عرض كتاب: مدونة السنهوري القانونية.. نشوء التقنين المدني العربي المعاصر (1932- 1949)

مقدمة:
يشرح هذا الكتاب رحلة نشوء (القانون المدني المصري الجديد) [1]، الذي أُعِدَّ في حقبة تاريخية حسَّاسة من عمر مصر بعد اتفاقية مونترو عام 1937م، والتي وقَّعتها مصر للحصول على استقلالها التشريعي عبر إلغاء المحاكم المختلطة التي ألغيت فعليًّا عام 1949م.
وفي ظل هذا النصر التشريعي استعدَّت البلاد لإنشاء تشريع مدني مصري مستقل بقيادة مهندس القانون المدني (عبدالرزاق السنهوري)، على أن يكون تشريعًا مغايرًا للقانون القديم الآخذ من القانون النابليوني والذي كانت فلسفته مغايرة لفلسفة القانون الجديد كما سنرى.
ويضمُّ الكتاب مقدِّمة وسبعة فصول، وتُعَدُّ المقدِّمة مع الفصلين الأول والثاني مدخلًا تأسيسيًّا للكتاب؛ حيث يشرح المؤلف في المقدمة دواعي تأليفه للكتاب ومنهجه البيني في تحليل القانون المدني من مدخل اجتماعي، ويبين الفصل الأول السياقات الاجتماعية والاقتصادية التي دعتْ لنشوء قانون مدني جديد، كما يرسم ملامح شخصية عبدالرزاق السنهوري وتنقُّله بين القانوني والسياسي، وبعد هذا التمهيد يبدأ المؤلِّف في الفصل الثاني بناء منهجه التحليلي للقانون ووضع اللبنات النظرية لاختبارها في الفصول التطبيقية التالية، ثم يطبِّق نظريَّاته على مفهومي (الملكية) و(العدالة) في الفصلين الثالث والرابع، وفي الخامس يشرح مفهوم (التقدم) مبينًا أثره على القانون المدني الجديد، وفي الفصل السادس يطرح المؤلِّف مفهوم (المرونة القانونية) ودورها في حفظ مرونة القانون وقدرته على استيعاب المصادر المختلفة، ويختم الفصل السابع بإجابة سؤال: كيف استطاع مهندس القانون إقناع التيارات المختلفة -وفي مقدِّمتها النخبة البرلمانية البرجوازية- بتمرير القانون والحصول على موافقة اجتماعية وسياسية عليه؟
ويحاول الكتاب أيضًا في هذا السياق بحث موضع الشريعة الإسلامية من القانون المدني الجديد، وتكييف السنهوري لها داخل القانون، وطبيعة هذا التكييف، وعلاقته بالأيديولوجية العامة للقانون، وتمر الشريعة معنا على فصول الكتاب لنرى تفعيل السنهوري لها مع هذه المفاهيم داخل السياق القانوني الحديث.
وسيركِّز العرضُ على شرح أهم الأفكار الأساسية لكلِّ فصلٍ بعد عرض المقدِّمة مع إيجاز شديد في الفصلين السادس والسابع، ثم تدوين بعض التأمُّلات وأهم النتائج في الخاتمة.
عن المؤلف:
وعن مؤلف الكتاب فهو (د. غاي بيخور) فقيه قانوني إسرائيلي من أصول يهودية، يعمل محاميًا وأكاديميًّا وصحفيًّا ومعلِّقًا سياسيًّا، تخصَّص في الدراسات الشرقية الإسلامية خاصة القانونية منها، وقد شغل من عام ١٩٩٨ إلى عام ٢٠١٢ منصب رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في كلية “لاودر” للحكومة والاستراتيجية. ويصنف بيخور باعتباره إسرائيليًّا يمينيًّا متطرِّفًا، وقد ظهرت أيديولوجيته المعادية لما هو إسلامي في بعض أجزاء الكتاب، كما كان له تعليق شهير أثناء الحرب الأخيرة على غزة[2]، وسوف يرد في الخاتمة تأمُّلات في رحلة قراءة كتاب لكاتب إسرائيلي متطرِّف[3].
لماذا القانون المدني؟
تعمَّق “بيخور” عبر هذا الكتاب في بحث نشوء القانون المدني العربي والمصري بالأخص، وذلك باستخدام منهجية تسعى إلى فهم القانوني من خلال الاجتماعي كما سيتَّضح أثناء الحديث عن المنهجية. ويُرجع “بيخور” سبب تركيزه على القانون المدني إلى نُدرة التناول الأكاديمي له في الدراسات التاريخية والسياسية في مصر وكذا في الدراسات الغربية، مقابل التركيز على القانونين الدستوري والجنائي باعتبارهما أداة للهيمنة الاستعماريَّة، في حين نُظِرَ إلى القانون المدني على أنه مجرد قانونٍ خاصٍّ بالعلاقات التعاقُدية بين الأفراد، ولا يصلح لتفسير أبعاد اجتماعية أو سياسية ذات وزن.
ويوضِّح المؤلِّف الاحتياج العميق للقانون المدني لفهم واستيعاب الاجتماعي باختلافاته وائتلافاته وديناميكياته ليكون قادرًا على تنظيمه، بل يتجاوز تنظيمه لإعادة تشكيله.
منهجية الكتاب.. بين مدرستين:
يمكن تصنيف هذا الكتاب ضمن الكتب التي تناولت التحليل لموضوع تقني من منظورٍ بينيٍّ، فقد انتهجَ الكتابُ منهجيةَ النظر إلى القانون المدنيِّ المصريِّ الجديدِ من منظورٍ اجتماعيٍّ، ويرى المؤلِّف أن النظرَ إلى القانون من خلال فروع العلوم الإنسانيَّة يثري مساحة الفهم والتحليل، ويفتح آفاقًا قد لا تتسنَّى للناظر من زاوية واحدة رؤيتها، فالقانون نافذة نستطيع من خلالها النظر إلى المجتمع، وفهمه؛ ومن ثم التأثير فيه، وأن القانون إذا لم يستوعِب واضعُوه المجتمعَ جيدًا فإن عملية التشريع ستبُوء بالفشل، ويحاول الكاتب في منهجيته القيام بموازنات بين عدَّة مدارس تنطلق من النظر للقانون من فروع العلوم الإنسانية ناقدًا الحدِّيَّة التي تقع فيها هذه المدارس، وموضحًا أن الكتاب لا يستهدف النظر إلى القانون المدني نظرة تقنيَّة مغلقة كالتي عند المحامين ورجال القانون، كما لا يرى أن النظرة الأنثروبولوجية (المراقبة من بعيد) والتي لا تستوعب الأُسس والمفاهيم القانونية كافية في التحليل، بل ستكون قاصرة.
لذلك يتَّبع الكاتب في منهجه نوعًا من المزج بين الطريقتين. ويستهدف ما يسميه (القانون من منظور علم الاجتماع) لكن بالتزام المفاهيم القانونية وإن بدت صعبة للقارئ العادي، معتقدًا أن هذا سينتج عنه تحليلٌ أعمق وأكثر تماسكًا وفهمًا للعلاقة بين القانون والمجتمع، باعتبارها علاقة تبادلية.
قالب السرد.. القانون كقصة:
مرة أخرى يحاول المؤلِّف عبور فجوة في طبيعة القالب الذي سيقدم فيه تحليله للقانون المدني وليس في المنهجية،محاولًا وضع التحليل في هيئة متصلة مترابطة ومنسجمة تشكِّل قصةً أو رسالةً متماسكةً وراء القانون. فللقانون طبيعته الخاصة؛ طبيعة تكويديَّة تتَّسم بالتجريد وعزل أبسط العناصر والأحداث في سبيل الوصول للموضوعية القانونية، فحتى وإن كان القانون قابلًا للسَّرد “القصصي” فإنه سيبقى خاضعًا للقواعد القانونية الصارمة التي تسود المجال القانوني، ولكن هذه الدراسة في تبنِّيها للبينيَّة المعرفيَّة منهجًا وأدوات، تعمد إلى استخراج سرد قصصي من قلب هذه الصرامة القانونية بل تستعمل أدوات القانون وتفكِّكها في سبيل بناء قصتها، وسرديَّتها القصَّصية تقوم على اعتبار أن القانون المدني الجديد عبارة عن “كيان متماسك يحمل رسالة اجتماعية قوية؛ ألا وهي السعي نحو تأسيس دولة مصرية جديدة تتميَّز بالانسجام والتماسك والتقدُّم”، وليس مجرد موضوعات منفصلة وفصول مقسمة وتكويدات بلا معنى مفهوم.
التفكيك وإعادة البناء.. كيف نفهم القانون من خلال الاجتماع؟
كما أوضحنا سابقًا فقد استخدم المؤلف منهجًا يجسِّر بين النظرة الاجتماعية والطبيعة القانونية للقانون، وفي سبيل التجسير يفكِّك المؤلِّف ما أسْماه “الأيديولوجية الاجتماعية للقانون”، وينطلق من اعتقاد أن ثمة نوعًا من “الأيديولوجية الاجتماعية الخفيَّة” وراء القانون الظاهر، وقد عمد المؤلف في سبيل تحليلها إلى استخدام “مرحلتين منهجيَّتين” بالاستعارة من التحليل التاريخي للقانون، وهما مرحلتي التفكيك وإعادة البناء.
أ) مرحلة التفكيك:
في المرحلة التفكيكية يبحث المؤلف المبادئ الاجتماعية وراء القانون باستكشاف الرؤية الاجتماعية لواضع القانون عبر مذكراته، ومن هنا كانت مذكرات السنهوري التي أعدَّتها ابنته “نادية السنهوري” وزوجها “توفيق الشاوي”، مصدرًا لبناء الانطباعات عن الأفكار الاجتماعية لدى السنهوري[4]. وقد بدت مسألة (العدالة الاجتماعيَّة) التي شغلت السنهوري مصدرًا أساسيًّا للأيديولوجية الاجتماعية للقانون.
وكان المصدر الثاني لاستكشاف الأهداف الاجتماعية هي الأعمال التحضيرية[5] وشروحات القانون،ففي الأعراف القانونية لا تبين المدونات القانونية عادةً عن أهدافها الخفية وراء القانون، لذا لزم الرجوع إلى الكواليس الخلفية التي مهَّدت له، وهي الأعمال التحضيرية للقانون بما تضمَّنته من مسودات وأصول لكلِّ بند قانوني، ومشاورات لجنة القانون المدني (مجلس الشيوخ). وكذلك من خلال شرح القانون (الوسيط في شرح القانون المدني)[6] الذي وضعه السنهوري.
ب) مرحلة البناء: محاولة بناء نموذج تفسيري للقانون
حاول المؤلف في المرحلة الثانية بناء نموذج تفسيري للقانون يقرأ القانون في ضوئه، من خلال المقارنة بين رؤية السنهوري للأهداف الاجتماعية للمجتمع المصري وبين المصادر التي شكلت تمهيدًا وتفسيرًا للقانون، واستقراء ما جمعه للتوصُّل إلى بناء القانون على أساس نظرية الهندسة الاجتماعية، والتي سيفرد شرحًا لها عند الحديث عن الهندسة البنيوية للقانون في الفصل الثاني.
الفصل الأول: مصر مريضة
جاء الفصل الأول مقدمة تمهيدية تصف السياقات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والتحوُّلات الديمغرافية التي دفعت إلى تنقيح القانون المدني القديم، ثم يتكلَّم عن شخصية واضع القانون (السنهوري – الشخصية الثنائية) التي تأثَّرت بالاجتماعي والسياسي وتفاعلت مع السياسي والقانوني وتنقَّلت بينهما.
ثم في القسم الثاني من الفصل يبدأ المؤلف في الحديث (عن القانون) قبل الحديث فيه، باستعراض المراحل التي مَرَّ بها تشريع القانون، ويرسم التفاعلات بين الأعضاء والنواب في البرلمان رابطًا كل هذا بخيط ناظم: المنظور الاجتماعي للقانون.
رسم الأوضاع الاجتماعية.. الحاجة لنشوء قانون مدني جديد:
تطبيقًا للمنهجية التي اتَّبعها المؤلِّف؛ فقد بدأ في رسم الأوضاع الاجتماعية في مصر آنذاك، من خلال رصد تأثير المجالات (الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية) بجانب العنصر الأجنبي على الثقافة المحلية. وتحت عنوان “مصر مريضة“[7] يبدأ المؤلف من الاقتصادي وتأثيره على الشكل الديمغرافي والهيكل الاجتماعي في مصر؛ فبعد تدني سعر القطن المصري اضطرَّ سكان الريف للهجرة إلى المدن بحثًا عن “الأمل والعمل”، مع وضع سياسي لا يقل اضطرابًا، وتآكلٍ للمحاضن الآمنة: (الدين – الأسرة – المجتمع). ووجود العنصر الأجنبي باحتلاله الثقافي وفساده الأخلاقي.
أدَّى كلُّ ذلك إلى زيادة الفجوة الطبقية وانفراط العقد الاجتماعي، حَدَّ الوصول إلى حالةٍ من تفكُّك الأواصر وانقطاع الشعور الاجتماعي بعضه ببعض.
في ظلِّ هذا الوضع ظهرت نخبة من الطبقة المتوسطة المتعلِّمة المتمدينة (الأفندية) التي جسَّدت الإحباط وخيبة الأمل، وكانت أقلَّ تأثُّرًا بالأجانب خلافًا للجيل السابق لها، وأمَّا السَّاسة والكتلة البرلمانية والملكية فلم تُبْدِ استجابةً لائقةً بالأوضاع، وهنا بدأ ظهور جماعات الضغط من خارج الكتلة البرلمانية بمختلف توجُّهاتها: الإسلامية، والاشتراكية، والقومية. في محاولة لإعادة أُطُرِ الحياة الاجتماعية المصرية خاصة من قِبَل الإسلاميِّين.
النخبة القانونية المصرية، الأيديولوجية وسبيل الإصلاح:
بعد رسمه صورةً للوضع الاجتماعي في مصر، انتقل المؤلف للحديث عن النخبة القانونيَّة المصرية تحت عنوان “الليبرالية“، فحاول رصد “طبيعة” التوجُّه الأيديولوجي للجيل تمهيدًا لفهم الأيديولوجيا التي اعتنقتها النخبة القانونية في مصر آنذاك وانطلقت منها للإصلاح القانوني ومنها السنهوري.
انشغلت النخبة القانونية -المتأثرة بالليبرالية الغربية والمهتمَّة بالاستقلال الوطني، ومن بينها عبدالرزاق السنهوري- بمسألة الإصلاح الاجتماعي، وقد رأوا في الإصلاح القانوني سبيلًا لاستعادة أواصر المجتمع المصري دون أن ينقطع اتصاله بالعالم.
ويظهر المؤلف نوعًا من إرادة استقلال هذه النخبة عن كل من: الغربي والإسلامي في الوقت نفسه؛ ففي الوقت الذي ارتأت هذه النخبة في الغرب تحديًا لاستقلالها نادت بنظام قانوني مصري موحَّد يخلو من كلا النوعين: القضاء المختلط والشرعي، وأي نوع آخر من المحاكم الملية وغيرها. ما سينعكس على توجُّه القانون نفسه.
وقد يرد سؤال عن سِرِّ تمسك السنهوري بالشريعة ووضعها مصدرًا من مصادر التشريع الرئيسية على الرغم من توجُّهه الليبرالي ، وقد يرد السؤال أيضًا بشكل عكسي، كيف كان السنهوري يحمل كل هذا الحب في قلبه للشريعة كما صرح بنفسه (لا يوجد أحد في هذا العالم يحب الشريعة أكثر مني) ومع هذا لم يضع السنهوري الشريعة مصدرًا أولَ للتشريع؟
وقبل إجابة السؤال، نعرض شخصية السنهوري وطبيعة نشأته كما هي في الكتاب.
السنهوري: الشخصية الثنائية
يرسم المؤلف ملامح شخصية عبدالرزاق السنهوري العالم القانوني (1895- 1971) ذي الثنائيَّات المتعدِّدة والمتضاربة أحيانًا؛ فهو ابن الشرق الذي أَلِفَ الغربيَّ وانبهرَ به وعمل على مزج الشرقيِّ به، وهو الباحث القانوني والسياسي المحنَّك، وهو المؤمن بالديمقراطية في ذات الوقت الذي كان فيه أحد الدعامات التي أسَّست لحكم جمال عبدالناصر ودولته.
ويغوص المؤلِّف أكثرَ في العوامل التي شكَّلت هُوياته المتعدِّدة، فهو في انتمائه المكانيِّ ابن الإسكندريَّة “المدينة العالمية”، وفي انتمائه التعليمي ابن مدرسة شهدت صراعًا بين السلطة الفرنسية والبريطانية، وفي انتمائه الطبقي ابن الطبقة المتوسطة فقد كان والده موظفًا حكوميًّا؛ ممَّا أحْوجه إلى إعالة نفسه أثناء دراسته الجامعية. وهو أيضًا المدرس في مدرسة القضاء الشرعي التي جمعت هي الأخرى ثنائيَّات مختلفة، وقد عمل فيها عامًا واحدًا (1920) ثم سافر إلى فرنسا لإكمال دراساته العليا في جامعة (ليون)، وأتم أطروحتيه فيها، الأولى عن القيود التعاقدية على حرية العمل في القضاء الإنجليزي، والثانية عن الخلافة وتطورها والتطلُّع إلى إعادتها بعد إلغائها عام 1924، وهناك في ليون كان انبهاره بحالة الحرية والتعدُّدية الفكرية والسياسية واضحًا في كلماته، إلا أن النزعة الشرقية فيهلم تخْفت إثر الانبهار، بل عزَّزت أكثر (نظريته الشرقية)، ورأى أن هذا الزخم من الحرية المبهرة -والمزعجة له أحيانًا- من الصعب تطبيقها كما هي في بلاد الشرق. وبعد عودته إلى مصر عام 1926م عمل في السلك التعليمي محاضرًا للقانون المدني في جامعة القاهرة، وقد أدَّى انخراطه في النشاط السياسي إلى عواقب في مسيرته المهنيَّة، فقد أُقيل من الجامعة بعد أن زُعِمَ تورُّطه في مسؤوليته عن إحدى التنظيمات الطلابية السرية ذات التوجُّهات السياسية بالرغم من أنه أنكر هذه الاتهامات في الصحافة، ثم سافر إلى العراق 1936 ليرأس كلية الحقوق في بغداد، وبعد عودته للمرة الثانية إلى مصر عُيِّنَ عميدًا لكلية الحقوق بجامعة القاهرة، ثم أُجبر للمرة الثانية على ترك منصبه لأسباب سياسية، وفي عام 1937 أسَّس الحزب السعدي مع أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي، وبعد ثورة يوليو 1952 عاد إلى ممارسة الحياة السياسية رئيسًا لمجلس الدولة، وعلى الرغم من دعمه لثورة الضباط الأحرار، فإن جمال عبدالناصر حَيَّدَهُ سياسيًّا فيما بعد، فقضى معظم أيامه الباقية في منزله. لكن المحنة جلبت له منحة عظيمة؛ فقد أُتيح له من الوقت ما أعانه على وضع شرح على القانون المدني (الوسيط في شرح القانون المدني).
وفي محاولة للإجابة ولو جزئيًّا عن السؤال السابق يرصد المؤلف عقلية السنهوري باعتباره قانونيًّا ذا توجُّه معيَّن في مسألة التقنين، ويبيِّن طبيعة توجُّهه الوطني الشرقي، وفهمه لما هو إسلامي حضاري.
أولًا- طبيعة رؤية السنهوري للتقنين وأثره على رؤية الديني في القانون
بحسْب المؤلف فإن شخصية السنهوري القانونية المتأثِّرة بالحداثة لم تكن ترى التقنين بمنظور ديني، وإنما برؤية علم الاجتماع، والتي تؤكِّد على أن الدين بالنسبة إلى القانون ما هو إلا عنصر من عناصر التكوين الثقافي الاجتماعي، ولا يندمج في التقنين باعتباره حاكمًا على القانون وإنما باعتباره عنصرًا محكومًا بالأيديولوجية الاجتماعية للقانون.
ثانيًا- تفسيره لنمط السنهوري الوطني وفهمه لما هو حضاري إسلامي
يقسم المؤلف أنماط الوطنية في مصر ذلك الوقت إلى ثلاثة أنواع:
الأولى: وطنية مصرية إقليمية خاضعة للغربي تمامًا.
والثانية: وطنية إسلامية يراها المؤلف جامدة على الماضي، داعية إلى العودة إليه حسب رأيه.
والثالثة: الوطنية الشرقية، وهي على خلاف الوطنية الليبرالية التقليدية لا ترى في الغرب المنقذ والقدوة، كما أنها ليست الوطنية الإسلامية التي تجعل من الشريعة الإسلامية الأصل المعياري الأول الذي يُقبل ويُرفض بناءً عليه.
والوطنية الشرقية عند السنهوري هي وطنية تقف على أرضية قيمها الحضارية وماضيها، ويكمن تفردها في الأصالة الروحية والقيمية لها، ويرى السنهوري في إحيائها إعادةً للتوازن الذي تحتاجه البشرية بعد عُلُوِّ النزعة الفردية والمادية الآتية من الحضارة الغربية. أمَّا رؤية السنهوري “للحضاري الإسلامي” فبحسب المؤلف يرى السنهوري أن الحضارة الإسلامية أوسع من “الدين”، وبتعبير المؤلف “اكتسب الحضاري الإسلامي وجودًا مستقلًّا يقوم على ما هو أكثر من الدين”[8]. كما يرى أن رؤية السنهوري للدين في المجال التشريعي رؤية دنيوية، ويقدِّم تفسيرًا لهذه الرؤية بتأثُّر السنهوري بـ“المدرسة التاريخية للقانون”.
الفصل الثاني: الهندسة البنيوية للقانون
يُعَدُّ هذا الفصل لُبَّ الكتاب وأهم مباحثه، يحاول فيه كشف ما أسْماه المؤلِّف “البوابة للأسرار المخفيَّة” وراء القانون المدني الجديد؛ فللقانون في نظره أيديولوجية “مستترة عمدًا” والتي سبق الحديث عن مصادر استكشافها عبر مذكرات السنهوري والجلسات التحضيرية للقانون وغيرها، ولن يتسنَّى لنا الفهم الكامل “للمعلن من القانون” أو “القانون المعلن”، دون الكشف عن ستار هذه الأيديولوجية الخفيَّة.
كما يعرض الفصل طريقة بناء القانون، والمنطق الهندسي الكامن فيه والذي حقَّق السنهوري من خلاله موازنات بين الأقطاب المختلفة كما سيتَّضح، وفي هذا السياق يتناول الفصل مبدأ التخيُّر بين المشارب المختلفة للقانون، وأخيرًا يتناول المؤلف دور “الاستفتاء” الذي عمل به السنهوري في تلقِّي القانون بالقبول الاجتماعي الضروري.
الأيديولوجية الاجتماعية المستترة للقانون:
لفهم الأيديولوجية الاجتماعية للقانون يوضح المؤلف تأثُّر السنهوري بثلاثة من كبار المفكرين القانونيِّين ذوي النظرة الاجتماعية للقانون (إدوارد لامبير، 1866-1947) و(روسكو باوند، 1870-1964) و(رودلف فون جيرنج، 1818-1892).
والذين نظَّروا للقانون من خلال دوره الاجتماعي. متبنِّين ما يُسَمَّى (المدرسة الاجتماعية للقانون)، وترى هذه المدرسة أن للقانون دورًا وظيفيًّا في إقامة موازنات وملائمات بين “مصالح الفرد” و”المصالح العُليا للمجتمع”، مع الوضع في الاعتبار أن المصلحة الجماعيَّة أصلٌ للمصلحة الفرديَّة وليس العكس، وهذا يُخالف جوهر الأيديولوجية القانونية للقانون المدني القديم المتأثِّر بالقانون النابليوني والقائم على تبنِّي النزعة الفردانيَّة المطْلقة في القانون وكراهية تدخُّل القانون لضبط هذه النزعة. وبناءً عليه فإن الدور الذي يلعبه القاضي والباحث القانوني والمشرِّع يكْمن في المواءمة بين المصالح الاجتماعية الفردية والجماعية ما يعني أن واضعي القانون لا بدَّ لهم من فهم عميق بالواقع الاجتماعي.
القانوني باعتباره مهندسًا:
وفقًا (لباوند) أحد روَّاد المدرسة الاجتماعية للقانون فإن “دور الفقيه القانوني.. – على غرار دور المهندس بالضبط – يتمثَّل في إنشاء هيكل وظيفي يُلَبِّي أكبرَ قدرٍ من الاحتياجات الاجتماعية والفردية قَدْرَ الإمكان، على أن يكون مظهرُه الخارجي كذلك معبِّرًا عن وحدة متكاملة ومنسجمة، وشأنه شأن المهندس، ينبغي على الفقيه القانوني أن يضع مخطَّطًا للهيكل القانوني من الناحية الاجتماعية قبل أن يُباشر إجراءات الصياغة القانونية، وذلك حتى يضْمن أن الهيكلَ الذي أقامَه لن يكون مصيره الانهيار، وسيظل متينًا وقابلًا للتطبيق لأطول فترة ممكنة”[9].
نماذج من الهندسة الاجتماعية للقانون:
تُعَدُّ هذه الفقرة من الفقرات المحوريَّة في الكتاب، إن لم تكن الفقرة المحورية الأساسية، وهي بيانٌ للكيفية التي فكَّر القانوني فيها بمنطق هندسي.
وبالتأمُّل في المخطَّطات الهندسيَّة[10] التي أوردها المؤلف تتكشَّف الصِّلة البينيَّة بين القانوني، والاجتماعي، والهندسي؛ فالهندسي هو منطق التفكير (كيف؟)، والاجتماعي هو الأيديولوجية الفكرية المخبأة وراء القانون (لماذا؟)، والقانون هو المضمون المتأثِّر والمؤثِّر في آن واحد (ماذا؟).
وهذه الهندسة الاجتماعية التي تبنَّاها السنهوري في التقنين الجديد، أتاحتْ له نوعًا من الرؤية ثلاثية الأبعاد، والتي يتَّضح من خلالها الجهد الذي يبذله مهندسو القانون لاستكشاف العلاقات التبادلية بين عدة ثنائيات سواء كانت ثنائيات قانونية اجتماعية، أو اجتماعية اجتماعية في سياق قانوني، أو قانونية قانونية تحت مظلَّة اجتماعية، وبعد استكشافها يكون الدور المنوط بهم القيام بالموزانات والمواءمات بين هذه الثنائيَّات في محاولة للوصل بينها أولًا- أو استكشاف الوصل بينها- ومنع طغيان أحدها على الأخرى ثانيًا، وهنا تتجلَّى التوازنات الهندسية للقانون لمحاولة إقامة الصلة والموازنات بين كلٍّ من: الفردي والجماعي، والاقتصادي والقانوني، والذاتي والموضوعي، والمرونة القانونية واليقين القانوني، والتضامن الإجباري بين الطبقتين الفقيرة والثرية، وبهذا يعبِّر مصطلح (النماذج الهندسية) عن هذه الرؤية الهندسية الاجتماعية للقانون.
التفسير الغائي، وأثره في القانون المدني المصري الجديد:
الأمر الثاني الذي تتبَّعه في القانون المدني المصري الجديد هو مدى تأثير «الاجتماعي» في تفسير النص القانوني بعد وضعه، أو بالأحرى أثر الواقع ومتغيرات الزمان في تفسير النص. وفي هذا مدرستين رئيسيتين:
1- المدرسة الفرنسية القائمة على الفهم الحرفي للنص القانوني، بحيث لا يتمتع الواقع بأثر يُذكر على فهم النصوص، بل يرفض النص وفقًا لهذه المدرسة الخروج من حرفيَّته التاريخية وإن أدَّى هذا إلى انقطاع الاتصال بالواقع.
2- المدرسة “الغائية“: وعلى النقيض من المدرسة الحرفية؛ تتبنَّى المدرسة “الغائية” فهم النص وفق المستجدات الاجتماعية، بحيث لا يتمتَّع النصُّ القانوني “بأيِّ ثبات”، بل إن الواقع بمتغيِّراته هو الذي يفرض رؤيتَه على النصِّ القانوني، وهذا هو الفارق الأول والجوهري بين المدرستين، ويتبعه الفارق الثاني والمتعلِّق بمنطلقات النص الاجتماعية، فهل القانون منطلق من خدمة الفردي أم حفظ الجماعي؟ فأمَّا المدرسة الفرنسية الحرفيَّة فتُعلي من قيمة الفردي وحريته المطلقة وترى فيه المنطلق الأساسي للقانون، وقد تجلَّى هذا في إعلان حقوق الإنسان 1948، ومن هذا المنطلق تُفَسَّرُ النصوص وتُسَنُّ القواعد الكلية للتشريع، بينما ترى المدرسة الغائية علو الجماعي على الفردي مما سيقيِّد فهمَ النصوص بهذه النزعة الأيديولوجية.
وقد شهد القانون المدني الفرنسي مناقشات محتدمة بين المدرستين، ما كان له أثر على فكر السنهوري وتوجُّهه نحو تنقيح القانون المدني القديم.
ثالثًا- مبدأ التخيُّر وآليته
لم يكن القانون المدني الجديد ذا مرجعيات منسجمة إطلاقًا، بل كان آخذًا من الشرق والغرب، ومن الماضي والحاضر، لذا كان لا بدَّ من آلية تضبط الاختيار بين هذه المشارب المختلفة، ولكن قبل الحديث عن الآلية، يشرح المؤلِّف المبدأَ الذي انبنت عليه الآلية، وهو (مبدأ التخيُّر)، من حيث جذوره والشكل الذي آل إليه في القانون المدني الجديد.
يرى المؤلف أن «التخيُّر» مبدأً ومصطلحًا اقتُبس أساسًا من الشريعة الإسلامية، ثم انتزُع من سياقه الديني ليستعملَه السنهوري استعمالًا علمانيًّا فيما بعد؛ فقد أرسى محمد عبده هذا المبدأ في سياق محاولاته التجديدية لإحياء عملية تقنين الشريعة من خلال مبدأ التخيُّر بين المذاهب الإسلامية بحيث يختار منها ما يلائم روحَ العصر الحديث ويسدُّ الهُوَّةَ بين الشريعة ومستجدَّات الحياة المعاصرة، ومبدأ التخيُّر بهذا المعنى كان يُعَدُّ خطوة جريئة في حينها لما كان للمذهبية من قداسة يصعب إقناع التيار المحافظ بغيرها. والفارق بين مبدأ التخيُّر الذي نادى به محمد عبده ومن تبعه من التيار الإصلاحي والتخيُّر عند السنهوري أن الأول كان يقصد به التخيُّر ضمن إطار الفقه الإسلامي بحيث يستعمل المبدأ استعمالًا دينيًّا إن جاز التعبير. وأما مبدأ التخيُّر عند السنهوري فقد خرج عن السياق الفقهي الإسلامي إلى سياق علماني.
ويرى المؤلف أن “السنهوري خطى خطوة أبعد بالقول بضرورة أن يكون القانون متجانسًا ويعكس جوهرًا واحدًا، ومتناسقًا بين أجزائه في الوقت نفسه، وكان هذا يتطلَّب تنسيقًا بين المصادر القانونية المختلفة، والتي كان يتم دمجها وصهرها معًا لتؤدِّي في النهاية إلى تشكيل مصادر أصيلة للقانون، وخالية من طابع التفرُّد الذي تتَّسم به جذورُها القانونية، والأهم من ذلك اتِّساقها مع الأيديولوجيا الأساسية للقانون”[11].
رابعًا- التخير والشريعة: علاقة الشريعة بالقانون المدني
كيف يمكن للشريعة أن تلائم القانون الحديث وفق المدخل الاجتماعي؟ وكيف أمكن لمهندس القانون استيعاب الشريعة داخل بنية القانون المغايرة لها؟
يصطلح المؤلف على هذه العملية بـ(إعادة الهندسة القانونية للشريعة)[12]، ويتتبَّع الكتاب المراحل التي سَعَى من خلالها السنهوري إلى دمج الشريعة في السياقات القانونية الحديثة وجعلها أساسًا وطيدًا لحفظ خصوصية الثقافة الشرقية دون أن تؤثر على الأيديولوجية الاجتماعية للقانون. كانت المرحلة الأولى لـ”تنقيح الشريعة” عبر دراسة التشريع الإسلامي دراسةً جديدةً وفقًا لمنهجية القانون المقارن الدوليّ والمقارنة مع النظريات القانونية الجديدة، ومن ثم تصبح الشريعة الإسلامية “مطواعة” أمام القانون الجديد، ويوضِّح المؤلِّف باقي المراحل، فبعد تجريد الشريعة من صبغتها الدينية وتطويعها تطويعًا علميًّا يمكن استبدال المبادئ القانونية الأجنبية بمبادئ الشريعة الإسلاميَّة. واتساقًا مع هذا الطرح سعى السنهوري إلى تكييف المؤسسات والمصطلحات الإسلامية المألوفة وفقًا للمبادئ القانونية الحديثة.
وقد خلص المؤلف إلى أن نظرة القانون للشريعة لم تكن تختلف في شيء عن نظرته إلى أي مصدر آخر، فقد تخير من الشريعة ما يتَّسق مع الأيديولوجية العليا للقانون.
خامسًا- مرحلة فصل الارتباط والانصهار القانوني
أخيرًا يتم قطع الصلة بين المصادر القانونية المختلفة وبين أصولها، بحيث تنصهر جميعًا في بوتقة القانون المصري الجديد بأيديولوجيته القانونية. وبحيث لا تكون للعناصر التي كوَّنته هيمنةً على الأيديولوجية العليا للقانون.
الدعوة للاستفتاء:
وقد طرح السنهوري فكرة الاستفتاء للحصول على أكبر قدر ممكن من القبول النخبوي والاجتماعي من الفئات المختلفة للقانون، لتجذير دعائم القانون الاجتماعية حتى لا يحدث نوعٌ من الصراع حوله فيما بعد.
الفصل الثالث: الوظيفة الاجتماعية لقانون الملكية
“لا يوجد ما يثير مخيِّلة الإنسان ومشاعره بقدر ما يثيره حق الملكيَّة” وليام بلاكستون[13]، هذا الاقتباس افتتح به المؤلف الفصل الثالث تحت عنوان (الوظيفة الاجتماعية لقانون الملكيَّة).
في هذا الفصل يحلِّل المؤلف مفهوم (حق الملكية) في ضوء النموذج الاجتماعي للقانون، مقارنًا بين الملكية في القانونين القديم والجديد، ويطبق المؤلف هنا نموذجه التفسيري والمفاهيم التي أسَّس لها في الفصول السابقة من بينيَّة معرفيَّة بين القانون وعلم الاجتماع، والموازنات الهندسية السابق شرحها.
ويقسِّم المؤلف هذا الفصل إلى جزء نظري يشرح فيه مفهوم الملكية في ظلِّ ما سبق، وآخر تطبيقي داخل نصوص القانون، وسيركز العرض على الجزء النظري، والذي قد يختلف في الترتيب والصياغة عن الكتاب لغرض رؤية الفصل من زاوية أثر المفاهيم الماضية على مسألة الملكية.
لماذا حق الملكية؟
فطن السنهوري إلى أثر مفهوم الملكية في تشكيل الواقع الاجتماعي المصري، ذلك أن النظام الاجتماعي في مصر كان قائمًا على قوانين الأراضي والملكية، وقد أُتيح للطبقة الثرية من الملَّاك نفوذًا اجتماعيًّا وسياسيًّا لم يُتَحْ للطبقات الفقيرة، فدخول البرلمان كان يتطلَّب حدًّا أدنى من ملكية الأرض لا يستطيع الفقير امتلاكها، وفي هذا السياق استهدف السنهوري من خلال القانون إعادة تعريف مفهوم حق الملكية من خلال اقتباس مفاهيم من علم الاجتماع، لإعادة ضبط العلاقات الاجتماعية خاصة مع ما أصاب المجتمع المصري من استقطاب حاد بين ثنائيَّات: الغني والفقير، والحضر والريف، والقلة المتعلِّمة والأغلبية الجاهلة.
وقد تنازع مفهوم حق الملكية في القوانين الحديثة مدرستان؛ مدرسة الملكية المطلقة المتأثِّرة بفلسفة عصر التنوير، ومدرسة الملكية النسبية المتأثرة بعلم الاجتماع.
فهم القانون من خلال أيديولوجية واضع القانون:
في هذا السياق يشرح المؤلِّف أيديولوجية السنهوري (واضع القانون) في مسألة حق الملكية، من خلال أوراقه الشخصية، فقد فطن السنهوري إلى كمون النزعة الفردية البشرية والحاجة إلى موازنتها بالنزعة الاجتماعية، وبناء القانون على أساسٍ من هذه الموازنة.
مبدأ التماسك الاجتماعي وحق الملكية:
لم يكن السنهوري على قناعة بمفهوم الملكية المطلقة الآتي من فرنسا، كما أنه لم ينكر بالكلية حق الفرد في التملك. ولكنه رأى في حق الملكية وظيفة اجتماعية وليس مجرد حق فردي لا علاقة له بالمجتمع.
فيستخدم المالك حقَّه لتلبية احتياجاته الخاصة، كما يجب عليه استخدامها لتلبية احتياجات المجتمع للمشاركة في تنميته، وهو ما يعود على الفرد فيما بعد.
ويفترض المؤلف تأثر السنهوري بـمبدأ (التماسك الاجتماعي) القادم من دائرة علم الاجتماع، والذي عالج من خلاله علم الاجتماع مفهوم حق الملكية معالجةً تحدُّ من أثر النزعة الفردية المطلقة على المفهوم، مخالفًا في هذا النزعة الفردية المطلقة التي وَسَمَتْ حقَّ الملكية في القوانين المدنية للقرن التاسع عشر بما فيها القانون المدني القديم.
وعلى الرغم من أن المؤلف قد أورد مصطلح (التماسك الاجتماعي) فإنه لم يوضِّح طبيعة المصطلح عند السنهوري ولم يبن عليه شرحه، وإنما تركَّز حديثُه على مفهوم (الوظيفة الاجتماعية) في إطار حقِّ الملكية، ومساهمتها في مبدأ التماسك الاجتماعي.
الملكية ومبدأ العلو والسفول:
يمكن هنا إدراج مصطلح (التماسك الاجتماعي) بحق، فالمبدأ الثاني الذي هذَّب من خلاله السنهوري النزعة المطلقة لحق الملكية، هو مفهوم “العلو والسفول” الاجتماعي الذي يضمن المسؤولية الاجتماعية المتبادلة. فبعد إعادة مفهوم حق الملكية إلى النسبية، لم يَرَ السنهوري إلغاء الطبقات المختلفة والتسوية الكلية بينها، فلكل فئة وظيفتها التي يحتاج المجتمع إلى إعمالها.
ويشبِّه السنهوري التبادل الاجتماعي بعمارة سكنية ذات طابقين علويٍّ وسفلي[14]، بحيث يعبر الجزء السفلي من المبنى عن الطبقة الاجتماعية الغنية “التي تضْمن بقاء الطوابق العُليا، ويشكِّلون أساسًا للمبنى ككل، وإذا فشلوا في فهم هذه الوظيفة والتصرُّف وفقًا لها فإن المبنى ككل سينهار، وكذلك الحال بالنسبة إلى ملَّاك الطبقات العلوية الذين يجب أن يتصرَّفوا بمسؤولية تجاه من يقبعون أسفل منهم وإلا سينهار المبنى كذلك”[15].
ويؤكِّد السنهوري وجود مبدأ التماسك الاجتماعي في الشريعة الإسلامية، وقد أكَّد صائغو القانون كما يروي المؤلف استقاء المبدأ أساسًا من الشريعة الإسلامية، وذلك لتأكيد أصالة القانون وانتمائه للمجتمع وللشرق، مما يضع تحليل “بيخور” لغاية استعمال السنهوري للشريعة موضع التساؤل، فهو يرى أن استعمال السنهوري للشريعة كان لأغراض دعائية، ولكننا نستطيع أن نرى هنا حرص السنهوري على الاقتباس من الشريعة قدر المستطاع واحتفائه بوجود مفاهيم مشتركة بين الشريعة والقوانين الحديثة، مع احتفاظه بالأيديولوجية الاجتماعية القادمة من المفاهيم الأوروبية.
وتحت عنوان (التطور الخطي لمفهوم الوظيفة الاجتماعية) يؤكِّد المؤلِّفأثرَ المدرسة الغائيَّة السابق شرحها في تفسير مفهوم حق الملكية، حيث بدأ مفهوم الملكية يتغير إبَّان ثورة يوليو 1952 وتطويع مبدأ التماسك الاجتماعي ليلائم الأيديولوجية الاشتراكية[16].
الفصل الرابع: قانون العقود كأيديولوجية.. نشأة العدالة التعاقدية
كما برز أثر الأيديولوجيا الاجتماعية للقانون على مفهوم (الملكية) في الفصل الثالث، يُبرز الفصلُ الرابعُ الأثرَ الذي تركتْه الأفكار الأيديولوجية الخفية للقانون على اختلاف تعريف مفهوم العدالة بين القانونين القديم والجديد، ليس باعتباره مفهومًا محوريًّا للقانون فحسْب، وإنما لأثره العميق على العلاقات التعاقدية بين الأطراف.
ويبيِّن المؤلِّف في بداية الفصل كيف أثَّرت مشاهدُ الظلمِ الاجتماعيِّ في مصر على فكر السنهوري ومشاعره، وكيف دفعتْه إلى مؤازرة الفئات الضعيفة وكراهية النزعة الفردية الأنانية التي يُبديها الأقوياء؛ ممَّا أدَّى إلى تبنِّيه مدخلًا أخلاقيًّا إيثاريًّا للقانون وتبنِّي تعريف جديد للعدالة لسدِّ الفجوة المتزايدة بين فئات المجتمع، وقد استعان في بنائه لمفهوم العدالة بمنطق التوزانات الكامن في الهندسة الاجتماعية، كما استخدم هذا المنطق للموازنة بين عدَّة ثنائيات مثل (القوي والضعيف) و(العدالة الفردية والجماعية).
ويبيِّن الفصل كيف مَكَّنَ القانونُ لمبادئ قانونية تضمن قدرَ الإمكانِ إقامةَ العدالة الاجتماعية المنشودة.
الحرية التعاقدية بين القانونين القديم والجديد:
انعكست حالة السنهوري الفكرية والنفسية على تبنِّيه لمدخل أخلاقي إيثاري للقانون؛ فبينما كرهت القوانين المصرية القديمة -المختلطة والأهلية- التدخُّل في حرية الفرد التعاقديَّة متأثِّرة بالقانون النابليوني في التضخيم من شأن حرية الفرد المطلقة، يتتبَّع القانون الجديد خُطَى القوانين الفرنسية والأوروبية في مطلع القرن العشرين، ليكون المدخل الأخلاقي و”الأبويُّ” أساسًا أيديولوجيًّا للقانون.
ويختصر الجدول التالي أهمَّ النقاط المختلفة بين القانونين الجديد والقديم في مفهومي الملكية، والعدالة، بناءً على الاختلافات الأيديولوجية:
| المفهوم الأيديولوجي الاجتماعي | رؤيته في القانون القديم | رؤيته في القانون الجديد |
| الملكية | لا تقيد، بناءً على الحرية الفردية المطلقة | نسبية، ومقيدة بالوظيفة الاجتماعية للملكية |
| معنى العدالة | العدالة = المساواة (لا تمييز) | العدالة = الموازنات النسبية الدائمة. |
| العلاقة بين العدالة الفردية والجماعية | لم تبيَّن | ديناميكية متبادلة، بحيث تكوِّن العدالة الفردية كتلةً حرجة لتحقيق العدالة العامة |
| مبادئ العدالة في القانون | موجودة لسد الفجوات فحسب | موجودة بنبرة تأكيدية، ومضمنة في المصادر الأساسية الأربع للقانون |
الفصل الخامس: سلطان التقدم
في هذا الفصل، يقدِّم المؤلف رؤية الليبرالية المصرية وبخاصة السنهوري لمفهوم التقدُّم وأثره في القانون الجديد. موضحًا كيف لعب القانون دورًا محوريًّا في إزاحة ما ادُّعي أنه يمثِّل “عقبات” أمام حركة التقدُّم المنشود آنذاك، قاصدين بالعقبات أي مؤسسة أو مفهوم لا يدعم وجودُه الحراك الاقتصادي والمجاراة التحديثيَّة المرجوَّة. وقد ركَّز المؤلِّف في هذا السياق على نموذجين أساسيَّين للـ”عقبات” المدَّعاة ؛ الأول: نموذج الوقف، والثاني: مفهوم حق الشفعة الآتي من الفقه الإسلامي[17].
