزاز”[29]. لم تقف قراءة كينجيرو للقدس عند البعد الجغرافي والديني، بل امتدَّت لتشريح جغرافيَّتها السياسية والتنافس الاستعماري الشرس عليها. وقد رصد هذا الصراع بقوله: “من يحكم القدس الآن؟ تعجَّبت! من الناحية السياسية يحكمها الأتراك… يحاول البريطانيون والأمريكيون والألمان السيطرة على القدس… أتعجب، فالآن أشاهد أمامي الموقف الدولي بشكل واضح!”[30]. وبنظرة استشرافية، أدرك كينجيرو خطورة الوضع في أزقة القدس التي تكتظ بالعرقيات والطوائف المختلفة، محذِّرًا من مستقبلها الغامض بقوله: “حواري القدس الضيقة الملتوية تجعل من هذه المنطقة منطقة غامضة… يمكنني أن أقول بصدق إن هذه المدينة القديمة المحاطة بالأسوار تجلس على بركان يمكن أن ينفجر في أي لحظة”[31]، ورغم هذا الرفض الظاهري للواقع المتردِّي، فإن الروحانية الكامنة في جغرافية المكان المقدَّس كانت تتغلَّب عليه في لحظات التأمُّل والسكينة، ليعود ويعترف باتِّصاله الروحي بالمدينة قائلًا: “القدس مدينة جميلة في يوم الربيع… أحب القدس، أحب هذا المكان”[32].

تتبدى الجغرافيا النصِّيَّة لفلسطين في وجدان كينجيرو من خلال ثنائية سيميائية هي “المهد والقبر”، حين يقارن بين القدس وبيت لحم من منطلق روحي. إذ تمثِّل القدس في نظر كينجيرو القبر؛ رمز الموت والصلب، والمعاناة التاريخية، وصراعات الطوائف المسيحية وقذارة المدينة التي تثير القرف والتقزز في نفسه. في المقابل، تبرز بيت لحم، وجهة حجِّه كمسيحي، بوصفها رمزًا للمهد والولادة؛ ففي زيارته الأولى عام 1906م، يتأثر بنقاء طبيعتها وصوت ناي الرعاة في حقول بوعز مستحضرًا براءة الطفولة وأشعار الميلاد القديمة. وفي زيارته الثانية عام 1919م، يقف عند مدخل كنيسة الميلاد الضيق والمنخفض، ليرى هذا المَعْلَمَ الجغرافي، مرة أخرى، كرمز للولادة؛ إذ يرى أن “الإنسان حين يولد يخرج من منطقة ضيقة جدًّا، وهذا نمط من مدخل يسمح بالخروج والولادة الجديدة”[33]، هنا تتحوَّل بيت لحم من مكان تاريخي إلى فضاء لتطهير الذات والولادة الروحية لكينجيرو وزوجته اللذين نفضا عن كاهلهما لعنة الماضي وتعب الصليب ليعيشا كآدم وحواء.

يتَّضح بذلك، كيف قرأ كلٌّ من الجرجاوي وكينجيرو جغرافيا العالم الآخر؛ حيث رأى الأول في مدن الآخر إمكانًا يمكن استنساخه لتحقيق النهضة، ورأى الثاني فيها صمودًا وجرحًا يعكس آلام الإنسانية.

ينطلق الرحَّالة في نظرته إلى الآخر من تصوُّراته الذهنية المسبقة. وعندما يلتقي الرحَّالة بالآخر وجْهًا لوجه، يحدث نوعٌ من الاختبار لتلك التصوُّرات[34]، وقد حاول كلٌّ من الجرجاوي وكينجيرو إعادة النظر في الآخر بعيدًا عن الصور النمطية التي روَّج لها الاستعمار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الجرجاوي بنى تصوراته بشكل رئيس على التراث الإسلامي وأدبيات الرحلات العربية.

