التغيير والثبات في المواقف الدولية من الحرب في السودان

بعد ثلاثة أعوام من الحرب الضروس التي تجري في السودان، لا زال المشهد السوداني مشهدًا مؤلمًا يحمل في طياته عددًا مروعًا من الجرائم الإنسانية مصحوبًا بحالة من الفوضى وانهيار شبه كامل للعديد من مؤسَّسات الدولة خاصة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، هذا بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المشرَّدين واللاجئين الذين يعانون ويلات الحرب.

ثلاثة أعوام تشهد على حالة من انهيار الدولة المركزية وتدخُّل أطراف دولية عدَّة، ممَّا ساهم في تعقيد وتعميق هذه الحرب. وقد اختلفت وتباينت المواقف الدولية على مدار الحرب في قوتها وضعفها واكتراثها وعدم اكتراثها، لكنها اشتركت في ضعف الفاعلية والتأثير مما يعكس حالة من ضعف الإرادة السياسية الدولية والإقليمية وعجزها، رغم العديد من المبادرات المعلنة عن إيقاف هذه الحرب، وفي ظل هذا المشهد المعقَّد في مساراته ودلالاته، نقف من خلال هذا التقرير على هذا البعد المتعلق بالمواقف الدولية من حرب السودان القائمة في محاولة لرصد الثابت والمتغير فيها وأثر ذلك وتداعياته على مسار هذه الحرب في المستقبل.

كثيرًا ما أُطلق على حرب السودان وصف “الحرب المنسية” نتيجة تجاهل المجتمع الدولي لها رغم قسوتها، لكنها في الشهور الأخيرة وتحديدًا في نهايات عام 2025 وبداية 2026 شهدت الحرب بعض المحطات التي جعلت السودان في دائرة الضوء ولو بصورة نسبية، ومن هذه المحطات أحداث الفاشر في أواخر أكتوبر 2025 والتي أعادت جذب انتباه العالم لما يجري في السودان، غير أن هذا الاهتمام لم يدم سوى أسبوعين أو ثلاثة، قبل أن يتراجع مجدَّدًا مع بروز أحداث دولية أخرى[1].

فمنذ اندلاع الحرب وبدء الانتهاكات التي ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع، دأبت الحكومة السودانية على مخاطبة المجتمع الدولي عبر النداءات والمناشدات مطالبةً بتدخُّل عاجل يحول دون تفاقم هذه الجرائم، وباتخاذ خطوات عملية لوقف تمددها، وفي مقدمة ذلك إيقاف أشكال الدعم التي تتلقَّاها الميليشيا من بعض القوى الإقليمية. غير أن تلك النداءات لم تحظَ بالاستجابة المناسبة، إذ قُوبلت بقدر كبير من التجاهل أو التفاعل الفاتر، في ظل تشابك المصالح بين القوى الإقليمية ذاتها، وبينها وبين قوى دولية فاعلة ترتبط معها بعلاقات استراتيجية ومصالح حيوية في المنطقة[2].

وقد أسْهم هذا التجاهل في تكريس صورة الحرب السودانية بوصفها حربًا منسية، رغم جسامة ما خلَّفته من كوارث إنسانية وجرائم وانتهاكات واسعة وثَّقتها وسائل الإعلام وشاهدها الملايين حول العالم. ومن أبرز نتائج هذا الإهمال الدولي تمكُّن ميليشيا الدعم السريع من اقتحام مدينة الفاشر بعد حصار خانق استمرَّ أكثر من عام ونصف، منعت خلاله دخول المساعدات والإمدادات الغذائية، وانتهجت سياسة تجويع متعمَّدة، مع قصف متكرِّر ومحاولات اقتحام بلغت نحو 260 محاولة، إلى أن دخلت المدينة وارتكبتْ بحق سكانها مجازر مروِّعة وثَّقتها كاميرات قادة وأفراد ميليشيا الدعم السريع.

وعلى الرغم من موجة التعاطف الواسعة مع أهالي الفاشر، وما صدر من إدانات عن دول ومنظمات ومؤسسات إنسانية وحقوقية، فإن ذلك لم يُترجم إلى إجراءات عملية توقف هذه الانتهاكات أو تضع لها حدًّا. واقتصرت الاستجابة الدولية على بيانات الشجب والتنديد والتعبير عن القلق، دون تحرك فعلي للضغط على الجهات الإقليمية الداعمة للمليشيا، الأمر الذي شجَّعها وحلفاءَها على توسيع نطاق عملياتهم وارتكاب مزيد من المجازر في مناطق أخرى من إقليم كردفان غربًا وجنوبًا.

في المقابل استطاع الجيش السوداني تحقيق تقدُّم على الأرض ظلَّ آخذًا في الازدياد، فحرَّر كلَّ المدن الرئيسية في جنوب كردفان والقرى التي حولها والطرق المؤدِّية إليها، وترافق ذلك مع تطورات الأحداث في كلٍّ من اليمن، والصومال، وإقليم أرض الصومال الانفصالي، وجيبوتي، وما خلَّفته من تقلُّص شديد لنفوذ القوى الإقليمية الداعمة لميليشيا الدعم السريع في منطقة القرن الأفريقي، مضافًا إليه خسارة هذه القوى الإقليمية الداعمة للميليشيا علاقاتها الحيوية مع القوى الكبرى الفاعلة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية[3].

