عرض كتاب: مؤسسة التصوف

مقدمة:
ترجع أهمية دراسة التصوف لصلته القوية بالمجتمع من حيث تنظيمه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني، وانعكاس ذلك كله على النواحي العقائدية والفكرية والروحية والحضارية. ومن هنا ظهرت عدَّة دراسات تناولت التصوف الإسلامي بوجه عام في أماكن متفرِّقة وعصور مختلفة، وقليلة هي الكتابات التي تناولت التصوف بشكل موسوعي في كل العصور ومختلف البيئات. ويرى محمد صبري الدالي في كتابه “التصوف وأيامه: دور المتصوفة في تاريخ مصر الحديث” أن الكتب التي درست الصوفية والتصوف اتَّسمت بعدَّة سمات، منها:
- اهتم العديد من المفكرين والمؤلفين بالحديث عن الصوفية في الدرجة الأولى بالنواحي النظرية، فتأرجحت كتاباتهم بين عرض لمبادئ التصوف لبيان صحتها أو خطئها، وبين دراسة طرقهم وتنظيماتهم، والعلاقة بين الشيوخ والمريدين؛ عدا دراسات قليلة اهتمَّت بالنواحي الأخرى كعلاقة المتصوفة بالمجتمع في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وطبيعة تلك العلاقات التي كان لها الأثر الكبير في كثير من شؤون المجتمع الذي عاشوا فيه.
- تميزت العديد من الكتابات والدراسات التي تناولت تاريخ التصوف والمتصوفة بخاصيتين: فإما أن تقف مناوئة للتصوف من حيث المبدأ والمنتهى، وإما أن تقف مساندة له طوال الخط من حيث المضمون والأهداف، ومن ثم نجد قلة في الكتابات التي اتسمت بالاعتدال والمنهجية المنضبطة في التناول؛ فالانحيازات المسبقة تلقي بثقلها على العمل، وهو ما يؤدي إلى كثير من التشوهات في المخرج النهائي.
- اتَّسمت بعض الكتابات عن التصوف بتناولها فترة معينة أو منطقة جغرافية محددة، وإن وُجد بعض الكُتاب تناولوا موضوعات عامة في التصوف، فالانتقائية ستكون أبرز سمة في هذا التناول، بالإضافة إلى تناول التصوف من مدخل عقيدي أو اجتماعي وعدم تناوله من جانب مؤسَّسي، وإذا حدث يكون عرضيًّا وبشكل جزئي كتناول الطرق الصوفية. وبالرغم من أنها شكل مؤسَّسي لا ريب، لكن لا يمكن اختزال المؤسسات الصوفية في الطرق وحدها، كما لا يمكن اختزال التصوف في الجانب العرفاني على أهميته[2].
وهنا تبرز أهمية الإضافة التي يقدمها هذا الكتاب الذي بين أيدينا في جديد ما يطرحه؛ حيث تناول التصوف منذ بداياته وحتى العصر الراهن في شتى البقاع الجغرافية، حتى خارج العالم الإسلامي. وما يميز هذا الطرح الجديد هو إعطاء تصور شامل لتاريخ الصوفية بشكل خاص وتاريخ المجتمع المسلم بشكل عام؛ فهو يعطي صورة كلية تفيد كثيرًا الباحثين في العلوم الإنسانية عن كيفية عمل المجتمع المسلم، وكيفية تفاعل الجانب السياسي مع الجانبين الاقتصادي والاجتماعي بناءً على التصور الإيماني المتداخل في كل هذه النواحي.
ونادرة هي الكتب التي تناولت هذه الصورة الشاملة لجانب مهم ومركزي من حياة المجتمعات المسلمة؛ ورغم عيوب هذه الصورة التي تغفل أحيانًا عن الخصوصيات المكانية والزمانية والاعتقادية لهذه التجربة الضخمة، فإن لها كثيرًا من المميزات؛ فالنظرة الشاملة لهذه الأمور التاريخية تعطي بُعدًا أكثر عمقًا في ربط الجزئي بالكلي، وتمنح بُعْدًا آخر في فهم غنى التجربة وشمولها وتعقيدها، وعدم تسطيح التناول التاريخي ووقوعه تحت مصطلحات غير دقيقة؛ كالتقدُّم والتأخُّر والتدهور الاجتماعي، إلى غير ذلك. بالإضافة إلى أن التصوف نفسه لم يوجد في منطقة جغرافية واحدة أو في زمن واحد، بل امتدَّ بطول تاريخ الإسلام ووصل إلى كل بقعة وصلها المسلمون تقريبًا.
وممَّا لا شك فيه أن كثيرًا من هذه التصورات تغيب عن المثقف العربي فضلًا عمن هم دونه، وذلك في مقابل تصورات نمطية اختزالية تعتمد بالأساس على سردية الانحطاط[3]، وتحميل التصوف ومؤسساته بعض أسباب التخلف الحضاري دون تبصُّر بتعقُّد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ودورها المهم في هذه التفاعلات التي اتَّسمت بالديناميكية. وعدم التبصُّر هذا هو الذي أدَّى إلى طرح سؤال النهضة الذي أُنتِج منذ منتصف القرن التاسع عشر ولم ينجز وعوده حتى الآن؛ رغم تراجع التصوف عن الساحة بشكل كبير مقارنة بالقرن الذي سبقه. وما ذاك إلا لخلل في فهم مشكلات الانهيار الحضاري الذي شهدتْه الحضارة الإسلامية، وخلل آخر في تصور النهوض الحضاري نفسه.
عن الكتاب:
صدر كتاب “مؤسسة التصوف” عن دار بريل عام 2020، وتُرجم إلى العربية ونُشر عن دار “مدارات للأبحاث والنشر” بالقاهرة عام 2025، على يد المترجم الدكتور أحمد العدوي. والكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات لأكاديميِّين غربيِّين، فرنسيِّين تحديدًا، متخصِّصين في التصوف والتاريخ الاجتماعي للإسلام، وهو من تحرير الأكاديمي الكبير ألكسندر باباس المتخصص في تاريخ التصوف الإسلامي، ومدير مركز الدراسات العثمانية في كوليج دو فرانس. ويحتوي الكتاب على مقدمة مسْهبة للمحرِّر وخمسة أبواب تضمُّ اثنين وعشرين فصلًا؛ حيث يقع في بداية كل باب فصل افتتاحي كبير يتناول الباب من شتى جوانبه، يليه عدد من الفصول التي تركز على محور واحد من محاور الدراسة. ويقع الكتاب في خمسمئة وتسع وتسعين صفحة من القطع الكبير.