رفض الجرجاوي النظرة السلبية الشائعة آنذاك عن “الجنس الأصفر”، ونظر إلى الشعب الياباني نظرة إعجاب وتقدير[35]. وأشاد الجرجاوي بوطنية اليابانيِّين، وامتدح ذكاءهم وانضباطهم وحبهم للعلم، مؤكدًا أن استعدادهم للتقدم نبع من إدراكهم لقصور معتقداتهم القديمة. ونقل الجرجاوي هذا المعنى بقوله إن اليابانيين: “رأوا أن معتقداتهم الأصلية لا تتفق مع عقلهم الباهر”[36]. وفي المقابل، تنوَّعت نظرة كينجيرو للمصريِّين بين التعجُّب والإجلال. اصطدم كينجيرو في البداية بظاهرة طلب المنفعة المالية، وعبَّر عن انزعاجه الشديد من هذه الصورة النمطية السلبية التي تسيء للشرق، وكتب متعجبًا: “كانوا يرددون: بقشيش… بقشيش هذه الكلمة تنتشر بين معظم المصريين والفلسطينيين والسوريين… صارت كلمة مؤذية تصيب السائحين بالزهق”[37]. لكن هذه النظرة المتعجِّبة تبدَّلت تمامًا إلى إجلال عندما شهد كينجيرو ثورة المصريين عام 1919. راقب كينجيرو المظاهرات السلمية المنظَّمة، ولفت انتباهَه مشهدُ رجلٍ عجوزٍ يُصلي وسط هذا الزخم الثوري. ووصف كينجيرو هذا المشهد الصادق بقوله: “شاهدت شيئًا غير عادي… أحد المصريِّين يرتدي ملابس بيضاء فضفاضة، بسط قطعة من القماش مربعة على الأرض، ثم سجد… حين شاهدت هذا الحدث اهتزَّ جسمي وارتعد وانسابت الدموع من عيني”[38]، وأدرك كينجيرو حينها عُمق الروح الوطنية المصرية، فعبر عن تضامنه معهم قائلًا: “أنتم حقا تريدون الاستقلال.. آه يا مصر! ها أنت تريدين أن تنهضي وأن تقفي وحدك… مستقلَّة”.

احتلت المرأة مكانة بارزة في مدوَّنات الرحَّالتين، ورأى كلٌّ منهما في المرأة مؤشِّرًا على تمدُّن الأمة وقوَّتها. نظر الجرجاوي إلى المرأة اليابانية بعين الإعجاب، وتمنَّى نقل نموذجِها الفاعل إلى بلاده. وعبَّر الجرجاوي عن إعجابه الشديد بدور المرأة اليابانية التنويري قائلًا: “إذا كان علماء العمران يعدُّون المرأة عضوًا عاملًا في الهيئة الاجتماعية، ويوجبون تعليمها العلوم والمعارف لجلال مركزها، وإذا كانوا يجعلون تمدُّن الأمم التمدُّن الحقيقي متوقِّفًا على كمال تربيتها، فإن المرأة اليابانية هي المثال الصحيح على هذه الدعوى”[39].

وعلى الجانب الآخر، رأى كينجيرو في مشاركة المرأة المصرية في ثورة 1919 دليلًا على حتميَّة انتصار المصريين وتقدُّم الشرق. وثَّق كينجيرو مشهد مشاركة المرأة المصرية بقوله: “رأيت امرأة مصرية تبيع شيئًا، كانت تغطِّى نفسها بـ ملاية سوداء… أرادت هذه المرأة أن تعبِّر عن مشاعرها تجاه هذه الثورة”[40]. واعتبر كينجيرو هذه المشاركة الفاعلة علامة نصر مؤكَّدة، فكتب: “إذا كانت هناك امرأة هنا في هذه المظاهرة فهذا يعنى أنهم سينتصرون لا محالة”. كما أشار إلى تراجع سلطة الاستعمار أمام إرادة النساء قائلًا: “لقد اعتذر عن استعدائه لهن، لأنه يعرف أنه لا يمكن أن ينتصر على المرأة”[41].

واجه الرحَّالتَان تساؤلًا عمليًّا حول إمكانية اعتناق دين جديد مع الاحتفاظ بالهوية الوطنية الأصلية. بالنسبة للجرجاوي، لم يكن الإسلام يلغي هُوية معتنقيه. ذكر الجرجاوي في كتابه أنه أسْهم مع رفاقه في إسلام اثني عشر ألف ياباني. وتلفت الانتباه هنا إشارته إلى أن هؤلاء المهتدين الجُدد احتفظوا بأسمائهم اليابانية الأساسية ولم يغيروها. يدلُّ هذا الحدث على رؤية الجرجاوي للإسلام كوعاء فكري شامل يستوعب الثقافات المحلية ويحترم الهوية الوطنية ولا يلغيها. أما كينجيرو، فقد واجه جدلية الهُوية والدين من داخل مسيحيَّته. رفض كينجيرو التبعية للنموذج الغربي للمسيحية، وبحث عن مسيحية تتوافق مع الروح اليابانية. وعبَّر كينجيرو عن هذا الرفض بالتخلِّي عن رمز “الصليب” باعتباره دلالة على الألم والمعاناة. وكتب كينجيرو في مذكراته: “الآن ونحن في مقتبل حقبة جديدة وعصر جديد أشعر بأنني لا أريد الصليب الذي عانى منه المسيح قبل ألفي عام، انتهى عهد الصليب، الصليب ليس بالشيء السعيد”[42]. كما أصرَّ على موقفه الرافض للوصاية الكنسية قائلًا: “لن أشتري صليبا لزوجتي أبدًا، وسوف أسافر حول العالم دون صليب!” لقد أعلن كينجيرو تحرره من هذا الرمز، مؤكدًا أن الدين يجب أن يهب الحياة والنور. ولخص كينجيرو مشروعه الروحي الجديد قائلًا: “عهد الصليب مضى وولى من حياتي، انتهى وتلاشى من ذهني، فرمز البشرية في الحقبة الجديدة يجب ألا يكون الصليب، بل يجب أن يكون الرمز هو الشيء الذي يهب الضوء وينير”[43].

تتشابك خيوط الدين والسياسة والاستعمار في مدونات الرحَّالتين لتشكِّل ثلاثيًّا لا ينفصل. أدرك كلٌّ من الجرجاوي وكينجيرو أن القوى الاستعمارية توظِّف الدين والتعليم لخدمة أطماعها التوسُّعية. وفي هذا السياق، قدَّم كُلٌّ منهما قراءةً نقديَّةً لمُمارسات الاستعمار؛ حيث تحدَّث الجرجاوي بلسان الشرقي المستهدف الذي يراقب آليات الهيمنة، بينما تحدَّث كينجيرو بلسان المسيحي المتمرِّد على استغلال دينه في حروب الغرب.

رفض كينجيرو السياسة الاستعمارية البريطانية في مصر وفلسطين، ورأى تناقضًا بين تعاليم المسيح السلمية وممارسات جيوش الاحتلال. وجَّه كينجيرو رسائل سياسية حادَّة ومباشرة إلى القيادات البريطانية. ففي رسالته إلى المسؤول البريطاني السيد جورج لويد، طالبه بترك مصر لأهلها حقنًا للدماء، وكتب متعجِّبًا: “لماذا لا يتركون مصر للمصريين؟ حقًا إن البريطانيين الغيورين جدًّا والذين يفخرون بحريتهم يجب أن يتعاطفوا مع المصريين”[44]. ولم يكتفِ كينجيرو بذلك، وطالبه بالعودة إلى جوهر الدين لإنهاء الهيمنة قائلًا: “لا يا سيد جورج.. إن السلام لن يتحقق إذا كانت القوة هي الطريق إليه… إلى الله ـأبانا الذي في السماءـ يجب أن نرفع أبصارنا، وإلى تعاليم عيسى المسيح يجب أن نعود، لقد هزمتم الألمان، والآن جاء دوركم لتهزموا أنفسكم”[45]. كما وجَّه كينجيرو رسالة شديدة اللهجة إلى الجنرال إدموند اللنبي، القائد العام للقوات البريطانية في فلسطين. ربط كينجيرو في رسالته بين دموية الاستعمار واستغلال رمز “الصليب” لتبرير الحروب. وحاكم كينجيرو الجنرال من منطلق مسيحي بحت قائلًا: “أعلم أنكم مسيحيون طيبون، نحن أيضًا نحب المسيح ونؤمن به إيمانًا كاملًا… لقد اعترفنا بأننا مسيحيُّون طوال تسعة عشر قرنًا، ومع ذلك لم نفعل شيئًا سوى أن نصلب المسيح مرارًا وتكرارًا”[46]، وأعلن كينجيرو رفضه القاطع لاستمرار هذا النهج، مضيفًا: “هل سنصلبه إلى الأبد؟ لا، أيها الجنرال! إن حكم الصليب يجب أن ينتهي لأنه بالتأكيد يعنى حكم الشر… لا نريد مزيدًا من دم المسيح يُسْكَبُ، دَعِ الموت بآلامه يختفي ويتوارى، والحياة بمباهجها تشرق في مجدها”[47].