هذه التطورات ساعدت بشكل ما في تقوية موقف السودان على الصعيدين؛ الدبلوماسي، والعسكري، وبالمقابل أضعفت موقف ميليشيا الدعم السريع عسكريًّا وسياسيًّا، خاصة بعد هجومها الأخير على قافلة الدعم الإنساني في شمال كردفان، وقصفها قوافل النازحين، وتدميرها أحد المراكز الصحية في كادوقلي، ووقوع ضحايا من بينهم أطفال.

ولكن يظل انخراط عدد من الدول في حرب السودان من خلال تقديم الدعم على هيئة أسلحة، أو موارد مالية، أو إسناد سياسي، يزيد من تعقيد هذه الحرب ويجعلها تأخذ طابعًا إقليميًّا ودوليًّا تنافسيًّا يتجاوز حدود السودان[4].

في هذا السياق نستعرض مواقف أهم الأطراف الدولية والإقليمية تجاه حرب السودان وذلك لرصد الثابت والمتغير في المواقف المتبنَّاة.

1- الولايات المتحدة:

يتمتع السودان بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية، إذ يشرف على أحد أهمِّ الممرَّات البحرية “البحر الأحمر”. هذا الموقع يجعل السودان جزءًا من التفاعلات والصراعات المرتبطة بإدارة النفوذ في الشرق الأوسط، ولا سيما في سياق التنافس الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها، وفي مقدِّمتهم إسرائيل. وبناءً على ذلك، تكتسب الساحة السودانية أهمية خاصة في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، لا سيما في ظلِّ تصاعد النزعات الأحادية في السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، وما يصاحبها من ميل إلى توظيف القوة الصلبة والناعمة لفرض الهيمنة والحفاظ على النفوذ العالمي.

وفي هذا السياق، فإن أهمية الحرب الدائرة في السودان بالنسبة للولايات المتحدة تنطلق من عدَّة عوامل: أولها، أن هذه الحرب تمثل بيئة محتملة لتنامي التهديدات الأمنية الإرهابية، وفق التصور الأمريكي للأمن الدولي. فالتجربة التاريخية للعلاقة بين واشنطن والخرطوم، ولا سيما إدراج السودان لعدَّة عقود ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، تجعل من عودة هذا التصنيف احتمالًا قائمًا في ظل حالة التفكك المؤسَّسي والانهيار الأمني. ولا يقتصر هذا الاحتمال على كونه استجابة لتهديدات فعلية، بل قد يُستخدم أيضًا كأداة ضغط سياسية، سواء لابتزاز أطراف النزاع ودفعها نحو تسويات معينة، أو لتبرير سياسات احتواء استباقية تستند إلى تهديدات متخيَّلة أو مضخَّمة.

إلا أن التهديد الأوسع، من منظور الاستراتيجية الأمريكية، يتمثَّل في احتمال انجراف السودان، في ظلِّ الحرب والفراغ السياسي، نحو محاور دولية منافسة، وعلى رأسها الصين وروسيا، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي أو العسكري. وتكتسب هذه المخاوف وزنًا إضافيًّا في ضوء استمرار تداول فكرة إنشاء قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر، وهي ورقة لطالما لوَّح بها فاعلون سودانيون في لحظات التوتُّر مع الغرب، بما يعكس قابلية السودان للتحول إلى ساحة تنافس مباشر بين القوى الكبرى[5].

مع اندلاع الحرب في أبريل 2023 كان موقف الولايات المتحدة لا يتجاوز التنديد والمطالبة بوقف إطلاق النار والتأكيد على حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية؛ ثم تم تكثيف هذه الجهود الدبلوماسية بتعيين توم بيريلو مبعوثًا خاصًّا للولايات المتحدة إلى السودان، بهدف دفع عملية السلام والمفاوضات[6]، ولكن هذا الانخراط البسيط افتقر لأي أدوات تنفيذية قوية.

في 2025 بدأ الموقف الأمريكي يتَّسع بطريقة أكثر تنسيقًا مع شركائه، ففي يونيو 2025 كان اجتماع الرباعية (الولايات المتحدة – مصر – الإمارات – السعودية) في واشنطن لحث أطراف النزاع على وقف إطلاق النار والتوصُّل إلى حلٍّ تفاوضي، وفي هذا السياق اعتبر البعض أن هذه الخطوة تحمل دلالة على تغيُّر المزاج في واشنطن، وأن هذا التحرك يشير إلى أن أمريكا شعرت بأن الفراغ الدبلوماسي يتمُّ ملْؤه من لاعبين آخرين وبالتالي فإن هذه الخطوة جاءت لضبط الإيقاع الإقليمي، حيث تحاول أمريكا وضع الورقة السودانية على طاولة مفاوضات تُدار تحت إشرافها المباشر[7].

وفي 11 سبتمبر 2025 وبدعم من هيئة الأمم المتحدة ومنظمة الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (الإيجاد)، أصدر وزراء خارجية المجموعة الرباعية بيانًا لإنهاء الحرب في السودان، حيث دعا البيان إلى هدنة ثلاثة أشهر بين مختلف الفرقاء من أجل توفير المساعدات الإنسانية العاجلة للمتضرِّرين من السكَّان المدنيين، على أن يتم إطلاق عملية انتقال سياسي سلمي للسلطة لمدة تسعة أشهر تُفضي إلى قيام حكومة مدنية شرعية تحصل على ثقة المواطنين السودانيِّين[8].

