عرض كتاب: صعود “الجنوب العالمي” وإعادة تشكيل النظام الدولي

مقدمة
شغل كلٌّ من هذين المفهومين (النظام الدولي – الجنوب العالمي)… مساحةً واسعة من الجديد في دراسة العلاقات الدولية مؤخَّرًا، سواء كل منهما بشكل منفرد أو فيما يتعلَّق بالعلاقة بينهما. وقد تناولت العديد من الإصدارات هذه المساحة التي تحمل في طيَّاتها العديدَ من الإشكاليات النظرية والتطبيقية، وفي هذا الإطار يجدر تناول كتاب صعود “الجنوب العالمي” وإعادة تشكيل النظام الدولي، الذي حاول تقديم صورة متكاملة حول الجنوب العالمي ووضعه في النظام الدولي، عبر مجموعة من الدراسات.
على الصعيد النظري، يقع الاهتمام بدراسة الجنوب العالمي في قلب الجدال الرابع في علم العلاقات الدولية بين المنظورات السائدة والمنظورات النقدية؛ إذ يتَّسق مع بروز الأبعاد القيمية والثقافية وما يرتبط بذلك من الاهتمام بالخصوصيات الثقافية، وأيضًا الاهتمام بمساحات التغيير العالمي التي يُعَدُّ الجنوب العالمي أبرز محفِّزيها. كما تفرز تحرُّكات دول الجنوب –وبحسب ما يسوقه الكتاب من خبرات- أنماطًا جديدة من التحالفات والتكتُّلات البديلة التي تتبلور في مواجهة الأنماط السائدة، الأمر الذي يطرح بدوره جديدًا فيما يتعلَّق بمفاهيم العلاقات الدولية التقليدية كالهيمنة والتنافس. أيضًا يدعم صعود الجنوب العالمي (المرتبط بعوامل النمو الاقتصادي بدرجةٍ كبيرة) الاهتمامَ المتنامي بالاقتصاد السياسي الدولي من منظوراتٍ مختلفة تبحث عن العدالة العالمية[1].
لا ينفصل ما سبق عن العديد من الإشكاليات التطبيقية، ففي إطار صعوده، طرح الجنوب العالمي، عبر ما شكَّل من تكتُّلاتٍ تستهدف إيجاد نظم اقتصادية ومالية موازية للنظم التي تدعم الهيمنة الأمريكية العديد من مساحات الاختبار، حيث التحديات على مستوى التحولات الجارية في النظام الدولي ومدى قدرة أقطاب الجنوب على نفاذ إمكاناتهم الاقتصادية إلى عمليات صنع القرار السياسي العالمي، بما ينعكس في قضايا إنسانية ملحَّة (الأوبئة والتغير المناخي على سبيل المثال). كما أنه على صعيد البيني الجنوبي، لا يمكن القول –وفق الكتاب- إن ثمة وجهًا تعاونيًّا خالصًا يجمع دول الجنوب العالمي، فهناك أيضًا تنافسات وتناقضات مصالح، بما يطرح عدَّة أسئلة بشأن طبيعة العلاقات الجنوبية – الجنوبية وحقيقة علاقات القوة والهيمنة في ذلك النطاق، ومدى إمكانية تطويرها على نحو أكثر فاعلية.
في هذا الإطار، يسعى الكتاب لدراسة صعود الجنوب العالمي وموقعه من النظام الدولي، من خلال المستويات الآتية: التناول المفاهيمي للجنوب العالمي، أبرز التحولات الجيوسياسية التي شكَّلت الوضع الراهن، أهم العوامل المحفِّزة للتعاون الجنوبي – الجنوبي، أبرز الكيانات المعبرة عن هذا التعاون، نماذج من تفاعل دول الجنوب مع أزمات وقضايا عالمية (سياسية، وبيئية، وصحية)، بعض خبرات دول الجنوب في المجال التكنولوجي.
الإطار المنهجي:
بدايةً، يمكن تصنيف الكتاب في سياق دراسات النظم عبر الإقليمية (حيث إن دول الجنوب تنتمي لقاراتٍ متعددة)، لا سيما في علاقتها مع النظام الدولي في إطارٍ من التحليل النُّظمي بدرجةٍ ما، وقد تنوَّعت المناهج المستخدمة في فصول الكتاب، ويمكن الإشارة إلى أبرزها في الآتي:
التناول المفاهيمي، وتحديدًا لمفهوم “الجنوب العالمي”، والذي تطرَّق له أكثر من فصل من فصول الكتاب، وذلك عبر قراءة التطور التاريخي للمفهوم وتبادل استخدامه مع غيره من المفاهيم (مثل العالم الثالث، والدول النامية)، أيضًا الإشارة إلى أبرز إسهامات المفكِّرين حول المفهوم.
كما كان التتبُّع التاريخي منطلقًا أساسيًّا في تناول وضع الجنوب العالمي جيوسياسيًّا، وتفاعلاته مع النظام الدولي في مراحل مختلفة، خاصة من خلال التكتُّلات والكيانات المعبِّرة عنه.
وتضمَّنت المناهج والأدوات المستخدمة في فصول الكتاب كذلك استخدام دراسات الحالة، وتحليل السياسات، والبيانات الإحصائية لتقديم نظرة شاملة لاستراتيجيات الجنوب العالمي وإجراءاته، خاصةً فيما يتَّصل بإدارة الأزمات.
المستوى الأول- مفهوم الجنوب العالمي، والمفاهيم المرتبطة
كان مفهوم الجنوب العالمي محل اهتمام في أكثر من موضع بالكتاب، بدايةً من المقدِّمة، وصولًا إلى الفصل الأول وكذلك الفصل الثالث. يرصد الكتاب كيف اكتسب مصطلح الجنوب العالمي في السنوات الأخيرة أهميةً متزايدةً في العلاقات الدولية، خاصةً في الوقت الذي تصاعد فيه الجدال حول تراجع نظام الأُحادية القطبية، أو ما وصفه الكاتب الأمريكي تشارلز كروثامر، بانتهاء لحظة الأُحادية الأمريكية، وتراجع بعض المفاهيم والنظريات التي استقرَّت بعد انتهاء الحرب الباردة، مثل: الغرب والآخرون، ونهاية التاريخ. فعلى الرغم من قدم مفهوم الجنوب العالمي؛ فإنه أصبح أكثر استقرارًا في العلاقات الدولية في الفترة الحالية؛ إذ يراه البعض امتدادًا لمفهوم عدم الانحياز أو الانحياز المتعدِّد الذي انطلق من الهند؛ بحيث لم تعد التحالفات جامدة مثلما كانت من قبل.
ولا يعبِّر المفهومُ عن بُعْدٍ جغرافي جامد؛ بل هو مفهوم يشمل أبعادًا تنموية، وسياسية، واقتصادية أيضًا. ويتضمَّن الجنوب العالمي ثلاث مناطق أساسية هي: آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتشترك هذه المناطق جميعها في أن لها سياقًا تاريخيًّا مشتركًا من التضامن في مرحلة ما بعد الاستعمار، وأن مجتمعاتها تواجه فوارق اقتصادية وتحديات بيئية ومناخية متشابهة. مع العلم أن تلك المناطق تضم في الوقت ذاته تنوُّعًا كبيرًا في الدول من حيث القدرات والخبرات التنموية، فبينها دول تُعاني من أزماتٍ تنموية هيكلية، وأخرى تشهد نموًّا متسارعًا، فضلا عن بعض القوى الاقتصادية الصاعدة والمؤثرة، على غرار الصين.
تعتمد بعض الدراسات أن كارل أوجليسبي، السياسي الأمريكي، هو من صاغ مصطلح الجنوب العالمي في عام 1969 في مجلة كومنويل للإشارة إلى مجموعةٍ من البلدان التي تُعاني “هيمنة” الشمال العالمي الذي استغلها سياسيًّا واقتصاديًّا. في ذات الصدد، يوضِّح مُنَظِّر “التبعية” أندري جوندر فرانك في مقاله بعنوان “تطور التخلف” أن التخلُّف هو عمل سياسي واعٍ من جانب المدن الكبرى الاستعمارية؛ إذ يتم استخراج الموارد التي تنتمي إلى المجتمع المستعمر واستخدامها بطريقةٍ تعود بالنفع على الدول المهيمنة.
كما يُرجع البعض تقسيم العالم إلى شمال وجنوب إلى ما عُرف “بخط براندت”، الذي ظهر في تقرير باسم المستشار الألماني الأسبق ورئيس اللجنة المستقلَّة للتنمية الدولية ويلي برندات الذي صدر في 1980؛ إذ قدَّم التقريرُ خطًّا جغرافيًّا يفصل بين دول الشمال المتقدِّمة ودول الجنوب النامية. ويظهر هذا الخط على الخريطة تقريبًا عند دائرة عرض 30 درجة شمالًا.
لا يُعَدُّ مصطلح “الجنوب العالمي”، المفهوم الوحيد الذي تمَّ إطلاقه في ظلِّ محاولات تقسيم العالم؛ فمع كلٍّ من التحولات الكبرى التي طرأت على النظام العالمي ظهر مفهوم جديد. حينما اتَّصف النظام العالمي بالثنائية القطبية، تمَّ تقسيم العالم وفقًا للتحالفات التابعة لكلِّ طرف من القوَّتين، وظهر مفهوم العالم الثالث للإشارة إلى الدول التي لم تتحالف مع أيٍّ منهما. ومع حسم الحرب الباردة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية وانهيار الاتحاد السوفيتي، ظهر مفهوم الدول النامية والمتقدِّمة.
وبشأن مفهوم “العالم الثالث” على وجه الخصوص، نجد أنه خلال فترة الأربعينيات من القرن العشرين، قدمت الأمم المتحدة نموذج العالم الثلاثي Three-World model، الذي حدَّد أن العالم يجب أن يُقَسَّمَ إلى ثلاث مجموعات وفق العقيدة السياسية، كما تمت صياغته في أغسطس 1952 من قِبل عالم الديموغرافيا والمؤرخ الاقتصادي ألفريد سوفي في مقال له بعنوان “ثلاثة عوالم.. كوكب واحد”. بينما قدَّم فرانز فانون، وهو من أوائل المفكرين الذين أسَّسوا لدراسات ما بعد الاستعمار، رؤية مفصَّلة للعوالم الثلاثة؛ إذ قال إن “العالم الأول” هـو عالم “الإمبرياليين” أو “العالم الحر” كما يُفضلون تسمية أنفسهم، بينما يتكوَّن “العالم الثاني” من كل تلك البلدان التي أطلقت على نفسها اسم الاشتراكية، كالاتحاد السوفيتي، والصين، وكوبا، وكوريا، والديمقراطيات الشعبية الأخرى في أوروبا الشرقية، أما “العالم الثالث” فيضم الدول المستعمرة أو التي أنهت استعمارها قريبًا.
لكن أصبح تعريف مصطلح “العالم الثالث” مع مرور الوقت، والذي كان من المفترض أن يكون واضحًا لا لبس فيه، نظرًا للإيمان بالخصائص المادية والداخلية المشتركة لدوله، يمثل تحديًا. فعلى الجانب الآخر، انتقد راندال وثيوبالد (1998) مصطلح “العالم الثالث” ووصفاه بأنه مجرد وصف مبسط ومحاولة جديدة من جانب المجتمعات الغربية لفرض تصنيفاتها ومصطلحاتها على العالم.
لذا؛ فإن الكتاب يرجع انتشار مصطلح “الجنوب العالمي” مع بدء الدول النامية في التعاون وإنشاء وكالات ومساحات للحوار والتجارة والتنمية خاصة بها، أي إن مصطلح “الجنوب العالمي” برز باعتباره فضاء “للاحتجاج”.
أيضًا من المفاهيم التي اقترب منها الكتاب (وإن لم يُفرد لها مساحة واسعة) “العدالة العالمية” باعتبارها الهدف المرجو من سياسات وتكتلات دول الجنوب. وقد تناول الكتاب مساحات هذه العدالة المبتغاة وسياسات دول الجنوب للاقتراب منها، على مستويات الصحة والبيئة وحيازة التكنولوجيا. وقد عرف الكتاب “العدالة المناخية”، باعتبارها ضمان التوزيع العادل للأعباء والمنافع المتعلقة بمواجهة التغير المناخي، ومعاملة جميع الناس باحترامٍ وكرامة، سواء كان ذلك على مستوى السياسات الداخلية أو الخارجية، وهذا في مسار محاولات التغيير العالمي.
لننتقل إلى المستوى الثاني الذي يتناول أبرز التحولات الجيوسياسية التي تعبِّر عن سياق المفهوم والمفاهيم المرتبطة.
المستوى الثاني- أبرز التحولات الجيوسياسية وسياقات ما بعد الاستعمار
وهو محور اهتمام الفصلين الأول والثاني، جاء الفصل الأول تحت عنوان “تحولات جيوسياسية: من العالم الثالث إلى الجنوب العالمي” لكلٍّ من هالة الحفناوي[2] ونورهان شريف[3]، وتناول الفصل أهم مفاصل التحولات التي مر بها الجنوب العالمي على هذا النحو:
ارتبط مفهوم العالم الثالث بحقل دراسات ما بعد الاستعمار، وظهرت العديد من الكتابات والنظريات التي ترجع نشأة العالم الثالث وخصائصه إلى الإرث الاستعماري والممارسات الاستعمارية اللاحقة. تلك الدول التي تمتلك بحكم التاريخ الاستعماري جوانب متقاطعة وأهدافًا متماثلة، بالتالي، ثمة هوية رمزية وضمنية غير ملموسة، ولكنها قادرة على تأسيس تكتلات. حيث يشير فيجاي براشاد في عمله “الأمم الأكثر ظلامًا” إلى أن العالم الثالث لم يكن حيزًا جغرافيًّا بل كان “مشروعًا”، في إشارة إلى صعود أيديولوجيا مشتركة بين دول الجنوب. تجلَّت في:
- “مؤتمر باندونج” وصعود حركة عدم الانحياز: ذلك المؤتمرالذي عُقد في ظل أجواء الحرب الباردة وتصاعد التوتُّر بين قطبي العالم، وكان أول مؤتمر واسع النطاق على مستوى دول أفريقية وآسيوية، معظمها مستقلة حديثًا، وعُقد المؤتمر في الفترة من 18 إلى 24 أبريل 1955، وعلى إثره ظهرت حركة عدم الانحياز؛ إذ أعلن في بيانه الختامي موقف عدم الانحياز بوصفه الوسيلة الوحيدة للدول التي خرجت من الاستعمار لكي تضمن الاستقلال والأمن في نظام عالمي غير متكافئ.
2- مجموعة الـ77 (المسار التنموي البديل): إذ أُنشئت كتلة تابعة للأمم المتحدة، جمعت بين ممثلين من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بهدف صياغة بديل اقتصادي للعالم الثالث في مواجهة النظام الاقتصادي غير العادل. فكان مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد”، الذي تأسَّس في عام 1964، هو المنتج المباشر لباندونج.
3- مشروع النظام الاقتصادي الدولي الجديد NIEO)): خلال سبعينيات القرن العشرين اجتمعت العديد من الدول النامية حول مجموعة من المقترحات المعروفة باسم النظام الاقتصادي الدولي الجديد. وقد صاغت لجنة تحضيرية من دول مجموعة الـ 77، تحت رعاية الأونكتاد قرارين أساسيَّين: إعلان إنشاء نظام اقتصادي دولي جديد، وبرنامج عمل مماثل. وكان مبدأ “السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية” أهم مكتسبات المقترح، ولكن فشل النظام في ظل الجهود النشطة التي بذلتها المصالح الغربية لمنع تنفيذه.
ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وتراجع مشروع العالم الثالث، ظهر ما أُطلق عليه “جغرافيا جديدة للإنتاج”. وتم نقل عمليات الإنتاج من العالم الأول إلى العالم الثالث؛ ممَّا يسمح للشركات بالاستفادة من الفوارق في الأجور والقيود الأقل كثيرًا على المعايير البيئية ومعايير العمل. لنجد أنه مرةً أخرى في السنوات الأخيرة، عادت فكرة أن النظام السياسي والاقتصادي العالمي يُقسم العالم إلى فصيلين غير متكافئين على الساحة العالمية. وفي ديسمبر 2022، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مرةً أخرى قرارًا بعنوان “نحو نظام اقتصادي دولي جديد” يدعو إلى إحياء نظام الاقتصاد العالمي الجديد الذي تمَّ تطبيقُه في سبعينيَّات القرن العشرين. ثم مع ظهور تجارب تنموية مؤثرة خارج حدود الشمال / الغرب، عاد مفهوم الجنوب العالمي مرةً أخرى إلى الخطاب السياسي -على نحو ما أشير، ليزداد الزخم في الوقت الحالي، خاصة بعد الحرب الأوكرانية الروسية. حيث جاءت ردود فعل “دول الجنوب العالمي” مفاجئة للقوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة؛ فقد امتنعت أكثر من 40 دولة عضوًا في الأمم المتحدة عن التصويت، أو صوتت ضد القرارات المقترحة، والتي سعت إلى إدانة الإجراءات الروسية. وصوَّت 50 عضوًا ضد مقترح طرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان. وشمل ذلك العديد من الدول الأفريقية، والآسيوية، والشرق أوسطية، والأمريكية اللاتينية. وقد دفعت هذه المواقف إلى إعادة النظر في قدرات وإمكانات الجنوب العالمي، وحقيقة تأثيره في المشهد السياسي الدولي.
وفي هذا الإطار، يستعرض الكتاب أبرز مظاهر نهضة “الجنوب العالمي” التي ارتبطت بالتغيرات الجارية في موازين القوى الدولية؛ فمع الصعود الصيني، واستعادة روسيا بعض نفوذها، والدفع نحو نظام متعدِّد الأقطاب، اتَّضح نفوذ الجنوب في بعض المواضع والقضايا:
نفوذ الجنوب في أزمتي أوكرانيا وغزة: أمَّا فيما يتعلَّق بالصراع في غزة، فقد أظهرت دول الجنوب العالمي تضامنًا قويًّا مع الشعب الفلسطيني، منتقدةً بشدة الموقف الغربي المنحاز لإسرائيل. وبالنسبة للحرب في أوكرانيا، فقد جاءت مواقف دول الجنوب على النحو سالف الذكر. وأرجع الكتاب الأمر إلى دور العوامل الاقتصادية في تشكيل استجابة الجنوب العالمي للصراعات. فقد أدَّى الصراع في أوكرانيا إلى تفاقُم الوضع الغذائي الهشِّ في أفريقيا، ومن ثم كان إعطاء الأولوية للاحتياجات الاقتصادية على حساب التحالفات الجيوسياسية في بعض الحالات.
كما شهد الجنوب العالمي نموًّا اقتصاديًّا ملحوظًا في العقود الأخيرة؛ ممَّا أعاد تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي، حيث النموِّ السريع في الناتج المحلي الإجمالي. ذلك فضلا عن صعود كتلة “البريكس”، وسنأتي إليها لاحقًا، إذ اتَّجهت سياسة دول البريكس (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا) منذ بداية مفاوضات تشكيل التحالف عام 2006 نحو تشكيل ما أسموه التحالف الاقتصادي الجديد في مواجهة سياسة الأمر الواقع في عمليات صنع القرار في مؤسَّسات مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.
أيضًا، المشاركة في سلاسل القيمة العالمية، ومع كون البلدان المنخرطة في هذه السلاسل تشهد نموًّا اقتصاديًّا أسرع، وتستفيد من نقل المهارات والتكنولوجيا، إلا أنه لتحقيق أقصى استفادة من سلاسل القيمة العالمية، يتعيَّن على الدول النامية تطوير السياسات المحلية تجاه تعظيم الفوائد من الارتباط بسلاسل القيمة العالمية.
ومن مظاهر النهوض أيضًا التي يرصدها هذا الفصل زيادة تمثيل الجنوب العالمي في التجارة الدولية عبر التعاون، وما يتَّصل بذلك من تبادل المعرفة والخبرات والتعاون التكنولوجي. هذا إلى جانب اتفاقيات استثمار جنوبية – جنوبية، ورغم أن تأثيرها الفعلي قد أدَّى في بعض الحالات إلى تفاقم مشكلات الفقر، فإن الصورة ليست قاتمةً تمامًا.
كذلك مَثَّلَ الصعودُ الدبلوماسي الصيني مساحةً أساسيةً للنهوض، فقداستغلَّت الصين بكفاءةٍ عاليةٍ الفرصةَ الاقتصاديةَ لتعزيزِ نفوذِها الدبلوماسي، مركِّزَةً جهودَها على دول الجنوب العالمي. واعتمدت بكين في ذلك على علاقاتها الاقتصادية القوية ورسائلها الدبلوماسية المتناغمة مع تطلُّعات الدول النامية. وقدَّمت مبادرات متنوِّعة تشْمل مجالات الدبلوماسية، والاقتصاد، والإعلام، والأمن. وقد تجلَّت هذه الجهود بوضوح عبر نجاحها الملحوظ في التوسُّط لإبرام الاتفاق السعودي الإيراني في مارس 2023. لكن على الرغم من التقدُّم الملموس الذي أحرزتْه؛ فلا تزال الصين تواجه تحديات في الحفاظ على نفوذها في الجنوب العالمي. هذا الوضع أدَّى إلى نُشوء خلافات وفتح المجال أمام دول أخرى لمنافسة الصين، ومع ذلك، تواصل الصين التزامها بتوسيع نفوذها.
يرى هذا الفصل أن تلك المسارات للجنوب العالمي تعكس تحوُّلاً يصفه بالجذري (وهو وصف فيه مبالغة) في النظام الجيوسياسي والاقتصادي الدولي؛ وإن كان لا ينكر التحديات التي تعكس الحاجة الملحَّة إلى تبنِّي سياسات فعَّالة تعظِّم الاستفادة من هذه الديناميكيَّات الجديدة، ولا سيما في مجالات التنمية المستدامة.
ويركز الفصل الثاني “الموروث الاستعماري: الجنوب العالمي ومرحلة ما بعد الاستعمار” لكاتبه سفيان عبدو[4]، على مرحلة ما بعد حصول الدول المستعمرة على استقلالها، إذ اتسمت هذه الفترة بالحماس وفتحت آفاقًا واسعة لإمكانية التطور أمام العديد من هذه الدول، ولكن البعض كان يرى أن الحرية الحقيقية لا تزال بعيدة المنال. الأمر الذي يتجلَّى في تقييم حقيقة الاستقلال الاقتصادي: حيثاكتسبت دول الجنوب العالمي، بفضل استقلالها مساحة للتحكُّم في سياساتها الاقتصادية، كما أقامت شراكات جديدة مع القوى الغربية، بما في ذلك مع المستعمرين السابقين. ففي عام 1933، تأسَّست شركة “أرامكو” في المملكة العربية السعودية بموجب اتفاق مع شركة “ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا” (سوكال) الأمريكية. لكن واقع الأمر، أنه لم تكن جميع دول الجنوب العالمي قادرة على التحكُّم في مواردها بحُرِّيَّة، على سبيل المثال هناك العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة بين فرنسا والجزائر. كما لا تزال الاقتصادات الأفريقية إلى اليوم متأثِّرة بشكلٍ كبير بالموروثات الاقتصادية الاستعمارية.
أمَّا في أمريكا اللاتينية، فعلى الرغم من أن دولَها قد تمكَّنت في وقتٍ مبكِّر في عشرينيَّات القرن التاسع عشر من الحصول على استقلالها مقارنةً ببقية الدول المستعمرة حول العالم، فإنها انتقلت من قوة مهيمنة إلى أخرى. فقد برزت المملكة المتحدة بصفتها قوة مهيمنة جديدة استحوذت على أمريكا اللاتينية حتى الحرب العالمية الأولى، وبعدها تولَّت الولايات المتحدة زمام الأمور.
وإن كان على جانبٍ آخر، أسْهم إنهاء الاستعمار، في تعزيز دور الهويات المحلية والتحرُّر الثقافي والمعرفي بشكلٍ كبير في النهضة الثقافية بالعديد من بلدان الجنوب العالمي. لقد شهدنا إحياء العديد من الفنون المحلية للسكَّان الأصليِّين حول العالم، والحفاظ على لغات السكَّان الأصليِّين بل وإحيائها. ومن الناحية السياسية، أثَّر إنهاء الاستعمار على تطور النظام الدولي، فقد بدأ مفهوم العالم غير الغربي، الذي يسترشد بمجموعة متميزة من القيم وبإدماج المجموعات المهمشة تاريخيًّا، في اكتساب المزيد من الاهتمام في الجنوب العالمي.
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى مرحلة مختلفة من الاستعمار حيث الاستعمار الحديث ممثَّلًا في “الاستيلاء الأخضر”. فهذا الاستعمار الحديث دائمًا ما يدمج التنمية المستدامة والقضايا البيئية كأوجهٍ له يتخفَّى وراءَها. ذلك أنه يعتمد على الاستيلاء على الأراضي استنادًا إلى فكرة خاطئة، مفادها أن دول الجنوب العالمي تمتلك فائضًا من الأراضي في انتظار تحويلها إلى مناطق منتجة، ثم يتمُّ الاستيلاء على الأراضي والموارد تحت ستار الحفاظ على البيئة والتنمية المستدامة.
وعلى الرغم من هذه التحديات؛ فإن نماذج أخرى للتنمية المستدامة آخذة في الظهور بالجنوب العالمي. وتهدف هذه النماذج إلى مواجهة الآثار السلبية للاستيلاء الأخضر من خلال إعطاء الأولوية لحقوق السكان المحليين. ويناقش الكتاب أحد الحلول، وهو الاشتراكية البيئية، فمع فشل الرأسمالية في القضاء على الفقر، إلى جانب تهديدها للبيئة، فإن تقديم نموذج بديل ينبغي أن يمتد إلى التركيز على ما هو أبعد من البيئة ليشمل الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة، وهي: حماية البيئة، والازدهار الاقتصادي، والتقدم الاجتماعي.
أيضًا يُعَدُّ تغيير السياسات الاقتصادية أمرًا بالغ الأهمية. فالنظر للموارد الطبيعية بشكل أكثر شمولاً مسألة ضرورية، كما ينبغي إدراج المنظورات الاجتماعية والثقافية والرمزية، وإشراك السكَّان المحليِّين في إدارة الموارد الطبيعية.
والخلاصة في هذا الصدد أن مرحلة ما بعد الاستعمار أثرت تأثيرًا عميقًا على الجنوب العالمي؛ إذ قدمت فرصًا للتحرر مصحوبة بتحديات لتحقيق استقلال حقيقي. من ثم، فإنه من المهم التمييز بين إنهاء الاستعمار والتحرر من الاستعمار.
المستوى الثالث- تجارب ونماذج التعاون في الجنوب العالمي (الخريطة، والإشكاليات)
يمثِّل هذا المستوى محل اهتمام الفصلين الثالث والرابع؛ يأتي الفصل الثالث تحت عنوان “محركات التعاون: العوامل المحفزة للتقارب بين دول الجنوب العالمي” لد. شوبهدا تشودري[5].
يرصد الفصل بدايةً دوافع تضامن الجنوب العالمي: حيثيوضِّح البعض أن تقارب الجنوب العالمي كان مدفوعًا بعوامل متعدِّدة، منها: الطبيعة غير المتكافئة والمفروضة للتجارة بين الشمال والجنوب، والكساد المالي وتباطؤ النمو الاقتصادي الذي شهده الشمال العالمي. وقد أدَّى التضامن البنَّاء القائم على التعاون بين دول الجنوب إلى تغييرٍ جذريٍّ في كيفيَّة رؤية الآخرين لهم، متحديًا بذلك ديناميكيات القوى التقليدية القديمة؛ وهو ما يرجع إلى إدراك دول الجنوب العالمي التعقيدات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتاريخية المشتركة.
يرسم الفصل خريطة التحالفات الجديدة بين دول الجنوب في المسارات التالية:
أولا- خريطة التحالفات الجديدة، وتشمل:
البريكس: وقد سبقت الإشارة إليه، ومن أبرز المحطات التي مر بها التكتل: انضمام دولة جنوب أفريقيا عام 2010 ممَّا أدَّى إلى تعزيز مكانة التحالف عالميًّا، وكانت قمة البريكس الخامسة عشر في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا (2023) لحظة محورية؛ إذ تلقَّت ست دول جديدة هي: الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وإيران وإثيوبيا، ومصر، والأرجنتين دعوات للانضمام إلى المجموعة.
الاتحاد الأفريقي: تم إطلاقه عام 2002، كقاعدة فوق وطنية لدمج المجالات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية المتنوعة عبر دوله. ومن أهمِّ المجموعات الاقتصادية الإقليمية في أفريقيا السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (COMESA)، والهيئة الحكومية للتنمية (IGAD)، واتحاد المغرب العربي (AMU)، وتجمع دول الساحل والصحراء (CEN-SAD). وتهدف هذه التجمُّعات الإقليمية إلى إنشاء تحالفات اقتصادية جديدة، وتقليل الحواجز التجارية، وتنسيق السياسات. ورغم أن هذه الجهود -وفق شوبهدا- تستحق الإشادة، فإنه لا يمكن تجاهل العوائق التي تواجه الاتحاد الأفريقي في تحقيق التكامل الإقليمي، سواء من حيث الآليات المؤسسية أم التنفيذ العملي.
منتدى الحوار بين الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا (IBSA): هذا المنتدى الذي أُسِّسَ على رؤية مشتركة واحترام متبادل لحقوق الإنسان… ويتعامل المنتدى مع مفهوم حقوق الإنسان بتوازن دقيق بين الحساسية الثقافية ومضمون المفهوم عالميًّا. وإن كان المنتدى يواجه تحدِّيًا يتعلق بالربط بين حقوق الإنسان والإمبريالية الغربية، ومدى تقبل رؤى ثقافات أخرى في هذا الإطار.
ثانيًا- الشراكات الاقتصادية البديلة في الجنوب العالمي، على سبيل المثال:
– الأنظمة المالية البديلة: وذلك مثل بنك التنمية الجديد، واتفاقية احتياطي الطوارئ (CRA) عام 2014، والتي تشكِّل جزءًا من الهيكل المالي لمجموعة البريكس، ولها غرض مزدوج يتلخَّص في إيجاد آلية استجابة سريعة وتقديم قروض قصيرة الأجل.
– الممرات التجارية: وذلك مثل مبادرة الحزام والطريق (BRI): أطلقت الصين المبادرة عام 2013، وتقوم على خمس ركائز هي: تنسيق السياسات المتعلقة بالتنمية، وإنشاء البنية التحتية ومرافق النقل، وتكامل سياسات الاستثمار والتجارة، وتعزيز التعاون المالي، وتعميق التبادلات الثقافية والاجتماعية بين الدول الأعضاء. وقد اختار بعض الشركاء الأمنيِّين للولايات المتحدة عدم الانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق؛ إذ اعتبروها في المقام الأول مقايضة بين استقلالهم الذاتي والسيطرة الصينية.
كما اعتبرت الهند، مبادرة الحزام والطريق محاولةً استراتيجية من قبل الصين لتحدِّي مصالحها الوطنية، سواء على الأرض أو في المحيط الهندي. وهنا يشار إلى الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC): والذي جاء كرَدِّ فعل لمبادرة الحزام والطريق، ولخلق مساحة للمنافسة والخيارات البديلة.
رغم ذلك يجادل هذا الفصل بأنه لا ينبغي النظر إلى كل من ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا ومبادرة الحزام والطريق على أنهما متعارضان داخل الجنوب العالمي؛ إذ إن لديهما أهدافًا تكميلية، وتخصُّصًا إقليميًّا وإمكانية للتعاون متعدِّد الأقطاب.
– التكتلات التجارية: ومثَّلت منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التي أُنشئت رسميًّا عام 2021؛ خطوةً مهمة تجاه تعزيز التجارة والتصنيع داخل أفريقيا. وإحدى السِّمات المميِّزة لتلك المنطقة تركيزها على المساواة بين الجنسين؛ نظرًا لأن النساء يمثِّلن نحو 70% من التجار غير الرسميِّين عبر الحدود في أفريقيا.
ثالثًا- التحالفات العسكرية الناشئة في الجنوب العالمي: هناكعدة عوامل رصدها الكتاب كحافز لإنشاء تحالفات عسكرية في الجنوب العالمي، مثلا: توفر هذه التحالفات استقلالًا استراتيجيًّا بما يُقَلِّلُ من الاعتماد على القوى الغربية، كما تعالج التهديدات الأمنية الإقليمية. ومن أهم الأمثلة للتحالفات العسكرية في الجنوب العالمي القوة الاحتياطية الأفريقية (ASF)، ورغم هيكلها الطموح، فإنها تواجه العديد من التحديات المؤسسية. وتشمل هذه التحديات قضايا لوجستية، وتفاوتات في مستويات الالتزام بين الدول الأعضاء، وندرة التمويل والخلافات السياسية.
ويدعو الفصل، في ضوء ما سبق رصده من نماذج للتعاون وما واجهه من تحديات، إلى تطوير نموذج جيوسياسي يتجاوز الانقسامات بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب؛ حيث لا يتم التمييز بين السكَّان على أساس العِرق، أو المال، أو الجنس.
بالنسبة إلى الفصل الرابع “تحالفات الجنوب: تحولات “إبسا” ورهانات “بريكس”” لكلٍّ من جلاديس ليشيني[6] وكلاريسا جياكا جليا[7]، فإنأحد منطلقات هذا الفصل أن العلاقات بين دول الجنوب على مدى العقود الماضية ليست خاليةً من التوترات الصريحة والضمنية بسبب تعارض المصالح وأوجه التضامن، وعلى ضوء ذلك كان تناول تطورات النموذجين التاليين، والسابق التعريف بهما:
– “إبسا”: انبثقت مجموعة إبسا عقب مشاورات على أعلى المستويات، وقعت خلال الاجتماعات الدولية التي التقى فيها ممثلون من الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. وفي عام 2003، وقَّع وزراء خارجية هذه الدول إعلان برازيليا، الذي أكَّد أن أنشطة هذه المجموعة من الدول الكبرى ذات الاتجاه المماثل لا بدَّ أن تتوسَّع، بعد أن تمَّ إرساءُ الأُسُسِ البنيويَّة للتعاون الاستراتيجي بين دول الجنوب. كان هدفُ هذا الإعلان هو جعل مظلَّة العولمة أكثر شمولًا، وإنسانيةً وإنصافًا. وقد تمَّ إطلاق المجموعة رسميًّا، باسم منتدی إبسا، في الدورة الثامنة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2003.
وعلى الرغم من نشأة إبسا بشكل متواضع؛ فإنها طوَّرت من تنسيقها السياسي مع جهات عالمية متعدِّدة، منها: الأمم المتحدة، ومنظمة العمل الدولية. لكن على الرغم من ذلك، فإنها بدأت تفقد أهميتها في العقد الثاني من القرن العشرين؛ لقد ساعد تزامن اجتماعات المجموعة مع اجتماعات مجموعة بريكس على انحسار أهمية إبسا، فضلا عن تغير الحكومة بالبرازيل. وقد تفاقم هذا الانحسار لدور إبسا بسبب الضغوط المتزايدة من جانب الحكومة الصينية، لكي تصبح مجموعة البريكس هي المنتدى التفاوضي الرئيسي.
– مجموعة “البريكس”: في بادئ الأمر، لم تحظ مجموعة البريكس إلا بقدرٍ ضئيل من الاهتمام على الرغم من إظهارها مؤشِّرات اقتصادية كلية قوية. وذلك لافتقار دول البريكس إلى الدافع لتنسيق سياساتها وتدخُّلاتها حتى اندلعت الأزمة المالية عام 2008. فقد نجا التكتُّل بشكل جماعي من سلسلة من الأحداث والنكبات العامة مثل نهاية طفرة السلع الأساسية عام 2014، والتنافس التكنولوجي التجاري بين الصين والولايات المتحدة عام 2019.
وفي حالة الحرب الروسية – الأوكرانية، وعلى الرغم من الحياد الواضح لأعضاء المجموعة ورفضهم الانضمام إلى الغرب، فإنه كان من الصعب تصوُّر إمكانية أن يتبنَّى أحدُهم موقفًا ضدَّ أحد أعضاء التكتُّل الذي ينتمي إليه، حيث إن الصين تقدِّم دعمًا غير معلن لروسيا. والأصعب كان تحديد موقفهم من الحرب الإسرائيلية على غزة. وفي غضون ذلك، كان جميع أعضاء مجموعة البريكس يمثِّلون أصواتًا بارزة بنسب متفاوتة، على طاولات المفاوضات المختلفة؛ مثل: صندوق النقد الدولي ومجموعة العشرين، بهدف صياغة موقف أقوى فيما يتعلَّق بالإدارة الاقتصادية الدولية.
إلا أن ما يجب الانتباه إليه أن البريكس لم يسر على وتيرة واحدة، فوفقًا لجياكا جليا، فإن تفحُّص البريكس منذ بداية هذا القرن يكشف عن أربع مراحل في تطور هذه الكتلة. لقد امتدَّت الفترة الأولى لها عبر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتميَّزت بظهور هذه القوى الجديدة في أكثر مناطق العالم ديناميكية على الصعيد الاقتصادي. ومنذ العقد الثاني فصاعدًا، ومع نهاية طفرة السلع الأساسية والآثار المتبقية للأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، بدأت المرحلة الثانية، والتي اتَّسمت بخيبة الأمل. وبحلول نهاية عام 2014، واجهت هذه الاقتصادات الناشئة أيضًا آثار الوضع الاقتصادي الخطر، إذ انخفض النموُّ السنوي لاقتصادات المجموعة إلى النصف تقريبًا، أي من متوسِّط 9% والذي سجَّل عام 2010 إلى نحو 4% فقط في عام 2015.
لتشهد المرحلة الثالثة تشرذمًا متزايدًا داخل المجموعة، وأصبح من الممكن تعيين الصين والهند وروسيا، وحدهم في ناحية بمنأى من بقية دول المجموعة. لقد تبنَّت الدولُ الثلاثُ سياساتٍ استباقية وأنشأوا أدوات جديدة للحوكمة العالمية، بدءًا من مبادرة الحزام والطريق (BRI). وأخيرًا، فمن الممكن تمييز مرحلة رابعة لمجموعة البريكس مع توسع العضوية فيها منذ بداية عام 2024.
لننتقل إلى “بريكس بلس”، وكان قد بدأ تطبيق هذه الاستراتيجية منذ عام 2013 في قمة البريكس الخامسة بديربان؛ إذ دعا رؤساء القمة، لأول مرة، مجموعة من الدول الأفريقية التي تتولَّى رئاسات مختلف الكيانات للمشاركة، ويهدف هذا التنسيق إلى تعزيز الحوار مع دول نامية أخرى.
وعلى النقيض من التواصل التقليدي مع مجموعة البريكس، فإن التواصل مع البريكس بلس يقدم نهجًا مرنًا متباينًا ومنفتحًا للتواصل مع مختلف الشركاء الذين يُعدُّون مهمين للكتلة. مع العلم أن ضم أعضاء جدد، مع وضعهم الناشئ والاختلافات الكبيرة بينهم وبين الأعضاء القدامى، يشكل تحديًا لعملية صنع القرار بتوافق الآراء. أيضًا، احتمال صعود مجموعة إبسا (الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا) من جديد إذا لم يتم التوصل إلى تفاهم حقيقي بين أعضاء البريكس الجدد، خاصة أن توسع البريكس واجه مقاومة من أعضاء إبسا، وبخاصة الهند والبرازيل، إلى جانب وجود العديد من التوتُّرات الجيوسياسية.
ويبقى السؤال: إذا كانت هذه الدول تهدف إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقات المالية والتنموية بين دول الجنوب العالمي، من ثم، فإن السؤال هو: هل تسعى الصين لإقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب حقًا -من خلال إقامة تحالفات مع الدول النامية، والمشاركة في مؤسسات رئيسية متعدِّدة الأطراف… أم أن الصين باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد بالعالم، من حيث إجمالي الناتج المحلي ومؤشِّرات أخرى، ستتَّخذ المسارَ نفسَه الذي تنتهجه الدول الغربية؟
المستوى الرابع- دول الجنوب وإدارة أزمات متعددة… بين الاقتصادي، والسياسي، والبيئي
وهو ما يناقشه الفصل الخامس “سياسات استثنائية: إدارة الجنوب للأزمات العالمية” والذي أعدَّه د. حمدي عبد الرحمن[8]. والافتراض الرئيسي المطروح في هذا الموضع أن الجنوب العالمي، الذي يُنظر إليه غالبًا على أنه طرف هامشي في الحكومة العالمية يؤدِّي دورًا لا يمكن تجاهله.
أولاً- الحرب في أوكرانيا، بينما وقفت الدول الغربية صفًّا واحدًا ضدَّ التدخُّل الروسي بشكل لم نشهدْه منذ حرب الخليج الأولى، كانت استجابة الجنوب العالمي تبدو متناقضة تمامًا؛ إذ بعيدًا عن تأييد الموقف الغربي، امتنعت أكثر من 40 دولة عضو بشكل مستمرٍّ عن التصويت. أو صوَّتت ضدَّ القرارات المقترحة في الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي سَعَتْ إلى إدانة التصرُّفات الروسية، على نحو ما أشير.
وقد أرجع هذا الفصل أيضًا استجابة الجنوب العالمي إلى التداعيات الاقتصادية للصراع والعقوبات التي تلت ذلك. وقد وجدت دولٌ مثل: الهند والصين، التي تعتمد بشكلٍ كبير على النفط والغاز الروسي، أنه من غير المجدي اقتصاديًّا قطع العلاقات مع موسكو. بجانب أثر التاريخ الممتد من انتهاكات السيادة واللامبالاة الغربية.
وطرحت مبادرة السلام الصينية أحد الأمثلة العملية لموقف القوى الصاعدة في الجنوب العالمي.. ورغم الشكوك والانتقادات من الغرب، فقد أثارت هذه المبادرات تكهُّنات حول قدرة الصين. ويتفاقم تحدِّي الوساطة الصيني بسبب موقفها غير المستقرِّ في السياسة العالمية وتدهور العلاقات مع الولايات المتحدة، والذي تفاقَمَ بسبب التزام بكين باستعادة تايوان. وتقف روسيا باعتبارها القوة العظمي الوحيدة الحليفة للصين.. ومن ثم فإن الصين غير راغبة في رؤية روسيا تعاني هزيمة.
كما تمثِّل بعثة السلام الأفريقية إلى أوكرانيا وروسيا، فى يونيو 2023، والتي قادها بعض رؤساء الدول الأفريقية، تحوُّلًا استراتيجيًّا. ومع ذلك، يرى بعض النقاد أن أفريقيا تفتقر إلى النفوذ اللازم للتأثير في روسيا وأوكرانيا.
ثانيًا- العقوبات الاقتصادية الدولية، تؤدِّي العقوبات الاقتصادية إلى تفاقم الصعوبات الاقتصادية القائمة، ما يُفضي إلى زيادة الفقر والبطالة، إضافة إلى ذلك، غالبًا ما تؤدِّي العقوبات إلى زعزعة استقرار المشهد السياسي في الجنوب العالمي. إلا أن دول الجنوب تمكَّنت أحيانًا من إدارة الأزمة بنوعٍ من المرونة.
أيضًا، كان للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين بعض التأثيرات الإيجابية على بلدان الجنوب العالمي، وخاصة فى جنوب آسيا وجنوب شرقها. فمع تصاعد التوترات بين الجانبين، قررت العديد من الشركات نقل جزء من إنتاجها إلى بلدان أخرى للبقاء في كلا السوقين، وفي الوقت ذاته الحد من المخاطر السياسية. وقد شجَّعت الحكومات في جنوب آسيا وجنوب شرقها هذا الاتجاه بنشاط من خلال تقديم الحوافز المالية والدعم.
على جانب آخر، يتَّسم موقف الجنوب العالمي من العقوبات ضد روسيا بمزيجٍ معقَّد من المصالح الاقتصادية، والروابط التاريخية، والاعتبارات الجيوسياسية… على سبيل المثال، أعلنت دول البريكس (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا) صراحة أن العقوبات الأُحادية لا تتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة، رغم أن التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا ينتهك أيضًا مبادئ الميثاق.
ثالثًا- عدم عدالة النظام الصحي العالمي، بعد تفشِّي فيروس كورونا ركَّز المجتمع الدولي على تحسين النظام الصحي العالمي، لكن تأطير الاضطرابات الناجمة عن الوباء من حيث منظور الصحة العالمية فقط يتجاهل الجوانب الأخرى التي تجعل العالم أكثر تعرُّضًا من ذي قبل لحالة الطوارئ العالمية. ورغم أنه في عام 2016، اعتمد المجتمع الدولي مبادئ بانكوك للحدِّ من مخاطر حالات الطوارئ الصحية، استمرَّ العالم حتى عام 2020 غیر مستعدٍّ لفهم مخاطر الكوارث والحد منها. حتى إنه في عام 2020 اقترحت الهند وجنوب أفريقيا التنازل عن اتفاق “تريبس” (اتفاقية حول الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية) بهدف التخفيف مؤقتًا من حقوق الملكية الفكرية العالمية للقاحات وعلاجات “كوفيد 19”.
ورغم أنه تَمَّ إحراز تقدُّم في تمثيل دول الجنوب العالمي في المؤسسات الصحية متعدِّدة الأطراف، مثل: صندوق الأوبئة التابع للبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية؛ ومع ذلك، لا تزال بلدان الجنوب العالمي تواجه تحديات في إدراج رؤاها في أنشطة هذه المؤسسات. حيث إن الاتفاقيات ليست السبيل الوحيد لإحداث تغيير عالمي؛ فينبغي لحكومات الجنوب العالمي أن تقوم بالمزيد من الاستثمارك في المبادرات الصحية الإقليمية. وفي أفريقيا، سعت مبادرات إلى تعزيز الصحة العامة الإقليمية وتأسيس ملكية إقليمية أفضل لإدارة الصحة. وقد حقَّقت هذه المنصَّات تقدُّمًا من حيث ضمان التمثيل لكلٍّ من الدول المتقدِّمة والنامية.
إلا أنه نظرًا لندرة التكنوقراط في العديد من البلدان النامية، غالبًا ما يأتي الممثِّلون عن الجنوب العالمي إلى منصات عالمية وإقليمية متعدِّدة دون دعم كافٍ من الأمانة العامة للأمم المتحدة، ما يجعلهم غير مستعدِّين للمساهمة بشكلٍ ملائم. لذا؛ يبقى من الضروري دمج المختصِّين من الجنوب العالمي في المحادثات الدولية لتوجيه أجندة الأمن الصحي العالمي واكتساب الخبرة أيضًا… فضلًا عن تخصيص الموارد اللازمة للدعم من الأمانة العامة للأمم المتحدة لممثِّلي هذه الدول.
رابعًا- تغيُّر المناخ: من وجهة نظر الجنوب العالمي، يُعَدُّ تغيُّر المناخ محرِّكًا أساسيًّا لانعدام الأمن والصراع، ما يستلزم تحوُّلًا فارقًا من النماذج التقليدية السائدة للأمن إلى نهج “الأمن المستدام”. ويتعين على الاقتصادات الناشئة، مثل: الصين والهند والبرازيل، أن تؤدِّي دورًا مركزيًّا في جهود التخفيف من آثار تغير المناخ العالمي، وهو ما يتطلَّب مشاركة وتعاونًا حقيقيَّيْن مع الشمال العالمي؛ إذ يدعو إطار الأمن المستدام إلى سياسة عالمية شاملة ودمج وجهات النظر غير الغربية في عمليات صنع السياسات ذات الصلة. وتستلزم العدالة المناخية ضمان التوزيع العادل للأعباء والمنافع، ومعاملة جميع الناس باحترام وكرامة.
كما تحتاج السلطات الوطنية إلى تطوير استراتيجيات متكاملة تعالج أهداف العدالة المناخية والطاقة مع تعزيز التعاون بين القطاعات. وينطوي ذلك على ضرورة صياغة استراتيجيات وطنية واضحة لانتقالٍ عادل يضع في الاعتبار الطبيعة المترابطة لتغيُّر المناخ وفقر الطاقة. كما أن إعداد التقارير الاستباقية وشفافية البيانات أمرٌ بالغ الأهمية لاتخاذ قرارات مستنيرة، فضلا عن أن دمج معايير حقوق الإنسان والمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة في سياسات المناخ والطاقة يُعَدُّ أمرًا ضروريًّا.
لقد أظهرت البلدان الأفريقية استجابةً أفضل في إدارة المناخ العالمي مقارنةً بفتراتٍ سابقة، ما يعكس تحوُّلًا كبيرًا. ويُعَدُّ مؤتمر الأطراف (COP)، الذي يعقد سنويًّا منذ عام 1995، حدثًا مهمًّا لهذه المفاوضات. ولتحقيق التنمية المستدامة دعا الموقف الأفريقي المشترك إلى التحويلات المالية، ونقل التكنولوجيا، وبرامج بناء القدرات. وتشمل التحديات التي تواجهها المجموعة الأفريقية دومًا أثناء المفاوضات التشرذم الداخلي، والقيود على الموارد والحاجة إلى دعم فني أقوى. مع العلم أن البلدان الأفريقية أظهرت تحسُّنًا ملحوظًا في استجابتها، ومشاركتها في السيطرة على إدارة المناخ العالمي.
المستوى الخامس- عالم الجنوب وحيازة التكنولوجيا
تعد التكنولوجيا قاطرةً أساسية لكل ما سبق، خاصةً ما يتعلق بالمسارات الاقتصادية، الأمر الذي كان محل اهتمام الفصل السادس “ريادة جنوبية؟ أسواق ناشئة ومراكز تكنولوجية واعدة”، والذي أعده ديفيد واماجو[9]. وينطلق الكاتب من تأكيد أن الجنوب العالمي قد نجح في تحويل الأسواق والاقتصادات الناشئة إلى جهاتٍ استباقية فاعلة على المسرح العالمي. ومن الجدير بالذكر أن ظهور أسواق ومراكز تكنولوجيا في الجنوب العالمي قد سهَّل حدوث تفاعلات اجتماعية واقتصادية وسياسية هائلة بينها؛ ممَّا أدَّى إلى خلق “جغرافيا جديدة للتجارة”. ودفع هذا التطور –وفق الكتاب- إلى إعادة تعريف العولمة من خلال تغيير التدفُّقات الاقتصادية التقليدية بين الشمال والجنوب.
قد يُظهر بعض هذه الدول سمات متداخلة أو متطابقة مدفوعة بديناميكيَّات اجتماعية وسياسية مختلفة بدول الجنوب؛ ولذلك سَلَّطَ هذا الفصلُ الضوءَ على بعض السِّمات: ارتفاع معدَّلات النمو الاقتصادي: تظهر الأسواق الناشئة عادة معدلات نموٍّ اقتصادي أعلى من الدول المتقدِّمة، مدفوعة بسياسات تعزيز التصنيع السريع. إمكانات النمو والاستثمار: على الرغم من ارتفاع مخاطر الاستثمار في الأسواق الناشئة، فإن عوائدها المرتفعة تجذب المستثمرين الأجانب.
وعلى صعيد تطوُّر مراكز التكنولوجيا في الجنوب العالمي: فعلى مدى العقد الماضي، قدَّم التقدُّم التكنولوجي والتحوُّلات الرقمية الكثير من الإسهامات للجنوب العالمي؛ إذ تمكَّن الملايين من الوصول إلى الإنترنت واستخدام التقنيات القائمة عليها؛ للتغلُّب على تحديات مثل: تأخُّر البنية التحتية الرقمية والمهارات الرقمية المحدودة. وتختلف المراكز التكنولوجية الواقعة في دول الجنوب العالمي بعضها عن بعض بشكلٍ كبير من حيث المرافق والخدمات والهياكل التنظيمية. ومن أبرز العوامل المساهمة في نمو المراكز التكنولوجية: تبادل المعرفة (المرغوب والمسموح بتبادلها) فيما بين الشركات الأجنبية والمحلية، والتوسُّع السريع في قطاع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات. علاوة على ذلك، فإن التوزيع الديمغرافي للدول ذات الاقتصادات الناشئة من حيث ارتفاع نسب الشباب سهَّل التكيُّف بشكلٍ أسرع مع التغيُّرات التكنولوجية.
يتطرَّق الفصل إلى أبرز المراكز التكنولوجية الواعدة بدول الجنوب، على سبيل المثال:
- سيليكون “سافانا” الكينية: حيثعملت كينيا، مثلها مثل العديد من الأسواق الناشئة الأخرى، على تنشيط اقتصادها من خلال تبنِّي التكنولوجيا المبتكرة. وقد مكَّنت هذه الخطوة الاستراتيجية، كما أبرز أحد تقارير البنك الدولي، البلاد من التغلُّب على الكثير من التحديات. فقد أدَّى إنشاء مركز الابتكار “آي – هب” (iHub) عام 2010 في نيروبي إلى جذب مجموعة متنوِّعة من المتخصِّصين في مجال التكنولوجيا، والطلاب، ورجال الأعمال الشباب. واليوم، تُصنف كينيا على أنها رابع أكبر مركز للتكنولوجيا في أفريقيا. وقد لعب ارتفاع نسب الشباب دورًا محوريًّا في تطوير المراكز التكنولوجية؛ فعندما بدأ الشباب الكيني احتجاجات مناهضة للحكومة، أطلق عليها اسم “مظاهرات جيل زد”، بدأت الحكومة فورًا إعداد برامج لتطوير مراكز التكنولوجيا، بهدف توفير فرص عمل للشباب البارعين في هذا المجال، وقد ظل التزام الحكومة ثابتًا. ومن أبرز المبادرات “كينيا الرقمية 2030″، وتهدف هذه المبادرة إلى تحويل البلاد إلى اقتصاد قائم على المعرفة من خلال الاستفادة من تكنولوجيا الاتصالات.
- التكنولوجيا البيئية البرازيلية: يكشف تقرير البنك الدولي لعام 2022 أن 81% من البرازيليين لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت. ويؤدِّي النظام التكنولوجي المزدهر في البرازيل دورًا محوريًّا في مختلف القطاعات، بما في ذلك قطاع الاتصالات، والخدمات المالية، والصناعة. ويشمل هذا النظام التكنولوجي: صناديق الاستثمار، ومرافق التدريب المتخصِّصة، والجامعات. وقد عزَّزت الحكومة قطاع الابتكار من خلال إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتحوُّل الرقمي، والتي تتوافق مع أهداف الأمم المتحدة السبعة عشر، فضلًا عن تعزيز مكانة البرازيل في مؤشِّر التنافسية العالمية. حتى إنه من المتوقَّع أن تصبح البرازيل واحدةً من أكبر خمس أسواق للهواتف الذكية على مستوى العالم، مع ما يقدَّر بنحو 200 مليون اتصال.
وتجسِّد مدينة فلوريانوبوليس، عاصمة ولاية سانتا كاتارينا بجنوب البرازيل، نجاح المبادرات الحكومية الرامية إلى تعزيز النموِّ المستدام من خلال التكنولوجيا الرقمية. ويؤكِّد هذا النموذج أنه على الرغم من الافتقار إلى احتياطيات كبيرة من النفط أو المعادن أو الأراضي الزراعية الشاسعة، فإنه من الممكن إنشاء أسس بديلة لضمان التنمية وللتغلب على ندرة الموارد التقليدية.
ويستنتج الكتاب أن الديناميكيَّات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحلية هي التي دفعت في المقام الأول إلى التقدُّم التكنولوجي في كلٍّ من كينيا والبرازيل.
خاتمة:
قدَّم الكتاب عبر فصوله تشريحًا لوضع الجنوب العالمي، بدايةً من تناول المفهوم إلى ما يرتبط به من تحولات جيوسياسية على رأسها مرحلة ما بعد الاستعمار، وما أفرزتْه من فرصٍ وتحديات. كما استعرض الكتاب أبرز تجارب التضامن الجنوبي في محاولة للدفع بتغيير سمات النظام الدولي القائم، ورغم ما أثبتته هذه المحاولات الجنوبية من قدرة على التأثير وتحريك المياه الراكدة في بعض الأحيان، فإن الكتاب أشار عبر فصوله إلى العديد من التحديات ذات الأبعاد الداخلية والخارجية؛ على سبيل المثال إلى ما يتعلَّق بآليَّات اتخاذ القرار سواء على مستوى كلٍّ من دول الجنوب أو على مستوى الكيانات الجامعة، أو نُدرة الموارد والخبرات.
لكن على الرغم من هذه الصورة ذات العدسة الواسعة التي نَفَذَ من خلالها الكتاب إلى عالم الجنوب، فقد رتَّب ذلك بعض نقاط الضعف، ومنها: أنه رغم عدم إغفال الكتاب الأبعاد السياسية وتلك المتعلِّقة بالخصوصية الثقافية والمجتمعية، فإن مجمل التركيز انصبَّ على الأبعاد الاقتصادية، والتي لا يمكن إنكار محوريَّتها.
كذلك انصبَّ اهتمام الكتاب على “الأقوى جنوبًا”، لا سيما الصين، وهي على أهميتها كقطب صاعد تعول عليها الكثير من التحليلات الباحثة في تغيُّرات النظام العالمي، إلا أن تغيُّرًا حقيقيًّا لا ينبغي أن يتجاهل دوائر الجنوب الأكثر ضعفًا.
من ثم، فإنه لمَّا كان من الصعب أن يلمَّ عملٌ واحدٌ بمختلف جوانب ظاهرة ما، فإن هذا العمل وغيره من الدراسات حول دول الجنوب يحتاج إلى مزيد من البحث في الأجندة التالية:
- وضع العالم الإسلامي ودوائره الحضارية في سياق تكتلات وتحالفات دول الجنوب، وكيف يمكنه من خلالها دعم موقعه وقضاياه في النظام العالمي، بدلا من أن يكون ساحة للتنافس بين الولايات المتحدة والصين.
- توسعة نطاق البحث في أثر الأبعاد الثقافية والمجتمعية في تغيير وضع دول الجنوب في النظام الدولي. وهو ما يستدعي دراسة تجارب شعبية مدنية في دول الجنوب.
- طرح رؤى جديدة ومن منظورات حضارية مختلفة ومتنوعة في مجال التنظيم الدولي، من واقع خبرات دول الجنوب في المؤسسات الدولية أو في كياناتها الصاعدة. وما يرتبط بذلك من فتح آفاق جديدة في دراسة السياسات العامة العالمية، وتفعيل مشاركة دول الجنوب في صياغتها.
قائمة المراجع
* هالة الحفناوي، نورهان شريف (تحرير)، صعود “الجنوب العالمي” وإعادة تشكيل النظام الدولي، (أبو ظبي: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 2025). وكانت قد صدرت نسخة إنجليزية من الكتاب عن المركز نفسه بعنوان The Rise of the Global South and the Reordering of the International System.
د. نادية مصطفى، التغيير العالمي: من مداخل الاقتصاد السياسي الدولي، موقع مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 5 يوليو 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://h1.nu/1BIE3
[2] مدير وحدة التحولات المجتمعية، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.
[3] رئيس تحرير الموقع الإلكتروني الإنجليزي، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.
[4] نائب مدير مكتب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة النظام العالمي الجديد، روما – إيطاليا.
[5] مؤسسة برنامج رؤى الشرق الأوسط، نيودلهي – الهند.
[6] أستاذة ومستشارة في العلاقات الدولية، جامعة روساريو الوطنية، الأرجنتين.
[7] أستاذة العلاقات الدولية، جامعة روساريو الوطنية، الأرجنتين.
[8] الأستاذ بجامعة زايد، الإمارات العربية المتحدة.
[9] محلل أمني وشريك إقليمي بمؤسسة دبليو إس انسايت، نيروبي – كينيا.