منهج الكتاب وفرضياته:
هذا الكتاب عمل موسوعي لعدد من المؤرخين المنتمين إلى مدرسة الحوليات الفرنسية، التي تُعنى بالتاريخ الاجتماعي بشكل أساسي، ويقدم لنا صورة مستوعبة لمؤسسات التصوف الإسلامي عبر الزمان طوال أربعة عشر قرنًا. وقد استخدم المشاركون منهج المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل المعروف باسم “الزمن الطويل”؛ إذ يتيح هذا المنهج فرصة لرصد التغيرات الرئيسية التي لحقت بمؤسسات التصوف عبر عدد كبير من الحقب التاريخية المختلفة، وضمن مساحة جغرافية شاسعة أيضًا. وقد أوضح الباحثون في هذا الكتاب أن المعالجة من هذا المنظور لا تُشير إلى مجرد فترة زمنية طويلة، بقدر ما تشير إلى عملية تاريخية بطيئة الوتيرة، يعتريها التغيير ببطء شديد على مَرِّ القرون، مع وجود اختلافات بين منطقة جغرافية وأخرى.
ينطلق الباحثون في الكتاب من فرضية أن التصوف أكبر من أن يكون مجرد تراث تراكمي ترسَّخ عبر الأجيال، بل هو أيضًا شكلٌ من العرفان[4] المليء بالتناقضات المستمرة في التطور بأشكال مختلفة، وذلك في محيط اجتماعي أُضفي عليه الطابع المؤسسي، وظلت مؤسساته تتأثر بشكل مستمر أثناء تفاعلاتها مع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والصوفية نفسها.
ويستند الكتاب ومقالاته إلى مقاربتين؛ الأولى: دراسة الصوفية من خلال منظور “الزمن الطويل”، عوضًا عن استخدام “النموذج التطوري” والمنظور التحقيبي؛ إذ تناقش المقالات تطوُّر المؤسسات الصوفية وفقًا لمفهوم بروديل المعروف بـ “الوتيرة البطيئة للحضارات”[5].
وينتمي منظور “الزمن الطويل” إلى مدرسة الحوليات الفرنسية، وهي فرع من مدرسة التاريخ الاجتماعي المزدهرة منذ القرن التاسع عشر؛ وتهتم هذه المدرسة بالتاريخ الكلي الذي يدمج الجغرافيا والاقتصاد والاجتماع والفكر. ويتيح هذا المنهج فرصة لرصد التغيرات الرئيسية التي لحقت بمؤسسات التصوف عبر عدد كبير من الحقب التاريخية المختلفة، وعبر مساحة جغرافية شاسعة. وقد أوضح الباحثون في هذا الكتاب أن المعالجة من هذا المنظور لا تُشير إلى مجرد فترة زمنية ممتدة، بقدر ما تشير إلى عملية تاريخية بطيئة الوتيرة، يعتريها التحول ببطء شديد على مر القرون، مع وجود اختلافات بين منطقة جغرافية وأخرى.
والمقاربة الثانية: إعادة النظر في أبعاد المؤسسات الصوفية، عوضًا عن اختزال التصوف في التجارب الفردية الخارقة للطبيعة. وتعني كلمة “مؤسسة” في الأدبيات الاجتماعية الغربية الكلاسيكية انتقال مجموعة من الأفراد -تحركهم ميول وأهواء تجمع بينهم- من الحالة الطبيعية (الفطرة في الاصطلاح الإسلامي) إلى الحالة الاجتماعية؛ فيعترفون من خلالها بسلطان مؤسسة ما، ويُعلون سلطتها فوق مصالحهم وأهوائهم.
فالمؤسسات الصوفية هي المظهر المادي والفكري لتقلُّبات الجماعات الصوفية على “الزمن الطويل”؛ إذ إنها البيئة التي عاش فيها الصوفية حياتهم العرفانية، وتجسَّدت فيها علاقاتهم بالمجتمعات التي انتسبُوا إليها. لذلك كان لزامًا على المؤلفين اعتماد مقاربة منهجية لمفهوم المؤسسة وتطبيقها على مؤسسات التصوف؛ فكان استدعاء مفهوم دوركايم عن المؤسسة، التي عرَّفها تلاميذه بأنها: “المعتقدات، وأنماط السلوك التي رسمتها الجماعة كافة”. وهذا المفهوم من وجهة نظرهم هو الأقرب لعدة أسباب؛ منها أن مفهوم دوركايم عن المؤسسات الاجتماعية يُعد خروجًا عن المألوف؛ فهو شمولي ولا وظيفي على نحو صارم، وفي الوقت نفسه يتحرى الدين؛ حيث يرى دوركايم أن الدين أصل المؤسسات الكبرى، فهو لذلك يلائم الدراسات الإسلامية. كذلك يرى دوركايم أن الإطار النظري لمفهوم المؤسسة يؤدي إلى فهم أعمق للطبيعة التطورية للمؤسسة؛ فهو يعتقد أن المعتقدات والممارسات الاجتماعية تؤثر في الأفراد وهم بدورهم يؤثرون فيها، ومن هنا تتطور المؤسسة من جيل إلى جيل.
بناءً على ذلك، فإن المؤسسة ليست منظمة مجتمعية ينظمها الأفراد بقدر ما هي نظام اجتماعي يتكوَّن من التصورات والمعتقدات الجماعية المستمدة من الدين، وتظل ثابتة بمرور الوقت. وعملية إضفاء الطابع المؤسسي ليست مجرد عملية إقحام المتأخِّرين للأحكام والقواعد، وإنما هي إنقاذ اجتماعي بطيء الوتيرة للمثل الدينية؛ فمؤلِّفو الكتاب يرون أن الأفكار الدينية لا تنتشر خارج هيكلها الجمعي، وأن المؤسسات الاجتماعية ليست مجرد أدوات براجماتية تمكِّن المجتمع من أداء وظائفه.
ولفهم أفضل للتصوُّف بوصفه حقيقة اجتماعية، عرَّف ألكسندر باباس المؤسسات الصوفية بأنها “السبل المرسومة اجتماعيًّا التي تلقَّتها جماعة صوفية ما بالقبول (ولا يقتصر ذلك على الموروث من الممارسات العملية فحسب، وإنما يشتمل على المفردات الفنية أيضًا)[6]“. أما هوفر فيُعرِّف المؤسسات الصوفية بأنها “المؤسسات التي تنتج أو تعيق إنتاج الثقافة الصوفية في أي زمان ومكان”؛ وهذا الأمر حدث منذ القرن الرابع الهجري، ثم صار الطابع المؤسسي جوهريًّا بالنسبة إلى النظم المتأخرة للتصوف.
وقد تمَّ الجمع بين المجالين الفرعيَّيْن للدراسات الصوفية (دراسة التصوف من جهة، ودراسات الطريقة من جهة أخرى)، والسعي لفهم الكيفية التي أُضفي من خلالها الطابع المؤسسي على مجموعة من الممارسات والمصطلحات الفنية العامة، وفهم المذاهب والتأمُّلات والعلم التجريبي أيضًا؛ وبناءً عليه، غطَّى الكتابُ مساحةً جغرافيةً شاسعةً، وشمل عددًا كبيرًا من الحقب التاريخية المختلفة؛ وهو ما يضاعف السياقات الاجتماعية والسياسية التي تطوَّر التصوف في ظلِّها، ويُعيد النظرَ في الأبعاد المتنوِّعة لهذه المؤسسات الصوفية على اختلافها، في محاولة للخروج برؤية شمولية مستوعبة للتصوف في الإسلام بشكل عام.
أبواب الكتاب ومحتوياته:
الباب الأول:
خَصَّصَ المحرِّر الباب الأول للحديث عن اقتصاديات التصوف، وهو اختيار ينمُّ عن فهم عميق لأهمية الاقتصاد الصوفي في نمو مؤسسات التصوف واستمراريتها من ناحية، ولأهمية فقه الأموال والاقتصاد عند المسلمين وتوظيف المال للمشاريع الحضارية بشكل عام من ناحية أخرى؛ فالتصوف هنا لا يختلف من حيث الحاجة الاقتصادية عن معاهد العلم ومدارسه، وكافة الأنشطة الحضارية الأخرى التي اهتمَّ بها المسلمون اقتصاديًّا، إلا أنه تميز بتطور اقتصاد خاص به. ولم يأخذ هذا الاقتصاد شكلًا واحدًا، بل تكيَّف مع البيئات والمجتمعات المختلفة التي تطوَّرت بتطور السياقات المحيطة بها مكانيًا (من أواسط آسيا والصين شرقًا، إلى أفريقيا جنوب الصحراء وسواحل أفريقيا المطلَّة على الأطلسي غربًا، ثم الأمريكتين في العصر الحديث)، وزمنيًّا في فترة ممتدَّة تقريبًا من القرن الرابع الهجري وحتى الآن.
وهناك عددٌ من المرتكزات الرئيسية لنمو اقتصاديات التصوف واستمراريتها، ولعل أهمها هو الوقف بوصفه البنية التحتية الأساسية التي ترتكز عليها مؤسسات التصوف؛ حيث أفاد الصوفية من الوقف في تيسير بناء الخوانق والأربطة والزوايا وما يجري مجراها، وتيسير أمر نقل الفكر والمعرفة الصوفية وتطبيقها على نطاق واسع، والتفرغ للعبادة والتعلم على يد شيخ حُصِّلَ معاشُه من ريع الوقف. وقد دعمت الأوقاف تطوير التصوف ونقله في جميع أنحاء العالم الإسلامي منذ القرن الثالث الهجري وحتى الآن.
أمَّا المرتكز الثاني الذي قام عليه اقتصاد التصوف فهو الصدقة، التي تأتي تحت مُسَمَّيات عدَّة؛ منها “الفتوح” و”النذور” وغيرها من الهبات التي تُمنح للصوفية ومؤسساتهم، أو حتى الصدقات المقدَّمة لأضرحة الأولياء، حتى أصبحت هذه الصدقات في بعض الأحيان جزءًا لا يتجزَّأ من شعائر الصوفية ونسكهم؛ حيث أضحى التبرع للمؤسسات الصوفية -مثل الأضرحة والخوانق والطرق- عملًا مستمرًّا، لا سيَّما من الملوك والسلاطين وعلية القوم.
ويرتبط هذان المرتكزان بشكل قوي بالطرق الصوفية التي استفادت كثيرًا، وخاصة رؤساء الأسر التي قادت هذه الطرق؛ إذ إن إغداق الملوك والحكام للأموال عليها وعلى رؤسائها سرَّع من وتيرة قبول الصوفية في الأوساط الدينية الرسمية. وفي مرحلة تالية، بلغت الطرق الصوفية نفسها من القوة السياسية ما تجاوزت به النظر إليها كقوة اقتصادية فحسب؛ ففي بعض الأماكن تمكنت طرق صوفية من إقامة دول كاملة، وَتُعَدُّ الدولة الصفوية المثال الأبرز على ذلك، إلى جانب الحركة الجزولية (من أتباع الشاذلية) في المغرب الأقصى.
وفي أماكن أخرى، كانت هذه الطرق الصوفية هي القلب الاقتصادي للمجتمع؛ كما فعلت بعض الطرق في الهند والسنغال من خلال التركيز على تشجيع زراعة محاصيل ذات عائد اقتصادي كبير، أو كما حدث في الأناضول وآسيا الوسطى حيث استُصلحت الأراضي البور، فضلًا عن سيطرتها على الأضرحة المهمَّة والمركزية، وما تبع ذلك من تكوُّن ثروات طائلة لدى رؤساء هذه الأسر الصوفية، ورأس مال اجتماعي كبير.
وخلال حقبة الدولة الحديثة -أي منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اللحظة الراهنة- وما تبع ذلك من تغوُّل الدولة القومية الحديثة، لا سيما دولة ما بعد الاستعمار، على الطرق الصوفية ومؤسساتها؛ فقد صُودرت أغلب أوقاف الصوفية، ووضعت الدولة يدها على غالبية مقدراتهم الاقتصادية. ورغم ذلك، استطاعت الصوفية أن تبدي مقدرة عالية على التكيف والمرونة مع التطورات الاجتماعية والسياسية الجديدة، واستغلال الإمكانات التي توفرها التقنيات الحديثة على نحو ملحوظ، بل وتطورت اقتصاديًّا في شتَّى البيئات حتى خارج العالم الإسلامي.
الباب الثاني:
ذكر الجبرتي في تاريخه احتماء الأمراء المماليك بضريح السيد البدوي في طنطا بعد هزيمتهم أمام مملوك آخر؛ مما كان سببًا في عدم قتلهم؛ لأن الدخول والقبض عليهم من داخل ضريح السيد البدوي كان سَيُعَدُّ فعلة مشينة. وهذه الحادثة دالة على المكانة العظيمة والمقدار الذي تمتَّعت به أماكن الصوفية ونزلهم ومزاراتهم وأضرحتهم في عيون المسلمين ونخبتهم حتى القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي[7].
فلا غَرْوَ أن يُخَصَّصَ لهذه الأماكن بابٌ يُفصِّل فيه المؤلفون مواطن الصوفية ودورهم؛ حيث يتناولون تطور هذه الأماكن، وأدوارها المختلفة، وخصائصها المعمارية المميزة، وأحجامها بوصفها شكلًا مادِّيًّا لمؤسَّسات التصوف، فضلًا عن التبايُن بين هذه الأماكن والمصطلحات التي أُطلقت عليها من إقليم إلى آخر. ويفترض المؤلفون أن النُّزل ودور الصوفية ليست مجرد فضاءات للممارسة الصوفية ونقل المعرفة ودفن الأولياء، بل هي مواقع تهدف -في تصور الجماعات الصوفية- إلى التقاء الأصيل بالسامي؛ إذ تُشكل هذه الأماكن أمارات دالة على إضفاء الطابع المؤسسي مكانيًّا على نحو واضح.
فالنُّزل الصوفية مؤسَّسة مادية تتبع جماعة معينة من الصوفية الملتفِّين حول شيخهم، وهي تتباين من إقليم إلى آخر، وتختلف كذلك في ممارساتها الصوفية غير المتجانسة. وقد وظف الباحثون منهجية “الزمن الطويل” لربط التصوف بالذاكرة الروحية لأماكن مخصوصة وعمارتها، وبذلك رسَّخت المؤسسة وجودها بوصفها صانعًا رئيسًا لأحداث التاريخ.
وقد نمت التقاليد الصوفية واتَّسعت في المنازل والمساجد وفي الثغور قبل القرن الرابع الهجري، وبعد هذا القرن تطور الأمر إلى بنايات خاصة عُرفت بـ “الخانقاه”، و”الزاوية”، و”الرباط”، و”التكية”، إلى غير ذلك من الأسماء التي انتشرتْ في أرجاء العالم الإسلامي كافَّة؛ حيث كانت بمثابة المراكز الرئيسية التي ارتبط بها التصوف. وتزامن تطوُّر النُّزل وانتشارها مع تحوُّل التصوُّف إلى منظومة معقَّدة من العادات القائمة على العلاقة بين الشيخ ومريده، حتى بلغت هذه النُّزل ذروتها مع تشكُّل الطرق الصوفية.
وإن هذه النُّزل -على اختلافها مكانيًّا وزمنيًّا- اشتركت جميعًا في عدد من الخصائص المهمة؛ فقد استوعبت شيوخ الصوفية ومريديهم، ووفرت لهم فضاءً للقيام بالأنشطة المجتمعية، كما نُظِّمت هذه المساكن وهُيئت لخدمة غاياتها الوظيفية والرمزية على حَدٍّ سواء. وكان بعض هذه النُّزل هائلًا من حيث الحجم وخاضعًا لإشراف الدولة؛ إذ أقامها الحكام وحبسوا عليها الأوقاف لرعاية الجماعات والطوائف الصوفية، في حين كان بعضها الآخر مجرد زوايا متواضعة، أقامها أحد شيوخ الصوفية أو أُقيمت له ولعدد قليل من مريديه.
وبالتدريج، أصبحت المشاهد والأضرحة التي أُقيمت لكبار شيوخ الصوفية أماكن للإرشاد الصوفي، واللُّحمة الاجتماعية، والتديُّن الشعبي، وأحيانًا مراكز للنشاط السياسي؛ حيث وُفِّرت لها مساحات كبيرة لأداء الشعائر وإقامة الزوار، وجرى الإنفاق عليها بسخاء. وكانت كفالة النخب الحاكمة للصوفية -إلى جانب الفقهاء في مدارس الفقه- مؤشِّرًا واضحًا على الاعتراف بهم. وقد انتسب كثير من العلماء أنفسهم إلى الطرق الصوفية بعد القرن السادس الهجري، وأصبح كثير من نُزل الصوفية أماكن لتدريس العلوم الشرعية، بالإضافة إلى كونها مراكز صوفية مهمة. ووفرت هذه المقار -التي استوعبت سلطة الأولياء الصوفية- مساحة لتوسيع نطاق سيادة الدولة، وما زالت تحشد الدعم الشعبي لمواجهة التحديات المتنامية التي صادفتها المجتمعات والإمبراطوريات والدول الإسلامية مع الهجمة الاستعمارية في القرنين التاسع عشر والعشرين.
وقد أدَّت عمليات التحديث والعولمة إلى التقليل من شعبية النُّزل الصوفية وأضرحة الأولياء منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن؛ إذ استحوذت الدولة (بواسطة نظام التعليم الحديث)، وكذلك صناعة الإعلام والترفيه، على الأدوار التي كانت منوطة بالصوفية. وبينما حافظت بعض الزوايا والأضرحة على وظائفها التقليدية بوصفها مراكز رئيسية للحياة الدينية والمجتمعية الإسلامية، خضع عدد كبير منها لتغيرات جذرية.
ولطالما توقَّفت الحياة في النُّزل الصوفي على الديناميات المتغيرة بين النُّزل والدولة، وهي ديناميات تضمَّنت رغبة الدولة أحيانًا في الاستيلاء على السلطة داخل النُّزل الصوفية من خلال مراقبة أنشطتها وتنظيمها. ومع ذلك، فإن نسبة كبيرة من النُّزل الصوفية حول العالم ما زالت تقيم الشعائر وتؤدِّي الوظائف الخيرية المنوطة بها حتى يومنا هذا، في حين أخضعت بعض الدول الحديثة تلك النُّزل لقوانين صارمة، أدَّت أحيانًا إلى تعطيل الشعائر، وتحويل النُّزل إلى متاحف، بل وهدمها -على نحو جزئي أو كلي- في بعض الحالات؛ ومثال ذلك الأمر بإغلاق تكية جلال الدين الرومي في قونية وتحويلها إلى متحف، وحظر خوانق الطريقة النعمت اللهية في إيران ومنعها من أداء وظائفها.
الباب الثالث:
يحاجج مؤلفو الباب الثالث، المعنون بـ “الدور الاجتماعي للصوفية”، بأن أساس هذا الدور الضخم الذي قامت به الصوفية وما زالت في شتى بقاع العالم الإسلامي وخارجه، هو الشيخ الصوفي؛ لما له من أتباع ومريدين، سواء أكانوا قليلي العدد في محلة صغيرة، أم كان للشيخ من المريدين العدد الكثير الذين يغطون مساحات وأقاليم مختلفة.
وتأتي هذه الأهمية من نظرة المريدين إلى شيخهم والرابطة التي تصلهم بهذا المربي؛ إذ تشبه رابطة البنوة، وتؤثر في جميع جوانب حياتهم الروحية والاجتماعية. فالدور الاجتماعي هو الطريقة التي ينبغي أن يتصرف بها المرء لكي ينسجم مع بيئته، ولذلك كانت هناك حاجة إلى فهم هذا الدور المرتبط جوهريًّا بمفهوم المكانة الاجتماعية؛ ومن ثم كان من الضروري تحديد مكانة الشيخ واكتشاف الخلفية التاريخية التي صاحبت ظهور هذه الشخصية، لفهم الممارسات التي قام بها الشيخ في مجتمعه.
ولتتبُّع هذا الدور الاجتماعي، لجأت الباحثة رشيدة تشيه إلى مقاربة ثلاثية الأبعاد: نصية، وتاريخية، وأنثروبولوجية؛ وذلك نظرًا إلى تعقُّد هذا الدور وتداخُله. وحاولت تتبُّع علاقة الشيخ بالمريد في التصوف من خلال فهم مصطلحات مثل “الصحبة” و”الخدمة” و”الشفاعة”، وتنزيلها وبيان أثرها في العلاقات الاجتماعية، ووجدت أنه لا يوجد انفصال بين الحياة الروحية عن الحياة الدنيوية من منظور التصوف؛ ومن ثم فهو يفرض معاييره على سائر تلك الجوانب. فالتصوف في نهاية المطاف حاول بشكل مستمر إعادة صياغة العلاقة التي وُجدت يومًا بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، وتجديدها على الصعيدين الفردي والجماعي؛ وبناءً عليه تتأثر الحياة الاجتماعية والمادية بالسلوكيات الصوفية تأثرًا عميقًا.
وثاني الأسس التي قام عليها الدور الاجتماعي للتصوف هو الإيثار، الذي يعني تقديم الغير وتفضيله على الذات. وقد انعكس الإيثار -بوصفه بنية سلوكية- على المؤسسة الصوفية من خلال تمظهرات عملية؛ مثل تقديم الطعام بالمجان، وهو ما أصبح أمرًا ضروريًّا لتهذيب النفس والتحقُّق الروحي.وكان الإيثار ركنًا ركينًا من أركان التأهيل الروحي للصوفية، وانعكس ذلك على واجباتهم وخدماتهم الاجتماعية التي قدَّموها؛ فمارسوا الفتوة والإحسان، وإطعام الفقراء وعابري السبيل والمساكين، ثم تحولت هذه الأفعال الفردية إلى أفعال ذات طابع مؤسسي، كما تجلى ذلك في “الخانات” و”الكتاتيب” الملحق بها سبيل لسقيا الماء.
ويرى ريتشارد ماكغريغور أن من نتائج ذلك أن أصبح الصوفية من أهم المحركين والفاعلين الاجتماعيين في البيئات الحضرية والريفية على حَدٍّ سواء؛ إذ أدَّى انعكاس هذه السلوكيات الصوفية ومؤسساتها إلى إقامة مدن في الأناضول، وشرق أوروبا، والبلقان، والهند، وغرب أفريقيا، وجنوب الصحراء، وريف الدلتا بمصر؛ إذ نشط الصوفية في الحالتين الدينية والاجتماعية، وقامت الكثير من المدن بالأساس حول مؤسسات التصوف، لا سيما في البلاد المفتوحة حديثًا.
ولم تكن هذه المؤسسات الصوفية أماكن لاستيعاب المريدين الملتفين حول الشيخ فحسب، بل كانت حواضر للتعليم، وتلقي العقيدة، والأخلاق، والمبادئ الصوفية، والعلوم الإسلامية العرفانية، فضلًا عن العلوم الدينية والفنون. ولا يمكن إغفال مرونة مؤسسات التصوف في تعاملها مع ضغوط الحداثة والاستعمار ودول ما بعد الاستعمار؛ فرغم تنبؤ نظريات التحديث والعلمنة بالزوال الوشيك لهذه المؤسسات في المدن، وافتراض بقائها في المناطق الريفية وحسْب، فقد ظهر عكس ذلك تمامًا؛ إذ استمرت الجماعات الصوفية في نشاطها داخل المدن في المجالين الخاص والعام، بل وأقرَّت أشكالًا جديدة من الصحبة المؤسسية والبيروقراطية، من قبيل الجمعيات التطوعية والأحزاب السياسية؛ ومن ثمَّ صارت الروابط الأفقية بين أبناء الطريقة أقوى في بعض الأحيان من الرابطة الرأسية بين الشيخ ومريديه، كما نهجت بعض التيارات الصوفية نهجًا يدمجها فيما أُطلق عليه “تدين العصر الجديد.
الباب الرابع:
قد يندهش قارئ هذا الباب حين يكتشف وجود التصوف وأهله داخل البنية السياسية الإسلامية منذ المراحل الأولى لتشكُّل التصوُّف ومؤسساته وحتى الآن؛ إذ لم يكن هذا التداخل ذا اتجاه واحد محدَّد، بل شملَ طيفًا واسعًا من التفاعلات؛ منها المشاركة في الجهاد، ومعارضة الحكَّام، والعمل مستشارين ووزراء وسفراء للخلفاء، فضلًا عن التأليف في الفكر السياسي تحت باب “مرايا الأمراء”، وكذلك تأسيس الدول والتحالف مع السلطات الحاكمة. وقد قدَّم هذا الباب -المعنون بـ “بين التصوف والسياسة”- عرضًا تاريخيًّا أوضح فيه، دون لبس، حجم التباين في الرؤى داخل الصوفية ومؤسساتها المختلفة على امتداد بلاد الإسلام؛ فبينما شارك بعضهم في تأسيس الدول، نأى آخرون بأنفسهم عن أهل السياسة بالكلية، وهناك فريق وسط أسبغ الشرعية على الحكام دون التدخل في شؤون الحكم نفسها.
وإن هذا التباين لا يُظهر إلا عمق الفهم الواسع للممارسة الصوفية، الفردية منها والمؤسسية، ويوضح حجم الديناميكية التي حظي بها المجتمع المسلم من حيث توليد الأفكار وتنزيلها على أرض الواقع وممارستها. وبجانب أهمية هذا الاستعراض التاريخي، لم يكتف الباب بهذا السرد، بل تناول مصطلحات السلطة الصوفية؛ وهو جانب مهم لفهم كيفية تفكير الصوفية، لا سيما مع مأسسة التصوف.
فقد دخلت هذه المصطلحات على الفكر الصوفي في وقت مبكر؛ حيث أصبحت داخل الهيكل الهرمي للتصوف متأسِّية بالهيكل الهرمي للسلطة السياسية. ولم يكن هذا الاستخدام مجرد أداة بلاغية، بل كان محاكاة كاملة؛ فقد شُبِّه أولياء الصوفية بالملوك والسلاطين، وطبَّقوا آداب البلاط، وعقدوا ممارسات “المجلس” (على غرار المأدبة الملكية). ولم تكن هذه المحاكاة مجازية فحسب، بل استُحدثت المجالس الصوفية بخصائص تماثل مجالس البلاط الملكية.
ومن الملاحظ أن استخدام هذه المصطلحات جاء في وقت مبكر للغاية؛ حيث وظفها إخوان الصفا في رسائلهم منذ النصف الثاني من القرن الرابع الهجري؛ فقد صار أخذ العهد في الطرق الصوفية أشبه بالبيعة، وما بيعة المريدين للشيخ -في أحد صورها- إلا تأويل باطني للبيعة السياسية في الإسلام. وغالبًا ما نجد أن نائب الشيخ في “السلسلة” الصوفية الروحية قد اتخذ لقب “الخليفة”، وقد بدأ هذا التقليد منذ القرن السادس الهجري، ويُقاس على ذلك كثير من هذه المصطلحات السياسية التي استُخدمت في مؤسسات التصوف وزاد استعمالها بمرور الوقت.
ومن هنا، يجب التوقُّف عند هذه الممارسة بالتساؤل: هل كانت مثل هذه الممارسات نوعًا من التمرُّد على الشرعية السياسية القائمة في ذلك الوقت؟ لا سيما مع ورود بعض أقوال الفقهاء بأنهم هم ولاة الأمر على الحقيقة. أم كانت نوعًا من اقتسام الشرعية السياسية بين العلماء والصوفية والخلفاء؟ أم إن مثل هذه الأفعال والأقوال أظهرت فحسب صدعًا في البنية السياسية الإسلامية في العصور الوسيطة لم يُحل، وإنما كانت هناك محاولات لرأب هذا الصدع؟ لا يقدِّم الباب إجابة حاسمة عن هذه التساؤلات، ولكنه يفتح مساحة واسعة للبحث والاستقصاء عن كيفية تعامل النخب المسلمة مع الشرعية السياسية للدول الإسلامية.
الباب الخامس:
يقرِّر الباب الخامس والأخير، المعنون بـ”تنظيم التصوف”، بأنه لفهم التصوف لا ينبغي الاقتصار على تتبُّع التصوف الفردي وفهمه، بل يجب التركيز على دراسته من خلال التنظيم الصوفي؛ إذ يؤدي ذلك إلى إيضاح السياقات التي تحدثُ فيها الممارسات الصوفية ويعمل في إطارها الأشخاص، وحيث تتطوَّر العقيدة والفلسفة الصوفية وتُنقل وتُلَقَّنُ.
وقد حاول مؤلِّفو هذا الباب تقصِّي تنظيم التصوف عبر رصد تاريخه منذ إرهاصاته الأولى، وذلك من خلال تتبُّع مفاهيم الرباط والأخوَّة وصولًا إلى الطريقة، فالتطوُّرات الحديثة، وصولًا إلى التصوف السيبراني. وبدلًا من عرض التصوف بوصفه عملية بسيطة أحادية الاتجاه، يركز الباب على التطورات المعقدة للتصوف، والتعايش بين الاتجاهات المختلفة داخله. ويصف الباب الأشكال المؤسَّسية التي اتَّخذتها الكيانات الصوفية بمرور الوقت، والسلوكيات الجمعية، والتفصيلات العقائدية؛ فالتنظيم الصوفي يُعنى بشكل رئيسي بالاستجابات الملموسة التي أبداها الصوفية إزاء سؤال الالتزام بالقرب من الله.
فقد ظهر التصوف في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وتُشكل الحقبة الواقعة بين القرنين الخامس والسادس الهجريين مرحلة محورية؛ حيث أُضفي الطابع المؤسسي لأول مرة على الكيانات الصوفية قبل ظهور الطرق، ووُضعت حول الشيخ ممارسات وقواعد تُجاوز مجرد الإرشاد السلوكي ورياضة النفس في الطريق إلى الله. وكذلك تجسَّدت الهوية الصوفية من خلال علامات مميزة؛ كاللباس والنسك والأماكن، ومنذ ذلك الحين صار التصوف مكوِّنًا اجتماعيًّا رئيسًا في المدن، وأصبح إمَّا عنصرًا من شأنه تمثيل التطلُّعات السياسية والاجتماعية للمجتمع المسلم، أو أداة في يد السلطة.
تميز التصوف عن الزهد في صدر الإسلام بالعلاقة التنظيمية، التي كانت قاعدتها الرئيسة هي العلاقة بين المرشد والمريد، ولقد وُسِّعَ نطاقُ هذه العلاقة بوسائل مختلفة. وكانت البداية مع نظام “الرباط” الذي أتاح لشيخ واحد إرشاد عدد كبير من المريدين وتوجيههم، كما قدَّم إطارًا مؤسَّسِيًّا -غالبًا ما يكون على هيئة وقف- لتلقِّي الأموال وإدارتها؛ ممَّا حَرَّرَ الشيخ والمريد من الحاجة إلى كسب العيش.
وعلى الرغم من أن الطريقة الصوفية هيمنت على تصور التصوف بوصفه مؤسسة، فإنها لا تعدو كونها أحد الأشكال التنظيمية التي اتَّخذها التصوف؛ فهناك أشكال متعدِّدة ومتعاقبة ومترابطة من المأسسة؛ حيث تحوَّل كثير من المزارات الصوفية إلى مؤسسات ضخمة تقدِّم خدمات متنوعة: دينية وتعليمية وروحية. إلا أن ما مَيَّزَ الطرق الصوفية هو أنها استطاعت استيعاب كلِّ هذه الأشكال من التنظيمات الصوفية الأخرى، وحملت التصوف إلى عامة المسلمين في كل حدب وصوب؛ وربما يرجع الأمر إلى المرونة الشديدة في نظام الطرق، وهو ما دَلَّ عليه تعاملها المرن مع منتجات الحداثة وتحديات الدولة القومية في مرحلة ما بعد الاستعمار.
وتُعَدُّ السلاسل والأنساب الصوفية[8] من المؤسسات غير المادية في التصوف؛ حيث شكَّلت أنماطًا جديدة من السلطة الروحية، من قبيل تأسيس أسر الأولياء، أو أسر الطرق والسلالات الروحية والسياسية، أو لضمان انتقال العلوم الروحية بوتيرة ثابتة، أو للمساعدة في تسهيل عملية نقل الموارد المادية التي تخص إحدى المؤسسات الصوفية.
ولقد تكيفت الطرق الصوفية مع الظروف العالمية المعاصرة؛ من حركة صناعية، وتوسع في استخدام الإنترنت، والهجرة إلى أوروبا وأمريكا. وفي ظل هذا الوضع، استجابت الصوفية للفضاء السيبراني، وإن كان دخولها إلى الإنترنت في التسعينيات محصورًا في مجموعة محددة من الوظائف؛ منها توفير المعلومات الأساسية حول الطرق الصوفية والدفاع عنها، وتنظيم الفعاليات، وتسهيل الاتصال بالشيخ، ولم يكن هناك مجال كبير للمبادرات الفردية. لكن أهم ما أتاحه الفضاء الإلكتروني هو سهولة التواصل بين الشيوخ ومريديهم، بالإضافة إلى توسيع نطاق التواصل بين المريدين أنفسهم؛ حيث تشكلت شبكات صوفية عابرة للحدود ومرتبطة سيبرانيًّا.
خاتمة:
تميَّزت مدرسة الحوليات الفرنسية -بشكل عام- بمنهج “الزمن الطويل” البطيء، فأصبحت قراءتها للتاريخ أكثر شمولية؛ ممَّا يُتيح فهمًا أعمق لكثير من الظواهر الاجتماعية، وذلك بسبب تجنُّبها التركيز على الزمن القصير والحقب الزمنية المحدودة، بيد أنها تقع في قصور ناتج عن التعميم الذي يتناقض أحيانًا مع خصوصية المجتمعات محل الدراسة. فلا شك في أن وضع التصوف السُّني مع التصوف الشيعي في بوتقة واحدة يؤدِّي إلى تعميم غير صحيح، وحتى التصوف السُّني نفسه ينطوي على اختلافات كبيرة بين تصوُّف شبه القارة الهندية وتصوف المغرب العربي.
كما أن دراسة التصوف من خلال منظور “الزمن الطويل” تسفر عن تصور شامل جامع يعتمد كثيرًا على التعميم، الذي يتجاهل خصوصية البيئات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية التي نمت في ظلها تجارب التصوف. وكما وصف المترجم الدكتور أحمد العدوي: فالأمر أشبه بالصورة الرقمية منخفضة الدقة؛ فمتى نظر إليها المرء من مسافة بعيدة بدت له لوحة شاملة جامعة، بيد أنها -في حقيقة الأمر- مضغوطة ضغطًا مكثَّفًا، فإذا فُحِصت عن كَثَب، تحلَّلت إلى أجزاء منفصلة، قد لا يكون لكثير منها علاقة مباشرة تربطها بغيرها[9].
وربما لو اهتمَّت الدراسة بمنطقة جغرافية محدَّدة أو بالتصوُّف السُّني، لَأَتَتْ بنتائج أكثر دقة، ومع ذلك فلا شك في أهمية الدراسة وما تُقَدِّمُه من تتبُّع للمجتمعات الإسلامية وحركتها وتطوُّرها بصفة عامة، والمؤسسات الصوفية بصفة خاصة؛ عسى أن تؤدِّي إلى مزيد من الفهم لكيفية تفاعل المسلمين مع مجتمعاتهم.
وقد حاول مؤلِّفو هذا الكتاب -بمنهجهم الذي اتَّبعوه- تقديم مقاربة جديدة لتناول التصوف ومؤسساته، وعدم حصره في شكل معين من الممارسة السلوكية أو الاعتقاد؛ إذ لا يمكن فهم التصوف إلا من خلال وضعه في إطاره المجتمعي والسياسي الشامل الذي أثَّر فيه وتأثَّر به سلبًا وإيجابًا.
وكما عرض مؤلِّفو فصول الكتاب، فقد حافظ التصوف على تماسك المجتمع وترابُطه وتكافُله، حتى صار مكوِّنًا رئيسيًّا من مكوِّنات المجتمع المسلم؛ فلا يمكن بأيِّ حال من الأحوال هدم هذا الإرث الضخم بدعوى مخالفته للكتاب والسنة، أو بدعوى سلوكيَّات بعض المتصوِّفة المنافية لصريح الدين؛ فمحاربة التصوف تُعَدُّ شكلًا من أشكال تفكيك المجتمع المسلم، وهو ما حدث بالفعل في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.
ومع بدايات حركة الإصلاح والتجديد الإسلامية في العصر الحديث، اتَّخذت هذه الحركة -بغالبية رموزها- موقفًا متحفِّظًا من التصوُّف في أفضل الأحوال، فضلًا عمَّن ناصبوه العداء وحمَّلوه مسؤولية التخلُّف الحضاري الذي شَهِدَهُ المسلمون، بل سَعَتْ بعضُ هذه الحركات، فضلًا عن التيار العَلماني التغريبي، إلى نقض عُرى التصوف ومؤسَّساته بوصفها شكلًا من أشكال التأخُّر والقُيود التي أعاقت المسلمين كثيرًا عن النهوض الحضاري.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن تجاوز الحالة الصوفية في أي مشروع إحيائي للأمة؛ فالصوفية مترسِّخة في المجتمعات الكبرى في العالم الإسلامي، ويمكنها -إذا تحالفت مع الحركات الإصلاحية- أن تمنح النهوض الحضاري دفعة قوية، كما يمكن لتحالف هذه القوى المجتمعية أن يواجه مشكلات المجتمع المسلم المعاصر، ويُعيد بناء الإيمان ويرسِّخه في المجتمع، ويحشد المجتمعات الإسلامية في مواجهة الهجمات الاستعمارية الجديدة التي لا تفرق بين صوفي وسلفي، أو أشعري وأثري، أو حتى سُني وشيعي.
وفي الختام، فقد تميزت الخبرة الصوفية الممتدَّة لقرون بالقدرة على الوصول إلى عمق المجتمع ونخبته في الوقت ذاته، وهي قدرة فريدة نادرة في غالبية التيارات الاجتماعية والسياسية في عالمنا العربي والإسلامي؛ وعليه تأتي أهمية هذا الكتاب في تسليط الضوء على هذا التاريخ بشيء من الإحاطة بالصورة الكلية، مما يُيَسِّرُ للقارئ العربي تقريب الصورة التي كان عليها الصوفية في المجتمع المسلم، وعدم حصر التصوف أو تنميطه في الصورة البدعية عقائديًّا أو سلوكيًّا.
المراجع
[2] محمد صبري الدالي، التصوف وأيامه دور المتصوفة في تاريخ مصر الحديث، (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2013)، ص 8.
[3] سردية الاضحملال أو الانحطاط: مفهوم يفضي إلى تصوير عصر أو أعصر على أنها عصور اضمحلال، انحدرت فيها مظاهر الحضارة انحدارًا من ذروة متصورة (ومثالها الأبرز عصر الظلام في أوروبا القروسيطة)، والمعتقد في صحة هذه السردية يتعامل على نحو شعوري -أو لا شعوري أحيانًا- مع كل عصر على أنه أسوأ حالًا من العصر الذي سبقه، على نحو أشبه بدركات سلم تقود إلى القاع. ومن ثم تحول هذه السردية بين المؤرخين وبين إدراك نواحي التميُّز، والإبداع، وتقييم روح الابتكار في عصر بعينه قد يُنظر إليه بوصفه عامة على أنه عصر من عصور الاضمحلال في التحليل الأخير، للمزيد انظر: آفي روبن، المحاكم النظامية العثمانية القانون والحداثة، ترجمة: أحمد العدوي، (القاهرة: أركان للدراسات والأبحاث والنشر، 2023)، ص22.
[4] العرفان: كالمَعرِفَة وهو إدارك الشيء على ما هو عليه إدراكًا مسبوقًا بجهل، وهو مركب من تصور وتصديق ويتضمن العلم والعمل، وهو تصديق القلب. والعرفان في اصطلاح الصوفية: طريق معرفي يحصل عند العارف والحكيم بالإلهام والكشف. (الرياض: مركز رواد الترجمة، موسوعة المصطلحات الإسلامية، 1441/ 2020)، ج 3، ص 93.
[5] الزمن الطويل هو منهج لدراسة التاريخ ابتكره فرناند برودل المؤرخ المنتمي لمدرسة الحوليات الفرنسية، وهو يرى أن التاريخ ينقسم لثلاثة أزمنة:
1- الزمن الجغرافي-التاريخي، أو الزمن طويل الأمد: وهو الأهم في نظر برودال، وهو زمن شبه راكد وبطيء جدًّا، ويهم تاريخ علاقة الإنسان بمحيطه الجغرافي، ويصلح لمعالجة تاريخ الإنسان في محيطه وبيئته.
2- الزمن الاقتصادي والاجتماعي أو الزمن الظرفي والدوري: وهو زمن أمده متوسط والتغيير فيه بطيء، ويهم المجموعات البشرية والاقتصادية والدول.
3- الزمن السياسي الفردي أو الزمن الحدثي: وهو زمن أمده قصير، وهو التاريخ الوقائعي، وهو زمن الأفراد وزمن التاريخ التقليدي القائم على الأشكال الحكومية والسياسية والعسكرية والفنية. وقيمة هذا الزمن ثانوية جدًّا، والمطلوب في رأيه الصعود من الأمواج إلى المد والجزر اللذين يحدثهما.
للمزيد انظر: الهادي التيمومي، المدارس التاريخية الحديثة، (بيروت، لبنان: دار التنوير، ط 1، 2013)، ص 186.
[6] ألكسندر باباس (تحرير)، مؤسسة التصوف، ترجمة: أحمد العدوي، (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، ط 1، 2025)، ص 49.
[7] عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 1998)، ج 1، ص 485.
[8] النسب و السلسلة: مُصطلحان يُشيران إلى ضروبٍ من علاقات الانتماء والاعتزاز، وكلاهما -من منظور الصوفية- قناتان شرعيتان لنقل علوم الروح عبر الأجيال. فهما بمنزلة الأساس للمؤسسات الصوفية وتنظيماتها؛ النسب: يشير إلى سلالة فرد أو عشيرة بعينها تنحدر من صلب سلف مُعين. والسلسلة: يشيع استخدامها في أواسط الطرق الصوفية للدلالة على حلقات مستمرة ومتصلة من الصوفية الداخلين في الطريقة انتقلت إليهم العلوم الروحية كابرًا عن كابر.
انظر: ألكسندر باباس (محرر)، مؤسسة التصوف، مرجع سابق، ص479.
[9] المرجع السابق، ص 18.