إلا أن من المفارقات أنه في نوفمبر 2025 وبعد سقوط مدينة الفاشر بيد قوات الدعم السريع، تأخر تعليق واشنطن الرسمي ثم جاء فيه ما يؤكد على استمرار واشنطن في جهودها للتوصل إلى وقف القتال والعمل مع شركائها الإقليميين لإنهاء الصراع، وقد تصاعدت الانتقادات الموجهة للإدارة الأمريكية بسبب ما اعتبره مراقبون “تجاهلا غير مبرر” لتطورات الوضع الميداني في السودان، في وقت تتصدَّر فيه واشنطن مساعي التوصل إلى هدنة تضع حدًّا للاشتباكات في البلاد، فتأخُّر التعليق الرسمي الأمريكي على أحداث الفاشر أوحى بأن مسار “الرباعية” قد بلغ طريقا مسدودًا، وأن فرص الدبلوماسية لحل النزاع بدأت تضيق. وهنا يرى البعض أن إدارة ترامب تنظر إلى النفوذ المتصاعد لحلفائها في السودان كفرصة لتحقيق توازن استراتيجي في مواجهة روسيا والصين، في ظل تراجع الاهتمام الأمريكي وتقلُّص الموارد المخصَّصة للقارة[9].

في نهاية 2025 شاركت الولايات المتحدة في اقتراح هدنة إنسانية مقترحة تتحرَّك لتنفيذ وقف إطلاق النار خلال شهر رمضان، ضمن جهود الرباعي، وفي ديسمبر 2025 كشفت الخارجية الأمريكية عن عقوبات فرضتها على جهات كولومبية قالت إنها تساعد قوات الدعم السريع، وكانت سببًا في السيطرة على الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، وارتكبت فظائع بها. وقد جاءت هذه الخطوة بعد فترة قليلة من حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن عزمه إنهاء الأزمة السودانية بطلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وعلى الرغم من أهمية هذه العقوبات لكنها تظل غير كافية لوقف الحرب[10]. خاصة أنها لم تُفرض على دولة مثل الإمارات رغم دعمها القوي والمستمر لقوات الدعم السريع، وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أنه قد قدِّم في 21 نوفمبر2025، مشروع قانون في الولايات المتحدة يسعى إلى وقف مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى الإمارات العربية المتحدة، حيث يُعتقد على نطاق واسع أن قوات الدعم السريع ما كانت لتتمكَّن من مواصلة الحرب الأهلية لولا دعم الإمارات، ومن ثم فإن وقف شحنات الأسلحة الأمريكية إلى الإمارات قد يُسهم في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لمفاوضات السلام. غير أن وكالة رويترز أشارت إلى أن مشروع القانون من غير المرجَّح أن يحظَى بدعم يُذكر في الكونجرس، إذ إن الإدارات الأمريكية في ظل رؤساء من كلا الحزبين لطالما اعتبرت الإمارات شريكًا حيويًّا في أمن المنطقة[11].

ممَّا سبق نجد أن الثابت في سياسة واشنطن تجاه الحرب في السودان كان في الجهود الدبلوماسية المختلفة، وقد تمثل التغير في تصعيد نسبي انعكس في استخدام بعض العقوبات وإطلاق بعض المبادرات المحدَّدة التي تدعو إلى هدنة. ورغم ثبات الدعوات الأمريكية لوقف إطلاق النار، فإن التأثير العملي على قرارات القتال كان ضعيفًا حيث اقتصرت أدوات الولايات المتحدة على عقوبات انتقائية، وضغط دبلوماسي ومبادرات تفاوضية غير ملزمة.

ويرجع هذا بشكل كبير إلى إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه الولايات المتحدة في التعامل مع الحرب في السودان وهي تموضعها ضمن شبكة معقَّدة من الحلفاء الإقليميِّين الذين يمتلكون نفوذًا مباشرًا على أطراف النزاع، سواء عبر قنوات الدعم المالي واللوجستي، أو من خلال تشابكات المصالح الاقتصادية والاستثمارية. وقد أسْهم انخراط هذه الدول، بدرجات متفاوتة، في إعادة تشكيل موازين القوة الميدانية، بما جعل الصراع السوداني متداخلًا مع حسابات إقليمية أوسع. وعلى الرغم من إدراك واشنطن لطبيعة هذا الدور وتأثيره، فإن قدرتها على المناورة تظل محدودة، إذ تقوم علاقاتها مع هؤلاء الحلفاء على منظومة مصالح استراتيجية ودفاعية واقتصادية يصعب التضحية بها أو تعريضها للاهتزاز في سياقات إقليمية أكثر تعقيدًا وتشابكًا[12].

2- الاتحاد الأوروبي:

إن موقف الاتحاد الأوروبي من حرب السودان تمثل في خطابات التنديد والإدانة التي تطورت في حدة لهجتها من الأقل حدة إلى الأكثر حدة مع تردِّي الوضع الميداني[13]. بالإضافة إلى فرض بعض العقوبات على عدد من كبار المسؤولين في النزاع، سواء من عناصر قوات الدعم السريع أو أفراد تابعين للقوات المسلحة السودانية، تشمل تجميد أصول ومنع سفر[14].

وفي هذا السياق تطوَّر المسار في الإجراءات والمواقف الأوروبية إزاء الانتهاكات في الحرب السودانية، خصوصًا بعد أحداث الفاشر في أواخر أكتوبر 2025، لتشكِّل موقفًا متسلسلًا. جاء أولًا مشروع قرار البرلمان الأوروبي في أواخر أكتوبر 2025 وبداية نوفمبر، عبر توصيف الانتهاكات بأنها “جسيمة ومنهجية” وتشمل الاغتصاب الجماعي، والتصفية العرقية، وحصار الإغاثة. ودعا القرار إلى إنشاء آليات مساءلة فاعلة وفرض عقوبات صارمة على الأفراد والجهات المسؤولة.

ثم جاء بيان الممثل السامي للاتحاد الأوروبي، الذي دان “بأشد العبارات، الفظائع المرتكبة من قوات (الدعم السريع)، ولا سيما بعد سقوط الفاشر”. حيث ركَّز البيان على الانتهاكات الواسعة التي شملت القتل العرقي، والعنف الجنسي، والتجويع، ومنع المساعدات باعتبارها نمطًا منظمًا من الجرائم. وشدد على ضرورة فتح ممرات إنسانية فورية وفرض تدابير تقييدية على قادة “الدعم السريع”، مؤكدًا استعداد الاتحاد لتوسيع العقوبات وضمان المساءلة عبر الآليات الدولية. وفي البعد الدبلوماسي، يدعو البيان إلى الالتزام بحظر السلاح المنصوص عليه في قراري مجلس الأمن 1556 و1591، ويحث الأطراف السودانية على العودة إلى مفاوضات تؤدي إلى وقف دائم لإطلاق النار، ويؤكد استمرار العمل مع “الرباعية” والشركاء الدوليين لتعزيز مسار الحل السلمي[15].

أما على صعيد المساعدات الإنسانية فقد قرر الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2025 تسيير جسر جوي للمساعدات إلى الفاشر، وقد اعتبر البعض هذه مفارقة كاشفة وليس مجرد خطوة إنسانية، حيث جاء تنفيذ هذا الجسر الجوي دون تنسيق مع أجهزة الدولة ومؤسساتها، وهو ما يُعَدُّ تجاوزًا للدولة، والتعامل مع واقع فرضتْه الميليشيا، وتقديم المساعدات كبديل عن المؤسسات الوطنية لا عبرها، بما يضعف السيادة ويشجع التمرُّد، ويفتح الباب لتدويل أوسع للأزمة. وهنا يُثار تساؤلٌ مشروعٌ حول ازدواجية المعايير، فبينما يدين الاتحاد الأوروبي الجرائم لفظيًّا، يتَّخذ في المقابل خطوات عملية تتجاوز الدولة وتُدار في مناطق خاضعة للتمرُّد، بما يؤدِّي عمليًّا إلى تبييض السلوك المسلَّح عبر واجهة إنسانية انتقائية، تُضعف المساءلة، وتُحول الضحية إلى أداةٍ سياسية، وفي هذا الإطار اعتبر البعض هذا الجسر بمثابة خطوة متقدمة في التدويل خارج التنسيق الوطني، لا خطوة إنسانية خالصة، بل حلقة جديدة في سلسلة تدخلات لم تنتج سلامًا مستدامًا للسودان كما تتضمن الادعاءات الرسمية[16].

3- الصين وروسيا:

يمثل السودان -بحكم موقعه على البحر الأحمر وثرائه بالموارد- نقطة جذب مركزية في تفاعلات القوى الكبرى، ولا سيما روسيا والصين، لكن لكلٍّ منهما مقاربة مختلفة. فموسكو تنظر إلى السودان بوصفه ركيزة محتملة لتعزيز حضورها العسكري والبحري عبر الساحل الغربي للبحر الأحمر، بما يوسِّع مجال مناورتها الاستراتيجية ويحدُّ من الضغوط الغربية، إلى جانب الحفاظ على السودان كسوقٍ مهم للسلاح ومصدرٍ ثمين للذهب يساعدها على تجاوز آثار العقوبات. أما بكين، فتتعامل مع السودان من منظور اقتصادي طويل الأمد، إذ ترى فيه حلقة أساسية في شبكات التجارة والطاقة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، ونقطة ارتكاز لحماية استثماراتها في النفط والبنية التحتية والموانئ، وتأمين تدفُّقات نفط جنوب السودان عبر بورتسودان. وعلى الرغم من تقاطع المصالح العامة بين الطرفين في تقليص النفوذ الغربي، فإن اختلاف الغايات واضح: فروسيا تميل إلى تعظيم مكاسب استراتيجية سريعة في بيئة مضطربة، بينما تراهن الصين على الاستقرار باعتباره شرطًا لازمًا لاستدامة نفوذها الاقتصادي.

أما فيما يتعلق بموقف الصين وروسيا من الحرب الحالية فإن نهج كلٍّ من روسيا والصين يتباين، ولكنه نهج ثابت بشكل كبير، فعلى المستوى الروسي، يجمع النهج بين بُعدين متداخلين: دبلوماسي يقوم على الدعوة إلى الحوار ووقف إطلاق النار، مقرونًا بحراك سياسي نشط تمثَّل في زيارات متبادلة رفيعة المستوى بين موسكو وبورتسودان، وتأكيد روسي متزايد على شرعية مجلس السيادة والقوات المسلَّحة. وقد عكس امتناع موسكو عن التصويت في بعض قرارات مجلس الأمن المتعلِّقة بالسودان رغبتها في الحفاظ على هامش مناورة سياسيٍّ وعدم الانحياز العلني الكامل.

وعسكريًّا، اتَّسم الدور الروسي بالازدواجية؛ إذ دعمت موسكو في بدايات الحرب قوات الدعم السريع عبر شركة فاجنر، قبل أن تعيد تقييم سياستها وتتَّجه تدريجيًّا نحو التقارب مع الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، دون التخلِّي عن سياسة اللعب على الطرفين[17]. وفي هذا الإطار ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني والدعم السريع في أبريل 2023، برزت مؤشرات على تدفُّقات تسليح عبر مسارات إقليمية، بينما حافظت موسكو على خطاب دبلوماسي يدعو إلى التهدئة، بما يعكس محاولة الفصل بين الفعل الميداني والموقف العلني. وبعد مقتل يفجيني بريجوجين في أغسطس 2023، أُعيد تنظيم شبكات فاجنر في أفريقيا ضمن تشكيلات جديدة مرتبطة بوزارة الدفاع الروسية، من بينها فيلق أفريقيا، دون أن يتغير جوهر المعادلة القائم على اقتصاد الذهب، وإدارة النفوذ عبر وكلاء محليين، وحروب بالوكالة منخفضة الكلفة.

وقد ساهم هذا الحضور الروسي في تعقيد الأوضاع الأمنية الإقليمية، حيث تداخلت النزاعات المحلية مع شبكات تسليح عابرة للحدود، ما أضفى بعدًا دوليًّا على صراعات داخلية. وخلاصة الأمر أن النفوذ الروسي في السودان يتقدَّم عبر مقاربة مزدوجة تجمع بين دعم عسكري غير مباشر ومناورة دبلوماسية حذرة، بما يسْمح لموسكو بتوسيع حضورها في بيئة مضطربة مع تقليل كلفة الانخراط المباشر[18].

ويعود هذا النهج البراجماتي إلى سعي روسيا لتعظيم مكاسبها، سواء عبر السلاح أو الموارد، وملء الفراغ الذي خلَّفه تراجع النفوذ الأمريكي، فضلًا عن تأثر موقفها بتنامي التقارب بين السودان وأوكرانيا، ما جعل الساحة السودانية امتدادًا غير مباشر للصراع الروسي-الأوكراني[19].

في المقابل، تبنَّت الصين مقاربة أكثر تحفظًا، اقتصرت أساسًا على المسار الدبلوماسي. فقد دعت بكين إلى الحل السياسي، ووقف القتال، والعودة إلى الاتفاق الإطاري، ورفضت في الوقت نفسه فرض عقوبات دولية على أطرافذ الصراع، التزامًا بمبدأ عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول. كما عزَّزت حضورَها الدبلوماسي عبر مبعوث خاص للقرن الأفريقي ومبادرات إقليمية، مع تجنُّب الانخراط المباشر أو زيارة السودان ميدانيًّا رغم استمرار التواصل السياسي رفيع المستوى. ويفسَّر هذا الحذر الصيني برغبتها في عدم استفزاز القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة، والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما فيها روسيا والولايات المتحدة وحلفاء إقليميين. كما يتعارض النهج الصيني القائم على الشراكة مع الحكومات والحلول التفاوضية مع الأسلوب الروسي الأكثر مرونة واستخدامًا للأدوات العسكرية غير المباشرة[20].

ولكن ممَّا تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أنه في أبريل 2025 وجَّه الجيش السوداني اتهامات للصين بتزويد قوات “الدعم السريع” بطائرات مسيرة هجومية، وقد مثل هذا الاتهام نقطة انعطاف حرجة في تعقيدات الصراع السوداني، إذ لا يقتصر أثره في ساحة النزاع المحلي، بل يطاول التوازنات الدقيقة التي تنسجها بكين بعناية في محيطها الأفريقي، وفي علاقاتها مع القوى الدولية. فالخرطوم، من خلال هذا الاتهام، لا تستهدف فقط التشكيك في طبيعة الدعم الذي يتلقاه خصمها الداخلي، بل تسعى أيضًا إلى إحراج الصين أمام المجتمع الدولي، وتصويرها كفاعل يخرق مبدأ الحياد في نزاع داخلي معقَّد، وهي خطوة ذات أبعاد استراتيجية عميقة.

وبالنسبة إلى بكين، فإن ثقل المصلحة مع الحكومة التي يمثلها الجيش أكبر، ذلك أن مساندة “الدعم السريع” على رغم قوتها العسكرية على الأرض تضع الصين في موقف مقلق بشأن وحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. فمثل هذا الانحياز، قد يغذِّي سرديَّات انفصاليَّة داخل أراضيها، بدءًا من التبت وشينجيانج وصولًا إلى تايوان، ممَّا يجعل حسابات الصين في السودان حذرة وحسَّاسة.

ومع ذلك فإن بكين لا تستطيع تجاهل التحولات الواقعية التي يفرضها تفوق “الدعم السريع” الميداني، ولا تستبعد احتمالات إعادة تشكُّل السلطة في السودان عبر حكومة موازية. من هنا، تسعى الصين إلى الحفاظ على قناة تواصل مرنة معه، من دون أن تصل إلى حَدِّ الاعتراف الضمني به ككيان سياسي مشروع. فهي تأمل في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، خصوصًا في قطاعات البنية التحتية والتعدين، من خلال علاقة مستقرَّة مع الحكومة المركزية، لكنها تضع عينًا مفتوحة على من يتحكَّم فعليًّا بالميدان.

وفي هذا السياق، تعمد الصين إلى اعتماد خطاب مزدوج، فهي تؤكد التزامها بالسلام ووحدة السودان، وتظهر حيادًا دبلوماسيًّا محسوبًا، لكنها، في الوقت ذاته، ترفض أن يُزج بها في لعبة الاستقطاب الحاد، خشية أن تتحول من شريك اقتصادي عالمي إلى طرف مشكوك في نياته الاستراتيجية. وفي خضمِّ هذه التعقيدات قدَّمت الصين منحة الـ200 مليون يوان (28 مليون دولار) مما يجعل هذه الخطوة لا تخلو من دلالات تتعلق بحسابات استراتيجية دقيقة تستند إلى منطق براجماتي تقليدي في السياسة الخارجية الصينية وأولها التموضع في ظل الفراغ الدولي والإقليمي، فمع انشغال القوى الغربية بالحرب الروسية – الأوكرانية، والصراع الإسرائيلي – الإيراني، وتراجع الحضور العربي المؤسَّسي في الأزمة السودانية، بات السودان ساحةً مفتوحة أمام قوى غير تقليدية لتعزيز نفوذها. فالصين، التي تنتهج سياسة “عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية” شكلًا، وتوازن المصالح مضمونًا، ترى في الأزمة فرصة للتموضع كطرف غير منحاز ظاهريًّا، لكنه حاضر في الحسابات المستقبلية. وفي هذا السياق، تبدو المساعدات أو المبادرات الصينية أقرب إلى أدوات سياسية ناعمة هدفها تثبيت العلاقات والحفاظ على خطوط التواصل.

بذلك، يمكن القول إن المقاربة الصينية في السودان تقوم على مزيج من الانتظار الحذر، والبراغماتية العالية، واستثمار الفرص دون استعجال، وهي مقاربة تعكس رؤية أوسع للسياسة الخارجية الصينية في أفريقيا، حيث تُقدَّم الاستمرارية والاستقرار وحماية المصالح على أي اعتبارات سياسية أو معيارية أخرى[21].

4-  السعودية:

على المستوى الرسمي حافظت السعودية على الحياد في الصراع السوداني. إلا أنَّها عزَّزت دعمها الدبلوماسي والاقتصادي للقوَّات المسلَّحة السودانية، بما في ذلك تقديم المشورة الوثيقة لقيادتها والدفاع عن موقفها في المحافل الدولية[22]. وكذلك تقديم مساعدات اقتصادية وجهود وساطة دبلوماسية، سعيًا إلى حماية مصالح الرياض الاقتصادية في منطقة البحر الأحمر، فضلًا عن ضمان الحركة الآمنة للحجَّاج عبر ميناء بورتسودان إلى مكة المكرمة[23].

ويُذكر أنَّ شرق السودان يقع مباشرة على البحر الأحمر مقابل جدة والمشاريع التنموية الضخمة في شمال ساحل السعودية.

كذلك تخشى الرياض أنَّه إذا انهارت الدولة السودانية بالكامل، فقد يتمكَّن خصومُها من إيجاد موطئ قدم هناك، وقد يمتدُّ عدم الاستقرار إلى البحر الأحمر، ما يؤدِّي إلى زيادة انعدام الأمن والاتِّجار بالبشر والتطرُّف، ويقلِّل من قدرة المملكة على الاستفادة من إمكانات ساحلها كمركز لوجستي وسياحي[24].

وفي هذا السياق قامت السعودية بالشراكة مع الولايات المتحدة في 11 مايو 2023 بإطلاق «إعلان جدَّة» للالتزام بحماية المدنيين في السودان، وهو اتفاقية تهدف إلى حماية المدنيِّين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني[25].

وفي نوفمبر 2024 أكَّد بيان وزارة الخارجية السعودية إدانة العنف الذي يُوقِعُ ضحايا من المدنيِّين في مناطق مختلفة، ودعت لإنهاء الحرب سياسيًّا وفق الاتفاقيات السابقة، والحفاظ على وحدة السودان واستقراره وسيادته[26].

وفي مايو 2025 أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان استمرار المملكة في جهود السلام داخل منصة جدة، بما يشمل السعي إلى وقف إطلاق النار الشامل[27].

وفي فبراير 2026 أكَّد مندوب السعودية خلال مشاركته في جلسة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، التزام بلاده بجهود إنهاء الحرب في السودان وحماية المدنيِّين، ومتابعتها لوضع حقوق الإنسان هناك. وأشاد بإعلان جدة واتفاقيات وقف إطلاق النار التي تهدف إلى تخفيف المعاناة الإنسانية[28].

بناءً على ما سبق تكشف قراءة المواقف الدولية تجاه حرب السودان عن معادلة مركَّبة يتداخل فيها الثابت بالمتغير، دون أن يفضي ذلك إلى تحوُّل جذري في طبيعة الانخراط الخارجي. فالثابت المشترك بين أغلب الفاعلين الدوليين والإقليميين تمثل في الخطاب الدبلوماسي الداعي إلى وقف إطلاق النار، والحل السياسي، وحماية المدنيين، مع توظيف أدوات إنسانية أو عقابية محدودة. غير أن هذا الثبات الخطابي لم يقْترن بإرادة تنفيذية حاسمة، ما أبقى التأثير العملي لتلك المواقف محدودًا في ميدان الصراع.

أمَّا المتغيِّر، فتمثَّل في تبايُن درجات الانخراط وأدواته تبعًا لحسابات المصالح الاستراتيجية لكل طرف: فالولايات المتحدة انتقلت من إدارة أزمة منخفضة الكلفة إلى انخراط أكثر تنسيقًا عبر آلية “الرباعية” والعقوبات الانتقائية، دون المساس بجوهر شبكة تحالفاتها الإقليمية. والاتحاد الأوروبي حافظ على مقاربة معيارية خطابية مع تحركات إنسانية أثارت جدلًا حول السيادة والتدويل. في المقابل، وازنتْ روسيا بين الدعم غير المباشر والمناورة الدبلوماسية لتعظيم مكاسبها الاستراتيجية، بينما اعتمدت الصين نهجًا براجماتيًّا حَذِرًا يقدِّم حمايةَ المصالح الاقتصادية واستدامتها على أيِّ انحياز سياسي واضح. أمَّا القوى الإقليمية، فتقاسمت بين خطاب الحياد والتحرُّك وفق اعتبارات الأمن القومي وموازين النفوذ في البحر الأحمر وحوض النيل.

لقد أدَّى ضعف المواقف الدولية تجاه حرب السودان، المتمثل في الاكتفاء ببيانات الشجب والتنديد ومبادرات السلام المعلنة والمفتقرة إلى الفاعلية، إلى ما يلي:

1- إطالة أمد الصراع: فنظرًا لأهمية السودان الجيوسياسية، فقد أصبح ساحةَ تنافسٍ بين أطراف متعدِّدة حاولت التدخُّل لحلِّ الأزمة، إمَّا بدافع الأمن القومي أو طمعًا في موطئ قدم اقتصادي. غير أن هذا التدخل ظل أقرب إلى إدارة الأزمة لا حلها[29]، وقد أدَّى هذا التنافس بمصالحه المتضاربة إلى إطالة وتعقيد أمد الصراع دون حسم حقيقي.

2- تحول السودان إلى ساحة حرب بالوكالة: ذلك أن استمرار التدخُّلات الخارجية، العسكرية والاقتصادية، يهدد بتحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية[30].

3- خطر انهيار الدولة وتقسيمها: فمع استمرار الحرب وتعدُّد مراكز القوى، وفشل مبادرات التسوية ما يفضِي إلى ضعف السلطة المركزية وظهور كيانات قبلية أو جهوية تتحكَّم في أجزاء متفرِّقة من البلاد وتتحوَّل بعضُ المناطق إلى مراكز سلطة قائمةٍ بذاتها، تدير شؤونها من دون الرجوع إلى الحكومة المركزية[31].

4- تعميق الأزمة الإنسانية وزيادة عدد الضحايا: وذلك دون رادع من المجتمع الدولي الرافع لشعارات حقوق الإنسان، رغم أن هذا النزاع تسبب في أكبر أزمة جوع في العالم، وأخطر حالة طوارئ للنزوح القسري حاليًّا.

ووفقًا لبرنامج الأغذية العالمي، يُعاني 21.2 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما أُجبر أكثر من 13 مليون شخص على النزوح من ديارهم، بينهم 9.3 مليون نازح داخليًّا، و4.3 مليون يعيشون كلاجئين. لا يعكس هذا الحجم الهائل من المعاناة فشل الأطراف المتحاربة في حماية المدنيين وعدم كفاية الاستجابة الدولية فحسْب، بل يُبرز أيضًا عجزَ المؤسَّسات الإقليمية والجهات الدولية الفاعلة عن فرض عواقب ملموسة، أو تقديم الحماية والمساعدات الكافية. والنتيجة ازدواجية معايير مدمِّرة، فبينما يكْتفي العالم بتوجيهِ عبارات القلق للضحايا في السودان؛ تتواصل الفظائع في ظلِّ إفلاتٍ تامٍّ من العقاب[32].

أمَّا عن السيناريوهات المتوقَّعة فتجدر الإشارة إلى أنه خلال الأشهر الأخيرة، تمكَّن الجيش السوداني من تحقيق مكاسب ميدانية مهمَّة، أبرزها استعادة السيطرة على مناطق استراتيجية بولاية جنوب كردفان، ومناطق أخرى بجنوب النيل الأزرق، وفي حال استمرار تقدُّم الجيش السوداني، قد يتَّجه الصراع نحو حَسْمٍ عسكريٍّ تدريجي، لكن هذا السيناريو قد يواجه تحديات مرتبطة بإعادة بناء الدولة واحتواء تداعيات الحرب، وقد تفرض الضغوط الإقليمية والدولية تسوية سياسية شاملة تشمل إعادة هيكلة المشهد العسكري والسياسي، وهو السيناريو الأكثر قبولًا دوليًّا، لكنه يحتاج إلى توافقات داخلية معقَّدة[33].

إلا أن خطر تحوُّل السودان إلى ساحة صراع ممتدٍّ لا يزال قائمًا، خاصة إذا استمرت الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية وهو ما ينذر باتجاه السودان تدريجيًّا نحو تفكُّك الدولة المركزية وصعود كيانات أمراء الحرب، ما يجعل احتواء النزاع أكثر تعقيدًا[34].

لقد شهدت حرب السودان المستمرة منذ 2023 على عجز المجتمع الدولي وعدم قدرته على التوافق على إطار حلٍّ سياسيٍّ أو حسم عسكري، بل المساهمة بشكل مباشر أو غير مباشر في إطالة أمد الصراع وتعقيده وذلك نتيجة لتفضيل المواءمات السياسية على المشاركة الحقيقية القائمة على الإيمان بالمبادئ والحقوق الأساسية. وفي هذا السياق كشفت الحرب حجم التنافس الإقليمي والدولي على موقع السودان الجيوسياسي وثرواته وامتداداته الاستراتيجية على البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل.

