تأصيل حضارى إسلامي لقواعد وأسس المشاركة الرشيدة فى مساحات التواصل العامة

تُدوّن هذه الورقة حوارًا ثنائيًّا بين أستاذتنا د.نادية مصطفى وأستاذنا د.مدحت الليثي، وترصد المناقشة الثنائية في بدايتها السمات التي تسم ظاهرة (الحوار) في مواقع وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تلعب دورًا أساسيًا لا يمكن إهماله أو إنكاره في تشكيل واقع المجال العام.
رصد الحالة الحوارية في مساحات التواصل الاجتماعي بين الفرص والآفات (دواعِ التأصيل):
ترى أستاذتنا في سياق رصدها للظاهرة أن:
- الحالة الحوارية في ساحات وسائل التواصل – على عكس الشائع – تعد فرصةً لممارسة ذهنية ممتازة لفهم لماذا وعلى ماذا يختلف الناس،
- كما أنها فرصة للتمرن على مداخل للفهم نتفق أو نختلف بها،
- فهذه المساحة من التواصل هي جزء من “التنوع الرشيد“،
وتستدعي أستاذتنا في هذا السياق خبراتها في مجال الحوار المعرفي في فترة ازدهار الكلام عن الحوارات في: مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، وتدريب الشباب المسافرين على الحوار في وفود شبابية، أو في منح خاصة.
- وعلى الرغم من هذا، إلا أن الطابع الأحادي للحوار ينبئ عن أزمة في أسس إدارة ومشاركة الحوار،
- كما ترصد أستاذتنا نوعًا من كسر القيم الحوارية من بعض الشباب المثقف المطلع،
- وترى أستاذتنا أن ثمة حاجة لفتح باب لمدخل إصلاحيّ يؤسس لقواعد وأسس لمشاركة رشيدة تستثمر هذه المساحة الخصبة، وإلا فإن البديل تركها للفوضى “المتعمدة”.
ويؤيد د.مدحت
- افتقادنا هذه الحالة الحوارية “الرشيدة”، التي يحسن فيها الناس السماع لأجل الفهم،
- وخطورة انغماس الشباب -بالأخص كونهم محل التكوين- في العبث الجداليّ “بغير علم ولا فهم ولا أدب أحيانًا كثيرة يضر بهم ويضربهم في عقولهم وأخلاقهم ونفسياتهم.
لذا فإن هذه الحوارية الثنائية بين الأستاذة وتلميذها هدفها التأسيس لحوار رشيد، بتأصيل أسس وقواعد حوارية نتعلم منها “كيف نفهم ونتحاور؟”
ملامح أوليّة لتكييف وسائل التواصل.. منطق السوق والمجال العام:
الملمح الأول: وسائل التواصل ومنطق السوق:
ينطلق د.مدحت من تكييف وسائل التواصل وقياس حالها على منطق السوق؛ ليس بالمعنى السائد في الاقتصاد السياسي للكلمة وإنما بالمعنى الاجتماعي؛ حيث يسيطر ويهيمن منطق السوق “الصاخب ” على المنصات الاجتماعية، وكما يصيب الفرد المتجوّل في السوق من روائحه المختلفة؛ الطيبة منها والخبيثة، ومن أصواته العذبة منها والناشزة، ومن صوره المتداخلة، تصيبه في هذا العالم الافتراضيّ مثل تلك الأحوال.
ويوضح د.مدحت نظرة الإسلام لبقعة السوق نظرةً حذرة وتحذيرية؛ فهي -في منطق الهدي النبوي-: “شر بقاع الأرض..”؛ لذا فإن مساحة التعامل معها أشبه بالاضطرار ؛ فلا تصلح مستقرًّا ولا مكانًا للمجالس، على عكس المساجد وملحقاتها،
ويرى د.مدحت أن منطق التفكير في وسائل التواصل يحتاج إلى تفكير نقدي بنائي؛ بحيث لا يُكتفى بالتفكير النقدي فقط، والجزء البنائي -المتضح الآن- يكمن في النفع أو الانتفاع المتبادل، ببيع البائع لجمهوره المتوافد على المكان أو بتوجه الفرد للمكان الذي يشتري منه ما ينفعه، أي ننشئ “صفحات ذات توجه معين (محلات ودكاكين) مرتبة نسبيا في ظل هذه الضوضاء..”
ويشير د.مدحت في سياق التأصيل من القرآن المجيد إلى مفردات قرآنية تعبر عن حالة الضوضاء والفوضى في السوق ينبغي عدم شهودها أو التوقف عندها؛ مثل : الزور، واللغو، والخوض، ويستقرئ بعض الآيات التي تبين نظرة القرآن الكريم الداعية للترفع والتحذير من شهود هذه المساحات:
“وكنا نخوض مع الخائضين…”
“والذين لا يشهدون الزور…”
“وإذا مرّوا باللغو مروا كرامًا..”
“وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلامٌ عليكم لا نبتغي الجاهلين..”