على الجانب الآخر، رصد الجرجاوي سياسة الاستعمار الفرنسي في طمس الهوية وتهميش العلم. تجلَّى ذلك عندما زار الجرجاوي تونس ووقف أمام جامع الزيتونة. لاحظ الجرجاوي كيف حوَّل الاستعمار هذا الصرح العلمي من منارة لتدريس العلوم والطب والفلسفة إلى مجرد دار لأداء الشعائر فحسْب. اعتبر الجرجاوي هذا التجريد المتعمَّد للمؤسَّسة الدينية من بُعدها العلمي جريمة حضارية تهدف إلى سلب وعي الشعوب المستعمرة وإبقائها في دائرة التخلُّف. وفي المقابل، أدرك الجرجاوي أن اليابان فعلت العكس تمامًا لتتجنَّب هذا المصير؛ حيث جعلت طوكيو من المدارس والمعاهد العلمية العمود الفقري لنهضتها، وأحكمت سيطرتها على المعرفة. كما أبدى الجرجاوي إعجابَه بحذر الحكومة اليابانية من الإرساليات التبشيرية الغربية. فقد أدركت اليابان أن بعض هذه الإرساليات تعمل باعتبارها أذرعًا استخباراتية وسياسية تمهِّد للتدخُّل العسكري، إيمانًا بمقولة إن التبشير يبدأ بالمدارس وينتهي بالمدمِّرات البحرية، إذ إنها راقبت هذه التحرُّكات لحماية أمنها القومي، وهو الموقف الذي اعتبره الجرجاوي درسًا يجب على الدول الشرقية تعلُّمه.

تباينت رؤية الرحَّالتين لتوظيف الدين في السياسة. نظر الجرجاوي إلى مسألة نشر الإسلام في اليابان كاستراتيجية جيوسياسية؛ إذْ رأى في إسلام اليابانيِّين فرصةً لتشكيل حلف إسلامي وشرقي قوي يجمع اليابان مع الدولة العثمانية لمواجهة التغوُّل الغربي. أمَّا كينجيرو، فقد رفض تسْييس الدين أو استخدامه لتبرير أطماع قومية وتوسُّعية. اتَّضَح هذا الموقف عندما التقى كينجيرو بصحفي يهودي أمريكي في فلسطين. أخبره الصحفي أن اليابان وافقت سياسيًّا على المشروع الصهيوني، فأبدى كينجيرو تعجُّبه من هذا القرار الذي لم يكن يعرفه. وعندما سأله الصحفي عن إمكانية هجرة اليهود إلى اليابان، رفض كينجيرو هذا الطرح السياسي الاستيطاني رفضًا قاطعًا، وأجابه قائلًا: “لا يوجد مساحة لهم في اليابان، لا مكان لهم في اليابان”[48]. رأى كينجيرو أن تماهي الحدود بين الشعوب يجب أن يكون إنسانيًّا وروحيًّا من أجل السلام العالمي، وليس مبرِّرًا لتأسيس مشاريع استعمارية جديدة.

لا تنتهي الرحلات الكبرى بمجرد عودة الرحَّالة إلى وطنه، بل تبدأ رحلة جديدة من خلال الأثر الذي يتركه نصه المكتوب. عاد كلٌّ من علي أحمد الجرجاوي وتوكوتومي كينجيرو بنتيجة تعكس هدفه الأساسي من السفر. عاد الجرجاوي بكتاب “الرحلة اليابانية”، وهو أول كتاب يكتبه مؤلِّف عربي عن اليابان بناءً على زيارة واقعية. اختار الجرجاوي أن يختم رحلته بنبوءة سياسية ودعوية. وقد سجَّل الجرجاوي هدفَه بوضوح في بداية كتابه، رافضًا تكريس كتابه للحكام كما جرت العادة، وقال: “فإذا عُرِفَ هذا عُلِمَ أنني لم أتحمَّل الأخطار، ووعثاء الأسفار، ولم أعتمد في الإنفاق إلَّا على الخلَّاق لأجل نفع بلادي وخدمة ديني وجامعتي، وهذا هو أول مبرِّر لوضع هذه الرحلة”[49].

