عرض كتاب “الخيال السياسي للإسلاميين… ما قبل الدولة وما بعدها”

مقدمة: في التعريف بالكاتِبة والكتاب
تتعدَّد إشكاليات الدولة القومية الحديثة في العالم العربي والإسلامي، ويأتي كتاب “الخيال السياسي للإسلاميين… ما قبل الدولة وما بعدها” لمؤلفته: د. هبة رءوف عزت، ليُناقش خبرة وإدراك الإسلاميين لجانب من تلك الإشكاليات، فإلى أي مدى تجاوزوا المسلَّمات للانتقال إلى مساحاتٍ نقدية؟
الدكتورة هبة رءوف عزت، أستاذ العلوم السياسية، عملت كمحاضر زائر في الجامعة الأمريكية في القاهرة، وقد دُعيت لإلقاء محاضرات في العديد من الجامعات خارج مصر. وهي باحث مشارك في الكثير من الأبحاث والمشاريع في المراكز البحثية والمعاهد والجامعات.
حصلت على درجة دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية مع مرتبة الشرف الأولى، من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة، في موضوع “المواطنة: دراسة تطور المفهوم في الفكر الليبرالي”، سبق ذلك درجة الماجستير بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف في موضوع “المرأة والعمل السياسي: رؤية إسلامية”.
أيضًا د. هبة هي ناشطة اجتماعية، ساهمت في تأسيس رابطة الأمهات المصريات التي هدفت لتأسيس دور للأمهات في الحياة المدنية، وعضو مؤسس في حركة “حماية” المعنية بحماية الناخب المصري من التلاعب.
وللدكتورة مقالات في صحيفة الوسط وجريدة الدستور، كما أنها عضو مؤسس في هيئة تحرير موقع إسلام أونلاين.
سياق الكتاب:
صدر الكتاب في سياق أحداث الربيع العربي وتداعياته، وما رافقه من صعودٍ للحركات الإسلامية التقليدية أو ما انبثق عنها من حركاتٍ شبابية رفضت التوجه التقليدي وحاولت أن يكون لها طابعها الخاص.
مع الأخذ بالعلم أن بذرة الكتاب كانت قبل النشر بأحد عشر عامًا، أي في عام 2004، وذلك في دراسة للكاتبة نُشرت عن مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية في القاهرة في إصدارٍ جمع عدَّة مشاركات تحت عنوان “إسلاميون وديمقراطيون”، وتم تضمين جزء منها أيضًا في العام ذاته في مقالة “تفكيك العلمانية: من المواجهة… للاشتباك… لما بعد الدولة” المنشورة في مجلة رؤى، وهي مجلة فكرية تصدر في باريس.
منهجية الكتاب:
اعتمدت المؤلفة على مدخل تحليل المفاهيم سعيًا لنقدها وإعادة بنائها من جديد، وذلك في إطار العمل على تحليل الرؤية الحاكمة للفكر السياسي للإسلاميين، التي تتأسَّس على مجموعةٍ من المفاهيم يدلُّنا الوعيُ بها على حدود هذا الخطاب وآفاقه.
مع إسقاط هذه المفاهيم على الأصول ومصادر الفكر الإسلامي، والتي تُعَدُّ المرجعية التي ينطلق منها الإسلاميون، تقوم المؤلِّفة بالانطلاق من رؤيةٍ فلسفية تقرن الواقع بالمثال في علاقةٍ جدلية مركَّبة، فتربط الرؤية النظرية والمعرفية بفهم السياقات العملية والتعبيرات التي تتمُّ داخلها.
في هذا الإطار، يأتي الكتاب في أربعة فصول حول: كيفية الانتقال في تناول الجدل السياسي بين الظاهر والأفق، وتحليل إسهام مجلة “المنار الجديد” الصادرة عن الإسلاميين من مدخل مفاهيمي، في محاولة للوقوف على ما وراء الخطاب، وصولًا إلى تناول مستقبل الفكر والخيال الإسلامي وتقديم إسهام من الكاتبة لإعادة بناء بعض المفاهيم.