“يحسبهم الجاهل أغنياء..”
وكذا المصطلح التراثي: تكثير السواد… تكثير السواد على الزور منهيُّ عنه..
الأنبياء وتوظيف الأسواق في البلاغ والسماع:
يستكمل د.مدحت تأسيس التعامل مع الأسواق من منطق قرآني وهدي نبويّ ببيان التوظيف النبوي للسوق في البلاغ والسماع من الناس.
يقول د.مدحت: “ومما يذكر في هذا الصدد أن من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم التي استشكل عليها الكفار، أنه (يمشي في الأسواق)، وكان فعلاً يتحين المواسم الجامعة، ويغشى الأسواق الكبرى كسوق عكاظ ليبلغ رسالته، وردَّ القرآن بأن كل الرسل كانوا يمشون في الأسواق؛ لغايات: منها أنه يسمع للناس حتى قال عنه المنافقون استهزاءً به: (ويقولون هو أذن) أي يسمع ويظهر التصديق، ومنها أن الرسل يردون على كلام الكفار كلمة كلمة أحيانًا، حتى قال الكافرون لنوح عليه السلام متضجرين زاجرين (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا…)”
وفي هذا السياق اأشارت أستاذتنا د.نادية إلى الاحتياج إلى فهم “الأسواق فى زمن الأنبياء وبعدهم …”، وكيف نستفيد منها؟
رصد تطور شكل وسائل التواصل في الزمن المعاصر:
تورد أستاذتنا تساؤلًا عن تحور وتطور شكل الوسائل، وهل لها ضابط معين وإن تغيرت مع الزمن؟ :”هل أضحت الصحف ثم النت ثم ..إلخ حتى الآن…أدوات حوار وتثاقف أم أدوات صراع وتضارب؟فهذه أشكال للمساحة العامة للتواصل ولكنها متغيرة مع الزمن ؟وهل التواصل المباشر وجها لوجه بنفس حالة التواصل عن بعد؟”
الملمح الثاني: مساحات التواصل العامة وتسكينها في مفهوم المجال العام (نظرة مقارنة):
1- المجال العام بمفهومه الحداثي:
اقترح د.مدحت مفهومًا ثانيًا تسكن فيه (وسائل التواصل) وهو مفهوم “المجال العام”[1] بمفهومه الحداثي وتحوراته ما قبل “هابرماس” وما بعده:
- المجال العام القديم (المجتمع الحر)
- المجال العام الحداثي (سطوة الدولة)
- المجال العام ما بعد الحداثة والصراع مع البنية/ الهيكل الماورائي..
2- المجال العام في الإسلام:
ويؤكد د.مدحت خطورة مفهوم المجال العام في الإسلام:
“ومفهوم المجال العام في الإسلام خطير، يشمل البشرية، ويشير إلى الأمة وكل مجتمع له حدود، ويعبر عنه في الخطاب الشرعي والأخلاقي بالناس والخلق حتى يصل إلى أن يعبر عنه بالنسبة إلى الله تعالى، فالحقوق العامة وفروض الكفايات لتقديسها تسمى حقوق الله
- والحدود العامة حدود الله
- والمال العام يسمى مال الله
- والعامة وخاصة الفقراء عيال الله
- والعامة والأمة والبشرية عباد الله
- والأحياء والأشياء بعمومهم خلق الله
- والشعائر العامة شعائر الله
لذلك فإن السياسة هي القيام على (الأمر العام) بما يصلحه، وحدودها هو الأمر (الخاص) = الحقوق الفردية والخاصة لا تتدخل فيها السياسة بسهولة، إلا بناء على اتصالها بـ(العام)، فالأفكار والمشاعر شخصية لا سلطان عليها، والبيوت خاصة لا سلطان بخصوصها للسياسة عليها. لكن الشارع والطريق العام، والمستشفى العام، والمدرسة العامة، تدخل في مجال المجتمع والسلطة أو (الولاية العامة)،
وللأسف توقف الفقه الإسلامي منذ زمن عن إعارة (العام) أهميته، وانشغل بالشخصي والخاص فضعف فقه السياسة وفقه العمران.”
وأضاف حضرته أيضًا مفهوم الدوائر الأربعة : 4Ps Personal, Private, Political, Public
ملخص الحوار الثنائيّ:
دواع التأصيل: فتح باب للإصلاح الحواري حول وسائل التواصل، بعد رصد الآفات وما تسببه من الأضرار النفسية والعقلية والخلقية للشباب في فترة التكوين خاصة.
استثمار فرص : تمرين ذهني – استعمال مداخل للفهم.
آفات حوارية: أحادية الحوار – منطق السوق الحواريّ – العبث الجدالي – كسر القيم الحواريّة.
ملامح أوليّة لتكييف مساحات التواصل العامة: منطق السوق، والمجال العام.
[1] مقترح أن تعمل عليه أ.سمية عبدالمحسن.
تفريغ وهيكلة: قوت محمد صالحين