تجلَّت نبوءته في إعلانه الطموح لتحوُّل اليابان إلى الإسلام، حيث ذكر أن “الإسلام سيكون الدين الرسمي لليابان”[50]. استخدم الجرجاوي هذه النبوءة كاستراتيجية خطابية وتعبوية لدفع المسلمين نحو الشرق الأقصى وتحويل الأمل إلى واقع. ورغم أن اليابان لم تعلن الإسلام دينًا رسميًّا، ورغم مبالغته في ادِّعاء إسلام 12 ألف ياباني خلال شهرين فقط، فإن قيمة هذه النبوءة لا تقاس بتحقُّقها الحرفي، لكن تكمن في كشفها عن طبيعة التفكير العربي في تلك اللحظة التاريخية ومحاولته الجادَّة للنهوض. في المقابل، عاد كينجيرو بشهادة حيَّة على صمود العالم الإسلامي أمام الاستعمار. لم يطرح كينجيرو نبوءات مستقبلية، لقد وثَّق الحاضر وقدَّم شهادة أخلاقية. وأكد كينجيرو من خلال مشاهداته أن المصريين جديرون بالحرية والاستقلال. أما عن باقي شعوب المنطقة التي زارها كينجيرو فقال: “حدَّثت نفسي: كل إنسان يجب أن يغضب، يجب أن تثوروا، يجب أن تنالوا استقلالكم، يجب أن تبتعدوا عنهم”. وكان يعتنق رؤية ترى أن التحرُّر لهم يبدأ بالتخلُّص من الطربوش الأحمر (يقصد العثماني)، ومن ثم يمكنهم التحرُّر من الاحتلال الخارجي، والْتقت شهادة كينجيرو مع مسار التاريخ الفعلي، حيث أثبتت ثورة 1919 صدق قراءته لقوة الشعب المصري وصموده في مواجهة الاستعمار.

أسَّست هاتان الرحلتان لما يمكن تسميته حوار شرق-شرق. ففي العقد الأول من القرن العشرين، كتب أول مصري يزور اليابان عن الشرق الأقصى، وكتب ياباني شهادته عن الشرق الأوسط. حدث هذا التزامن العجيب دون أن يعرف أحدُهما الآخر، ودون أن تُترجم نصوصهما بشكل مباشر ليقرأها الطرف المقابل في تلك الحقبة. يعود سبب هذا الغياب إلى بنية النظام العالمي آنذاك؛ حيث كانت قنوات التواصل الفكري بين مثقفي الشرق تمرُّ حَصْرًا عبر العواصم الأوروبية. كان الكاتب العربي الذي يريد أن يصل إلى القارئ الياباني يحتاج إلى ترجمة نصِّه للإنجليزية أو الفرنسية أولًا، والعكس صحيح، مما جعل حوار دول الجنوب مع نفسها يمر إجباريًّا عبر دول الشمال. ورغم غياب التواصل المباشر، نجح الجرجاوي وكينجيرو في إنتاج رؤية مستقلة، وأثبتا أن للشرق صوته الخاص وقراءته المستقلة لمعنى الحضارة والحرية بعيدًا عن سردية القوى الاستعمارية الغربية.

أثبتت الرحلتان أن الخرائط الجغرافية ترسم حدود الأراضي، لكن أدب الرحلات يرسم خريطة الوعي. لم يكتب الرحَّالتان عن اليابان ومصر وفلسطين فحسب، لكنهما ساهما بقوة في تشكيل الطريقة التي رأت بها ثقافتاهما نفسيهما والعالم. وفي النهاية، يبقى الأثر المكتوب هو الأبقى، كما خَلَصَت القراءة لهاتين المدونتين إلى أن الكتاب هو الرحلة الحقيقية لأنه الوحيد الذي لا ينتهي حين يعود صاحبه إلى بيته.


قائمة المراجع

[1] محمود عبدالله الرمحي، أدب الرحلات، مجلة الجوبة، العدد 42، يناير 2014، ص ص 1-17.

[2] Mona Abaza, Japan as Imagined by Arabs, IIAS Newsletter, 2002, Accessed: 10 June 2026, Available at: https://www.iias.asia/sites/default/files/2020-10/IIAS_NL27_19.pdf

[3] عبد الله بن حمد الحقيل، العلاقات العربية اليابانية من خلال الرحلات المتبادلة، شبكة الألوكة، 9 يناير 2012، تاريخ الاطلاع: 10 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://shortlink.uk/1wK1X

[4] علي أحمد الجرجاوي، الرحلة اليابانية، (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2017)، [صدرت الطبعة الأولى للكتاب عام 1907].

[5] للمزيد عن حياة الشيخ الجرجاوي وسيرته، انظر: أحمد يحيى زقلي، الأزهري الشهيد: فاتح بلاد الواق واق، (القاهرة: منشورات قيّم، 2026).

[6] توكوتومي كينجيرو، الرحلة اليابانية إلى فلسطين ومصر 1919م، ترجمة: سمير عبد الحميد وسارة تاكاهاشي، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014).

[7] عن المنهج السيميائي، انظر المصادر الآتية:

– عائشة حمادو، السيميائية في النقد العربي المعاصر: حول المفهوم وإشكاليات التلقي، مجلة الباحث، المجلد 7، العدد 1، 2015، ص ص 58-76.

– منذر عيشاني، العلاماتية وعلم النص، الطبعة الأولى، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004)، ص 15.

– جمال ولد الخليل، التحليل السيميائي للنص الأدبي: نموذج تطبيقي، مجلة دراسات، المجلد 5، العدد 1، 2016، ص ص 38-52.

– رينيه ويليك وأوستن وارن، نظرية الأدب، عرض: ماهر شفيق فريد، المجلة، المجلد 11، العدد 123، 1967، ص ص 120-129.

[8] مراد عبد الرحمن مبروك، السيميائية في الدرس النقدي المعاصر عند رولان بارت، مجلة الجسرة الثقافية، العدد 10، خريف 2001. ص ص 7-33.

[9] راده هادي حمزة، الحرب الروسية – اليابانية 1904-1905: أسبابها – مجرياتها – نتائجها، مجلة رماح للبحوث والدراسات، العدد 141، 2026، ص ص 280-290.

[10] Rashid Khalidi, Lisa Anderson, Muhammad Muslih, and Reeva S. Simon (eds.), The Origins of Arab Nationalism, Revised edition. (New York: Columbia University Press, 1991), pp. 173-199.

[11] الكونت كاتسورا كان أبرز رجال الدولة في اليابان في عصر ميجي، وشغل منصب رئيس وزراء اليابان ثلاث مرات بين 1901 و1913. للمزيد من المعلومات عن إسهامات الكونت ومحورية دوره كرجل دولة، راجع المصدر الآتي:

Stewart Lone, Army, Empire, and Politics in Meiji Japan: The Three Careers of General Katsura Tarō, (New York: Palgrave Macmillan, 2000).

[12] Congress of Japanese Religionists, (Tokyo: The Kinkodo Publishing Co., 1906).

[13] “صحيفة الإرشاد” أسَّسها الشيخ الجرجاوي في مطلع القرن العشرين، وكانت منبرًا إصلاحيًّا أزهريًّا أسبوعيًّا، تهدف إلى نشر الفكر الديني والاجتماعي، والرد على المستشرقين، كما مثّلت امتدادًا لنشاطه الصحفي والدعوي بعد رحلته الشهيرة إلى اليابان عام 1906. للمزيد عن الصحيفة وصاحبها، انظر:

– خير الدين الزركلي، الأعلام، الطبعة 15، (بيروت: دار العلم للملايين، مايو 2002)، الجزء الرابع، ص 62.

[14] عبد الله أحمد، «رحلتان إلى اليابان» للجرجاوي وحافظ… أسفار لأجل المعرفة، جريدة الجريدة الكويتية، ديسمبر 2012. تاريخ الدخول: 10 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://shortlink.uk/1wKvP

[15] اتخذ كينجيرو اللقب الأدبي “لوقا” (أو “روقا” كما تُكتب وتُنطق في اليابانية) لسببين: أولًا، تعني كلمة “روقا” الزهرة التي تنبت بين الصخور، وهي زهرة خيالية لا وجود لها في الواقع، بل هي من بنات أفكار كينجيرو، واختار هذا الاسم ليصف به نفسه. ثانيًا، يُرجح أن للاسم علاقة بـ “القديس لوقا”، وذلك لأن حرف اللام يُنطق راءً في اليابانية لعدم وجوده في أبجديتهم. وهذا تلميح منه إلى الطبيب لوقا الذي كان وثنيًّا من أصل يوناني ثم آمن بالمسيح عليه السلام وكتب الإنجيل المعروف باسمه، وقد وردت هذه التفاصيل نصًّا في الصفحة رقم (9) من مقدمة المترجمين للجزء الأول من كتابه.

[16] يعود أصل كلمة (junrei) إلى الممارسات البوذية القديمة التي انتقلت من الصين إلى اليابان. تاريخيًّا، كانت تعني الطواف حول التماثيل البوذية أو زيارة المعابد المتعددة لإظهار الاحترام وجمع الحسنات. مع مرور الوقت، تحول المعنى ليشمل الرحلات الطويلة التي يقطعها العبَّاد لزيارة سلسلة محددة من الأماكن المقدسة. للمزيد عن أصل الكلمة واستخداماتها، راجع المصدر الآتي:

– Yasuhiro ASAKAWA, Making Pilgrimage: Meaning and Practice in Shikoku, Social Science Japan Journal, Volume 11, Issue 1, Summer 2008, pp. 152-155.

[17] يقصد كينجيرو بـماء الحياة” دلالة رمزية ترتبط بالخلاص والتطهر الروحي والبحث عن الإيمان. وأوضح هذا المعنى من خلال حلم رآه قبل رحلته بثلاث سنوات؛ حيث حلم أنه يتسلق جبل السامرة حاملًا أمَّه على ظهره وهو يشعر بعطش شديد، ثم وجد ماءً ينبعث من باطن صخرة، فصرخ مناديًا أمَّه: “يا أمَّاه! انظري هذا ماء الحياة. توكوتومي كينجيرو، الرحلة اليابانية إلى فلسطين ومصر 1919، مرجع سبق ذكره، الجزء الأول، ص 106. كما يربط كينجيرو هذا الوصف ببحثه الدائم عن يسوع المسيح، ويخلص إلى اعتقاد بأن “ماء الحياة” الحقيقي يكمن في الداخل، قائلًا نصًّا: “أعتقد أنه موجود في أعماق فؤادي”. وفي موضع آخر، أطلق هذا الوصف على مياه نهر الأردن، مشيرًا إلى أن النهر يحمل بين ضفَّتيه ماء الحياة لأن المسيح تطهر بهذا الماء. المرجع السابق، ص 52.

[18] “آدم وحواء”: ورد هذا الوصف الذي أطلقه كينجيرو على نفسه وزوجته فيالجزء الثاني من الكتاب عندما قال: “سوف نعيش حياتنا على الطريقة اليابانية، “عروسة وعريس” بشعرهما الذي غطَّاه الشيب مثل آدم وحواء، نمضي في رحلة حول العالم لنشعر بالراحة والمتعة”. توكوتومي كينجيرو، الرحلة اليابانية إلى فلسطين ومصر 1919م، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 24. وكتب أيضًا: “أنا كائن حي، أنا بشر، أنا إنسان، وأيضًا زوجتي التي ترقد بجواري هي أيضا كائن حي، هي بشر وهي إنسان، حياتنا معًا مثل حياة آدم وحواء، مات من تقدَّم بهم العمر، آدم وحواء لا بدَّ أن يبدآ حياتهما الجديدة في العالم الجديد”. المرجع السابق، ص 149.

[19] المرجع السابق، ص 23.

[20] في الثقافة الشعبية، يقال إن دخول السنونو البيت أو بناء عش طائر السنونو فيه يُعد علامة على الحظ السعيد. وظهوره مع بداية الربيع كان دائمًا يبشر بموسم خصب.

[21] اليابان في مطلع القرن العشرين لم تكن تدين بدين واحد بالمعنى الحصري، لكنها كانت تحت حكم الشنتوية الدولة كدين قومي رسمي، بينما ظل الشعب يمارس البوذية على نطاق واسع، مع وجود أقلية مسيحية صغيرة. هذا المزج بين الشنتوية والبوذية شكَّل الطابع الديني-الثقافي لليابان في تلك الحقبة. للمزيد عن الوضع الديني في اليابان في تلك الفترة، راجع المصدر الآتي:

– George A. Cobbold, Religion in Japan: Shintoism-Buddhism-Christianity, (London: Society for Promoting Christian Knowledge, 1905).

[22] علي أحمد الجرجاوي، الرحلة اليابانية، مرجع سابق، ص 88.