فتحوَّلت حرب السودان إلى ساحة اختبار لتوازنات إقليمية ودولية أوسع؛ حيث ظلَّ الثابت هو إدارة الصراع لا حسمه، وضبط إيقاعه لا إنهاؤه، بينما ظلَّ المتغيِّر هو شكل التموضع وأدوات التأثير، في إطار تنافس على النفوذ أكثر منه سعيًا جادًّا لسلام مستدام.


[1] إسماعيل كشكش، الأحداث الدولية المتفجرة تعيد ترتيب الأولويات السودان خارج دائرة الاهتمام، دبنقا، 18 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/3EJto

[2] ركابي حسن يعقوب، حرب السودان المجتمع الدولي من التجاهل لأي الاهتمام، الجزيرة، 10 فبراير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/Xqonq

[3] المرجع السابق.

[4] المرجع السابق.

[5] منصور السويم، الترامبية والسودان.. هل تستخدم أمريكا أوراق نفوذها لإطفاء حرب السودان، ألترا سودان، 21 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/nsk1k

[6] محمد المنشاوي، لماذا عدلت الولايات المتحدة سياستها في السودان، الجزيرة، 31 مايو 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/h58C1

[7] اجتماع الرباعية في واشنطن حراك لضبط انفلات حرب السودان، العين الإخبارية، 4 يونيو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/EL7p6

[8] نجلاء مرعي، مبادرة “الرباعية الدولية” حول السودان وفرص نجاحها في ظلّ التصعيد الميداني، أبعاد للدراسات الاستراتيجية، 6 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/Hwadd

[9] سارة العريفي، سقوط الفاشر وأثره على سياسة واشنطن بالسودان، الجزيرة، 6 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/HY45U

[10] محللون: العقوبات الأمريكية وحدها لن توقف الحرب في السودان، الجزيرة، 10 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/xn4kw

[11] John Mukum, Ending Sudan’s civil war: A roadmap to peace and reconciliation, Brookings, 20 January 2026, available at: https://shorturl.at/jL1VJ

[12] أماني الطويل، ترامب والسودان: حدود الدبلوماسية الشخصية في مواجهة حرب معقدة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 7 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/FROYn

[13] منى عبد الفتاح، هل يشكل موقف البرلمان الأوروبي تحولا في مسار الأزمة السودانية، إندبندنت عربية، 29 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/7qjvj

[14] Sudan war: EU sanctions 5 RSF and 2 SAF members for ‘dramatic escalation of violence, Dabanga Sudan, 29 January 2026, available at: https://shorturl.at/PsRIN

[15] منى عبد الفتاح، هل يشكل موقف البرلمان الأوروبي تحولا في مسار الأزمة السودانية، مرجع سابق.

[16] معاوية البخاري، أسئلة السودان الصعبة للاتحاد الأوروبي، الجزيرة، 22 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/BsKAV

[17] أحمد خليفة، الأزمة السودانية وتصاعد الدور الروسي والصيني: المصالح والمواقف، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 1 سبتمبر 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/MwqLc

[18] منى عبد الفتاح، ظل “فاغنر”: كيف تتسرب حرب السودان عبر الخاصرة الإقليمية، إندبندنت عربية، 10 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/NZOgS

[19] أحمد خليفة، الأزمة السودانية وتصاعد الدور الروسي والصيني: المصالح والمواقف، مرجع سابق.

[20] المرجع السابق.

[21] منى عبد الفتاح، المنحة الصينية أو كيف تفكر بكين في الخرطوم، إندبندنت عربية، 15 يوليو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/pX2A

[22] آلان بوسويل، فورين أفيرز حرب السودان صورة عما سيأتي، ميادين، أكتوبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/KMHIJ

[23] John Mukum, Ending Sudan’s civil war: A roadmap to peace and reconciliation, Op. cit.

[24] آلان بوسويل، فورين أفيرز حرب السودان صورة عما سيأتي، ميادين، مرجع سابق.

[25] ما هو إعلان جدة الذي وقع عليه الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، سي إن إن ،12 مايو 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/rkdex

[26] Saudi Arabia voices concern over continued fighting in Sudan, Saudi Gazette, 2 November 2024, available at: https://shorturl.at/6HHVh

[27] Saudi Arabia vows to pursue Sudan peace efforts via Jeddah talks, Sudan Tribune, 14 May 2025, available at: https://shorturl.at/AmdKT

[28] Saudi Arabia reiterates resolve to end war and humanitarian crisis in Sudan, Saudi Gazette, 26 February 2026, available at: https://shorturl.at/IrX5G

[29] محمد حسن إمام، أزمة السودان هل ثمة ضوء في آخر النفق، الجزيرة، 13 يوليو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/oz77G

[30] المرجع السابق.

[31] منى عبد الفتاح، مستقبل السودان 3 سيناريوهات لشكل الدولة أخطرها التقسيم، إندبندنت عربية، 8 أبريل 2025، متاح عبر الرابط التالي:  https://shorturl.at/E2tp8

[32] ألف يوم من الحرب في السودان دولة تتفكك في ظل فشل القيادة المحلية وضعف الاستجابة الدولية، المفكرة القانونية، 29 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/58lDF

[33] محمد حسن إمام، السودان بين نيران الحرب وإعادة رسم الخرائط الإقليمية، مرجع سابق.

[34] آلان بوسويل، فورين أفيرز حرب السودان صورة عما سيأتي، ميادين، مرجع سابق.

نشر في فصلية قضايا ونظرات – العدد الحادي والأربعون – أبريل 2026

يارا عبد الجواد

باحثة في العلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى