عرض كتاب: نمط العيش الإمبريالي: استغلال الإنسان والطبيعة في الرأسمالية العالمية

مقدمة:
يعد كتاب “نمط العيش الإمبريالي: الحياة اليومية والأزمة البيئية للرأسمالية”* لـ “أولريش براند” و”ماركوس فيسن” من كتب الاقتصاد السياسي، التي تحاول أن تنظر إلى الأزمة البيئية والاجتماعية الراهنة من زاوية مختلفة عن الزاوية المعتادة؛ فالكتاب لا يتعامل مع تغير المناخ أو التلوث أو تبديد / استنزاف الموارد باعتبارها مشكلات تقنية يمكن حلُّها فحسب بالتكنولوجيا أو الإدارة الأفضل، بل يرى أنها مرتبطة بطريقة أعمق بتنظيم الاقتصاد العالمي، وبأنماط الإنتاج والاستهلاك، وبفكرة الرفاهية نفسها كما ترسَّخت في المجتمعات الرأسمالية الحديثة. صدر الكتاب في الأصل بالألمانية عام 2017، ثم صدرت ترجمته الإنجليزية عن دار Verso عام 2021، ثم صدرت ترجمته العربية عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، بترجمة بشار الزبيدي؛ وهي النسخة التي نقدِّم لها هذا العرض. ويتكوَّن الكتاب من ثمانية فصول رئيسية تناقش مفهوم نمط العيش الإمبريالي، جذوره التاريخية، توسعه عالميًّا، أزماته، ونقد البدائل الخضراء السطحية، ثم التفكير في ملامح نمط عيش تضامني بديل.
يمكن تلخيص الفكرة العامة للكتاب في أن الحياة اليومية المريحة في جزء من العالم لا تنفصل عن الاستغلال والتدمير في أجزاء أخرى. ما يبدو عاديًّا، مثل استخدام السيارة، أو شراء هاتف جديد، أو تناول طعام رخيص مستورد، أو الاعتماد على الطاقة بكثافة، لا يحدث في فراغ، حيث وراء كل ذلك سلاسل طويلة من استخراج المواد الخام، والعمل الرخيص، والنقل، والتلوث، وإهدار الموارد، وتحويل الأضرار إلى مناطق بعيدة، ومن هنا يستخدم المؤلفان تعبير “نمط العيش الإمبريالي“، أي ذلك النمط من الحياة الذي يقوم على الاستفادة من موارد وجهود وأراضي وبيئات الآخرين، دون أن تظهر هذه العلاقة بوضوح في الحياة اليومية.
أولًا- القضية الأساسية للكتاب وأهميتها
تتمحور القضية الأساسية في الكتاب حول العلاقة بين نمط الحياة اليومي من جهة، وبين البنية العالمية غير العادلة للاقتصاد من جهة أخرى، وهي بنية تربط نمط الحياة اليومي مباشرةً بشبكات الإنتاج والاستهلاك وتوزيع الموارد على المستوى العالمي. لذلك يسعى الكتاب للإجابة على سؤال: كيف يعيش بعض الناس بطريقة لا يمكن تعميمها على الجميع؟ ومن يدفع التكلفة الحقيقية لهذه الحياة؟ ومن هنا يناقش الكتاب حدود استمرار العالم في التعامل مع الاستهلاك والنمو والراحة الفردية باعتبارها أهدافًا نهائية من دون النظر إلى نتائجها الاجتماعية والبيئية.
يرى المؤلفان أن نمط العيش السائد في دول الشمال العالمي المتقدمة، والذي انتقل بدرجات متفاوتة إلى الطبقات العليا والوسطى في دول الجنوب، يقوم على وفرة السلع والطاقة والحركة والخدمات، ومع أن هذه الوفرة لا تبدو في ظاهرها مشكلة، غير أنها تُقَدَّمُ غالبًا باعتبارها دليلًا على التقدم والنجاح، وتكمن المشكلة الأساسية في أن هذه الوفرة لا تتحقق ذاتيًّا، ولا تُنتج فقط داخل حدود المجتمعات المستفيدة منها. بل هي تعتمد على موارد طبيعية مستخرجة من مناطق أخرى، وعلى عمالة منخفضة الأجر، وعلى قدرة الشركات والدول القوية على تنظيم التجارة والإنتاج بطريقة تجعل السلع رخيصة للمستهلك النهائي، حتى لو كانت تكلفتها الاجتماعية والبيئية عالية جدًّا.