[23] المرجع السابق، ص 81. لاحظ أن طوكيو في تلك الفترة كانت حديثة العهد بكونها عاصمة للإمبراطورية اليابانية، إذ أصبحت عاصمة اليابان عام 1868 بعد إصلاحات ميجي، حين انتقل الإمبراطور من كيوتو إلى مدينة إيدو التي أعيدت تسميتها “طوكيو” (أي العاصمة الشرقية). للمزيد عن تاريخ طوكيو، راجع المصدر الآتي:

– Tokyo Metropolitan Government, Tokyo City Profile and Government, April 2026, Accessed: 31 July 2026. Available at: https://www.english.metro.tokyo.lg.jp/w/001-101-000054

[24] أدب الرحلات الياباني بدأ بطابع ذاتي (شخصي وتأملي) في مراحله الأولى، ثم تطوَّر تدريجيًّا نحو الموضوعية والوصف الإثنوغرافي والتحليل الاجتماعي مع مرور الزمن. للمزيد عن تحولات الأدب الياباني، انظر:

– Bruce Suttmeier, Ethnography as Consumption: Travel and National Identity in Oda Makoto’s ‘Nan de Mo Mite Yarō, The Journal of Japanese Studies, Vol. 35, No. 1, 2009, pp. 61-86.

[25] توكوتومي كينجيرو، الرحلة اليابانية إلى فلسطين ومصر 1919، مرجع سابق، الجزء الأول، ص 33.

[26] المرجع السابق، الجزء الثاني، ص 23.

[27] المرجع السابق، ص 39.

[28] المرجع السابق، الجزء الأول. ص 60.

[29] المرجع السابق، ص 69.

[30] المرجع السابق، ص 61.

[31] المرجع السابق، الجزء الثاني، ص ص 102-103.

[32] المرجع السابق، ص 123.

[33] المرجع السابق، ص 116.

[34] ينطلق الرحالة عادةً في نظرته إلى الآخر من تصوُّرات ذهنية مسبقة (صور نمطية – خلفيات ثقافية – أو توقعات شخصية)، وعندما يلتقي بالآخر مباشرةً، يحدث نوع من “الاختبار” أو “المواجهة” بين تلك التصورات والواقع الملموس. للمزيد عن هذا الادعاء، انظر المراجع الآتية:

– Mary Louise Pratt, Imperial Eyes: Travel Writing and Transculturation, (London: Routledge, 1992).

– James Clifford, Routes: Travel and Translation in the Late Twentieth Century, (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1997).

[35] شاع في الخطاب الغربي منذ القرن التاسع عشر وصف اليابانيين وغيرهم من شعوب شرق آسيا بأنهم من “الجنس الأصفر”، وهو تصنيف عنصري قديم ضمن نظرية الأعراق التي كانت شائعة في أوروبا وأمريكا. ظهر التصنيف في القرن الثامن عشر مع محاولات علماء مثل يوهان فريدريش بلومنباخ لتقسيم البشر إلى أجناس بناءً على لون البشرة. للمزيد عن موضوع الجنس الأصفر، انظر:

– Ayelet Zohar, Introduction: Race and Empire in Meiji Japan, The Asia-Pacific Journal, Vol. 18, Issue 20, 15 October 2020, pp. 1-12.

[36] علي أحمد الجرجاوي، الرحلة اليابانية، مرجع سابق، ص 104.

[37] توكوتومي كينجيرو، الرحلة اليابانية إلى فلسطين ومصر 1919، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 45.

[38] المرجع السابق، ص 38.

[39] علي أحمد الجرجاوي، الرحلة اليابانية، مرجع سابق، ص 127.

[40] توكوتومي كينجيرو، الرحلة اليابانية إلى فلسطين ومصر 1919، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص 37.

[41] المرجع السابق، ص 39.

[42] المرجع السابق، ص ص 20-21.

[43] المرجع السابق.

[44] المرجع السابق، ص ص 157-158.

[45] المرجع السابق.

[46] المرجع السابق، ص ص 255-257.

[47] المرجع السابق.

[48] توكوتومي كينجيرو، الرحلة اليابانية إلى فلسطين ومصر 1919، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص ص 209-210.

[49] علي أحمد الجرجاوي، الرحلة اليابانية، مرجع سابق، ص 8.

[50] المرجع السابق، ص 116.

علي أشرف داود

باحث في العلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى