الزيتونة: الجامع الأعظم في القرن الرابع عشر الهجري

نشأة جامع الزيتونة:
هذا البيت العتيق هو كعبة القطر الأفريقي، ومطلع فجره الصادق الحقيقي، وإن كانت شهرته تغني الكاتب عن التعريف بأطواره؛ إذ كتب التاريخ مشحونة بما يدل عما منحه الله من السر الساري والمورد المعين الجاري، ولا غرو فبعض بقاع الأرض أيمن من بعض، والحكمة لمن عمَّ حكمه وملكوته الطول والعرض.
ولكنه مع هذه الشهرة التي أشرنا إليها، وأخذنا بخصر الاختصار اعتمادًا عليها، عنَّ لي أن يكون لموضوعنا هذا جملة من أخباره وتقلبات أطواره، تكون على جبينه إكليلا، وترد طرف حسوده خاسئًا كليلًا[1].
والذي تضافرت عليه كتب المؤرخين، أن أول من ابتدأ بناء جامع الزيتونة الأمير حسان بن نعمان الغساني، الداخل لأفريقية سنة 79هـ، ثم جاء الأمير عبيد الله بن الحباب، الداخل سنة 114هـ/733م، وأتم بناءه سنة 141 هـ/758 م، ولما تولى زيادة الله بن الأغلب الإمارة بالقيروان، أحدث به أبنية فخمة، فصار من أحسن الجوامع القائمة على أساطين من المرمر والرخام سنة 255هـ، كما دل عليه لفظ (اعلم) المرتسم على أحد أقواسه. ثم من ذلك العهد، وقعت فيه زيادات وترميمات، إلى أن صار- الآن- كما يراه الزائر ضخم البناء، متَّسع الرحب والفناء، أدام الله عمرانه.
وأول ما عرف من هذا البيت، صومعته الشهيرة الموجودة من قبل دخول العرب أفريقية، قال صاحب المؤنس: كان العرب ينـزلون بإزاء صومعته، ويأنسون براهب كان يتعبَّد بها، حتى كانوا يقولون: “هذه البقعة تؤنس”. قال المؤرخ: وحينئذ، فلهذا البيت سابق الفضل بصلاة الصدر الأول، ثم لما اتخذ المحل مسجدًا إسلاميًّا، جعلت الصومعة محل النداء والأذان للصلاة، ولم تزل منذ ذلك العهد القديم، قائمة على أصولها الراسخة، وإن وقعت بها تجديدات وإصلاحات.
عناية أهل تونس بالجامع الأعظم الزيتونة
كانت القيروان منذ الفتح الإسلامي عاصمة الإمارة للبلاد التونسية. وكان جامعها الذي اختطَّه عقبة بن نافع رضي الله عنه من أكبر المعاهد التي يؤمُّها طلاب العلم من نواح مختلفة، ومصدرًا للفتاوى والأحكام. تخرَّج به أكابر الفقهاء الذين بلغوا درجة الاستنباط أو الترجيح بين الآراء، وألفوا، فأحكموا صناعة التأليف[2].
وفي أواخر المائة السادسة انتقل كرسي الإمارة إلى تونس، حين اختارها عبد المؤمن بن علي وخلفاؤه مقرًّا للإمارة، وأصبحت الحركة العلمية تنمو في هذه المدينة، إلى أن صار جامع الزيتونة محطَّ رحال طلاب العلم بدل جامع القيروان. وأخذ جامع الزيتونة يغالب جامع القيروان، وأخذ اسمه يتردَّد أكثر ممَّا كان. وأصبح لأهل القطر التونسي ( عمَّره الله تعالى) تعلُّق شديد بهذا البيت العتيق، وتشبُّث عظيم بعرصاته. فإذا أطلقوا الجامع الأعظم فمرادهم جامع الزيتونة، كما نجده مرجعًا لغالب أوقافهم، ولهم في ذلك المنازع الغريبة، فمنهم من يوقف على الإمام، ومنهم من يوقف على القرَّاء، أو المؤذِّنين، ومنهم من يوقف على نفس البيت، ومنهم من يوقف على الحمام الوحشي الذي يأوي إليه.
وليس هذا الاهتمام وتلك العناية مقصورة على العامة، بل هي مشتركة بينهم وبين الخاصة من الملوك، وأعيان الدولة، والمسؤولين، فقد كانوا ينتخبون من العلماء والأشراف والصالحين لمحرابه ومنبره، وخصَّصوا له ثلاثة من الأئمة، فأولهم لخطبة الجمعة والعيدين، وله القيام بما يسَّره الله تعالى من الصلوات الخمس، والثاني مُعَدٌّ للصلوات الخمس، وله دار يستحق السُّكنى فيها قرب الجامع. والثالث مُعَدٌّ للنيابة عن الإماميْن على وجه الاحتياط. وهو معزَّز بإمام رابع، لإقامة صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك. والعامة والخاصة لا يرضون لمحراب الجامع ومنبره، إلا من تأهَّل لذلك علمًا، وخلقًا، واستقامة. وقد صنَّف الشيخ محمد مخلوف قائمة فيمن تولَّى الإمارة والخطابة بالجامع الأعظم هذا إلى جانب اهتمامهم بقراءة الأوراد القرآنية، والصلوات على خير البرية، وقراءة الكتب الحديثية، في أوقات مختلفة وربما يكون لها بين الظهرين دوي كدوي النحل. وقد تبلغ الحلقات زهاء خمسين حلقة، يربو عدد قرَّائها على ثلاثمائة قارئ، يرطِّبون ألسنتهم بتلاوة القرآن والذكر، وتحضره أمم لا تحصى على اختلاف طبقاتهم.
أمَّا موكب ختم الحديث الشريف في رمضان المبارك، فهو مثل موكب المولد النبوي الشريف له شأن عظيم بالجامع الأعظم، آخر كتابه ضمَّنه تعظيم أهل تونس لختم الحديث الشريف، حتى أصبح سمة من سماتها، أما الكيفية الجارية في هذا اليوم، وذلك أنه بعد صلاة العصر من السادس والعشرين من شهر رمضان، يبتدئ الإمام الثالث رواية الشفاء للقاضي عياض، ثم يتلوه الإمام الثاني برواية صحيح مسلم، ثم يختم الإمام الأول براوية صحيح البخاري، وذلك بمحضر أمير العصر، ووزرائه، والعلماء، والجامع غاصٌّ على اتِّساعه بالمسلمين. وفي الليل، يقع ختم القرآن الكريم بصلاة التراويح، والناس يزدحمون على أبوابه، زاده الله فضــلا على فضل، وأدام على المسلمين التمسك بحبله المتين إلى يوم الدين.
جامع الزيتونة وأثره في المجتمع التونسي والمغربي: في القرن الرابع عشر الهجري
إذا التفتنا لهذا الغرض ألفيناه طويل الذيل، طامي السيل، والمشاهدة بالعيان أصح من كل بيان؛ إذ لا يعزب عن علم أحد أن المدارس الجامعة الإسلامية بالقارة الأفريقية ثلاث، وهي الجامع الأزهر بمصر، وجامع الزيتونة بتونس، وجامع القرويين بفاس، وأن جامع الزيتونة كما كان واسطة هذا العقد، من حيث موقعه الجغرافي، فله أيضًا المنـزلة السامية في جميع العلوم التي قام بتدريسها عبر القرون الطويلة، ومن شواهد ذلك ما يبرهن عليه الوجود الخارجي، من فحول العلماء الذين لا يُشَقُّ غبارهم، وتآليفهم التي لم يُنسج على منوالها.
ظل التدريس بالجامع الأعظم على هيأته الأولى دون حدوث أي تغيير يذكر على نظامه التعليمي، إلى عهد المشير أحمد باشا أمير تونس، في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، فوجَّه عنايته إلى ترقية شأن التعليم، وإنبات طلاب العلم نباتًا حسنًا، فكان من تدبير هذا الأمير، أن قصد إلى تنظيم التعليم بجامع الزيتونة، فأمر بمرسوم في سنة 1258هـ – 1842م، وُتِليَ في يوم مشهود، ورُسم في صحيفة محاطة بإطار، وكُتب بمُذابِ الذهب على لوح بهيج، وعُلِّقَ داخل باب من أبواب الجامع يُسَمَّى “باب الشفاء”. ويقضي هذا المرسوم بانتخاب خمسة عشر عالمًا من علماء الحنفية، ومثلهم من المالكية، يقرأ كلُّ واحدٍ منهم درسين ممَّا يُطلب منه من العلوم، وفي أي وقت تيسَّر عدا يومي الخميس والجمعة، وأُجْرِيَ لكلِّ واحدٍ منهم مرتب شهري قدره ستون ريالا، ومن تخلَّف عن التدريس لغير عُذر، لا يستحقُّ المرتَّب. وإذا فُقد أحد هؤلاء المدرِّسين، انتَخب نَظَّارُ الجامع بدلَه أعلم أهل الموجودين في القطر، وإذا اشتبه عليهم الحال فيمن يستحق ولاية التدريس، عقدوا مسابقةً بين من يرغبون في إحرازها، ومن وقع عليه الاختيار فَصَلَ في تعيينه المشايخ النُّظَّار، وبعثوا قرارهم إلى حضرة الباي؛ ليصدر مرسومًا في تعيينه.
المشايخ النُّظَّار: والمشايخ النُّظَّار، هم أربعة من كبار العلماء، رئيس الإفتاء الحنفي، ورئيس الإفتاء المالكي، والقاضي الحنفي، والقاضي المالكي، ينظرون في شئون المعهد. ويرأس المجلس شيخ الإسلام (الحنفي)، يجتمعون بمكان معد لهم من الجامع، في صبيحة السبت من كل أسبوع، ثم يتناوبون الحضور بقية الأيام، فيجيء كل واحد منهم في يوم لإجراء ما قرَّروه عند اجتماعهم. ويساعد المشايخ النظار، اثنان من المدرسين، يحضران جلسات المشايخ، ولهما إبداء ملاحظات واقتراحات، لكنها غير ملزمة، وينص القانون أن للناظر أن يختبر أحوال المدرسين، بنفسه، فيجلس قريبًا من المدرس، بحيث يسمع إلقاءه حتى تتميز عنده مراتب المدرسين.
كانت هذه المرحلة بداية عهد جديد للجامع الأعظم: الزيتونة، وتنظيم العلوم به. وقد أثمرت هذه الإصلاحات في هذا العهد، وازداد توجُّه الناس إلى الجامع الأعظم، وتوافد عليه أبناء المسلمين من القطر التونسي، وخارجه، ينهلون من معينه، ويزدادون علمًا، وهدى، وبصيرة. فظهر في عهد النظام الجديد نبغاء في علوم الدين، واللغة العربية، وأخذت تونس في حياة مدنية نامية، وصارت في مقدمة الشعوب التي تيقظت لما تحتاج إليه من إصلاح. ظهر ذلك واضحًا في قصائد الشعراء والأدباء، في ذلك الوقت، منهم الشاعر المفلق المفتي المالكي الشيخ محمود قبادو التونسي، المتوفى سنة 1280هـ، حيث يقول في الأمم الغربية:
لقد قتلوا دنيا الحياتين خبرة فمن لم يساهمهم فقد طاش سهمه
ومن نبغاء ذلك العهد العالم الكبير الشيخ أحمد بن أبي الضياف، المؤرخ التونسي المشهور صاحب كتاب “إتحاف أهل الزمان”، توفي سنة 1291هـ، 1874م، وهو أول من كتب باللغة العربية للدولة العثمانية، وجعل اللغة العربية اللسان الرسمي للدولة، بعد أن كانت المراسلات تحرَّر باللغة التركية[3]، ثم خلفه على ذلك الوزير العالم النحرير، الشيخ محمد عبد العزيز بوعتور، ولد سنة 1240 هـ، وتوفي سنة 1325 هـ4.
واستمر الأمر على ذلك الحال حتى جاء عهد الأمير محمد الصادق باي، ووزيره المصلح خير الدين باشا توفي سنة 1308هـ، صاحب كتاب ” أقوم المسالك في أحوال الممالك”. فأدخل هذا الوزير على نظام التعليم بالجامع الأعظم، تعديلات وإضافات ذات شأن، ووضع مناهج سارت به إلى الأمام مرحلة كبيرة، فأمر بزيادات في مرتب المدرسين، ونظم طبقة ثانية من المدرسين بالجامع: ستة من الحنفية ومثلهم من المالكية. وكان هذا الوزير مهتما بأمر جامع الزيتونة، ويتردَّد عليه، ويشهد حلقات الدروس بنفسه؛ ممَّا جعل رجال الدولة يحذون حذوَه في العناية بهذا المعهد الإسلامي، فكان داعية إقبال الناس وتنافسهم في العلوم، كما رتَّب في ذلك قانونًا أصدره سنة 1296هـ/ 1875م.
وما زالت الإصلاحات التعليمية تتوالَى في هذا الجامع العتيق، في مراحل متعدِّدة لا تتوقَّف عند حد. ففي سنة 1310هـ و1312هـ، دخل على النظام الأول شيء من التغيير والتنقيح. وفي سنة 1329هـ، عقدت الحكومة لجنة من كبار العلماء، وبعض رجال الدولة للنظر فيما تحتاج إليه مناهج التعليم، من تهذيب، وإصلاح، فصار التعليم بما قررته اللجنة أقرب إلى التعليم المحاط بالنظم المدرسية من كل جانب، وأضيفت طبقة ثالثة في طبقات المدرسين، وفيها خمسون مُدَرِّسًا، فأصبح بذلك عدد المدرسين ثلاثين مُدَرِّسًا من الطبقة الأولى، واثني عشر مُدَرِّسًا من الطبقة الثانية، وخمسين مُدَرِّسًا من الطبقة الثالثة، ويضاف إليهم مُدَرِّسَان مختصَّان بدرس القراءات والتجويد، كما ازداد أيضًا عدد الطلاب ازديادًا كبيرًا.
ومن نبغاء هذه المرحلة في الجامع الأعظم، الذين زانوا البلاد علمًا وفضلًا، الشيخ عمر بن الشيخ: (1239 هـ – 1329هـ) حضر دروسه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، في زيارته الأولى لتونس سنة 1300 هـ، وأعجب بقيمة الأستاذ، ودرسه، أيما إعجاب. وكان الأستاذ في طليعة الزيتونيِّين الذين اعتمد عليهم الوزير خير الدين باشا، في برنامجه الإصلاحي لنظام التعليم في الجامع الأعظم5. والشيخ سالم بوحاجب: (1243 هـ / 1827 م – 1343 هـ / 1924 م) انحصر جامع الزيتونة في تلامذته، وتلاميذ تلامذته، فلا تجد فيه طالبًا إلا وللشيخ عليه مشيخة، إما مباشرة وإما بواسطة، فالزيتونيُّون عيال عليه، ومرجعهم في العلم إليه، ودام تدريسُه بالزيتونة ثلاثين سنة، وكان ذا نزعة تجديدية واضحة، لهذا وجد فيه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، العالم الذي يسير معه على نهج واحد، فانقلب من تونس معجبًا بالشيخ سالم بوحاجب 6. والشيخ محمد النجار: أبو عبد الله محمد بن عثمان (1247 – 1331هـ) 7. والشيخ صالح الشريف (1285 – 1338 هـ)، والشيخ محمد النخلي القيرواني رحمه الله (توفي بتونس سنة 1342 هـ) 8. والشيخ محمود بن الخوجة، الذي تولَّى النظارة العلمية بالجامع الأعظم، وتسلَّم خطة الإفتاء، ثم تولَّى بعدها مشيخة الإسلام عام 1318هـ وكانت وفاته عام 1329ه9.
الجامع الأعظم “الزيتونة” في عصره الذهبي:
توالت الإصلاحات على الجامع الأعظم طوال السنوات التي ذكرتها، والتعليم في تطوُّر، وازدهار، ونمو، عَمَّ أرجاء البلاد التونسية؛ فلا تكاد تجد إمامًا، ولا خطيبًا، ولا محاضرًا في مسجد من مساجد القطر التونسي إلا وهو ثمرة من ثمار جامع الزيتونة، بل تجاوز خيرُه ونفعُه خارج البلاد التونسية كالمغرب الأقصى، والصحراء، وطرابلس الغرب، والجزائر وموريتانيا، وغيرها.
ودام الأمر كذلك حتى سنة 1364هـ / 1945م، صدر الأمر الملكي بتعيين الإمام العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (توفي سنة 1393هـ / 1973م) صاحب موسوعة التفسير “التحرير والتنوير”، وغيرها من المؤلَّفات القيمة – شيخًا للجامع الأعظم؛ الزيتونة، للمرة الثانية10، وصرَّح له بأنه يعتمد عليه في إصلاح حال التعليم بجامع الزيتونة وترقيته، فقام هذا الشيخ بهذه الوظيفة خير قيام، وأدخل إصلاحات قيمة على هذا المعهد الشامخ، وجعله يعيش عصرًا ذهبيًّا، وأعطى التعليم الزيتوني دفعة قوية على مختلف المستويات، فباشر إدارتها بهمَّة ونشاط، وسارَ بهذا المعهد حتى بلغ به القمَّة في الازدهار. حتى قيل إنه زعيم حركة الإصلاح، وقائد النضال والكفاح، وبطل الثورة الفكرية التي فتحت العقول والأذهان. وهو أول زعيم تونسي دعا إلى التعليم الإجباري، وتنظيم حملة رسمية لمحو الأمية، ولعلَّ الفكرة نبتت معه منذ ملاقاته للشيخ محمد عبده، وتشبُّعه بأفكاره الإصلاحية سنة 1923م11( ملاحظة: توفى محمد عبده عام 1905م / 1323هـ).
• أهم إنجازات الشيخ الإصلاحية بالجامع الأعظم:
حمل الشيخ لواء الإصلاح، فابتدأ بإصلاح التعليم؛ إذ هو القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها مقوِّمات النهضة الفكرية والحضارية لأي أمة أو مجتمع، وقد شملت هذه الإصلاحات مجالات متعدِّدة، منها إصلاحات ذات صبغة إدارية، ومنها ذات صبغة علمية، وأخرى ذات صبغة تربوية.
إصلاحات ذات صبغة إدارية: أحدث الشيخ إصلاحات ذات شأن في تنظيم التعليم الزيتوني، عند تولِّيه سنة 1945م، منها إحداث نظام التفقُّد، وإرشاد شيوخ الزيتونة، وتوجيههم إلى إحداث المناهج، والأساليب التربوية سنة 1946م. وفي نفس السنة، تمَّ إجراء امتحان شهادة المرحلة الأولى من التعليم الثانوي (الأهلية)، في أربعة مراكز داخل البلاد؛ وهي صفاقس وقفصة، والقيروان، وسوسة. كما تمَّ على يديه، إحداث فرعين للتعليم الزيتوني بتونس، وهما الجامع المراد، والجامع الحسيني. وفي داخل البلاد التونسية تم إنشاء فروع المهدية، والمنستير، ثم باجة، وبنـزرت، ومدنين. ولقد أقبل الناس على هذه المعاهد بشغف نادر. وقد طمح الشيخ ابن عاشور في إيجاد تعليم ابتدائي بالقيروان، وسوسة، وصفاقس، وتوزر، وقفصة، على غرار الجامع الأزهر،كما أخبر بذلك صديقه الشيخ محمد الخضر حسين، ولكن يبدو أن الظروف لم تسمح بتحقيق هذه الأمنية الغالية التي حرمت منها البلاد التونسية12. وقد ازدهر التعليم بالجامع الأعظم في عهد الشيخ حتى بلغ عدد فروع الزيتونة إلى سبعة وعشرين معهدًا علميًّا. ولم يكن التعليم الزيتوني مقتصرًا على الذكور، بل شمل الإناث أيضًا، وخُصِّصَ فرعٌ للبنات الزيتونيَّات بتونس. وتجاوز هذا الازدهار الإصلاحي خارج القطر التونسي، فأحدث الشيخ فرعين زيتونيين بالجزائر الشقيقة بقسنطينة. ونما عدد الطلاب المنتسبين إلى جامع الزيتونة نموًّا مطَّرِدًا، فمن ثلاثة آلاف إلى خمسة وعشرين ألفًا. كما ارتفع عدد الشيوخ المدرِّسين تبعًا لذلك. ونُظمت الامتحانات، وضُبطت ضبطًا محكمًا، وصارت لجان امتحانات تشرف على الشهادات العلمية، وتجرى في المواعيد المضبوطة، وبروح مسئولة عالية.
ووقع تطوير التعليم الزيتوني إلى شعبتين: الأولى الشعبة الأصلية، وتنبني الدراسة فيها على المواد الشرعية، كالفقه، والتفسير، والحديث، مع الأخذ بعلوم الحساب، والفلسفة، والتاريخ، والجغرافيا. والثانية الشعبة العصرية، وهي تلمُّ بالعلوم الشرعية، مع الأخذ الكثير بالعلوم الرياضية، والطبيعية، والفلسفية، والتاريخ، واللغات كالإنجليزية.
وفي هذه المدة، قام الشيخ بزيارات لفروع الجامع الأعظم، كزيارته لفرعي صفاقس والقيروان، وتفقَّد أحوال الطلبة ومساكنهم، وجعل إدارة المدارس تتولَّى تنظيم سكن الطلبة، ودعا إلى تكوين لجنة تشرف على بناء حي زيتوني، جعل رئاستها لشيخ الإسلام المالكي محمد عبد العزيز جعيط، وتحقَّق المشروع، وتمَّ بالفعل إقامة مأوى عظيم مستكمل لوسائل الصحة والراحة، وهو المعروف اليوم بابن شرف13.
إصلاحات ذات صبغة علمية: للجامع الأعظم الزيتونة إسهامه العلمي، وعمق مده الحضاري. فهو الحصن المنيع والدرع الواقي، حافظ على مقدَّسات البلاد من خطر الاستعمار وغزوه الثقافي. قال الشيخ في هذا الصدد: “إن تعليم هذا المعهد هو الحافظ على الأمة علوم دينها، الذي به فوزها في الحياة العاجلة، وسعادتها في الحياة الأبدية، والحافظ عليها علوم لغتها، التي هي ضمان جامعتها، ومظهر مفاخرها وعزتها، لذلك دعت الحاجة إلى إصلاح التعليم الزيتوني في المناهج، والأساليب، والطرق”14. وقد شملت عناية الشيخ ابن عاشور إصلاح الكتب الدراسية، وأساليب التدريس، ومعاهد التعليم، واهتمت لجان من شيوخ الزيتونة بتشجيع منه، بهذا الغرض، ونظرت إلى الكتب الدراسية على مختلف مستوياتها، وعمد الشيخ إلى استبدال كتب كثيرة، كانت منذ عصور ماضية تدرَّس، وصبغ عليها قدم الزمان صبغة احترام وقداسة موهومة، وقد اشتملت الكتب الجديدة على تمارين، حتى تقوِّي ملكة الطالب بمعالجة القواعد العلمية، معالجة تقوم مقام السليقة. وفي عهده، وقع الاهتمام بنوع من العلوم والفنون، كان الاعتناء بها محدودًا، وهو الإنشاء، والتاريخ، والأدب؛ كما وقع الاهتمام بالعلوم الطبيعية، وخصائص الأشياء، وعلوم الحساب. وقد رُوعي في المرحلة العلمية العالية من التعليم الزيتوني، التبحُّر في أقسام التخصُّص، فرُوعي في القسم الشرعي معرفة الأحكام الشرعية، وأدلَّتها، وأصول العقيدة، ومقاصد الشريعة، وأسرار التنزيل، وتقوية ملكة الترجيح، ومعرفة طرق الاستدلال؛ ولذلك اختيرت كتب أعلام الشريعة. ورُوعي في القسم الأدبي معرفة الأدب الرفيع، وتربية الذوق، واتِّساع دائرة التفكير، وتقوية ملكة النقد، وتفهُّم اللغة، ودقائق التعبير. وفي معاهد التعليم الزيتوني، بدأ الحديث عن الوسائل التعليمية المتنوِّعة ذات الجدوى الكبيرة في التعليم؛ فأُلحقت السُّبورة للتوضيح والشرح في بعض الأقسام.
إصلاحات ذات صبغة تربوية: وقد حرص الشيخ ابن عاشور على خاصَّتي التعليم الزيتوني، الصبغة الشرعية، والسمة العربية. وللوصول إلى هذا الهدف، لا بد من تخصيص كتب دراسية شهد لها العلماء بغزارة العلم، وإحكام الصنعة، وتنمية الملكات في التحرير؛ ليتخرج من الزيتونة العالم المقتدر على الغوص فيما درس من مسائل، وتمحيصها، ونقدها. ولتحقيق هذه الأهداف السامية، دعا الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور إلى التقليل من الإلقاء، والإكثار من الأشغال التطبيقية، حتى تتربَّى للطالب ملكة بها يستقلُّ في الفهم، ويعوِّل على نفسه في تحصيل ثقافته العامة. وَحَثَّ شيوخ الزيتونة على استفراغ الجهد، في التأليف العلمي، فقال: “وإصلاح التأليف هو الخطوة الأولى، بل هو نصف المسافة من إصلاح العلوم، فما العلوم إلا معاني التأليف، وإنها لا ترجو تقدُّمًا ما دامت محبوسة في تآليفها القديمة، التي وقفت بها عند القديم منها منذ ستمائة سنة15. كما حَثَّ المدرِّسين على نقد الأساليب الدراسية، واختيار أحسنها أثناء الدرس، ومراعاة تربية الملكة بدل شحن العقل بمعلومات كثيرة، قد لا يُحسن الطالب التصرف فيها.
وإذا تدبَّرنا هذه الآراء، نجدها تنسجم مع روح التربية الحديثة، التي تعوِّل على نشاط الطالب، واستنتاجه للمعارف بنفسه، فتلك أدْعى إلى الرسوخ، وأقدر على الإفادة.
وعند فجر الاستقلال سنة 1374هـ / 1956م، تكوَّنت الجامعة الزيتونية متولِّدة عن المعهد العظيم، وانتقل التدريس من الجامع العتيق إلى الجامعة الزيتونة. وأسندت إلى الشيخ ابن عاشور رياستها.
الخلاصة:
وهكذا، كان الجامع الأعظم الزيتونة أسبق المعاهد التعليمية مولدًا، وأقدمها في التاريخ عهدًا، وقد حمل مشعل الثقافة العربية اثني عشر قرنا ونصف القرن، بلا انقطاع ولا انفصال، تجرد في خلالها لدراسة العلوم، وظل على مد العصور منارًا وهاجًا للتعليم، والبحث، والاستنباط، فتخرج به الفقيه، والأديب، واللغوي، وتفرَّع من دوحته الزيتونيـة المباركة أغصان علم وفلسفة، زانوا الثقافة البشرية في المغرب والمشرق16.
وفي العصر الحديث؛ أي القرن الرابع عشر الهجري، وقف الجامع الأعظم الزيتونة حارسًا أمينًا، وحصنًا منيعًا، ودرعًا واقية، وصرحًا شامخًا، أمام الغزو الثقافي والفكري، الفرنسي والغربي، وحفظ على الأمة التونسية والمغاربية هُويتها، وعُروبتها، وإسلامها، وأصبح أكبر جامعة إسلامية عرفها المغرب العربي بأسْره. فتخرَّج فيه نُبغاء عاملون، وأفذاذ مصلحون، أناروا وجهَ تونس والمغرب العربي، وكانت لهم الصدارة المقبولة بعدئذ في الكفاح السياسي، والكلمة المسموعة والوزن المحترم. فكان منهم كبار الوزراء، وعظماء الكتاب، ومشاهير الحكَّام، ورجال الصحافة، والاقتصاد. وعليهم قامت الدولة التونسية المعاصرة بعد استقلالها من الاحتلال الفرنسي. وما من عائلة تونسية، أو جزائرية، إلا ولها صلة وثيقة بجامع الزيتونة؛ فقد يكون أحد أفرادها، أو أقربائها درس بالزيتونة، أو أحد الخريجين منه. أدام الله تعالى عمرانه، ونفعه، وبركته، على أهل تونس، وعلى المسلمين أجمعين.
المراجع:
- المؤنس في أخبار أفريقية وتونس لأبي عبد الله القاسم الرعيني القيرواني المعروف بابن أبي دينار ولد بالقيروان ونشأ بها، كان فقيهًا مشاركًا في العلوم أديبًا وشاعرًا مجيدًا، توفي بتونس سنة 902هـ/1682م، انظر: محمد النيفر، عنوان الأريب عما نشأ بالمملكة التونسية من عالم أديب، ( تونس: الدار التونسية، الطبعة الأولى).
- تونس وجامع الزيتونة، (تونس: الطبعة الأولى)، ص 39.
- محمد النيفر، مرجع سبق ذكره، ص 130.
- محمد بن محمد بن مخلوف، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية (القاهرة: المطبعة السلفية، 1349هـ)، ص 419، وانظر أيضًا: محمد الفاضل بن عاشور، تراجم الأعلام، (تونس: الدار التونسية، 1970م)، ص ص 91، 98.
- المرجع السابق ص ص 220، 229 وانظر أيضًا: محمد الفاضل بن عاشور، أركان النهضة الأدبية، (القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية بجامعة الدول العربية، 1956م)، ص 19، انظر أيضًا: محمد رشيد رضا، تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده، (القاهرة: مطبعة المنار،1931م)، وانظر أيضًا: تونس وجامع الزيتونة، مرجع سبق ذكره، ص 30.
- المرجع السابق، ص 30.
- محمد بن محمد بن مخلوف، مرجع سبق ذكره، ص 421، وتونس وجامع الزيتونة، مرجع سبق ذكره، ص 97.
- محمد الفاضل بن عاشور، تراجم الأعلام، مرجع سبق ذكره، ص 212، وانظر أيضًا: حوليات جامعة الزيتونة: صدرت بجامعة الزيتونة، عدد 3 سنة 1966م، مقال عن رحلتي محمد عبده لتونس، ص 100، انظر أيضًا: محمد بن محمد بن مخلوف، مرجع سبق ذكره، ص425.
- حوليات جامعة الزيتونة: مرجع سبق ذكره، انظر أيضًا: محمد بن محمد بن مخلوف، مرجع سبق ذكره، ص425.
- محمد النيفر، مرجع سبق ذكره، 2/187، 188، وانظر أيضًا: محمد الطاهر بن عاشور، أليس الصبح بقريب؟ (تونس: المصرف التونسي للطباعة، 1967)، ص 248، وانظر أيضًا: محمد بن محمد بن مخلوف، مرجع سبق ذكره، ص 439.
(*) كان التعين الأول للشيخ سنة (1351هـ / 1932م ) وهو أول من لقب بشيخ الجامع الأعظم.
- المجلة الزيتونية: مجلة علمية أدبية أخلاقية، أصدرتها هيئة التدريس بجامعة الزيتونه، تونس 1936م-1955م، عدد 827، 1946م، ص ص 23-24.
- تونس وجامع الزيتونة، مرجع سبق ذكره، ص 124
- الحبيب المستاوى، مجلة جوهر الإسلام، د. محمد بلخوجه، عدد 3، 4، طبع الشركة التونسية لفنون الرسم، السنة العاشرة، ص 19.
- المجلة الزيتونية ج7، مجلد 6،7، ص 507 ومجلة جوهر الإسلام في عددها الخاص بالشيخ بن عاشور، سنة 1978م، عدد 3،4.
- المجلة الزيتونية، عدد 7، 8، سنة 1946م، ص ص 21،23.
- تونس وجامع الزيتونة، مرجع سبق ذكره، ص 3.
* نشرت هذه المقالة في الكتاب الرابع من العدد الخاص من حولية أمتي في العالم بعنوان “الأمة في قرن”. انظر: منير الكمنتر بن كيلاني، الجامع الأعظم: الزيتونة في القرن الرابع عشر الهجري، حولية أمتي في العالم، الكتاب الرابع، الأمة في قرن، أنماط الفواعل والتفاعلات في الداخل الإسلامي، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، مركز الحضارة للدراسات السياسية، الطبعة الرابعة، 2004).