ولذلك، يسعى الكتاب إلى كشف الشبكات الخفيَّة التي تقف خلف الاستهلاك اليومي. فالسلعة التي تصل إلى المستهلك في صورة سعر وشكل ووظيفة تخفي وراءها مسارات طويلة من العمل والاستخراج والنقل والتجميع والتخلص من النفايات. وغالبًا لا يرى المستهلك من أنتجها، ولا ظروف العمل التي أحاطت بإنتاجها، ولا المناجم أو المزارع أو المصانع التي خرجت منها، ولا الأضرار البيئية والاجتماعية التي تُنقل إلى مجتمعات وبيئات أخرى غير المنتجة والمصنعة. ومن ثم، فإن المسافة بين لحظة الاستهلاك ومصدر السلعة تمثِّل جزءًا أساسيًّا من المشكلة؛ فكلما ابتعدت التكلفة عن عين المستهلك، أصبح استمرار النمط نفسه أسهل وأقل عرضة للمساءلة.
أهمية الكتاب:
تكمن أهمية الكتاب في أنه لا يكتفي بإدانة الاستهلاك من الخارج؛ فهو لا يقول ببساطة إن الناس سيئون لأنهم يستهلكون، أو إن الحل هو أن يتوقف الأفراد عن شراء السلع، فهذا طرح سطحي وغير كافٍ. يحاول المؤلفان أن يشرحا كيف يعيش الناس داخل بنية تدفعهم، طوعًا أو اضطرارًا، إلى هذا النمط الاستهلاكي من الحياة. فالاعتماد على السيارة مثلًا ليس دائمًا اختيارًا حرًّا بالكامل؛ لأنه مرتبط بتصميم المدن، وضعف النقل العام، وطبيعة العمل، وتوزيع السكن والخدمات، وامتداد المناطق العمرانية، والرغبة في اختصار الوقت. كما أن الاستهلاك المستمر ليس مجرد رغبة فردية، بل هو جزء من ثقافة كاملة تربط بين الشراء والمكانة الاجتماعية، وبين الوفرة والنجاح، وبين السرعة والتقدُّم.
من هنا، يقدِّم الكتاب إضافة مهمَّة لأنه ينقل النقاش من مستوى السلوك الفردي إلى مستوى البنية الاجتماعية والاقتصادية. فالناس ليسوا خارج النظام، بل يعيشون داخله ويتأثرون به ويعيدون إنتاجه باستمرار في الوقت نفسه، وهذه نقطة مهمة؛ لأن كثيرًا من الخطابات البيئية تركز على نصائح فردية: قلل استهلاكك، استخدم أكياسًا ورقية، أطفئ الأنوار، اشترِ منتجًا صديقًا للبيئة. وهذه أمور قد تكون مفيدة، لكنها لا تكفي إذا ظل النظام نفسه قائمًا على الإنتاج المفرط، والربح، والتوسع، ونقل التكلفة إلى الآخرين.
على صعيد آخر يربط الكتاب بين الأزمة البيئية وأزمات أخرى. فهو يرى أننا لا نعيش أزمة مناخ فقط، بل نعيش أزمات متعدِّدة: أزمة اقتصادية، أزمة اجتماعية، أزمة عمل، أزمة رعاية، أزمة ديمقراطية، أزمة هجرة، وأزمة ثقة في المؤسسات. هذه الأزمات ليست منفصلة؛ فعندما تتدهور البيئة، يتأثر الغذاء والماء والعمل والهجرة. وعندما تزيد اللامساواة، يصبح تحمُّل آثار الأزمة البيئية مختلفًا بين الفقراء والأغنياء. وعندما تفشل السياسة في تقديم حلول عادلة، تظهر النزعات السلطوية والعنصرية، ويبدأ البحث عن كبش فداء عِوَضًا عن مواجهة جذور الأزمة، وهو ما تفعله العديد من الأحزاب القومية واليمينية في العديد من الدول.
وتتضاعف أهمية هذا الطرح عند نقله إلى السياق العربي؛ فالمنطقة العربية تقع في قلب هذه المعادلة. فمن ناحية، شكَّل النفط العربي أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد العالمي الحديث، وأسْهم في ترسيخ نمطِ عيشٍ قائمٍ على الطاقة الرخيصة وكثافة الاستهلاك. ومن ناحية أخرى، تواجه دول عربية كثيرة آثارًا مباشرة للأزمة البيئية، مثل الجفاف، وندرة المياه، والتصحُّر، وارتفاع درجات الحرارة، والنزوح، والصراعات، والاعتماد على الغذاء المستورد. كما تكشف المنطقة عن تفاوتات حادَّة؛ إذْ بنت بعضُ دولِها ثرواتها على النفط والعمالة المهاجرة، بينما تُعاني دول أخرى من الفقر والهشاشة. لذلك، يساعدنا الكتاب على قراءة العالم العربي بوصفه جزءًا من نظام عالمي تتشابك فيه الطاقة والعمل والهجرة والبيئة والسلطة، لا مجرد مساحة لأزمات محلية منفصلة.