الفصل الأول- من ظاهر الجدل السياسي إلى البحث في آفاق المعنى
تُوضح المؤلفةُ أسباب اختيارها تحليل المفاهيم، ولماذا تسعى لاكتشاف حدود الخيال، فهي تُحاول فهم فلسفة الفكر الكامن وراء خطاب الحركة الإسلامية. وذلك لاستيعاب التصورات والرؤية الناظمة للفعل السياسي لدى الحركة، وللتفاعل مع الرؤى المتنوِّعة والمنظومات الفكرية المنضوية تحت عباءتها، حيث تنفي الخصوصية المبالغ فيها. كما تسعى، في الوقت نفسه، لفهم هذه الخصوصية ليكون ذلك بوابة واقعية لاندماج الإسلاميِّين ومؤسساتهم في المجتمع المدني.
انصرفت المؤلِّفة عن قصدٍ عن استخدام اقتراب التفكيكية الفرنسية لميشيل فوكو بسبب نزعته المعادية لإعادة البناء والاستنتاج، وهو بالضبط عكس مسْعى المؤلِّفة من هذا الكتاب. لذلك اختارت المنهج التفسيري للمفكر الألماني غادامير، حيث يُتيح هذا المنهج إعادة تصور المفاهيم – إعمال الخيال – واستكشاف أفق المعنى، وكيف يُولِّدُ الجدلُ المعاني ويسهم في الوعي بمسارات هذا الجدل.
وما سبق يسمح بإعادة إنتاج المعرفة، وهذا ما يتَّسق مع امتلاك المؤلفة لرؤية كلية (رؤية للعالم) ونسق معرفي متولِّد عن الإسلام، الذي هو بدوره أحد السرديات الكبرى في تاريخ الإنسانية، وله نظرته للوجود والكون وإجاباته عن الأسئلة الوجودية الأساسية.
إن السؤال في المفاهيم لدى المؤلِّفة لا يتعلَّق فقط بكيف صاغ الإسلاميُّون خطابهم، بل أيضًا لماذا صاغوه بهذه الكيفية؟ ومع تحليل المفاهيم، كانت محاولة اكتشاف كيفية تحول مفهوم ما إلى أسطورة يتم التعامل معها بنوعٍ من القداسة، لا تتم مراجعتها ولا مقاربتها بطريقةٍ نقدية. والمقصود هنا الدولة القومية الحديثة كمفهوم، فلم تتعرض له الحركة الإسلامية بالنقد أو النقض، ولم تكن هناك محاولة لوضعه تحت السؤال الشرعي لأخذ الثمين وترك الغث منه.
فتُرك هذا المفهوم ليُصبح أحد المسلَّمات، وحُكِمَ بالتالي على النسق المفاهيمي للحركة من حيث وعتْ ذلك أم لم تَعِه.
الفصل الثاني- مساحة المنار الجديد: خرائط التفكير ولغة التعبير
اختارت المؤلفة مجلة “المنار الجديد” التي بدأ نشرها عام 1998؛ لأنها اعتبرتها منبرًا نموذجيًّا من منابر الإسلاميِّين، خصوصًا مع تقييدهم وعدم امتلاكهم مطبوعاتهم الخاصة التي تُعبر عن أفكارهم ورؤاهم.
وقد تنوَّعت أطياف الإسلاميِّين الذين كتبوا في صفحات “المنار الجديد” من الإخوان إلى الوسط فالسلفيِّين والمستقلِّين، وفي الوقت ذاته فتحت المنار صفحاتها للباحثين والأكاديميِّين المتخصِّصين والتيارات السياسية والدينية المتعدِّدة كالناصريِّين والأقباط.
لا نغفل هنا الإشارة إلى الإحالة الموجودة بجانب اسم المجلة إلى مجلة المنار التي كان قد أصدرها الشيخ رشيد رضا في بدايات القرن العشرين في مسعاه للإصلاح وتلمُّس طريق النهضة، متابعًا ما بدأه الشيخ الأفغاني ومن بعده الإمام محمد عبده، ولقد تزامن إصدار “المنار الجديد” مع اقتراب بداية القرن الحادي والعشرين.
وجدت المؤلِّفة أن المحاور الأساسية للمقولات المنشورة في المنار الجديد حتى إصدار الدراسة الأساسية عام 2004 تمثلت في الآتي:
– هموم الحركة والنقد الذاتي.
– رؤية المشروع.
– رؤية العالم والعولمة.
ففي مجال هموم الحركة والنقد الذاتي، وجدت د. هبة أن هناك إجماعًا على فكرة نبذ العنف، ولكن دون الاشتغال على دراسة الأسباب أو الإشكالات التي بررت اللجوء إليه، وعوضًا عن ذلك يوجد انشغال بالمشاكل التنظيمية والإجرائية.
هناك تشخيص سليم للمشاكل التي تُعاني منها الحركة الإسلامية، ولكن لا يوازي هذا التشخيص سوى طرح حلول نظرية دون محاولة التفكير فيما وراء الحل وهل يمكن الغوص أعمق لتفكيك جذور المشكلة، فعلى سبيل المثال طُرح في العديد من الكتابات أن مشكلة الحركات الإسلامية هي في ابتعادها عن الجذر التربوي والدعوي وأن في العودة إليه حل، دون الخوض في تصورات الحركات عن الحكم أو في ممارستها سلطة مركزية شبيهة بالدولة الحديثة.
الأمر اللافت أن الصوت النقدي لمركزية الدولة في تصورات الحركة الإسلامية جاء من هامشها، من المتخصِّصين في العلوم السياسية اللذين نادوا بإعادة تعريف السياسة في فهم الحركات الإسلامية وحذَّروا من غياب المراجعات النقدية للنسق المفاهيمي والقيمي للحركة، وما يحمله هذا الغياب من خطر التمركز حول الذات أو التراجع والتآكل وصولًا لانتهاء الحركة كجزءٍ من المشروع التحديثي للدولة المتغرِّبة.
أمَّا في مجال رؤية المشروع، وجدت المؤلِّفة أن الكتابات تتحرَّك تحت سقف الدولة القومية وتتعامل بأدواتها، دون محاولة لِلَمْسِ السَّقف لفحصه أو النظر في الأدوات ومدى اتفاقها مع المرجعية الإسلامية.
فما زالت رؤية المشروع عند المربع الإصلاحي الأول ومقولاته حول بطلان فصل الدين عن الدولة، وتكريس المقارنة بين التعدُّدية الحزبية والشورى، وتأكيد الأخلاق بشكلٍ عام، والدوران حول فكرة الحاكم والنظام. كل هذا دون مراجعة فلسفة الدولة ذاتها، ونطاق سلطاتها، واستيلائها على مساحات الناس والأمة وتحكمها بمسارات التأثير.
وحتى عند النقاش مع الآخر الفكري (الليبرالي مثلا) أو الآخر الديني (الأقباط)، تجد المؤلفة قصورًا في تحليل المفاهيم، وعدم التفات إلى تفكيك جوهر النقاش، والاكتفاء عوضًا عن ذلك بعرض الأفكار أو الحقوق للآخر والاعتراف بها دون محاولة الاجتهاد في النظر في إشكاليات التطبيق في واقعٍ متناقض أو على الأقل مختلف عن نظرة الإسلاميِّين، وكيف يمكن تقدير المصالح عند الاحتكاك به.
وفي الكتابات عن رؤية العالم والعولمة، تجد المؤلِّفة غلبةَ النظرة المتوجِّسة تجاه العولمة، مع احتفاءٍ بالنقد الغربي لها ولكن دون التواصل مع الأُسس الماركسية لهذا النقد، الأمر الذي يُفوت فرصةَ الاستفادة من مصدر غني لنقد الرأسمالية والدولة الحديثة، والتواصل هنا ليس المقصود فيه التسليم بل التفاعل والنقد وقبول ما يتَّفق ورفض ما يتناقض مع المرجعية.
فالماركسية هي ابنة الفكر السياسي الغربي، ونقدها لمفاهيمه في الاقتصاد والسياسة قد يحمل نقاطًا جوهرية عميقة يمكن البناء عليها. بينما ترى المؤلِّفة أن الكتابات في رؤية المشروع اكتفتْ بعرض الأفكار الرئيسة دون محاولة الولوج لما وراء الأفكار أو محاولة ابتداع الحلول، أو شابها التبسيط المخل والتركيز على نقد الآخر والتغافل عن نقد الإسلامي.
الفصل الثالث- ما وراء الخطاب: خريطة النسق وفضاء المرجعيات وحدود الخيال
تقوم المؤلِّفة هنا بتحليل النصوص التي حرَّرتها في الفصل السابق لفهمها وتفسيرها، وتستخدم لذلك ثلاثة مداخل رئيسة:
– تلمُّس ملامح النسق المفاهيمي الذي تعكسه النصوص.
– فهم هذا النسق باعتباره انعكاسًا لفضاء نصوص أكبر على نصوص مرجعية حاكمة ومهيمنة تحكم الذهنية والخيال وتؤطِّرهما.
– بيان أهمية هذه النصوص ودرجة عمقها بقياسها على فضاءاتٍ أخرى وعلى الواقع المتغير، حتى يمكن تقييم هذه النصوص في لحظةٍ تاريخية ما والاتساق مع واقعها والوعي بتحولاتها ونقلاتها.
وقد خرجت د. هبة على ضوء قراءتها بالملاحظات التالية:
– مركزية أسطورة الدولة الإسلامية: وهي الخطر الرئيسي على الخيال السياسي، حيث محاولة إعادة الرابطة السياسية بين المسلمين على أساس الدولة الحديثة المتناقضة جوهريًّا مع الإسلام.
– غلبة الخطاب السياسي التشاوري على التصور الاجتهادي الجدلي: حيث يُصبح خط النقاش أفقيًّا مبتعدًا عن الغوص في المعنى وما وراء المفهوم.
– كلية النظرة إلى الآخر (الغرب)، وتعميمها، وغياب النظرة إلى الآخر (الجنوب – الشرق)؛ وذلك بتأثير الهاجس الموروث عن الاستعمار والصليبيِّين.
– غلبة المركزية العربية وغياب المتابعة للحركات والمجتمعات أو الأفكار الإسلامية غير العربية: فلا محاولة للتعرف على الهموم والتجارب الإسلامية غير العربية، واختزال الأمة الإسلامية في القلب العربي الواقف في مربع الخوف من (مؤامرة) تستهدفه وحده، وفي القلب منه الدولة الصنم التي غيابها يعني الفوضى والعدم.
– غياب النظرة المقارنة والاطلاع على الفكر الغربي في أدبياته الأصلية أو التعرُّف إلى خطابات المراجعة النقدية داخل الليبرالية: الأمر الذي أضاع فرصة الانطلاق إلى آفاقٍ جديدة للاجتهاد بالتواصل مع نجاحات الديمقراطية ومعرفة سلبيَّاتها، والبناء على المشترك بين نجاحاتها وصيغ المشاركة السياسية في الإسلام، فتم الاكتفاء بالموقف الدفاعي مع محاولة التوفيق والمقايسة دون الانتقال إلى توليد الأفكار الخلَّاقة.
– الحاجة إلى إعادة بناء مفهوم السياسة الشرعية بتحرير الديمقراطية ونماذجها من الليبرالية، ثم إعادة النظر في الليبرالية بفك الارتباط بينها وبين الرأسمالية: حيث نرى أولوية الاقتصادي الرأسمالي على السياسي وهيمنته عليه، وهذا يجعل تجديد الخيال السياسي للإسلاميين رسالة ومساهمة عالمية.
– الحاجة إلى إعادة ترسيم الحدود بين الشريعة والدولة، والخروج بأفق المعنى وساحات الاجتهاد من أسر العقلية السجالية: بمعنى إعادة تفعيل عقلية الاجتهاد وتطوير الأفكار.
– غياب التخصُّصية الشرعية والنظريَّتين الاجتماعية والسياسية: فقد أدَّى غياب الفقهاء إلى غياب الفقه السليم، وإلى انقطاعٍ بدرجةٍ أو أخرى عن مصادر ومرجعيات الشريعة. وعلى الجانب الآخر، أدَّى غياب المتخصِّصين في النظريَّتين الاجتماعية والسياسية إلى الارتجال في التعاطي مع المفاهيم الجوهرية في الشأن العام، فسُجن الخيال تحت سقف مفهوم الدولة الحديثة واكتفى بأدواتها.
الفصل الرابع- (ماذا لو) … (أرأيت لو كان كذا لكان كذا) … مستقبل الخيال وتخيل المستقبل
تقوم المؤلفة في هذا الفصل بإعادة البناء بعد تحليل المفاهيم ونقدها، عن طريق لعبة مفاهيمية تقوم على تغيير المقدمات ودراسة سيناريوهات تغير النتائج بناءً على ذلك، وهذا ما يُسمَّى التحليل المخالف للواقع.
ويوجد ما يشبه هذا النمط في الإرث الفقهي لدى المسلمين، حيث كان الفقهاء يفترضون حالات فقهية ويُحاولون الإجابة عنها.
هذا الأمر يرفع سقف الخيال في تقييم الماضي واستشراف المستقبل، فتعرَّضت د. هبة لمفاهيم الأمة واللامؤسسية وما بعد العلمانية. وقد رأت أن تعريف الأمة في التاريخ الإسلامي ارتبط بتجلياتٍ مختلفة بالدولة، فاقترحت بدلًا من ذلك أربعة مفاهيم لإعادة تعريف الأمة: الفطرة – العالمين – المجتمع المدني العالمي – المجال العام.
وفي مفهوم اللامؤسسية، ركزت المؤلفة على مفهوم الذات الفاعلة وانتقالها من المجال العام إلى الشارع السياسي، حيث نبهت إلى ضرورة الالتفات إلى الفعل غير المنظم (التلقائي) وظهور حركات اجتماعية جديدة رخوة وأقل أدلجة تعمل للتغيير وتتحدَّى الأوضاع القائمة، وتجلَّى ذلك بوضوح في مظاهر الربيع العربي.
وبالتالي، فإن الفعل السياسي لم يعد مقتصرًا على المشتغلين بالسياسة والشأن العام، ولكن أصبح الفعل السياسي يتشكَّل على الأرصفة والأسفلت، خارج الروابط الأيديولوجية والفكرية والتنظيمية، وهذا يفرض الحاجة إلى فهم الذاتية الفاعلة في المجال السياسي (الفردية والجماعية)، وبالتالي تزايد أهمية البُعد الثقافي والتحليل القيمي واللغوي. فضلا عن تزايد أهمية الخبرة الذاتية للباحث، وتزايد أهمية البينية والتنوُّع في المفاهيم والمناهج والأدوات التحليلية التي يستخدمها الباحث.
أمَّا مفهوم ما بعد العلمانية، فقد بدأت المؤلِّفة تناولها من مفهوم “ما بعد الإسلاموية” باعتباره يعبِّر عن الانتقال من التنظيمي التقليدي إلى الخطاب المتعلِّق بالحقوق والديمقراطية، ورأت أن ثمَّة مسارات ستحكم المرحلة اللاحقة: النضال الثوري، النضال المدني، التجديد التنظيمي والفكري، المقاومة. أمَّا ما بعد العلمانية، فرأت المؤلِّفة أنه مفهوم يبحث في أثر عودة الدين في العلاقات الدولية، لا سيما مع عودة دور الكنيسة ودور الصهيونية المسيحية… هذان التطوران لا شك أنه كان لهما أثر كبير في مستقبل الدولة والمجتمع والإقليم والعالم.
خاتمة: من الدولة إلى التجديد.. استعادة المسار
رأت المؤلِّفة في الحداثة ثقبًا أسود يبتلع الأخلاق والعقائد والسياسة والاقتصاد، ولكن هذا لا يجوز أن يدعنا نقف عند خطوة نقد الدولة الحديثة بل الانتقال دائمًا نحو الاجتهاد وتطوير الأفكار في كيفية الانتقال إلى السلطة والإرادة السياسية التي نُريد وتتفق ومرجعيتنا الدينية والثقافية، وفي الوقت نفسه دون التعرض لأضرار سقوط الدولة الحديثة، فالعملية يجب أن تكون هدمًا بنَّاء يسعى إلى تجاوز الحالي وبناء المستقبلي.