وتظهر بوضوح الأيديولوجية الخفية في هذا الفصل، ليس فقط للقانون، وإنما للمؤلِّف؛ فتحت عنوان (الوقف رمز للركود المصري)، و(الشفعة – حق مكروه)، يعضِّد “غاي بيخور” سردية النخبة الليبرالية المعادية لما هو إسلامي آنذاك في تشويه دور الأوقاف وحق الشفعة، وقد مارس تدليسًا علميًّا في حديثه عن أثر الأوقاف والشفعة، وقد رسمت النخبة الليبرالية ومن ورائها مؤلف هذا الكتاب صورة بدت وكأن الأوقاف وحق الشفعة هما سببا التخلف الاقتصادي والفكري والاجتماعي في البلاد!
ويدَّعي “بيخور” وجود موقف سلبي للسنهوري من المؤسسات العتيقة (المحاكم الشرعية والوقف)، محمِّلًا إياها جانبًا من مسؤولية تفسُّخ الحياة الاجتماعية المصرية، ولكن المؤلِّف لم يضع اقتباسًا للسنهوري يفيد اعتناقه لهذه القناعة على الأقل فيما يخصُّ الوقف، وإنما أحال على مرجع أجنبي! وأمَّا مَا اقتبسه المؤلِّف من نصٍّ للسنهوري فيُفيد دعم السنهوري لفكرة توحيد القانون تحت مظلَّة واحدة وهي مظلة (القانون المدني). ولم يكن السنهوري ضمن أعضاء البرلمان الذين أعدُّوا قانون الأوقاف 1946 الذي تسبَّب فيما بعد بنزع الوقف الأهلي خصائصَه.
ويرى المؤلِّف أن مفهومَ التقدُّم عند السنهوري لا يعني النسخ الأعمى للقوانين الغربية كما هو مفهومها عند أغلب النخبة الليبرالية التقليدية، وإنما المرجع عنده كان ما يُصلح المجتمع المصري ويُعينه على النهوض بغضِّ النظر عن مصادر هذا النهوض شرقية كانت أم غربية، إسلامية أم علمانية.
وقد أكَّد السنهوري أن الشريعة مصدرٌ رئيسي من مصادر التشريع باعتبارها مكوِّنًا من المكوِّنات الثقافية الاجتماعية، وقد قارب بين مفهومي التقدُّم الحديث ومفهوم (المدافعة) الوارد في قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، ويرى المؤلِّف هذه المقاربة باعتبارها نوعًا من الالتصاق الظاهري بالشريعة بينما هو تمرير لمفاهيم غربية حسب رأيه.
الفصل السادس والفصل السابع:
يبين المؤلف في الفصل السادس أثر مفهوم “المرونة القانونية” على حفظ تماسك القانون بما جمعه من مشارب مختلفة، وفي الفصل الأخير، يجيب المؤلف عن كيف تمكَّن السنهوري من تمرير القانون في هذا الوقت الحساس رغم مدخل القانون الاجتماعي والذي يؤدِّي إلى تغييرات لن تكون مريحة للطبقة البرجوازية المسيطرة على الاقتصاد المصري والبرلمان. لقد كان للسنهوري عين على القانون وعين على المجتمع، مع حنكة سياسية وفهم للتعدُّدية الاجتماعية، وقد استطاع بحنكته فهم مدخل كل شريحة من المجتمع واختيار الخطاب المناسب لها بما يدفعها لتبنِّي القانون دون صراعات كثيرة، لقد فهمت الطبقة البرجوازية أن الفجوة الاجتماعية المتضخِّمة ستُحدث ولا شكَّ ثورةً تُطيح بالنظام الاجتماعي وتقتلعه من جذوره، لذا استطاع السنهوري مفاوضة الطبقة البرجوازية مفاوضة “خفية” على أن يتم تمرير القانون الذي لن يُضمِّنه تغييرًا جذريًّا حادًّا في الحالة الاجتماعية مقابل موافقتهم على إرساء مبادئ اجتماعية تسعى لاتِّزان الوضع الاجتماعي وإقامة العدالة، وذلك أهون من وقوع ثورة تُطيح بالنظام الاجتماعي كله، والمفارقة التي يُشير لها المؤلف أن هذه الثورة قد وقعت بالفعل (يوليو 1952).
الخاتمة: تأملات ودروس مستفادة من منهجية الكتاب
تكمن الحكمة القانونية عند السنهوري، في أنه لم يكن يرى الثنائيات باعتبارها أضدادًا، فرغم كراهيته للظلم الطبقي لم يَرَ في إلغاء الطبقيَّة حلًّا، ورغم كراهيته للنزعة الفردية التي قسمت المجتمع لم يلغِ حقَّ الفرد في التملُّك، ورغم كراهيته للاحتلال لكنه كان مستعدًّا للأخذ من الغربي دون أن يلغي ثقافته “الشرقية” تمامًا، ولم يلغِ القديم بل حاول الإفادة منه في ضوء الجديد.
ولكن على الرغم من سعة صدره فإن صدره لم يتَّسع للقضاء الشرعي! ولم يكمل القديم بالجديد، وإنما هذَّب القديم ليلائم الجديد، فلا هو تبنَّى اتجاهًا غربيًّا خالصًا ولا إسلاميًّا خالصًا، وإن ازدادت مكانة الشريعة فيما بعد عند وضعه للقانون المدني العراقي.
ويصرُّ المؤلف إصرارًا غريبًا على افتراض أن بعض النصوص التي يؤازر السنهوري فيها الشريعة ويقارب بين مفاهيمها والمفاهيم الغربية ما هي إلا نوعٌ من أنواع الدعاية التي ظاهرها مؤازرة للشريعة وباطنها تمرير للمفاهيم الغربية. ورغم أننا قد نختلف أو نتَّفق مع السنهوري في هذه المقاربات وفي تعامله مع الشريعة وتطويعها أحيانًا، إلا أن نبرة “بيخور” القطعية تُشعِر برفض نفسيٍّ داخلي وقلق لديه على أن يكون للشريعة دورٌ حقيقيٌّ لدى السنهوري غير مجرد الدعاية والبراجماتية القانونية! ولو كان هذا صحيحًا لكان السنهوري اتَّخذ جانب النخبة الليبرالية المتطرِّفة الرافضة للشريعة رفضًا واضحًا والتي تلقَّت مؤازرةً من القوى الأجنبية.
وربما يجدر التفتيش في هذا الأمر والبحث فيه بجدية لمحاولة فهمه ما أمكن، ولا نجد بأسًا في أن يكون التفسير النهائي كما يشير “بيخور”، لكن بعد بحث متأنٍّ.
وختامًا، ومن باب إشراك القارئ في رحلة قراءة الكتاب، فقد كان الغوص في هذا الكتاب مع صهيونية الكاتب المتطرفة تحديًا حقيقيًّا على المستويات الشعوريَّة والفكريَّة والأخلاقيَّة، فقد لزم المجاهدة أثناء القراءة لالتزام الإنصاف حتى لا تصدَّ صهيونيَّته عن الفهم والاستيعاب، كما كان ضروريًّا التحلِّي باليقظة فلا تعمي قدرته التحليلية والمتعة الفكرية فيها عن التفتيش وراء تحليلاته وكلماته فيحدث تمرير لسموم جلية أو خفية مبثوثة، وبقدر ما كانت صعوبة ذلك بقدر ما كان هذا دافعًا للاستكشاف والفوز في التحدِّي، والتحلِّي بنفس أطول، تأسيًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»[18].
ولا يخفى النفس الطويل والعميق لديه في فهم مسألة دقيقة وذات وزن مثل نشوء القانون المدني، وتمكُّنه من المدخل البيني وفهم القانوني من خلال الاجتماعي وأثر هذا على اتساع نطاق النظر للقانون وإخراجه من السردية التقنية الجافة، وليس هذا من باب الإطراء على المؤلف، وإنما اتباعًا لأمر الله تعالى بالتمسك بقيمة الإنصاف الواردة في الكتاب العزيز في قوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنئان قومٍ على ألا تعدلوا)[19]. ومن أهم فوائد قراءة الكتاب الوقوف على مدى معرفتهم الدقيقة بأحوالنا ونظمنا وتشريعاتنا، واحتياجنا للبينية المعرفية لتعميق نظرنا في علومنا وقضايانا، خاصة عند الحديث عن أمر قد يُرى للوهلة الأولى أنه تِقَنِيٌّ محض مثل القانون.
ولا نقصد هنا البينية المعرفية المتجاوزة للتخصُّصات فحسْب؛ وإنما نعني كذلك استكشاف أثر التجربة الشعورية الإنسانية الشخصية فيما يُظَنُّ أنه موضوعي بحت، لقد كانت للنزعة الإنسانية النبيلة لدى السنهوري، والحساسية العالية تجاه الظلم، والمحبة الصادقة للشريعة ولوطنه في نفسه، كان لهذا كله أثره في القانون. وقد استطاع المؤلِّف بحق الاستفادة من العمل الشخصي لمذاكرت السنهوري والتي هي تأمُّل ذاتي في قالب أدبي ممتع وعميق، كما استغلَّ المؤلف هذا المدخل وأورد في مقدِّمة الفصل السادس -مثلًا- اقتباسًا من رواية لتوفيق الحكيم فارقة ومؤثرة في فهم جوهر الفصل واستيعاب مفاهيمه بعمق، وبذلك يعطي قالبُ السرد نفسه (القالب القصصي) بعدًا وعمقًا إضافيًّا للفهم.
وبطبيعة الحال لا تخفى يمينية المؤلِّف المتطرفة، وكراهيته المعلنة للإسلامي، ناهيك عن تشويهه للأوقاف وحق الشفعة في الإسلام.
وأخيرًا، لقد أظهر الكتاب أثر العلاقات الثنائية المتبادلة بين العلوم وأهمية مد جسر بينها، وذلك من خلال استعمال منطق آتٍ من مجال تطبيقي (هندسي) لبناء القانون على أساس من التوازن بين أقطابه.
وقد عمل مفهوم (التوازن) عملًا عميقًا في الواقع بطريق غير مباشر من خلال تبنِّي القانون له، وعند التأمُّل يُرى أن مسألة التوازن ليست ذات أهمية في القانون فحسْب، ولكنها تصلح منطقًا في فقه الحياة عمومًا وفي إقامة الهياكل والسياسات العامة الخادمة للمجتمع خصوصًا.
وتبقى الإشارة لضرورة استكمال هذا العمل بالمقارنة بين أثر القانونين القديم والحديث في البناء الاجتماعي من خلال قضايا المحاكم، ومحاولة استنطاق المنطق الكامن من قضايا المحاكم الشرعية وفهم تأثيرها على الاجتماعي لإدخالها في المقارنة[20]، وبيان ما للقضاء الشرعي من أثر في الاجتماعي بل إنه كان جزءًا لا يتجزَّأ من نسيج المجتمع فهو منه وبه وإليه وله، لذا فإن اعتبار الشريعة مجرد أداة مطوَّعةٍ يتناقض مع المدخل الاجتماعيِّ للقانون حسْب ما يفهم من المدخل الاجتماعي.
قائمة المراجع:
[1] غاي بيخور، مدونة السنهوري القانونية.. نشوء التقنين المدني العربي المعاصر (1932- 1949)، ترجمة: رشا جمال، مراجعة: عبد الحسين شعبان، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009).
[2] انظر: https://x.com/arabic_post/status/1881056086276657286
[3]للمزيد عن المؤلف، انظر: https://l1nk.dev/fa1niye ، وانظر أيضًا موقعه الشخصي: https://www.gplanet.co.il
[4] انظر: نادية السنهوري، توفيق الشاوي، السنهوري من خلال أوراقه الشخصية، (القاهرة: دار الشروق، الطبعة الأولى، 2005).
[5] الحكومة المصرية، وزارة العدل، القانون المدني، مجموعات العمل التحضيرية، (القاهرة، مطبعة الكتاب العربي، 1949).
[6] عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، (القاهرة: درا النهضة العربية، 1996)، والوجيز في شرح القانون المدني الجديد (القاهرة: دار النهضة العربية، 1997).
[7] اقتبس المؤلف هذا العنوان عن مقالة لطه حسين بعنوان “مصر المريضة” يعبر فيها عن الأوضاع الاجتماعية المتردية للمجتمع المصري، في سياق انتشار وباء الكوليرا في مصر، انظر: طه حسين، المعذبون في الأرض، (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2014).
[8] غاي بيخور، مدونة السنهوري القانونية، مرجع سابق، ص62.
[9] Lord Lloyd of Hampstead and M. D. A. Freeman, Lloyd’s Introduction to Jurisprudence, (London: Stevens, 1985), pp. 548-549.
[10] للاطلاع على المخططات والأمثلة للنماذج الهندسية للقانون الاجتماعي انظر: غاي بيخور، مدونة السنهوري القانونية، ص ص 98-103.
[11] المرجع السابق، ص ص118، 119 بتصرف يسير.
[12] هذه الفقرة مأخوذة في الأصل من الفصل الأول تحت عنوان (نموذج الهندسة القانونية للشريعة)، وقد ضمنت هنا لملاءمتها السياق التطبيقي للنموذج.
[13] Wilham Blackstone, Commentaries on the Laws of England, 4 vols. (Oxford: Clarendon Press, (e) 1766-1769).
[14] ويُذكِّرُ هذا التشبيه بحديث السفينة؛ عن الشعبي أنه سمع النعمان بن بشير رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَثلُ القائمِ علَى حدودِ اللَّهِ ، والمُدَّهِنِ فيها ، كمَثلِ قَومٍ استَهَموا علَى سفينةٍ في البحرِ فأصابَ بعضُهُم أعلاها ، وأصابَ بعضُهُم أسفلَها ، فَكانَ الَّذينَ في أسفلِها يصعدونَ فَيستَقونَ الماءَ فَيصبُّونَ علَى الَّذينَ في أعلاها فقالَ الَّذينَ في أعلاها : لا ندعُكُم تصعَدونَ فتؤذونَنا ، فقالَ الَّذينَ في أسفلِها : فإنَّا نثقُبُها في أسفلِها فنَستَقي ، فإن أخذوا علَى أيديهِم فمنَعوهُمْ نجَوا جميعًا وإن ترَكوهُم غرِقوا جميعًا.” أخرجه البخاري (2493)، والترمذي (2173) واللفظ له، وأحمد (18361).
[15] غاي بيخور، مدونة السنهوري القانونية، مرجع سابق، ص ص 153-154 بتصرف يسير.
[16] للمزيد، انظر: المرجع السابق، ص 154.
[17] وفي كتاب أستاذنا د.إبراهيم البيومي غانم الرد الشافي والكافي على الادعاءات حول الوقف الأهلي، وتفصيلًا عن المراحل التي مَرَّ بها حتى ألغي الوقف بعد ثورة يوليو، انظر: د. إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والمجتمع والسياسة في مصر، (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، 2016).
[18] رواه مسلم في كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله 4/ 2052، (2664).
[19] سورة المائدة، آية 8.
[20] وقد نادى العلامة د. محمد أحمد سراج الدين بهذا، انظر: محمد أحمد سراج، في تاريخ النظام القانوني الإسلامي، (بيروت: مركز نهوض للدراسات والبحوث، الطبعة الأولى، 2023).