ثانيًا- المدخل التحليلي الذي يستخدمه الكتاب
يعتمد الكتاب على مدخل نقدي مركب، يجمع بين الاقتصاد السياسي والبيئة السياسية والتحليل الماركسي، مع الاستفادة من أفكار جرامشي عن الهيمنة، ومن تحليلات الطبقة والجندر والعنصرية. لكن رغم هذه الخلفية النظرية، فإن الكتاب لا يبقى حبيس التجريد النظري، بل يحاول طوال الوقت ربط النظرية بالحياة اليومية، وهذه إحدى نقاط قوته، لأنه لا يتحدَّث عن الرأسمالية وكأنها شيء بعيد، بل يوضِّح كيف تظهر في تفاصيل الحياة: في السيارة، والمدينة، والغذاء، والطاقة، والسلعة، والعمل، وحتى في تصورنا لما يعنيه أن نعيش حياة جيدة.
الفكرة المركزية في هذا المدخل هي أن نمط العيش الإمبريالي ليس مفروضًا فقط بالقوة، صحيح أن هناك دولًا قوية، وشركات كبرى، ومؤسسات مالية وتجارية، وجيوشًا، واتفاقيات دولية، وكلها تحمي هذا النمط بدرجات مختلفة، لكن المؤلفين يركزان أيضًا على أن هذا النمط يعيش لأنه أصبح مقبولًا، فالناس لا يشعرون في الغالب أنهم جزء من علاقة استغلال عالمية عندما يشترون منتجًا أو يستخدمون سيارة أو يسافرون بالطائرة، هم فقط يعيشون حياتهم كما تبدو لهم طبيعية. وهنا بالضبط تكمن خطورة النمط: أنه لا يظهر كهيمنة، بل كحياة عادية.
ويستخدم الكتاب فكرة مهمة هي نقل التكلفة إلى الخارج، بمعنى أن المجتمعات الأكثر استفادة من نمط العيش الإمبريالي لا تتحمَّل وحدها كلَّ نتائجه، فجزء من التكلفة يذهب إلى العمال في المصانع والمزارع والمناجم، وجزء إلى البيئات التي تُستنزف أو تُلوث، وجزء إلى المجتمعات التي تُطرد من أراضيها أو تفقد مواردها، وجزء إلى الأجيال القادمة التي ستواجه آثار المناخ والنفايات وفقدان التنوُّع الحيوي. لذلك، تبدو السلع رخيصة لأن سعرها لا يعكس كل تكلفتها الفعلية.
ولكن الكتاب لا يقدِّم المسألة في صورة اختزالية تقول إن الشمال كله مستفيد والجنوب كله ضحية؛ الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك. في الشمال توجد طبقات فقيرة تعاني من الاستغلال والتهميش، وفي الجنوب توجد نخب وطبقات وسطى وعليا تتبنَّى نمط الاستهلاك نفسه وتستفيد من علاقات غير عادلة داخل مجتمعاتها أو مع مجتمعات أفقر. ولهذا، فإن مفهوم نمط العيش الإمبريالي لا يقتصر على الجغرافيا، بل يتعلَّق أيضًا بالطبقة، وبالقدرة على الوصول إلى الموارد، وبمن يملك القوة ليجعل الآخرين يدفعون الثمن.
ويوضِّح الكتاب أن هذا النمط صعب التجاوز لأنه يمنح الناس أشياء حقيقية. فهو لا يقوم فقط على الوهم أو الخداع. إنه يوفِّر الراحة، والسرعة، والاختيار، والسلع، والإحساس بالحرية الفردية، ولهذا السبب، فإن نقدَه ليس سهلًا، خصوصًا عندما تكون البدائل غير واضحة أو غير متاحة. فليس من العدل أن نطلب من الناس التخلِّي عن السيارة مثلًا إذا لم يكن هناك نقل عام جيد. وليس من السهل أن نطلب تقليل الاستهلاك في مجتمعات يشعر فيها الناس أصلًا بالحرمان أو يسعون إلى تحسين مستوى معيشتهم. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نقنع الأفراد بالتضحية؟ بل: كيف نعيد تنظيم المجتمع بحيث تصبح الحياة الكريمة ممكنة من دون استغلال الآخرين والطبيعة؟
والمدخل التحليلي في الكتاب يحاول أيضًا أن يفسِّر لماذا تفشل كثير من السياسات البيئية في تحقيق نتائج عميقة. فالسياسات التي تركز على تحسين الكفاءة فقط قد تخفِّف جانبًا من المشكلة، لكنها لا تغيِّر نمطَ الحياة نفسه، إذ قد تصبح الأجهزة أقل استهلاكًا للطاقة، لكن عدد الأجهزة يزيد. وقد تصبح السيارات أقل تلويثًا، لكن عددها وحجمها ومسافات استخدامها تزيد، وأيضًا قد تتحسَّن بعض تقنيات الإنتاج، لكن إجمالي الاستهلاك يرتفع. لذلك، لا ينخدع المؤلِّفان بسهولة بفكرة أن التطور التقني وحده سينقذ العالم. التقنية مهمة، لكنها ليست بديلًا عن تغيير اجتماعي وسياسي أوسع.
ثالثًا- النماذج التي يتناولها الكتاب
من أبرز النماذج التي يناقشها الكتاب نموذج السيارة. والسيارة هنا ليست مجرد مثال عابر، بل تكاد تكون رمزًا كاملًا لنمط العيش الإمبريالي. فهي ترتبط بالحرية الفردية، والخصوصية، والسرعة، والمكانة الاجتماعية. وفي مجتمعات كثيرة، لم تعد السيارة مجرد وسيلة انتقال، بل أصبحت جزءًا من تصور الناس عن النجاح والراحة، لكن في المقابل، تحتاج السيارة إلى وقود، ومعادن، وطرق، ومساحات، وصناعة ضخمة، كما تنتج تلوثًا وانبعاثات، وتساهم في إعادة تشكيل المدن بطريقة تجعلها أقل ملاءمة للمشي والنقل الجماعي.
ويتوقف المؤلفان عند السيارات الكبيرة وسيارات الدفع الرباعي، لأنها تكشف تناقضًا واضحًا، ففي الوقت الذي يزداد فيه الحديث عن تغير المناخ، تستمر الرغبة في سيارات أكبر وأكثر استهلاكًا للطاقة، وهذا لا يمكن تفسيره بالحاجة العملية فقط، فهذه السيارات تمنح شعورًا بالقوة والأمان والسيطرة، خصوصًا في عالم يشعر فيه كثيرون بعدم الاستقرار، لكن المفارقة أن البحث الفردي عن الأمان من خلال هذه الوسائل يفاقم الأزمة العامة التي تزيد شعور الناس بالخطر. وهذا مثال واضح على الطريقة التي يعيد بها نمط العيش الإمبريالي إنتاج نفسه.
تكشف السيارة أيضًا علاقة هذا النمط بالمدينة. فالمدينة التي تُبنى حول السيارة تحتاج إلى طرق واسعة، ومواقف، وكباري، ووقود، ومسافات طويلة بين السكن والعمل والخدمات. ومع الوقت، يصبح امتلاك السيارة شرطًا شبه أساسي للحياة اليومية. هنا لا يكون الفرد حرًّا تمامًا في اختياره، بل يجد نفسه مضطرًّا للاندماج في نظام كامل، ومن لا يمتلك “السيارة” يصبح أقل قدرة على الوصول إلى العمل أو التعليم أو الخدمات. ولذلك، فإن نقد السيارة في الكتاب ليس نقدًا للآلة فقط، بل نقد لطريقة تنظيم المجال العام والمدينة والحركة.
النموذج الثاني هو الاقتصاد الأخضر. لا يرفض المؤلفان التحول إلى الطاقة النظيفة أو تحسين كفاءة الموارد. لكنهما ينتقدان الفكرة التي تقول إن التكنولوجيا وحدها قادرة على حل المشكلة، فمثلًا، السيارة الكهربائية قد تقلِّل الانبعاثات في مرحلة الاستخدام، لكنها لا تلغي الحاجة إلى التعدين، ولا تحل مشكلة عدد السيارات، ولا تغير تصميم المدن، ولا تجيب عن سؤال العدالة: من يستطيع شراء هذه السيارات؟ ومن يعمل في إنتاجها؟ وأين تُستخرج المعادن اللازمة لها؟ وما مصير البطاريات والنفايات؟
لهذا السبب، ينتقد الكتاب ما يسمِّيه البدائل الزائفة، وهي بدائل تبدو خضراء من الخارج، لكنها لا تمسُّ منطق النموِّ والربح والاستهلاك. قد تصبح الرأسمالية أكثر خضرة في بعض القطاعات، لكنها تظلُّ قائمة على التوسع، وعلى فتح أسواق جديدة، وعلى تحويل البيئة نفسها إلى مجال للاستثمار. وهنا يطرح الكتاب سؤالًا مهمًا: هل المطلوب فقط أن ننتج السلع نفسها بطريقة أنظف، أم أن علينا أن نسأل أصلًا عن نوع السلع التي ننتجها، وحجم الإنتاج، ومن يحتاجه، ومن يستفيد منه؟
أمَّا النموذج الثالث فهو البدائل التضامنية. لا يقدِّم الكتاب خريطة جاهزة للخروج من الأزمة، لكنه يطرح مجموعة اتجاهات: ديمقراطية الطاقة، السيادة الغذائية، الاقتصاد التضامني، تقوية الخدمات العامة، النقل العام، تقليل الاعتماد على الاستهلاك المفرط، والاهتمام بالرعاية والعمل الاجتماعي، ويضرب مثالًا على نمط العيش الإمبريالي في أوقات أزمة فيروس كورونا، ونمط العيش التضامني في مواجهة رأسمالية كورونا النيوليبرالية الاستبدادية. المهم هنا أن البديل ليس مجرد تغيير تقني، بل تغيير في معنى الرفاهية نفسه: من رفاهية تقوم على امتلاك المزيد، إلى حياة تقوم على الكفاية، والعدالة، وتقليل الضرر، والمشاركة في القرار.
رابعًا- هيكل الكتاب وأفكاره الأساسية
يبدأ الفصل الأول من الكتاب بطرح الإطار العام للمشكلة، وذلك من خلال مساءلة الطريقة السائدة في تفسير أزمات الجنوب العالمي. إذ يوضح المؤلفان أن هذه الأزمات تُفسَّر غالبًا باعتبارها نتيجة مشكلات داخلية وحسْب، مثل ضعف الدولة، أو الفقر، أو الصراعات المحلية، أو الزيادة السكانية. ومع أنهما لا ينفيان أهمية هذه العوامل، فإنهما يريان أن الاكتفاء بها يخفي الصورة الأكبر؛ فكثير من أزمات الجنوب يرتبط بالطلب العالمي على الموارد، وبالسياسات التجارية غير العادلة، وبنفوذ الشركات الكبرى، وبالديون، وبطريقة اندماج هذه الدول في السوق العالمية.
ثم يأتي الفصل الثاني ليناقش فكرة الأزمات المتعدِّدة والتحوُّل الاجتماعي – البيئي، والتي يتمُّ التعامل معها وإدارتها بطريقة سلطوية من قبل الدول القومية. هنا يوضِّح الكتاب أن الأزمة البيئية ليست أزمة منفصلة. فهي تتداخل مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. أزمة المناخ مثلًا تؤثر في الزراعة والغذاء والمياه والهجرة. والأزمة الاقتصادية تؤدي إلى تقشُّف وضغط على الفقراء. وأزمة الديمقراطية تجعل الناس أقلَّ ثقةً في المؤسسات. وعندما تعجز السياسة عن تقديم حلول عادلة، تظهر قوى يمينية أو سلطوية تقدم حلولًا سهلةً قائمةً على الخوف والإقصاء. ومن هنا، يرى المؤلِّفان أن نمطَ العيش الإمبريالي ليس مجرد سبب للأزمة، بل هو أيضًا طريقة لإدارتها مؤقَّتًا عبر نقل تكاليفها إلى الخارج.
الفصل الثالث يعرف مفهوم نمط العيش الإمبريالي. الذي يحاول ربط الحياة اليومية بالنظام العالمي. فالطعام، والتنقل، والمسكن، والعمل، والاستهلاك ليست أمورًا فردية على الإطلاق، بل هي منظمة من خلال بنى اقتصادية وسياسية وثقافية. والناس يختارون داخل عالم يجعل اختيارات معينة سهلة ومغرية، ويجعل اختيارات أخرى صعبة أو مكلفة، ويشير الكتاب إلى أن المفهوم له أبعاد مختلفة، على رأسها “السلعنة” أي تحويل البضائع أو الخدمات أو الأفكار أو ما لا يُعَدُّ من أنواع البضائع إلى سلعة تُباع وتُشترى، إلى جانب “الهيمنة والإخضاع” من خلال فرض الظروف الاجتماعية القائمة أو إعادة إنتاجها من المجتمع بإرادته، إلى جانب “التقسيم الطبقي” إذ يُعيد نمطُ العيش الإمبريالي إنتاجَ نفسه على أُسُسٍ مختلفةٍ من التقسيم الاجتماعي، فضلًا عن “سياسة التخريج” أي إنتاج العواقب أو التكاليف على حساب الآخرين غير المتسبِّبين بها.
يحكي الفصل الرابع تاريخ نمط العيش الإمبريالي، من بداياته خلال الحقبة الاستعمارية، حيث جرى نهب الموارد والسيطرة على الأراضي وإعادة تشكيل اقتصادات الجنوب لخدمة المراكز الرأسمالية من خلال الاعتماد على نظام موارد عالمي يعود بالفائدة. وانتقاله عبر الرأسمالية الصناعية، وبعدها إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ظهر نمط الاستهلاك الجماهيري في الغرب. في تلك المرحلة أصبحت السيارة، والبيت الحديث، والأجهزة المنزلية، والطاقة الرخيصة، والغذاء الوفير جزءًا من الحياة العادية لقطاعات واسعة. وقد أدَّى ذلك فعلًا إلى تحسين مستوى معيشة كثيرين، وأغدقت على الناس نموًّا غير مسبوق في الرخاء المادي، لكنه في الوقت نفسه اعتمد على موارد رخيصة وتكاليف بيئية مؤجَّلة.
أمَّا الفصل الخامس فيتناول تعميم نمط العيش الإمبريالي مع العولمة والنيوليبرالية. فبدلًا من تراجع نمط العيش الإمبريالي بعد أزمات السبعينيات[2] أعاد هذا النمط تنظيم نفسه، وانتقلت معايير الاستهلاك الكثيفة الاستخدام للموارد والانبعاثات، إلى الطبقات الوسطى والدنيا ولم تَعُدْ محجوزةً للطبقات العليا، كما انتقلت صناعات عديدة إلى الدول الواقعة في الجنوب، وتوسعت سلاسل الإنتاج العالمية، وأضحت السلع أرخص وأكثر توفرًا في الشمال. وهنا يشير الكتاب إلى أن هذا النمط على الرغم من جاذبيته، فإنه غير قابل للتعميم على العالم، فلن تكفي موارد الكوكب لو حاول كل البشر العيش بالطريقة نفسها التي تعيش بها الطبقات الغنية في الشمال.
يُلقي الفصل السادس نظرةً على الشكل الحالي لنمط العيش الإمبريالي، بالإشارة إلى قطاع النقل ومجال التنقل الآلي، الذي تتَّضح فيه مفارقة مفادها أنه على الرغم من تزايد الوعي بالأزمة البيئية، يتزايد الطلب على المركَّبات كثيفة الاستخدام للموارد وكثيفة الانبعاثات بوجه خاص، أما الفصل السابع فينتقد الاقتصاد الأخضر والرأسمالية الخضراء، إذْ يعتبرها بديل خاطئ وغير فعَّال لنمط العيش الإمبريالي، حيث إنها لا تحلُّ مشكلةَ إنتاج وتخريج العواقب والتكاليف الاجتماعية البيئية، ويتخلَّلها مواد أحفورية تلوِّث البيئة. ويتطرَّق الفصل الثامن إلى ملامح نمط عيش تضامني. لا يعني العودة إلى الفقر أو التخلي عن الراحة، بل يعني إعادة تعريف الراحة نفسها. فليس بالضرورة أن تكون الحياة الجيدة هي امتلاك أكبر قدر من السلع، بل قد تكون في السكن الآمن، والنقل المتاح، والغذاء الجيد، والعمل الكريم، والهواء النظيف، والوقت الحر، والعلاقات الاجتماعية الأقل ضغطًا.
خامسًا- المضامين العلمية والعملية للكتاب
علميًّا، يقدِّم الكتاب مساهمةً مهمَّةً لأنه يربط بين موضوعات بينية في الاقتصاد السياسي كثيرًا ما تُدرس منفصلة، فهو يربط البيئة بالاقتصاد، والاستهلاك بالاستعمار، والهجرة بتغيُّر المناخ، والسيارة بالنفط، والتكنولوجيا بالعمل، والتنمية بالهيمنة. هذه الطريقة في الربط تجعل القارئ يرى أن الأزمة ليست في قطاع واحد، بل في طريقة تنظيم الحياة الحديثة ككل.
كما أن الكتاب يراجع فكرة التنمية، حيث إن التنمية في الخطاب السائد غالبًا تُقاس بالنمو الاقتصادي، وحجم الاستثمارات، وزيادة الاستهلاك، وتوسع المدن والبنية التحتية، لكن الكتاب يدعونا إلى السؤال عن مضمون هذه التنمية. هل تحسِّن حياة الأغلبية؟ هل تحمي الموارد؟ هل تقلِّل التبعية؟ هل توزِّع المنافع بعدالة؟ أم أنها تزيد الثروة لفئات محدودة، وتترك آخرين مع التلوث والغلاء والعمل الهش؟
ومن الناحية العملية، يمكن استخدام أفكار الكتاب في قراءة ملفات كثيرة في العالم العربي. ملف الطاقة مثلًا لا يتعلق فحسْب بإنتاج الكهرباء أو تصدير النفط والغاز، بل يتعلق بسؤال أوسع: هل نبني اقتصادًا يعتمد على مورد واحد؟ وهل نستثمر عوائد الطاقة في تنمية عادلة ومستدامة؟ وهل يكون التحوُّل للطاقة المتجدِّدة مجرد مشروع استثماري كبير، أم وسيلة لتحسين حياة الناس وتقليل التفاوت؟
وملف المياه لا يمكن فهمه أيضًا كمسألة ندرة طبيعية فحسْب، صحيح أن المنطقة العربية فقيرة مائيًّا، لكن طريقة استخدام المياه وتوزيعها مهمَّة أيضًا. هل تذهب المياه إلى زراعات كثيفة الاستهلاك لا تناسب البيئة؟ هل يحصل الفقراء والريف على خدمات عادلة؟ هل توجد سياسات حقيقية لحماية الموارد؟ وكذلك ملف النقل، فهو ليس مجرد طرق وجسور، بل يتعلَّق بالعدالة والبيئة. فمدينة تعتمد على السيارات الخاصة وحدها تهمِّش من لا يملك سيارة، وتزيد التلوث، وتستهلك مساحات واسعة، وتجعل الحياة اليومية أكثر تكلفة.
كذلك، يفيد الكتاب في التفكير في العمالة المهاجرة، خاصة في الخليج. فجزء من الرفاهية العمرانية والخدمية في بعض الدول يقوم على عمل ملايين العمال المهاجرين في ظروف غير متساوية. وهذا ينسجم مع فكرة الكتاب عن أن نمط العيش الإمبريالي يحتاج دائمًا إلى عمل رخيص أو غير مرئي. وقد لا يكون هذا الاستغلال ظاهرًا في الصورة النهائية للمدينة الحديثة أو المشروع الكبير، لكنه حاضر في الخلفية.
ومن ناحية أخرى، يمكن الاستفادة من الكتاب في نقد بعض التصورات السائدة عن التحديث. فكثيرًا ما يتم تقديم المدن الضخمة، والمراكز التجارية، والطرق الواسعة، والمشروعات العمرانية الكبرى باعتبارها علامات مباشرة على التقدُّم. لكن الكتاب يدفعنا إلى التمهُّل قليلًا: تقدُّم لمن؟ وبأي تكلفة؟ وهل هذه المشروعات تجعل الحياة اليومية أسهل للأغلبية، أم تزيد الفصل بين من يستطيع الاستفادة منها ومن يبقى خارجها؟ هذه الأسئلة لا تلغي أهمية التنمية، لكنها تمنع النظر إليها كأنها أمر جيد تلقائيًّا في كلِّ الأحوال.
سادسًا- ملاحظات نقدية على الكتاب
رغم أهمية الكتاب، يمكن تسجيل بعض الملاحظات عليه. أولًا، لغته النظرية وطريقة كتاباته قد تكون ثقيلة في بعض المواضع، فهو مكتوب بطريقة صعبة، ولم تنجح الترجمة بالكامل في تخفيف درجة صعوبة الكتابة، كما أن الكتاب يغوص في تفاصيل قد تكون غير مباشرة مع استخدام لغة تميل الى التشتُّت، خصوصًا للقارئ غير المتخصِّص. فهو يعتمد على مفاهيم كثيرة، ويجمع بين مدارس فكرية متعدِّدة، وهذا قد يجعل بعض الفصول أقل سلاسة من غيرها. لكن في المقابل، تساعد الأمثلة التي يستخدمها، مثل السيارة والاقتصاد الأخضر، على تقريب الفكرة.
ثانيًا، قد يرى بعض القراء أن الكتاب شديد النقد للرأسمالية، وربما لا يعطي مساحة كافية للتجارب التي نجحت جزئيًّا في تحسين حياة الناس داخل النظام القائم. فالرأسمالية، رغم أزماتها، حسَّنت مستويات المعيشة لقطاعات واسعة في مراحل معينة، لكن رد المؤلفين سيكون غالبًا أن هذا التحسُّن نفسه قام على شروط غير عادلة وغير قابلة للتعميم، وهنا تكْمن نقطة الخلاف الأساسية: هل يمكن إصلاح النظام من داخله، أم أن الأزمة أعمق من مجرد إصلاحات؟
ثالثًا، لا يقدم الكتاب بديلًا تفصيليًّا واضحًا، هو يتحدَّث عن نمط عيش تضامني، وعن السيادة الغذائية وديمقراطية الطاقة والاقتصاد التضامني، لكنه لا يقدِّم خطة سياسية أو اقتصادية مكتملة يمكن تبنِّيها وتوسيع نطاق تطبيقها على نطاق واسع في كل الدول. وقد يراه البعض ضعفًا. لكن ربما يكون ذلك مقصودًا؛ لأن المؤلفين لا يريدان تقديم وصفة جاهزة تصلح لكل مكان، بل يريدان فتح النقاش حول اتجاه عام للتغيير، يختلف تطبيقه من مجتمع إلى آخر.
رابعًا، يمكن ملاحظة أن الكتاب، رغم نقده العميق للرأسمالية الغربية ونمط العيش الذي أنتجته، يظل في جانب كبير منه يتحرك داخل المنظومة النقدية الغربية نفسها. فهو يعتمد أساسًا على أدوات الاقتصاد السياسي، والتحليل الماركسي، والبيئة السياسية، وأفكار الهيمنة، لكنه لا يتوسَّع بالقدر الكافي في استكشاف المنظومات المعرفية والفكرية غير الغربية، أو في اختبار ما يمكن أن تقدِّمه من تصوُّرات بديلة للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، أو بين الجماعة والاستهلاك، أو بين الرفاهية والعدالة. ومن هنا، لا تمثِّل هذه النقطة انتقاصًا من قيمة الكتاب، بقدر ما تكشف حدوده؛ إذ كان من الممكن أن يصبح نقده أكثر اتساعًا لو انفتح بصورة أوضح على خبرات فكرية وحضارية غير غربية، لا بوصفها موضوعًا للنقد أو الضحية، بل بوصفها مصادر محتملة لإنتاج بدائل معرفية وعملية.
خاتمة: الدلالات والدروس المستفادة لعالمنا العربي والإسلامي
في النهاية، يمكن القول إن كتاب “نمط العيش الإمبريالي” ليس من الكتب التي تُقرأ بوصفها مدخلًا بسيطًا أو سريعًا إلى قضايا البيئة والرأسمالية؛ فهو لا يقدم إجابات مباشرة أو وصفات جاهزة، بل يدفع القارئ إلى التفكير في الأسس التي تقوم عليها الحياة اليومية الحديثة. وتنبع أهميته من كونه يطرح أسئلة ضرورية: هل يمكن أن نستمر في تعريف التقدم باعتباره مزيدًا من الإنتاج والاستهلاك؟ وهل يمكن بناء رفاهية حقيقية على استغلال بشر في أماكن أخرى أو على تدمير بيئات لا نراها؟ وهل يكفي أن نجعل الرأسمالية أكثر خضرة، أم أن المشكلة أعمق من ذلك؟
بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، يقدِّم الكتاب عدَّة دروس. أولها أن النفط ليس مجرد ثروة، بل علاقة تاريخية كاملة. لقد منح النفط بعض الدول قوة مالية وسياسية، لكنه ربط المنطقة أيضًا بسوق عالمية مضطربة، وبنمط تنموي ريعي، وباستهلاك عالٍ للطاقة، وباعتماد كبير على العمالة الوافدة في بعض الحالات. وفي الوقت نفسه، فإن المنطقة نفسها من أكثر المناطق تعرُّضًا لآثار تغير المناخ.
الدرس الثاني: أن العدالة البيئية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية. لا يمكن أن نتحدَّث عن الاستدامة بينما يعيش الناس تحت ضغط الفقر والبطالة وضعف الخدمات. ولا يمكن أن نطلب من الفقراء تحمُّل تكلفة التحوُّل البيئي بينما تستمرُّ الفئات الأكثر ثراءً في الاستهلاك المفرط. لذلك، فإن أي تحوُّل جادٍّ يجب أن يبدأ من احتياجات الناس الأساسية: الماء، والغذاء، والسكن، والعمل، والنقل، والطاقة.
الدرس الثالث: أن تقليد النموذج الغربي كما هو ليس حلًّا. ليس لأن مجتمعاتنا لا تستحقُّ الرفاهية، بل لأن هذا النموذج نفسه مأزوم وغير قابل للتعميم. المطلوب ليس أن يعيش الناس في حرمان، بل أن نعيد التفكير في معنى الرفاهية. ربما تكون الرفاهية الحقيقية أقل ارتباطًا بكثرة السلع، وأكثر ارتباطًا بالأمان، والصحة، والوقت، والعدالة، والعلاقات الاجتماعية، وجودة الخدمات العامة.
الدرس الرابع: أن التحول البيئي في العالم العربي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شعارات أو مشروعات تجميلية. فليس كافيًا أن نستخدم كلمات مثل الاستدامة أو الاقتصاد الأخضر أو المدن الذكية من دون أن نسأل عن أثرها الفعلي على الناس. قد تكون هناك مشروعات حديثة ومبهرة، لكنها لا تعني الكثير إذا لم تُحَسِّنْ حياة الأغلبية، أو إذا بقيت قائمة على استهلاك مرتفع للموارد، أو إذا زادت الفجوة بين الفئات الاجتماعية.
وأخيرًا، فإن أهم ما يقدمه الكتاب هو أنه يجعلنا ننتبه إلى أن الحياة اليومية ليست بريئة تمامًا ولا منفصلة عن السياسة والاقتصاد. ما نأكله، وما نركبه، وما نشتريه، وما نستخدمه من موارد للطاقة، كلها أمور مرتبطة بعالم واسع من العلاقات وشبكة تربط المركز والهامش والعالم المتقدم بالعالم النامي. ومن الصعب بعد قراءة الكتاب أن ننظر إلى الاستهلاك والرفاهية بالطريقة نفسها. فالكتاب يترك القارئ أمام سؤال مزعج لكنه ضروري: كيف يمكن أن نبني حياة كريمة من غير أن تكون قائمة على إخفاء التكلفة ودفعها إلى الآخرين أو إلى المستقبل؟
* أولريش براند وماركوس فسن، نمط العيش الإمبريالي: استغلال الإنسان والطبيعة في الرأسمالية العالمية، ترجمة: بشار الزبيدي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2023).
[2] يقصد بأزمات السبعينيات مجموعة التحولات الاقتصادية والطاقوية التي أنهت مرحلة الاستقرار النسبي بعد الحرب العالمية الثانية، ومن أبرزها: انهيار نظام بريتون وودز بعد تعليق قابلية تحويل الدولار إلى ذهب عام 1971، وصدمتي النفط في 1973 و1979، وظهور الركود التضخمي؛ أي اجتماع التضخم المرتفع مع تباطؤ النمو والبطالة. وقد أسهمت هذه الأزمات في إضعاف النموذج الكينزي-الفوردي ودولة الرفاه، وفتحت الطريق أمام صعود السياسات النيو ليبرالية وإعادة تنظيم الرأسمالية عالميًا.








