الحداثة الخليجية والعمالة الآسيوية: قراءة في نماذج من أعمال أدبية

مقدمة:
تمثل العمالة الآسيوية في الخليج مرآة كاشفة يمكن من خلالها قراءة أحد توتُّرات التحديث في دول الخليج العربي. فبينما أسهم العمل الوافد، بدرجة واضحة، في بناء الحداثة الاقتصادية والعمرانية في هذه الدول، فإن هذا الإسهام لم يصاحبه دائمًا وفقًا لما تعتمده الورقة من أعمال تصور سياسي واجتماعي مكافئ وعادل لموقع العامل الوافد، خاصة فيما يتعلَّق بحقوقه، ولغته، ومكانته داخل المدينة التي يشارك في بنائها دون أن يمتلك بالضرورة حق الانتماء الكامل إليها.
من هنا، ظهرت أعمال روائية وسينمائية عديدة حاولت معالجة هذه المسألة من داخل الحيِّز الثقافي والأدبي، بما يُتيحه من هامش أوسع في مساءلة ما قد تعجز الدراسات الرسمية أو الكتابات المرتبطة بالخطابات الوطنية الكبرى عن قوله بصورة مباشرة. وقد التفتت بعض الأدبيات في دراسات الخليج إلى أهمية هذا الحيِّز الثقافي، وقدرته الحقيقية على التعبير عن سرديات هامشية تعكس الإشكاليات الثقافية الحقيقية[1].
وعلى الرغم من أن علاقة القوة تبدو، للوهلة الأولى، قائمة بين دولة ومجتمع يملكان السلطة من جهة، ووافد أضعف موقعًا من جهة أخرى، فإن التمثيلات الثقافية تكشف أن هذا الطرف الأضعف ليس مجرد موضوع صامت للسرد، بل يملك بدوره قدرة على مساءلة السردية الثقافية التي تنتجه وتُعيد وضعَه في الهامش. ولعل الجدل الذي أثاره فيلم حياة الماعز يمثِّل إحدى اللحظات الدالَّة في هذا السياق، إذ رأى عددٌ من المعلِّقين الخليجيِّين أن الفيلم يقدِّم صورةً دونية ثقافيًّا للمواطن الخليجي، ويحوِّل نموذجًا -قد يكون قائمًا في الواقع- إلى صورة معمَّمة على المجتمع ككل[2]. وهنا لا تصبح المسألة مرتبطة فقط بتمثيل العامل الآسيوي، بل أيضًا بتمثيل الخليجي ذاته في عين الآخر، وبالطريقة التي تتحول بها الأعمال الفنية إلى ساحة صراع على الصورة والمعنى.
يتناول هذا العمل هذه الإشكالية من خلال قراءة أربعة أعمال روائية وسينمائية قاربت تجربة العمالة الآسيوية والوافدة في الخليج من مواقع سردية مختلفة. أول هذه الأعمال رواية ساق البامبو[3] للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، الصادرة عام 2012، والتي تدور بين الكويت والفلبين من خلال شخصية عيسى / خوسيه، ابن أب كويتي وأم فلبينية عملت خادمة في منزل العائلة. وقد حازت الرواية الجائزة العالمية للرواية العربية[4] عام 2013، وأسْهم هذا التتويج في توسيع استقبالها عربيًّا بوصفها واحدةً من أبرز الروايات الخليجية التي طرحت أسئلة العمالة الوافدة، والهوية المختلطة، والتفاوت الطبقي داخل المجتمع الخليجي. وإلى جانبها، تقرأ الدراسة رواية خادمات المقام[5] للكاتبة الكويتية منى الشمري، الصادرة عن دار الساقي، والتي تدور أحداثها في جزيرة فيلكا الكويتية حول مقام الخضر وما يحيط به من حكايات النساء والخادمات والذاكرة الشعبية. وقد وصلت الرواية إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2022، كما فازت بجائزة أفضل كتاب عربي في مجال الرواية في معرض الشارقة الدولي للكتاب في العام نفسه[6].
كما تتناول الدراسة المجموعة القصصية أشخاص مؤقتون[7] للكاتب الهندي الذي نشأ في أبوظبي ديباك أونيكريشنان، وهي عمل كُتب بالإنجليزية وصدر في سياق أدبي مختلف، لكنه شديد الارتباط بالتجربة الخليجية المعاصرة، إذ يجعل من العمال والمقيمين المؤقتين في الإمارات موضوعًا سرديًّا مركزيًّا، لا هامشًا اجتماعيًّا صامتًا. وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يكتب المدينة الخليجية من موقع من يبنونها دون أن يملكوا حق الانتماء الكامل إليها[8]. أما العمل الرابع فهو فيلم حياة الماعز، الذي أُنتج عام 2024 من إخراج بليسي، ومقتبس من رواية أيام الماعز[9] للكاتب الهندي بنيامين، الصادرة باللغة المالايالامية عام 2008، والحائزة على جائزة أكاديمية كيرالا ساهيتيا عام 2009. ويدور العمل حول تجربة عامل مالايالي يهاجر إلى السعودية بحثًا عن العمل، قبل أن يجد نفسه معزولًا في الصحراء في وضع أقرب إلى العمل القسري[10].
من خلال هذه العينة، تسعى الدراسة إلى فهم الكيفية التي تتشكل بها الصور المتبادلة بين المجتمعات الخليجية والعمالة الآسيوية، وآليات إنتاج الصور النمطية المتقابلة، والعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الكامنة في بنية هذه المجتمعات، والتي أسْهمت في إنتاج تلك الرؤى. كما تتوقَّف الدراسة عند قضايا العمل، والهجرة، والهوية، والانتماء، والجنسية، والعمل المؤقت، بوصفها مداخل مركزية لفهم هذه العلاقة المركبة، لا بوصفها قضايا اجتماعية منفصلة بعضها عن بعض.
تتبنَّى الدراسة، في إجراء هذا التحليل، منهج تحليل التمثيل الثقافي كما طوَّره ستيوارت هول. وتنطلق من افتراض أساسي مفاده أن الأعمال الأدبية والسينمائية لا تعكس الواقع الاجتماعي انعكاسًا مباشرًا أو محايدًا، ولكنها تسهم في إنتاج معانيه عبر اللغة، والصورة، والبناء السردي. فالتمثيل، عند هول، ليس مجرد نقل للعالم كما هو، بل هو إحدى الممارسات المركزية التي يُنتج من خلالها المعنى داخل الثقافة، ويرتبط باللغة بوصفها وسيطًا لإنتاج المعنى وتداوله[11]. ومن ثم، فإن صورة العامل الآسيوي في هذه الأعمال لا تُقرأ بوصفها نقلًا واقعيًّا مباشرًا لأوضاع العمالة الوافدة في الخليج، بل باعتبارها بناءً ثقافيًّا، إذ لا يكون المعنى كامنًا في الأشياء ذاتها، وإنما يُبنى من خلال أنظمة التمثيل والممارسات الدلالية[12].
من خلال هذا الإطار، تحلِّل الدراسة التفاعل بين الأنا الخليجية والآخر الآسيوي عبر عدد من القضايا المشتركة التي تعالجها الأعمال المختارة، بما يسْمح بفهم آليات التمثيل الثقافي بين الأعمال المختلفة، ومقارنة أنماطها وتحولاتها. وستركِّز الدراسة على ثلاثة محاور رئيسية: أولًا، الفضاء الذي تجري داخله هذه التفاعلات، أي دول الخليج وكيفية تصويرها سرديًّا وبصريًّا؛ ثانيًا، الجسد بوصفه موقعًا للتوتُّر بين العمل والاستغلال والرعاية والتشييء؛ وثالثًا، الهوية والقراءة الثقافية المتبادلة بين المجتمعات الخليجية والعمالة الآسيوية الوافدة، لا سيما من خلال الصور النمطية التي تنتجها ثنائيات مثل الحداثة والتخلُّف، والمواطن والوافد، والانتماء والعيش المؤقَّت.
يجدر التنبيه أخيرًا إلى أن الأعمال محل التحليل تغطِّي حالات من ثلاث دول خليجية فحسب، هي الكويت والإمارات والسعودية. ورغم ما قد يبدو من تشابه بين دول الخليج بحكم الجغرافيا والتاريخ وبعض البنى الاقتصادية والاجتماعية المشتركة، فإن هذا التشابه لا يبرِّر التعامل معها بوصفها كتلة واحدة متجانسة، ولا يسمح بتعميم ما تكشفه هذه الأعمال على المجال الخليجي بأكمله. فلكل مجتمع خليجي خصوصيته التاريخية، وتكوينه الاجتماعي، ومساراته السياسية والاقتصادية المختلفة. ومن ثم، تتعامل هذه الدراسة مع الأعمال المختارة بوصفها نوافذ جزئية على تجارب خليجية متمايزة، لا بوصفها تمثيلًا شاملًا أو نهائيًّا للخليج ككل. ويأتي هذا التحفظ أيضًا لتجنُّب إعادة إنتاج النظرة الاختزالية التي وقعَ فيها كثيرٌ من الخطابات الاستعمارية والاستشراقية، حين تعاملت مع مجتمعات المنطقة باعتبارها فضاءً واحدًا ساكنًا ومتشابهًا، لا مجتمعات متعدِّدة ذات تواريخ وسياقات داخلية متباينة.
أولا- الخليج بوصفه فضاءً غير متكافئ للتعارف
بعد وصول نجيب إلى السعودية في فيلم حياة الماعز، يأخذه الرجل الذي سيدَّعي أنه كفيله إلى الصحراء، حيث يقضي الجزء الأكبر من الفيلم. تظهر الصحراء هنا بوصفها الفضاء الذي تتشكل داخله العلاقة بين نجيب وكفيله؛ فضاء يغيب فيه القانون، وتتحوَّل فيه سلطة الكفيل إلى سلطة شبه مطلقة. وعلى نحو موازٍ، تدور رواية خادمات المقام في فضاء هامشي هو جزيرة في الكويت، كأن الرواية تختار منذ البداية أن تسرد الحكاية من الهامش لا من المركز ولا يبدو هذا الاختيار المكاني محايدًا؛ إذ تشير الكاتبة من خلال استخدام الهامش الجغرافي إلى هامش اجتماعي وثقافي أوسع يعيش فيه الوافد. أما في ساق البامبو، فتبدو الكويت في عين عيسى ضيقة كعلبة ثقاب، بما يحوِّل المكان ذاته إلى علامة على الاختناق الاجتماعي وضيق إمكانات الحياة. وفي أشخاص مؤقتون، يظهر العمال الهنود في دبي وأبو ظبي بوصفهم عمالة مؤقتة بلا جذور معترف بها في الأرض التي يساهمون في بنائها.
هذه الفضاءات ليست مجرد اختيارات جمالية أو خلفيات سردية محايدة، بل هي جزء أصيل من بنية التمثيل نفسها. فالصحراء، والجزيرة، والبيت، والمدينة الخليجية الحديثة، كلها فضاءات تنتج علاقة تعارف غير متكافئة بين المواطن والوافد؛ علاقة تقوم على قرب جسدي يومي، يقابله بُعد اجتماعي وقانوني وسياسي، ومن ثم فهو تعارف يُفضي إلى حالة من الإنكار والنكران لا الاعتراف والاحترام*. من ناحية أخرى لا يمكن فهم هذه الأعمال خارج الشروط التاريخية والاقتصادية التي جعلت حضور العمالة الأجنبية جزءًا بنيويًّا من تكوين المجتمعات الخليجية المعاصرة. فمنذ الطفرة النفطية في السبعينيات، لم يعد وجود العمالة الأجنبية ظاهرة عابرة مرتبطة بحاجة مؤقَّتة إلى الأيدي العاملة، بل تحوَّل إلى ركيزة أساسية في بناء الاقتصاد والعمران والخدمات داخل دول الخليج[13]. وتشير بعض الإحصائيات إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي استضافت في عام 2024 نحو 10.1 بالمئة من مجموع المهاجرين عالميًّا[14]، بينما تذهب تقديرات حديثة إلى أن عدد الأجانب في دول الخليج يقترب من 35 مليونًا من أصل نحو 62 مليون نسمة. وينتمي معظم هؤلاء إلى دول جنوب وجنوب شرق آسيا، وفي مقدمتها الهند، وبنجلادش، وباكستان، والفلبين، ونيبال[15].
وإلى جانب هذا التزايد الكمي، شهدت دول الخليج نقلة ديموغرافية تمثلت في تراجع الاعتماد النسبي على العمالة العربية لصالح العمالة الآسيوية. فقد انخفضت الحصة النسبية للعمال العرب من نحو 43 بالمئة من العمالة المهاجرة عام 1975 إلى 37 بالمئة عام 1980، في مقابل تدفق متزايد للعمالة القادمة من الهند، وباكستان، وسريلانكا، وغيرها من الدول الآسيوية[16]. وفي الكويت، على سبيل المثال، ارتفعت حصة تصاريح العمل الجديدة الممنوحة للآسيويين من 48 بالمئة عام 1976 إلى 59 بالمئة عام 1978، ثم تجاوزت 60 بالمئة عام 1983، قبل أن تصل إلى 81 بالمئة عام 1984[17].
ولا يمكن تفسير هذا التحول باعتباره مسألة اقتصادية خالصة تتعلق بانخفاض كلفة العمالة الآسيوية أو وفرتها فحسب؛ إذ تشير الأدبيات إلى أن تفضيل العمالة الآسيوية ارتبط أيضًا باعتبارات اجتماعية وسياسية تتَّصل بإدارة الوجود الوافد وحدود إدماجه. فالعمَّال العرب، بحكم اللغة والدين والقرب الثقافي، كانوا أكثر قدرة على التفاعل مع المواطنين والمجال العام المحلي، وأكثر قابلية لبناء روابط اجتماعية قد تفتح، مع الوقت، مطالب بالاستقرار أو الاعتراف أو الاندماج[18]. أما العمال الآسيويون، ولا سيما في المهن منخفضة الأجر والعمل المنزلي وقطاعات الخدمات، فكان من الأسهل إدارتهم بوصفهم قوة عمل مؤقتة ومعزولة، سواء في مساكن العمال أو داخل البيوت[19]، ومن هنا يجب أن نفهم هذه الأعمال في ضوء هذه التغيرات والتفضيلات السياسية.
كما تكشف الإحصائيات الأحدث أن هذا المسار لم ينقطع، بل ترسَّخ. حيث تشير البيانات التفصيلية المتاحة عن السعودية، وهي أكبر دول الخليج سكانًا، مركزية الحضور الآسيوي في هذه البنية. فقد أظهر تعداد 2022 أن عدد المقيمين من بنجلادش بلغ نحو 2.1 مليون شخص، ومن الهند نحو 1.88 مليون، ومن باكستان نحو 1.81 مليون، إضافة إلى نحو 725 ألفًا من الفلبين، ونحو 297 ألفًا من نيبال[20]. بهذا المعنى، أصبحت العمالة الآسيوية مكوِّنًا بنيويًّا ضروريًّا لاستمرار الاقتصاد العمراني والخدمي والمنزلي في دول الخليج المعاصرة، وهو ما يفسِّر ذيوع نوعية الأعمال الأدبية محل هذه الدراسة ورواجها في الآونة الأخيرة.
بالعودة إلى الأعمال محل الدراسة، يظهر الفضاء الخليجي بوصفه ساحة صدام بين الأنا المهيمنة والآخر الوافد. وتتجلَّى أولى مراحل هذا الصدام في التناقض الحادِّ بين المكان المتخيَّل والمكان في واقع الحال. ففي ساق البامبو، ترتسم الكويت في مخيلة البطل الهجين، عيسى، بوصفها جنة موعودة رسمت والدته تفاصيلها في مخيلته، لكنه ما إن يصل لجنته الموعودة حتى يصطدم بفضاء مغلق توصد فيه أغلب الأبواب المواربة أشرعتها في وجهه تباعًا. يعكس هذا التحول رفض بعض الأنا الخليجية الاعتراف بآخر يبدو مغايرًا شكلًا ولسانًا، حتى وإن كان ينتمي إليها بالنسب، وكأن الانتماء البيولوجي وحده لا يكفي لعبور الحدود غير المرئية التي يرسمها المجتمع حول ذاته.
كما تتحوَّل الصحراء في هذه السرديات من رمز للأصالة والهوية في المخيال الخليجي إلى أرض قاحلة مقفرة توظَّف لتجريد الآخر من إنسانيَّته. ففي حياة الماعز، يُختطف العامل الهندي نجيب ويُعزل في صحراء قاسية لا تحكمها قوانين الدولة، بل سلطة الكفيل. داخل هذا الفضاء، يُفرض عليه التماهي مع الحيوانات التي يرعاها، وتُسلب منه أبسط عاداته البشرية، بما يعني إمكانية تطبيق قانون الغاب على مسافة ليست بالبعيدة عن الحياة المُنظمة بالقانون وأعراف المجتمع الإنساني.
في مقابل الصحراء، تبنى المدينة الخليجية الحديثة سرديًا بوصفها فضاء حضريًا يكرّس مبدأ المؤقتية الدائمة للعمالة الآسيوية. ففي أشخاص مؤقتون، تتبدَّى أبوظبي باعتبارها مدينة يشيِّدها الآخر الآسيوي، لكنه يُمنع من الانتماء إليها. ويبلغ الإنكار والتشييء ذروته في قصة العالم موسى الذي يبتكر عمالًا مالايالاميين معلبين، يُزرعون من أجل العمل فقط، ثم يُتركون للموت أو الترحيل عند انتهاء صلاحيتهم. وكأن المؤلف يريد من هذه الصورة المجازية تصوير طبيعة وجود هؤلاء العمال في أبو ظبي.
في المقابل، تلعب الفضاءات المصغَّرة والهامشية دورًا حاسمًا في كشف آليات الإقصاء النفسية. ففي ساق البامبو، تمثل الديوانية فضاءً ثقافيًّا واجتماعيًّا مغلقًا يجسِّد صميم الأنا الخليجية ويجسِّد ثنائية الاحتكار والإقصاء أو العزل من الفضاء العام للمدينة. فرغم أن عيسى يُسمح له بالإقامة فيها، فإنه يظلُّ متفرِّجًا صامتًا، معزولًا وسط جماعة لا تشاركه اللغة ولا الاهتمامات ولا الاعتراف الكامل. وبذلك يصبح هذا الحيز الصغير تجسيدًا لحالة الاغتراب التي يعيشها الوافد في الكويت.
وعلى النقيض من هذه الفضاءات الإقصائية، تبرز جزيرة فيلكا في خادمات المقام بوصفها فضاءً هامشيًّا معزولًا، يُتيح للآخرين المستضعفين -الخادمات والعبيد السابقين- بناء ذاكرة بديلة ومساحة محدودة للنفوذ. فمن خلال مقام الخضر، تستثمر ماريا الحبشية الهامش بوصفه مركزًا بديلًا للسلطة الروحية والمالية، في مواجهة سرديات التحديث المركزية التي تقودها الذات الكويتية ونرى من هذا التباين أن الفضاء المكاني أو المكان أفضل في أدب الهجرة والعمالة يمثل ساحة صراع مستمرة ورغم أن صاحب السيادة الخليجي يظهر بشكل أقوى في معظم الأعمال، فإن الحيز الهامشي يمثل مساحة للآخر يحاول من خلالها اقتناص لحظات مؤقَّتة من السلطة والوجود.
ثانيا- الجسد المستباح بين قوة العمل وعلامة الإقصاء
حين يحمل راشد ابنه عيسى في ساق البامبو للمرة الأولى، لا يبحث في وجهه عن طفله فحسب، بل عن الشكل والملامح التي تثبت انتماءه للسكان الأصليِّين وللأرض التي يعيش عليها. غير أن ما يراه، كما توحي الرواية، هو وجه مركَّب من ملامح لا تشبهه بما يكفي؛ فالملامح الفلبينية تربك يقين الأب، وتفرض عليه حقيقة امتزاج النسب و”عدم نقائه”. وفي حياة الماعز، لا تبدأ مأساة نجيب من فقدان العمل وحده، بل من لحظة تُنزع عنه فيها إنسانيته بما في ذلك امتلاكه لحرية التصرف في جسده، ودفعه إلى صحراء تجعله أقرب إلى الحيوانات التي يرعاها منه إلى البشر الذين يفترض أنه واحد منهم. بين هذين المشهدين، يتضح أن الجسد في هذه الأعمال هو وحدة تحليل مركزية تتجلى فيها تقاطعات الأنا والآخر.
وإذا نظرنا من خلال عدسة التمثيل الثقافي، التي ترى أن المعاني لا تعكس الواقع انعكاسًا محايدًا، بل تُبنى داخل أنظمة خطابية تكرس علاقات السلطة، يبرز الجسد هنا في السرديات الخليجية والآسيوية بوصفه ساحة مركزية للتنازع. فالجسد الآسيوي يُقدَّم في الأعمال كموقع للتوتر بين متطلبات العمل القاسية، والاستغلال المادي، وقلة الرعاية الصحية أو اللازمة. والأهم غياب الاعتراف الكامل بإنسانيته.
يتجلى أقصى أشكال هذا التشييء في أشخاص مؤقتون، حيث تلجأ السردية إلى الواقعية السحرية لتعرية العنف الكامن في الاقتصاد العمراني. فالمدينة تبدو مهووسة بالبناء إلى حد أن أجساد العمال تصبح قطعًا قابلة للإصلاح السريع. ومن هنا ينسج الكاتب بعبقرية شديدة شخصية آنا فارغيز، التي تتمثل وظيفتها السريالية في لصق العظام المكسورة للعمال الذين يسقطون من مواقع البناء، حتى يعودوا إلى العمل في اليوم التالي. وتصبح الإصابة عطلًا مؤقتًا في آلة الإنتاج بدلًا من أن تكون حادثًا مؤلمًا يستدعي التضامن.
وفي حياة الماعز، تنتقل السيطرة على الجسد من التشييء الاقتصادي إلى الحيوَنة، أي دفع الإنسان إلى التماهي القسري مع الحيوان. حيث يُحرَم نجيب من أبسط حقوق الرعاية الجسدية والنظافة، ويُدفع تحت وطأة الجوع والحرمان إلى شرب حليب الماعز مباشرة من ثدي الماعز ليسد جوعه، متخلِّيًا عن عادات بشرية بدت في السابق بديهية. ولا تقتصر السيطرة على الجسد على جوانب الأكل والتغذية وحسْب، بل تمتدُّ إلى قمع قدرته على التواصل؛ فحين يحاول سائق شاحنة المياه الحديث معه، يعاقبه الكفيل بعنف، فيفهم نجيب أن الكلام نفسه صار خطرًا، وهنا يصير قمع الحاجة إلى التواصل جزءًا من نزع الإنسانية عن الوافد / العامل.
أمَّا في ساق البامبو، فإن الجسد يؤدِّي وظيفة مختلفة؛ فهو ليس أداة عمل وحسْب، بل علامة عرقية للإقصاء. يمثل جسد عيسى أزمة تمثيل حقيقية، فهو ابن أب كويتي، لكنه يحمل ملامح فلبينية تجعل انتماءه موضع شك دائم. لا تكمن أزمته في نقص النسب أو الوضع القانوني فحسب، بل في غياب التطابق الشكلي مع الصورة المتخيلة للكويتي. لذلك تتحوَّل ملامحه إلى موضع معايرة وتعنيف رمزي؛ حين يسخر منه بعض الشباب الكويتيين بشد أعينهم بأصابعهم في إحالة ساخرة إلى الصورة النمطية المرتبطة بالملامح الآسيوية، ولا سيما ضيق العينين.
وتكشف الرواية نفسها أن استباحة الجسد الآسيوي لا تبدأ بالضرورة عند وصوله إلى الخليج، بل قد تسبق ذلك داخل سياقات الفقر والهشاشة في بلد المنشأ. ففي ساق البامبو، يمر جسدا جوزافين وأختها آيدا عبر اقتصاد عائلي وأبوي قاسٍ، تتحول فيه الفتاتان إلى وسيلة لتسديد ديون الأب ومراهناته، قبل أن تنتهي آيدا إلى مستنقع البغاء. ولا يختلف الأمر كثيرًا في خادمات المقام، حيث تُباع نجيبة، وهي طفلة، لرجل مسن سدادًا لدين والدها. بهذا المعنى، لا تبدأ استباحة الجسد الآسيوي في دول الخليج -محل التحليل في الدراسة- وحده، ولكنها تُمثل امتدادًا لتاريخ سابق من الفقر، والديون، والسلطة الأبوية، قبل أن يُعاد إنتاجها داخل علاقات العمل والخدمة في المجتمع الخليجي.
وتبلغ هذه الاستباحة ذروتَها حين يصبح الجسد موقعًا للعقاب الرمزي باسم الشرف أو حفظ التراتبية الاجتماعية. ففي خادمات المقام، يلفظ البحر جثة مريم، المرأة الحامل التي قُتلت ورُميت في البحر بسبب علاقتها بالخادم الإيراني. وتكشف بشاعة العقاب أن الجريمة في منطق الجماعة لم تكن العلاقة ذاتها بقدر ما كانت تجاوز الحد الطبقي والعرقي المرسوم بينهما؛ فالجسد هنا كان يُعاقَب لأنه فضح هشاشة الحدود التي يستند إليها النظام الاجتماعي في توزيع المكانة، والنسب، والاعتراف.
مع ذلك، لا يبقى الجسد في هذه الأعمال موضوعًا سلبيًّا للعنف وحده. ففي خادمات المقام، تستخدم ماريا الحبشية جسدها المختلف بوصفه أداة لإنتاج سلطة مضادة. فبشرتها الداكنة، وهيئتها، وعيناها، وحضورها المرتبط بمقام الخضر، كلها تتحول إلى عناصر في صناعة هالة من الرهبة والقداسة. لا يخرج هذا التمثيل من أسر الأسطرة والعنصرة للمختلف، لكنه يكشف في الوقت نفسه قدرة الهامش على قلب بعض شروط السيطرة لصالحه. فجسد ماريا، الذي كان يمكن أن يُقرأ بوصفه علامة دونية، يتحول إلى مصدر نفوذ رمزي ومالي، وإلى وسيلة لترهيب الأنا المستعلية وانتزاع الاعتراف منها ولو بصورة ملتبسة.
تُظهر هذه الأعمال، في مجموعها، أن الجسد هو الموضع الأبرز الذي تُمارس عليه السلطة هيمنتها وتنتج من خلاله معاني السيادة والقهر. سواء كان هذا الجسد يُرمَّم بالغراء ليعود إلى ورشة البناء في أشخاص مؤقتون، أو يُدفع إلى التماهي مع الحيوان في الصحراء في حياة ماعز، أو يُرفض بسبب ملامحه العرقية في ساق البامبو، أو يُباع بوصفه بضاعة في خادمات المقام، فإنه يظل الوثيقة الأوضح للتكلفة الإنسانية الباهظة للتحديث في بعض دول الخليج. لكن ومن ناحية أخرى تبرز قيمة أدبية أخرى لهذه النصوص، ذلك أنها تبيِّن كيف يتحوَّل هذا الجسد إلى فعل / موضع مقاوم، يكشف ما تحاول خطابات التنمية العمل على إخفائه، لأن الحداثة التي تُبنى على أجساد غير معترف بها تظل حداثة مأزومة، مهما تطاولت عمرانيًّا.
ثالثا- الهوية بين مرآة الأنا ونافذة الآخر
تتنازع الهوية في الأعمال المختارة عوامل متعددة، ولا تُقدَّم بوصفها جوهرًا ثابتًا أو تعريفًا مكتملًا يمنحه الفرد لنفسه. ومن خلال منهجية التمثيل الثقافي، يمكن ملاحظة أن هذه الأعمال تكشف الاضطراب القائم بين الطريقة التي يعرِّف بها الأشخاص ذواتهم، والصور التي تبنيها الشخصيات الأخرى عنهم، ثم الكيفية التي يعيد بها النص أو الفيلم تركيب هذه المستويات لإنتاج معنى ثالث ينشأ من التفاعل بينها.
إذا بدأنا من حياة الماعز، نلاحظ أن العمل يصور نظرة الخليجي إلى العامل الهندي على أساس اختزاله في مرتبة أدنى من الإنسان؛ كائن لا يفهم، ولا يليق به إلا العيش في شروط أقرب إلى حياة الحيوانات. غير أن الفيلم، في المقابل، يكشف للمشاهد إنسانية هذا العامل قبل دخوله الصحراء: أحلامه، وذاكرته، وانتماءه الثقافي، وتطلعه إلى حياة أفضل. ومن خلال الجمع بين هذين المستويين، تنشأ علاقة هوياتية مضطربة بين ما يعتقده كل طرف عن الآخر، وما يستطيع المشاهد أن يلتقطه من التفاعل بينهما. وكأن الهويات تبنى من جديد باستخدام علاقات القوة.
يبلغ الصدام بين الهويات ذروته في ساق البامبو حيث يحمل بطل الرواية هوية هجينة تخترق حدود النقاء العرقي والاجتماعي المتخيَّل. إذ يمثِّل عيسى هذا التكوين المتضارب؛ فهو ليس وافدًا خارجيًّا تمامًا، ولا ابنًا داخليًّا معترفًا به. يحمل دم الأب الكويتي، لكن جسده وملامحه تعكس أثر الأم الفلبينية، فيتحول الجسد إلى شاهد إثبات لنفي الانتماء بدل إثباته.
من هنا تفشل عملية الدمج الثقافي فالمجتمع يستطيع أن يستفيد من عمل الخادمة، لكنه لا يستطيع قبول ابنها (لأن ثمرتها قد تفهم على أنها ما تقدمه من عمل وخدمة) داخل العائلة والجماعة الوطنية. لذلك لا يعاني عيسى من أزمة نسب فقط، بل من أزمة اعتراف؛ إذ يُدفع قسرًا إلى موقع العمالة الآسيوية الوافدة، رغم نسبه الكويتي، ويجد نفسه ممزقًا بين هوية فلبينية لا تمنحه الامتياز، وهوية كويتية لا تمنحه الانتماء.
وعلى صعيد آخر، تلعب اللغة دورًا حاسمًا في إنتاج هذه التمايزات. فاللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل أداة ترسم الحد الفاصل بين نحن وهم. ففي حياة الماعز، يؤدي غياب اللغة المشتركة بين نجيب وكفيله إلى عزلة شبه كاملة، تجعل الآخر عاجزًا عن شرح ذاته أو الدفاع عن نفسه أو حتى فهم شروط استعباده. في المقابل، يجعل ديباك أونيكريشنان في أشخاص مؤقتون من اللغة الهجينة نفسها شكلًا من أشكال المقاومة. فمزج العربية والإنجليزية والمالايالام، يكشف مدينة متعدِّدة لا تستطيع اللغة الرسمية الأحادية احتواءها. كما أن المشهد الذي يصوره ببراعة لضابط الشرطة الإماراتي الذي يعنِّف عاملًا آسيويًّا لأنه لا يتحدث العربية، صارخًا في وجهه بما يربط اللغة بالملكية والسيادة: كيف تأتي إلى بلدي ولا تتحدث لغتي؟، يبين بوضوح فجوة اللغة في الاعتراف بالعامل / الآخر.
وتتأسَّس سياسات الهوية في بعض دول الخليج، كما تعكسها هذه الأعمال، على إبقاء الآخر داخل وضع من المؤقتية والهامشية الدائمة. فالعامل قد يعيش سنوات طويلة، وقد يولد أبناؤه في تلك البلاد، وقد يشارك في بناء المدينة وخدمة البيت وإدارة الحياة اليومية، لكنه يبقى قانونيًّا وثقافيًّا خارج أفق الانتماء للجماعة الوطنية. يجسِّد أونيكريشنان هذه الحالة بصورة سريالية من خلال قصته عن العمال المعلبين. غير أن النص لا يتركهم في موقع الطاعة المطلقة؛ إذ يمنحهم لحظة وعي وتنظيم واحتجاج، بما يفتح إمكانية أن يتكلم التابع بوصفه ذاتًا قادرة على مساءلة النظام الذي يحوِّله إلى أداة إنتاج مؤقتة.
غير أن إنتاج الصور النمطية لا يجري في اتجاه واحد فقط. فمن منظور التمثيل الثقافي، لا تقتصر عملية التصنيف على نظرة الأنا الخليجية إلى الآخر الآسيوي، بل تمتد إلى الخطاب المضاد الذي يبنيه الآخر عن المواطن الخليجي. فالعلاقة غير المتكافئة لا تنتج اغترابًا لدى الوافد وحده، بل تنتج أيضًا صورة مضادة للمواطن المضيف، تختزله أحيانًا في المال، والغطرسة، والفراغ الثقافي، أو العنف. وبهذا يتحول الخليجي، في بعض السرديات الآسيوية والمهاجرة، من إنسان ذي تاريخ وحضارة إلى رمز لرأس المال القاهر أو السلطة الاستعبادية.
وقد تجلَّت هذه القراءة المضادة بوضوح في الجدل الذي أثاره فيلم حياة الماعز، المقتبس عن رواية أيام الماعز. فقد رأى عدد من المعلِّقين السعوديين والخليجيين أن الفيلم يقدِّم الكفيل السعودي في صورة همجية أو وحشية، ويحوِّل تجربة استغلال فردية إلى تمثيل عام للمواطن الخليجي أو العربي. ولذلك لم يكن الاعتراض على الفيلم اعتراضًا فنِّيًّا وحسْب، ولكن كان اعتراضًا على سلطة التمثيل ذاتها ومن له حق سرد العلاقة بين العامل والكفيل؟ وهل يمكن لعمل أدبي أو سينمائي أن يحوِّل العنف البنيوي إلى صورة نمطية مضادة تُدين مجتمعًا بأكمله؟
هكذا تكشف الأعمال المختارة عن دينامية صور متبادلة، لا عن علاقة تمثيل أحادية. فالأنا الخليجية تستخدم ثنائية متعدِّدة لتأكيد تفوقها وتبرير موقع العامل الآسيوي بوصفه تابعًا أو مؤقتًا أو قابلًا للاستبدال. وفي المقابل، يرد الخطاب الآسيوي والمهاجر أحيانًا بصورة مضادة تختزل الخليجي في الغطرسة والثراء والإجحاف، بما يجرِّده هو الآخر من تعقيده الإنساني. وتتزايد أهمية هذه الأعمال لأنها تكشف شروط إنتاج هذه الصور النمطية المتبادلة.
الخاتمة
تأسيسًا على ما سبق، يخلص هذا المقال، بالارتكاز إلى منهجية التمثيل الثقافي عند ستيوارت هول، إلى أن الأعمال الأدبية والسينمائية التي قمنا بتحليلها كانت تمثِّل خطابًا فاعلًا في إنتاج المعنى حول الأنا المهيمنة والآخر المستضعف. فقد ساهمت في تفكيك الخطابات التي تختزل الحداثة الخليجية في الطفرة العمرانية والوفرة الاقتصادية، لتكشف بدلًا من ذلك عن التكلفة الإنسانية الباهظة لهذه الحداثة.
غير أن القراءة النقدية السابقة لا ينبغي أن تقود إلى حصر المشهد في صورة واحدة قاتمة لعلاقة المجتمعات الخليجية بالعمالة الآسيوية. فإلى جانب أنماط الاستغلال والتهميش التي تكشفها الأعمال محل الدراسة والتي تنتمي في أغلبها لوصف أحداث من العقود الماضية، شهدت بعض دول الخليج خلال السنوات الأخيرة مسارات إصلاح قانونية ومؤسَّسية مهمَّة، وإن ظلَّت متفاوتةً في عمقها ودرجة إنفاذها. ففي قطر، مثلًا، أُدخلت تعديلات على نظام الكفالة أتاحت للعامل تغيير جهة العمل بعد مدة إخطار، وألغت اشتراط تصريح الخروج بموافقة صاحب العمل، كما أُقِرَّ حدٌّ أدنى غير تمييزي للأجور شمل العمالة المنزلية، وهو ما أدَّى، وفق منظمة العمل الدولية، إلى رفع أجور مئات الآلاف من العمال[21] وفي السعودية، اتجهت مبادرة إصلاح العمل إلى توسيع حرية التنقُّل الوظيفي وتنظيم إجراءات الخروج والعودة والخروج النهائي للعمالة الوافدة في القطاع الخاص[22]. وعلى مستوى أوسع، طورت دول مجلس التعاون أنظمة حماية الأجور، والتأمين، وبعض أشكال الحماية الاجتماعية والصحية، بما يعكس انتقالًا تدريجيًّا إلى قدرٍ أكبر من التنظيم المؤسسي والرقابة القانونية[23].
كما أن المؤقَّتية، التي تكشفها النصوص بوصفها مصدرًا للهشاشة والاقتلاع، لا تُختزل دائمًا في معنى سلبي واحد؛ إذ مثَّل العمل المؤقَّت في الخليج، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من العمال الوافدين، استراتيجية اقتصادية لتحسين شروط الحياة في بلدان الأصل. فتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن دول مجلس التعاون تُعد المصدر الأكبر لتحويلات العمال إلى جنوب آسيا، وأن هذه التحويلات تمثل دخلًا حاسمًا للأسر وموردًا مهمًّا للنقد الأجنبي في اقتصادات الدول المصدرة للعمالة[24]. وتذهب دراسات حديثة عن الهجرة المؤقتة إلى أن العمل بعقود قصيرة في الخارج قد يتمكَّنون من مراكمة مدَّخرات تُستخدم لاحقًا في تمويل مشروعات صغيرة أو أنشطة عمل حر بعد العودة[25]، وتؤكِّد خبرات العديد من العمال والوافدين أن تحويلات المهاجرين ساعدت كثيرًا من الأسر على تحسين الدخل وامتلاك بعض مقوِّمات الحياة من الأصول والسكن، بل وأظهرت دراسات حديثة أن الأسر ذات الخبرة في الهجرة والعمل في الخارج تتمتَّع، في المتوسط، بمؤشِّرات معيشية أفضل من الأسر غير المهاجرة[26].
كذلك فإن الاعتراف بهذه المكاسب لا يعني تبرير هشاشة أوضاع العمال أو التقليل من العنف الرمزي والمادي الذي تكشفه الأعمال الأدبية والسينمائية، بل يسمح بقراءة أكثر تركيبًا تجعل القيمة الأساسية لهذه الأعمال والنقاش حولها في توسيع دائرة الإصلاحات مساءلة التكلفة الخفية للتحديث الخليجي مؤكدة أن الحداثة لن تكتمل بناطحات السحاب والمشاريع البراقة، ولكن يجب أن يتأسَّس التحديث والتطوير على فضاء اجتماعي وثقافي يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه ويقوم على الاعتراف بالاختلاف والتنوُّع والتعدُّد.
المراجع:
[1] For examples:
– Nadeen Dakkak, Ana Mafi Khouf Min Kafeel: Counter-Narratives in Comedic Video Representations of Migrant Workers in the Arab Gulf States,” Mashriq & Mahjar: Journal of Middle East & North African Migration Studies Vol. 9, No. 1, 2022, p. 14, available at: https://lebanesestudies.ojs.chass.ncsu.edu/index.php/mashriq/article/view/305
– Heba Thankam Varghese, Telling Translocal Histories: Reading the Migrant Life-Worlds in Gulf-Keralan Writing, The Journal of Commonwealth Literature, Vol. 58, No. 1, 2023, p. 9, available at: https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/00219894221145222
[2] Surbhi Gupta and Amal Al Saeedi, A Film About a Goatherding Indian Migrant Sparks a Gulf Controversy, New Lines Magazine, 28 August 2024, Accessed: 13 May 2026, available at: https://newlinesmag.com/spotlight/a-film-about-a-goatherding-indian-migrant-sparks-a-gulf-controversy/
[3] سعود السنعوسي، ساق البامبو، (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012).
[4] Olivia Snaije, Kuwaiti Writer Saud Alsanousi Receives $50,000 Arabic Fiction Prize, Publishing Perspectives, 24 April 2013; “Saud Alsanousi, International Literature Festival Berlin, Accessed: 13 May 2026, available at: https://perma.cc/M72T-C8QF
[5] منى الشمّري، خادمات المقام، (بيروت: دار الساقي، 2021).
[6] منى الشمري، الجائزة العالمية للرواية العربية، فوز ‘خادمات المقام’ بـ‘جائزة أفضل كتاب عربي في مجال الرواية، معرض الشارقة الدولي للكتاب 2022، دار الساقي, ٢ نوفمبر ٢٠٢٢، تاريخ الاطلاع: ١٣ مايو ٢٠٢٦، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/y6rfeum2
[7] Deepak Unnikrishnan, Temporary People, (Brooklyn, New York: Restless Books, 2017).
[8] Peter C. Baker, The Stories About Abu Dhabi That Are Rarely Told, The New Yorker, 12 April 2017, Accessed: 13 May 2026, available at: https://tinyurl.com/y67cuyy8
[9] Benyamin, Aadu Jeevitham, (Thrissur: Green Books, 2008).
[10] Surbhi Gupta and Amal Al Saeedi, A Film About a Goatherding Indian Migrant Sparks a Gulf Controversy, Op. cit.
[11] Stuart Hall, The Work of Representation, in Representation: Cultural Representations and Signifying Practices, ed. Stuart Hall, (London: Sage in association with The Open University, 1997), pp. 15-17.
[12] Ibid., pp. 24-26, 28-29.
* تقدم بعض الأدبيات المعاصرة في الفلسفة السياسية الغربية تنظيرًا هامًّا حول مسألة الاعتراف، ويبرز في هذا الإطار تنظيرات أكسيل هونيت الذي يقدِّم الاعتراف بوصفه مفهومًا معياريًّا، فأن يُعترف بك يعني أن تُعامل بعدالة، وبالعكس فإن علاقة اعتراف غير عادلة ليست بأي معنى علاقة اعتراف، بل هى شكل من أشكال سوء الاعتراف. ويعتبر هونيت أن الاعتراف المتبادل كفيل بوضع حَدٍّ للصراعات الاجتماعية القائمة على السيطرة والهيمنة والظلم الاجتماعي؛ لأن الأفراد يحققون ذواتهم واستقلالهم الذاتي من خلال التذاوت intersubjectivity (أي الاعتراف المتبادل بينهم وبين أفراد المجتمع الآخرين) والتفاعل الإيجابي مع الغير.
[13] A. Diop, T. Johnston, and K. T. Le, Challenges in Reforming the Kafala, in Migration to the Gulf: Policies in Sending and Receiving Countries, ed. Philippe Fargues and Nasra M. Shah, (Cambridge: Gulf Research Centre Cambridge, 2018), p. 36.
[14] Françoise De Bel-Air, National and Foreign Populations in GCC Countries, GLMM Factsheet, No. 13, February 2025, accessed: 13 May 2026, available at: https://gulfmigration.grc.net/wp-content/uploads/2025/02/Francoise-De-Bel-Air-Factsheet-No.-13-GCC-Populations-2025-02-27.pdf
[15] كريم رمضان، صدمة مزدوجة للعمالة الوافدة في الخليج من الحرب… خفض الأجور وارتفاع كلفة المعيشة، العربي الجديد، 4 مايو 2026، تاريخ الاطلاع: ١٣ مايو ٢٠٢٦، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/mrxr5jxn
[16] Anisur Rahman, Migration and Human Rights in the Gulf, in Migration and the Gulf, ed. Viewpoints Special Edition, (Washington, DC: Middle East Institute, 2010), p. 16.
[17] Robert E. Looney, Factors Affecting Employment in the Arabian Gulf Region, 1975–85, International Journal of Social Economics, Vol. 19, No. 2, 1992, p. 47, available at: https://doi.org/10.1108/EUM0000000000481
[18] Hélène Thiollet, Managing Migrant Labour in the Gulf: Transnational Dynamics of Migration Politics since the 1930s, IMI Working Paper 131, (Oxford: International Migration Institute, University of Oxford, 2016), p. 12, available at: https://ora.ox.ac.uk/objects/uuid%3A22541e1d-a801-4efb-a323-23ecdeeb62a7
[19] Ibid., p. 15.
[20] Gulf Labour Markets, Migration and Population Programme, Saudi Arabia: Non-Arab Asian Population by Region, Country of Citizenship and Sex (Census 2022), GLMM Database, based on GAStat, Saudi Arabia Census 2022. Accessed: 13 May 2026, available at: https://gulfmigration.grc.net/saudi-arabia-non-arab-asian-population-by-region-country-of-citizenship-and-sex-census-2022/
[21] International Labour Organization, What Has Changed for Migrant Workers in Qatar?, ILO InfoStories, updated November 2023, accessed: 30 May 2026, available at: https://webapps.ilo.org/infostories/en-GB/Stories/Country-Focus/world-cup-qatar.html
[22] Ministry of Human Resources and Social Development, Ministry of Human Resources and Social Development Launches Labor Reforms for Private Sector Workers, 4 November 2020, accessed: 30 May 2026, available at: https://www.hrsd.gov.sa/en/media-center/news/770957
[23] See:
– International Labour Organization, Report Reviews the Wage Protection System in Gulf Cooperation Council Countries, 20 November 2025, accessed: 30 May 2026, available at: https://www.ilo.org/resource/news/report-reviews-wage-protection-system-gulf-cooperation-council-countries
– International Labour Organization, New Reforms for the Extension of Social Protection to Migrant Workers in the GCC Countries, infographic, 2024, accessed: 30 May 2026, available at: https://www.ilo.org/resource/other/infographic-new-reforms-extension-social-protection-migrant-workers-gcc
[24] World Bank, Branching Out: The Economic Potential of South Asians Abroad, South Asia Development Update, April 2025, accessed: 30 May 2026, available at: https://documents1.worldbank.org/curated/en/099740404232536373/pdf/IDU-57df111d-3695-43ba-a852-173326850600.pdf
[25] Laurent Bossavie, Joseph-Simon Görlach, Çağlar Özden, and He Wang, Temporary Migration for Long-Term Investment, Journal of Development Economics 174, May 2025, available at: https://ideas.repec.org/a/eee/deveco/v174y2025ics0304387824001093.html
[26] See:
– B. A. Prakash, Gulf Migration and Its Economic Impact: The Kerala Experience, Economic and Political Weekly, Vol. 33, No. 50, 12 December 1998, pp. 3209–3213, available at: https://www.epw.in/journal/1998/50/special-articles/gulf-migration-and-its-economic-impact-kerala-experience.html
– Afsal Kalangadan (et al.), Standard of Living of Migrant and Non-Migrant Households in Kerala: A Comparative Study Based on Migration Survey 2018, SAGE Open, Vol. 14, No. 3, 2024, available at: https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/21582440241273869