يناءً على ما سبق، فإن هذا الكتاب يبقى صالحًا للتحليل والنقاش، وذلك لسببين:
١- ما زال الجدل (بالمعنى الهيجلي) في العالم الإسلامي قائمًا منذ ما يُقارب المئة سنة حول العمل السياسي الإسلامي من جهة السؤال عن جدواه من الأساس، وفي مستوى أعلى حول تسديد هذا العمل وتصويبه.
٢- الاضطراب المستمر في العالم الإسلامي، والناتج عن مجموعةٍ كبيرة من العوامل الاستعمارية والذاتية الملقية بظلالها الثقيلة على المساحات الجيوسياسية والاجتماع والاقتصاد، والأهم على الهوية، تحت سقف الدولة القومية في عالم ما بعد الحداثة والعولمة.
أيضًا، إضافة لما ذكرته د. هبة رءوف، فثمة ملاحظات على العمل السياسي الإسلامي يمكن بلورتها فيما يلي:
أولا- تركيز على الأدوات وانصراف عن الهدف، مثل التركيز على الوصول إلى السلطة أكثر من التساؤل بشكلٍ جدي لماذا نريد الوصول إلى السلطة. أيضًا، الانغماس في المعارضة فقط للمعارضة، دون محاولة جدية للنظر في مقولات النخب الحاكمة ونخب الآخر السياسي أو الديني، أو تفكيك هذه المقولات والرد عليها من موقع المحاور وليس من موقع المدافع.
قد يكون المطلوب هو الانصراف نحو الهدف، بمعنى (لماذا يُريد الإسلاميون ممارسة السياسة؟)
الجواب الجوهري المفترض: لإعلاء كلمة الله والدعوة لله من خلال السياسة.
حسنًا، كم يتَّفق واقع الحركة السياسية الإسلامية مع هذا الجواب؟ ومنه أيضًا ما موقع التزكية في خريطة عمل الحركة الإسلامية؟
ثانيًا- هناك انشغال بالبنى المجتمعية الفوقية على حساب البنى التحتية. إن أحد أهم أسباب فشل الحملة الفرنسية على مصر 1798 هو بقاء الروابط الاجتماعية متماسكة، بالرغم من الانهيار الذي ضرب الكيان السياسي حينها. فقد تولَّدت المقاومةُ المجاهدةُ من الروابط الاجتماعية، وفي طليعتها العلماء، الأمر الذي يعني تفعيل مساحات الناس والعلماء وقت تعطُّل مساحة الحاكم.
فهل هناك التفات من القائمين على العمل السياسي الإسلامي لهذا الملمح الرئيسي؟
وإن كان هناك التفات، فما مدى الجدية والعمق فيه؟ وما مدى ارتباطه باليومي الخاص بالناس؟
ثالثًا- التركيز على السياسي على حساب الثقافي فضلا عن الفصل بينهما، في حين أن الثقافة تتولَّد عن السياسة وتُولدها في الوقت ذاته، ناهيك عن أن الثقافة تقع في مركز مساحة التدافع في التاريخ الإسلامي وصولا للوقت الراهن.
ومنه، وربطًا بمفهومي الفطرة والعالمين في تعريف الأمة على النحو المقترح من قبل الدكتورة هبة، تتولَّد مسؤولية مضاعفة وثقيلة على الحركة السياسية الإسلامية في عالم ما بعد اكتشاف الجزيرة (إبستين)، هذا العالم الذي وصل مرحلة الجُواد (أقصى درجات العطش) لري الرحمة والعدل اللتين هما في قلب الإسلام.
في المحصلة، قد يكون من المُجدي البحث عن أجوبة هذه الأسئلة في ظلِّ تجربة الإسلاميِّين الواقعين تحت أقسى ظروف الاستضعاف في غزة؛ حيث تمَّ رأب الفجوة بين التنظير والعمل بدرجةٍ كبيرة، فلدينا الفرصة لأخذ العبرة من النموذج والبناء عليه.
* د. هبة رءوف عزت، الخيال السياسي للإسلاميين ما قبل الدولة وما بعدها، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2015). (144 صفحة)
* باحث في العلوم السياسية.




