أمريكا اللاتينية.. الاقتصاد والمجتمع والأزمات

مقدمة

تتناول هذه الورقة الاقتصاد في أمريكا اللاتينية، حيث تتناول الدورات الاقتصادية وما يرافقها من إعادة هيكلة للمجتمع ومخاضات سياسية، كما تتناول أحد الحلول المطبَّقة لمكافحة إحدى أبرز أزمات القارة وهي أزمة الفقر، ولذا تقع الورقة في جزأين، الجزء الأول: الاقتصاد السياسي وتشكُّل الطبقات في القارة اللاتينية. الجزء الثاني: برامج التحويلات النقدية المشروطة لمعالجة الفقر في أمريكا اللاتينية.

في الجزء الأول ترصد الورقة مراوحة الماركسية في أمريكا اللاتينية بين المدِّ والجزر، فبينما تتراجع خلال حقبة الاستبداد، نجد أنها تعود للحياة والتمدُّد مرة أخرى، كما تتناول أيضًا موضوعيْن هامَّيْن هما “النيوليبرالية والطبقات” حيث يتم تفسير الدور الذي لعبتْه النيوليبرالية في تغيُّر تكوُّن الطبقات في أمريكا اللاتينية، إضافةً إلى نقد ماركس للاقتصاد السياسي في ضوء أربع حالات دراسة هي: الأرجنتين، وبوليفيا، والبرازيل، والمكسيك.

أمَّا في الجزء الثاني فنناقش برامج التحويلات النقدية المشروطة لمعالجة الفقر في أمريكا اللاتينية وذلك من خلال استعراض آليَّاتها وتحدياتها ونجاحاتها وتطبيقاتها في مختلف الدول ومستقبلها.

أولًا- الاقتصاد السياسي في أمريكا اللاتينية

يعرض هذا الجزء لكتاب “الأزمة والتناقض: رؤى ماركسية حول أمريكا اللاتينية في الاقتصاد السياسي العالمي[1]، حيث خاض اليسار في أمريكا اللاتينية عدَّة جولات بين الصعود والأفول، وكانت لحظات أفوله هي لحظات مَدِّ النيوليبرالية والتي طوَّعت أدواتٍ سياسيةً واقتصاديةً وعسكريةً لصالحها، وعلى الصعيد الموازي لهذه الجولات أُعيد تشكيل المجتمع وطبقاته وتراتُبية الطبقات وحضورها على أولويَّات الفئة الحاكمة، كما أعاد المنظِّرون اليساريُّون النظرَ في أفكارهم تبعًا لذلك. ونستعرض فيما يلي الدورَ الذي لعبتْه النيوليبرالية في تغيير تكوُّن الطبقات في أمريكا اللاتينية، إضافةً إلى نقد ماركس للاقتصاد السياسي وذلك من خلال أربع تجارب هامة هي: بوليفيا، والأرجنتين، والبرازيل، وفنزويلا.

  • التجربة الفنزويلية (محاولة لتقديم نموذج بديل للتنمية)

حاول تشافيز تقديم نموذج تنمية مغاير للنموذج النيوليبرالي عن طريق نموذج اشتراكي للإنتاج يتضمَّن أنماطًا مغايرة (جديدة) لتوليد الثروة الاقتصادية وامتلاكها وتوزيعها كما يتضمَّن نمطًا جديدًا لتوزيع عوائد النفط، ونموذجًا للإدارة عرف بالإدارة المشتركة “Congestion”، أعادت جهود هوجو تشافيز بعد وصوله للحكم في جمهورية فنرويلا النقَّاد اليساريِّين للتفكير في تنظيراتهم، لا سيما ما يتعلَّق بدور الحزب في التغيير وإعادة هيكلة المجتمع نتيجة الصراعات الطبقية، وفيما يلي تفصيل ذلك.

1- دور الأحزاب في التغيير

يواجه أي حزب تقليدي تحديان أثناء محاولات التغيير وهما قدرة الحزب على التحلِّي بالمرونة في مواجهة التغيير التاريخي، وتحدِّي حكم الأقلية، فلا بدَّ للحزب الذي يتمتَّع بالقدرة على إحداث تغيير ثوري جذري -وفقًا لجرامشي- أن يتمتَّع بما يلي: الديمقراطية الداخلية – الروابط الأفقية مع كلٍّ من المجتمع المدني وطبقة العمل الحضرية الريفية – الالتزام العملي والأيديولوجي بالتصوُّرات المسبقة للاشتراكية الديمقراطية – مد روابط مع الدولة القومية مع الاحتفاظ بالاستقلالية عنها. وقد امتثل حزب تشافيز في بلدية توريس لهذه المعايير، ونجح بالفعل في إحداث تغيير بغض النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع طبيعة التغيير.

2- التحول الاجتماعي في فنزويلا وتصاعد صراع الطبقات

لم تطبِّق التجربة الفنزويلية المبادئَ اليسارية التقليدية بحذافيرها، وتباينت الآراء حولها حتى داخل المعسكر اليساري ذاته بين مؤيِّد ومعارِض، ويفسِّر بعض الباحثين التغيير الحادث في فنزويلا بأنه نتاج تدافع بين القوة المُؤسِّسة والقوة الصاعدة (الناتجة عن التدافع)، فالقوة المُؤسِّسة هي قدرةُ البشر الخلَّاقة الجماعية المشروعة والتي يتم التعبير عنها في شكل الحركات والقواعد الاجتماعية المنظَّمة الساعية إلى إبداع شيء جديد وإن لم يكن له جذور موجودة سلفًا، أمَّا القوة الناشئة عن هذا التدافع -أي الدولة ومؤسَّساتها- فعليها أن تلتزم بضمان إطار هذه العملية وشروطها، وتدافعت القوتان خلال عهد تشافيز.

يُعَدُّ نضالُ الوافدين الجدد أو Brarrios من أبرز نماذج التدافع، فالوافدون وهم من وفدوا إلى المدن ولم يتمتَّعوا بملكية خاصة فيها ولجأوا لوضع اليد وثبَّتوا أنفسهم في المدن، وحاولت الدولة إخلاءهم أو تهجيرهم عدَّة مرات لكنهم قاوموا واستكملوا مقاومتهم للحصول على الخدمات الأساسية حتى مكَّنتهم هذه النضالات من تكوين آليات جماعية لتبادل الدعم والمساعدة.

وتهيمن الدولة في فنزويلا على توزيع الثروة الاجتماعية وتتوسَّط في الصراع الطبقي، وقد تزايد الصراع الطبقي في عهد تشافيز بسبب تزايُد نقاط المواجهة بين القوة المُؤسِّسة الشعبية والقوة الناتجة عن التدافع معها (الدولة)، أو التدافع طبقيًّا بين رؤيتي رأس المال والعمَّال، فبينما تسْعى الأولى إلى دولة برجوازية كضرورة للإنتاج الرأسمالي وإعادة الإنتاج، نجد أن الثانية تبحث عن دولة بنظام حكم تشاركي، ورغم تزايُد الصراع الطبقي في فنزويلا وتزايُد الاحتجاجات الاجتماعية وارتفاع عدد الإضرابات العمَّالية، تقلَّصت التفاوتات الاجتماعية وهذه إحدى أكبر المكْتسبات، حيث احتلَّت فنزويلا المرتبة الثالثة في القارة اللاتينية بين الدول التي تتمتَّع بالمساواة، كما تحسَّنت مؤشِّرات حصول المواطنين على الغذاء والصحة والتعليم.

كما أقْدمت الإدارة على عددٍ من الإجراءات للتوفيق بين القوَّتين، وتتضمَّن هذه الإجراءات إشراكَ السكَّان في الإدارة المحلية وصنع القرار من خلال “مبادرة المجالس البلدية” ودعمها ماليًّا، وطرح قانون المجالس البلدية أمام الجمعية الوطنية في أبريل 2006 وتمَّت الموافقة عليه، ثمَّ تمَّ تعديله لاحقًا عام 2009، ودعم عمليات تنظيم المجتمع؛ لذا استُحدثت وزارة الاقتصاد الشعبي عام 2004، وتحوَّلت إلى وزارة الاقتصاد المجتمعي عام 2007 ثم وزارة البلديات عام 2008.

وبذلك أثبتت التجربة الفنزويلية عدم قدرة الدولة على أن تكون العامل المركزي للتغيير، وحتى لو رغبت الحكومة في إشراك العمَّال في إدارة الاقتصاد، فإن على العمال خوض النضالات من أجل الإنجازات الاستراتيجية والتغييرات الهيكلية التي تتجاوز مجرد تحسين ظروف المعيشة، كما أثبتت أن مكافحة الفساد أولوية أولى عند تمكين العمَّال، للحفاظ على الموارد الاقتصادية المقدَّرة لعملية التمكين.

3- نقد للإدارة المشتركة Cogestión في فنزويلا

كان مشروع الإدارة المشتركة Cogestión مصمَّمًا لإدارة المصانع المملوكة للدولة وإعادة تنظيم هياكلها بشكل ديمقراطي، وكان أحد الدوافع لتطبيق الإدارة المشتركة الدفع بالصناعات الأولية المملوكة للدولة لتكون منتجِة ومربِحة وفعَّالة في ظلِّ منطقٍ غير رأسمالي، وكانت الغاية الأكبر تحقيق الاستقلال الصناعي المربح والقادر على التنافسية في السوق العالمي كمصدر بديل للثروة إلى جانب ريع النفط كأحد مصادر الثروة، وللتحوُّل إلى نموذج تنموي حقيقيٍّ بعيدًا عن نموذج الاقتصاد الريعي لفنزويلا.

باءتْ عمليةُ الإدارة المشتركة بالفشل لانطوائها على تناقضات، يتمثَّل أولها في اعتمادها على تمويل الدولة القادم من ريع النفط والموارد الطبيعية، وبالتالي فحين انخفض ريع عائدات النفط حدثت أزمة مالية تسبَّبت في تأجيج الاحتجاجات ضدَّ الحكومة. أمَّا التناقض الثاني الذي تضمَّنته الإدارة فهو الحرص على توظيف العمَّال وإدراجهم في المؤسَّسات على مستويات مختلفة (ابتداءً من مجلس الإدارة) وصولًا إلى تقديم خدمات الصيانة أو التوزيع وغيرها، مما سبَّب تناقضًا في الرؤى بين الإداريِّين، فأدَّى ذلك إلى انخفاض مستوى الاستثمار وتراجع مستوى التكنولوجيا التي تسيِّر المصانع، وبالتالي تراجعت جودةُ المنتجات وقُدرتها على التنافس عالميًّا، وصناعة الألومنيوم خير دليل على ذلك، حيث أقْدمت الحكومة على تفكيك الخطَّين الأول والثاني لتصنيع الألومنيوم.

  • التجربة البوليفية (الاحتجاجات لمقاومة النيوليبرالية)

تُعَدُّ التجربة البوليفية شاهدًا على مقاومة التداعيات الكارثية للسياسات النيوليبرالية، فقد تبنَّت بوليفيا سياسات التكيُّف الهيكلي النيوليبرالية عام 1985، وكان برنامجها بالغ القسوة، حيث تبنَّت برنامج “العلاج بالصدمة” الذي يطْرحه صندوق النقد الدولي لمواجهة الديون المتراكمة على الدولة، وتسبَّب ذلك في ضرب القوة العاملة بغلق معظم المناجم وخفض عدد عمَّالها من 30 ألفًا عام 1985 إلى 7 آلاف عام 1987، وتسريح 31 ألف عامل في القطاع العام من أصل 200 ألف عامل، وخلال المرحلة الثانية من برامج التكيُّف الهيكلي خصخصت بوليفيا نصف أسهم شركات القطاع العام وسط معارضة الأطياف البوليفية المختلفة، ومن هذه الشركات “مرافق المياه البلدية” في إقليمي لاباز-ألتو وكوتشابامبا.

وقد تسبَّبت النيوليبرالية في إحداث تغيُّرين هامَّيْن أثَّرا على ديناميكيات الطبقة العمَّالية، وهما: الهجرة من الريف إلى الحضر بوتيرة متسارعة؛ ترتَّب على ذلك تحوُّل المدن إلى مزيج متنوِّع من الطبقات والأعراق، وتيسُّر بناء أشكال جديدة للهُوية داخل البيئة الحضرية – تدهور النقابات العمَّالية وظهور الطبقة العمَّالية الجديدة الحضرية، ممَّا أدَّى إلى تنامِي القطاع غير الرسمي للعمل بسبب الظروف الاقتصادية والتشريعات القانونية، فتشتَّت العمَّال رسميًّا لأن القطاع غير الرسمي يفتقر أصلًا إلى الامتيازات مثل المعاش ومكافآت نهاية الخدمة والرعاية الاجتماعية وغيرها، وأعاق التشتُّت تكوين هويات جماعية مترابطة وقوية وتراجَعَ دور نقابة العمَّال.

أ) حروب المياه

تراوحت ردود فعل الجماهير البوليفية بين الصمت أحيانًا والاحتجاج أحيانًا، ومن أشْهَر الاحتجاجات وأكثرها راديكالية احتجاجات عرفت بحرب المياه، واندلعت في مدينة “كوتشابامبا” عام 2000 ومدينة “أن إلتو” عام 2005، حيث تُعاني المدينتين من نقص موارد المياه ويُعاني ما يقارب نصف سكَّانها من عدم وصول مياه البلدية إليهم، ولذا اضطروا لحفر آبار خاصة وتمكَّنوا من بناء أنظمة ماءٍ مستقلَّة خاصة بهم، ثم منحت الحكومة شركة أجنبية خاصة الحق في فرض رسوم عليهم، وارتفعت رسوم المياه بشكل باهظ.

ائتلفت عدَّة تنظيمات بقيادة منظمة تُدْعَى Coordinora لمجابهة قرارات الحكومة، فنظَّم السكان احتجاجات سلمية ولكن الحكومة واجهتْها بالعنف الشديد واعتقال قيادات المنظمة وحالات معدودة قُتِلَتْ بالرصاص أثناء الاحتجاجات، وبعد مداولات مع الحكومة نجح التحالف في الضغط على الحكومة لإلغاء عقود خصخصة مياه البلدية مع شركات متعدِّدة الجنسيات.

نجحت احتجاجات كوتشابامبا لأنها تجاوزت التنظيمات التقليدية للنقابات القائمة على خلق حدود بين الأعضاء وغير الأعضاء، والقيادات الهرمية، والعضوية المغلقة، واستبدالها بالمنظمات التي تعتمد في تنظيمها على “الطبقة العاملة الجديدة”، وبنت تحالفات متعدِّدة الطبقات والأعراق يربط بينها التضرُّر من الأوضاع التي سبَّبتها النيوليبرالية، ووطَّدت الصلات التنظيمية بين النشطاء في حروب المياه، ودمجت بعض القضايا مثل مطالب الأجور وظروف العمل تحت مظلَّةٍ جامعةٍ أوسع للعدالة الاقتصادية والاجتماعية، كما اختارت قضايا تمسُّ جميع البوليفيِّين مثل “الحق في المياه” في إقليم “كوتشابامبا” فانعتقت بالتالي من المطالب الفئوية، واستطاعت استقطاب فئة واسعة من السكَّان خاصة من يعملون في قطاعات غير رسمية. وفي النهاية أَجْبَرت الاحتجاجات رئيسيْن متوالييْن على التخلِّي عن الحكم خلال عاميْن، كما نجحت في طرد شركة قوية متعدِّدة الجنسيات كانت محتكرةً لإمدادات المياه في المناطق الحضرية.

ب)  نزاع محمية تيبنز Tipnis والاحتجاج على نهب النيوليبرالية للثروات

تكرَّرت الاحتجاجات المقاومة لتداعيات النيوليبرالية في بوليفيا في عام 2011 عندما أعطى الرئيس إيفوموراليس الضوء الأخضر لبناء طريق سريع يربط بين مقاطعتيْن ويمرُّ عبر أراضي السكَّان الأصليِّين والمنتزه الوطني المعروف باسم (تيبنز)، فتضامنت حركات السكَّان الأصليِّين مع الحركة العمَّالية الخضراء وانخرطوا في احتجاجات لمنع بناء الطريق ومعارضة الدولة الرأسمالية، والتحرُّر من الاستغلال الطبقي والاضطهاد العنصري والممنهج ضدَّ السكَّان الأصليِّين الذين يمثِّلون أغلبية؛ فتمَّ تنظيم مسيرة احتجاجية دامت لمدة 65 يومًا، وانخرطت فيها اثنتي عشرة منظمة للسكَّان الأصليِّين، ورافقتْها تظاهرات بالآلاف في المدن الكبرى لتأييد هذه التظاهرة، ثم قابلتْها الحكومة بالعنف، فدعت نقابة العمال في بوليفيا لإضراب شامل، واستقالَ عددٌ من الوزراء احتجاجًا على سياسات القمع التي انتهجتْها الحكومة، واستجابت الحكومة في نهاية المطاف لمطالب المتظاهرين.

رغم الاحتجاجات لاقت سياسات موراليس قبولًا ورواجًا لدى صندوق النقد الدولي، والذي أشاد بتحسُّن مؤشِّرات الاقتصاد الكلي في بوليفيا مؤخرًا، حيث حققَ فائضًا في الميزانية وكبح جماح التضخُّم وراكم احتياطات دولية ضخمة، لكن ظلَّ الإنفاق الاجتماعي منخفضًا، ولم تشهد العدالة الاجتماعية تغيرًا يُذكر، حيث لم تتغيَّر معدَّلات الفقر ولا التفاوتات الاجتماعية تغيرًا ملموسًا.

  • التجربة البرازيلية (الموارد كمنفذ للاقتصاد العالمي)

1- إيثانول قصب السكر: الكنز النفيس للبرازيل

يعد القطاع الزراعي عمومًا وقصب السكر خصوصًا موردًا هامًّا تتمتَّع به البرازيل وتعتمد عليه لتوطيد وجودها في الاقتصاد السياسي العالمي، وقد انخرطت الدولة في عملية “التحديث المحافظ للريف” في الستينيَّات، وازدهرتْ معها صناعة الإيثانول حيث تم إنشاء (البرنامج الوطني للكحول) عام 1975 لتقليل آثار الصدمة البترولية الأولى وذلك بمزج الكحول مع الزيت المستورد واستعماله كوقود بديل يستعمله أصحاب مصانع قصب السكر، ومع الصدمة البترولية الثانية عام 1979 تمَّ إنشاء سيارات تعمل بالكامل بالكحول، ثم زادت أهمية الإيثانول مع غزو العراق عام 2003 مع إنشاء محرِّك مرن يمكن أن يعمل بالبترول أو الإيثانول، ونمت صناعة “السيارات المرنة” في البرازيل حتى غدتْ تمثِّل 75٪ من إجمالي السيارات في البرازيل عام 2007، وتتنامى أهمية هذه الصناعة مع تنامي المخاطر البيئية العالمية.

ورغم تبنِّي النيوليبرالية، أبقت الدولة البرازيلية على ثلاث مؤسَّسات هامَّة بعيدة عن الخصخصة من أجل أن تكون الظهير الخلفي لدعم صناعة الإيثانول، وهي: بنك البرازيل (ثاني أكبر البنوك في أمريكا اللاتينية)، وشركة بتروبراس (كبرى شركات أمريكا اللاتينية ورابع أكبر شركة عالميًّا من حيث القيمة السوقية)، وبنك التنمية البرازيلي (وهو أهم مصدر للائتمان طويل الأجل للمؤسسات البرازيلية ويعد حاليا البنك الأكبر للتنمية عالميًّا).

وقد دعمت الدولة الترويج لصناعة الإيثانول في بدايات عهد دا سيلفا باعتبارها محرك النمو للدفع بالبرازيل إلى مصاف الدول الصناعية العظمى، تزامنًا مع تكهُّنات نهاية عصر النفط، وصعود عصر الوقود الحيوي، كما استثمرتْه الدولة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وخلق فرص عمل وتجديد الأراضي المتدهْورة، وعوَّلت عليه أيضًا لتحديث الزراعة ككل، لأنه يتطلَّب تحديث ميكنة الآلات الزراعية وتطوير بنية تحتية لنقل قصب السكر وتوزيعه مما قد ينعكس على قطاع الزراعة بأكمله.

واجهت صناعة الإيثانول تحديًا مع الأزمة العالمية عام 2009، حيث انحسرت الاستثمارات في قصب السكر، ولذا بذل لولا دا سيلفا جهدًا مكثَّفًا تمثَّل في الدعاية عالميًّا لاستخراج الإيثانول من قصب السكر باعتباره صناعة “خضراء” و”صديقة للبيئة”.

ولذا يمكن وصف سياسات لولا دا سيلفا بأنها “تنموية جديدة” لأنها حاولت التوسُّط بين مصالح الطبقة الرأسمالية وبين حقوق العمَّال، فهي وإن لم تنتصر لحقوق العمَّال بشكل تام، إلا أنها حرصت على تحسين أوضاعهم بشكل مباشر من خلال السياسات الاجتماعية واتفاقيات تحسين أوضاع العمَّال، أو بشكل غير مباشر من خلال العمل على تحسين المؤشِّرات الكلية للاقتصاد، ومع ذلك ظلَّت بعض الفئات داخل شريحة العمَّال مهمَّشة ومغبونة، ومن هذه الفئات النساء العاملات في قطاع الزراعة.

2- ضحايا النيوليبرالية: العاملات في البسْتنة المعدة للتصدير نموذجًا

لوحظ ارتفاع نسبة النساء العاملات في قطاع الزراعة خاصة الزراعة المعدَّة للتصدير، نظرًا لقابلية هذه الفئة للعمل المرن والمحفوف بالمخاطر لارتفاع مستويات الضعف الاقتصادي والاجتماعي، ويعدُّ قطاع البسْتنة المعدَّة للتصدير (خاصة العنب) بوادي ساو فرانسيسكو شمال شرق البرازيل مثالًا على ذلك.

تشكِّل النساء في ساو فرانسيسكو الغالبية العظمى من القوى العاملة في هذا القطاع، وفي حين كان أغلب العاملين في توريد العنب على مدار التسعينيَّات بعقودٍ دائمةٍ من النساء، إلَّا أن هذا العدد تراجع مع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ويعود استمرار النساء في هذه الأعمال لعدَّة أسباب، منها دقَّة النساء في أداء عملهن مع عدم المطالبة بالحوافز، وتقديم النساء لأولوية أخرى على العمل وهي “رعاية أسرهن”، وقلَّة تذمُّر النساء من الإشراف الدقيق لمشرفيهم مقارنةً بالرجال، وأخيرًا نظرًا لقلَّة فاعليَّة النساء سياسيًّا ونقابيًّا خلال الثمانينيَّات والتسعينيَّات فضلًا عن محاباة النقابات للرجال عند الحديث عن حقوق العمَّال.

وقد تمكَّنت النساء لاحقًا من الحصول على بعض الحقوق مثل: الحق في الحضانة والحق في أجازة شهرية لمدَّة يوم من أجل الذهاب للطبيب والحق في أجازة لمدة شهرين عند قدوم مولود جديد مع الاحتفاظ بالحق في العودة للعمل بعد ذلك، إضافة إلى حق العاملات في مساحة كافية بوسائل النقل تجنُّبًا للمضايقات.

وانخرطت بعض النساء في نقابة العمَّال فنجحت في الحصول على حقوق عمَّالية أكثر، وذهبت إلى أبعد من ذلك فعملت على رفع مهاراتهم، فارتفعت نسب محو أمية العاملين، وبالتالي تعزَّزَ تحوُّل القوة الهيكلية إلى قوة تنظيمية، كما تعزَّزَ وجودُ النساء في مجالات العمل ومجالات التمثيل النقابي.

  • التجربة الأرجنتينية (حركات شعبوية ومحاولات لتقديم نموذج تنموي جديد يدعى النيوليبرالية الديمقراطية)

تبنَّت الأرجنتين النيوليبرالية عام 1991 وانهار الاقتصاد بعدها بعقد تقريبًا في عام 2001 تزامنًا مع الأزمة الاقتصادية العالمية، لتخوض الأرجنتين بعدها ما يشبه مرحلة انتقالية من النيوليبرالية لتنتقل إلى نمط جديد للتنمية، وخلال هذا العقد أعادت الطبقة العاملة تنظيم نفسها، ونظَّموا احتجاجات شعبية في المقاطعات الجنوبية عام 1996 وكان وقودُها العاطلين عن العمل، فحالت دون تقدُّم المشروع النيوليبرالي.

لم تكف النيوليبرالية عن الاستمرار في الأرجنتين بل أعادت تشكيل ذاتها، وتمخَّض عنها مشروع تنموي جديد احتفظ بعنصرين هيكليَّين من النيوليبرالية هما: نهب السلع العامة من خلال الاعتماد على استخراج المعادن والزراعة بدرجة كبرى والاستغلال الفائق للعمالة بالاعتماد على العمالة غير المستقرَّة في عمليات الاستخراج، وأدَّى العاملان معًا لزيادة الأرباح، وتزامن ذلك مع صعود الصين وتزايد حجم التبادل التجاري بينها وبين الأرجنتين، وتزايد حجم صادرات الأرجنتين من فول الصويا والصادرات المعدنية فزادَ معدَّل صافي الصادرات (الصادرات مطروحًا منها الواردات) وانعكس ذلك إيجابيًّا على الاقتصاد.

وعليه، فقد أدركت الطبقات المهيمنة في الأرجنتين القوة المتصاعدة لطبقة العمَّال وتأثيرهم على الاستقرار السياسي، ولذا اتَّبعت الحكومة سياسة الجمع بين القمع المعتدل وتطبيق سياسات اجتماعية كخطوة استباقية تهدف إلى دعم دخول الفئات المختلفة لتثْبيط الاحتجاجات ضدها، واستمالت الحكومة دعم الفئات البرجوازية المحلية خاصة العاملة في مجال التصدير، وتبنَّت خطابًا شعبويًّا ينبذ النيوليبرالية على مستوى الخطاب، ويسترضيها على المستوى العملي، وقد قسَّمت الحكومة برنامج الدعم القديم إلى برنامجين، الأول: برنامج دعم الأُسر من خلال دعم الأمَّهات (المطلقات أو الذين يعولون أطفالهم بأنفسهم (Single Mothers، ودعم الرجال القادرين على العمل لكن تعوزهم الفرصة. الثاني: تأمين البطالة والتدريب.

– إعادة إنتاج النيوليبرالية الديمقراطية في الأرجنتين: حل كيرشنر لأزمة عام 2001

قادت هذه الفترة حكومة كيرشنر، محمَّلةً بتركةٍ اقتصاديةٍ مهلهلة، حاول نيستور كيرشنر معالجة الأزمة الاقتصادية، ولذا قامت حكومته بما يلي: تخفيض قيمة العملة مقابل الدولار الأمريكي للحصول على سعر صرف تنافسي، وأفاد ذلك القطاع الخاص لكنه ألْحق الضررَ بالفئات الفقيرة – الحفاظ على مستوى متدنٍّ لأجور العمال – إنشاء كيانات عمَّالية موازية للكيانات القائمة، ودعمها في مقابل تبنِّيها لخطط الحكومة لإخماد الاحتجاجات – استغلال الحالة الدفاعية التي تبنَّاها صندوق النقد الدولي بسبب الانتقادات الموجَّهة له لتخلِّيه عن الأرجنتين في خضمِّ أزمتها آنذاك – الاعتماد على موارد البلاد النفطية والزراعية (فول الصويا) وتصديرها للخارج، ممَّا ساعد على زيادة معدَّلات النموِّ وتحقيق فائض مالي – استثمار الفائض المالي لإنشاء برامج دعم اجتماعي للفقراء ودعم أسعار المرافق العامة وبالتالي تحقيق توافق سياسي واجتماعي – التنسيق مع المنظمات غير الحكومية لدعم شبكات الأمان الاجتماعي، وبالتالي تخفيف العبء عن الحكومة – استيعاب أزمة الثقة في المؤسسات الديمقراطية التقليدية، والاعتماد على خطاب شعبوي متحرِّر من الأحزاب والمؤسَّسات الديمقراطية.

وحاولت حكومة كيرشنر كذلك بَسْطَ هيمنتها من خلال إقرار ثُلَّةٍ من قوانين الطوارئ بصلاحيات استثنائية لاتخاذ قرارات تقديرية بشأن إنفاق الميزانية الوطنية، ونجحت في إخراج البلاد من حالة الركود، وفتحت قنوات تفاوض بين العمَّال وبين إدارة الشركات، فلم تعُد النضالات راديكالية، ونجحت كذلك في منع الاضطرابات السياسية والاجتماعية أو إدارتها إدارة فعَّالة وذلك دون إحداث أيِّ تغيير جذري في بنية السلطة أو التفاوتات الاجتماعية؛ ونتيجة لهذا الأداء الجيد كان تأثير الأزمة المالية العالمية عام 2008 على الأرجنتين طفيفًا.

لم تُسْهِمْ هذه التغييرات في تغيير الموقع الهامشي للأرجنتين في الاقتصاد السياسي العالمي، لكنها سمحت بتغلغُل رأس المال الخارجي، واستمرَّت في استغلال العمَّال، واستحدثت نمطًا جديدًا من السيطرة أو الهيمنة الاجتماعية (بنشر القلق من عدم الاستقرار الاقتصادي ليحلَّ محلَّ القلق بشأن النزاعات الطبقية وتحويل تبعات الأزمات للفئات الضعيفة، وتقليص شبكات الأمان الاجتماعي للحدِّ الأدنى).

وفي المجمل فإن الكتاب أضاف جديدًا فيما يتعلَّق بالحديث عن تنوُّعات الممارسة السياسية في القارة مثل الديمقراطية الاجتماعية الحديثة في البرازيل والنظام الشعبوي الكلاسيكي في الأرجنتين، لكن في المقابل يفتقر الكتاب إلى الاستراتيجية التحريرية حيث يعوزه التنظيم والترابط بين أجزائه حتى تُبْنَى فصولُ الكتاب على بعضها وتتكامل لتغذية الفكرة الرئيسية، وكان يمكن تحسين الكتاب ببذل جهد بحثي أو تحريري يُعْنَى بالمقارنات بين تجارب اليسار والنيوليبرالية في مختلف دول أمريكا اللاتينية، فقد كان من شأن ذلك أن ينشئ مفاهيم جديدة لها ثقلها في العلم مثل مفهوم “الأزمة” أو “التناقض”.

ومن جانب آخر فإن الكتاب تصدَّر للحديث عن أمريكا اللاتينية، ولكنه يناقش أوضاع أربع دول فقط هي الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وفنزويلا، ولم يعلِّل الكتاب في مطلعه سبب اختيار هذه البلاد دون غيرها لتمثيل القارة اللاتينية.

ومن جانب ثالث، فإن الكتاب يخلص أحيانًا إلى استنتاجات متناقضة ظاهريًّا، فمثلًا يتحدَّث فصل الأرجنتين عن ظهور شكلٍ جديدٍ للدولة جاهزٍ للاستجابة لمطالب رأس المال وقادرة على التكيَّف سياسيًّا مع تكوين طبقي جديد بحلول عام 2010، لكنه في موضع آخر يقول إنه لم يحدث تغيير سوى أن النيوليبرالية غيَّرت شكلَها الخارجي لتتأقلمَ مع السياق الجديد.

ثانيًا- حلول اقتصادية للأزمات في القارة اللاتينية: التحويلات النقدية المشروطة في أمريكا اللاتينية

يعرض هذا الجزء لكتاب “صياغة السياسات لإنهاء الفقر في أمريكا اللاتينية: التحول الهادئ[2]، فتُعَدُّ برامج “التحويلات النقدية المشروطة” إحدى وسائل مكافحة الفقر المستخدمة في أمريكا اللاتينية، فقد تم تطبيقها في 17 دولة في القارة ومنها الأرجنتين والمكسيك وبيرو وجواتيمالا وكولومبيا، وقد تمَّ تطبيقها تزامنًا مع انتشار الديمقراطية والأزمات الاقتصادية الحادَّة التي عصفتْ بالقارة، وتطبَّق البرامج في دول أخرى محسوبة على عالم الجنوب مثل اليمن وباكستان.

وتقوم برامج التحويلات النقدية المشروطة على فكرة “إصلاح السياسة الاجتماعية” لمكافحة الفقر، وتهدف إلى كسر حلقة انتقال الفقر عبر الأجيال من خلال دعم أبناء الفقراء بتحويلات نقدية عينية تتفاوت وفقًا لعدد أفراد الأسرة وأعمارهم وجنسهم، ويُشترط على هذه الأسر الالتزام بذهاب أبنائهم المنتظم إلى المدارس وخضوعهم لكشوفات دورية في المراكز الصحية وحضور جلسات توعية كذلك.

يُعَدُّ البرنامج الذي طبَّقته المكسيك تحت عنوان Oportunidades النموذج الأصلي من هذه البرامج، ويستهدف البرنامج الاستثمار في تعليم الأطفال وتغذيتهم وصحتهم، ولذا يقدِّم المساعدات إلى ربَّات الأسر الفقيرة في المجتمعات الريفية، ويتألَّف البرنامج من ثلاثة مكونات:

1- تحويل نقدي مباشر يهدف إلى دعم الإنفاق على الغذاء، وصرف مكمل غذائي للنساء الحوامل والمرضعات والأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أربعة أشهر وعامين.

2- تحويل نقدي مباشر للأسر لتعويضها عن عائد عمل أطفالها المتوقِّف نظرًا لالتزامهم بحضور المدارس.

3- تقديم رعاية صحية لكافَّة أفراد الأسرة، مع التركيز على بُعد الوقاية من الأمراض.

وعادة ما يتمُّ معاقبة الأسر -ويكون ذلك غالبًا عن طريق إيقاف التحويلات- في حالة عدم التزامها بالشروط، كما تكون هناك مسوحات دورية للتأكُّد من أهلية الأُسر المنضوية تحت البرنامج لاستمرار الاستفادة منه.

تفضِّل الحكومات هذه البرامج نظرًا لتكاليفها المتواضعة مقارنة ببرامج أخرى مثل المعاشات التقاعدية (حيث يخصَّص لها أقل من 1٪) فقط من الناتج المحلي، كما تُجَنِّبُ الحكومات والدول الاعتمادَ طويل الأجل على الرعاية الاجتماعية لأن الانضمام للبرنامج مقيَّدٌ بشروط وليس دائمًا، كما تجتذب التحويلات اليسارَ لأنها وسيلة لإعادة التوزيع والدمج الاجتماعي، كما أن صلاحيتها أطول مقارنة بالمساعدات الغذائية العينيَّة، وأخيرًا توفر صلة مباشرة بالمواطنين الفقراء، وهذا مما يهمُّ السياسيِّين.

تمرُّ البرامج عمومًا بثلاث مراحل هامَّة هي التصميم والتنفيذ وتقييم الأداء والوقوف على النتائج، ويتفاوت نجاح هذه البرامج من دولة لأخرى لعوامل متعدِّدة، فتعدُّ كل من المكسيك والبرازيل وبوليفيا من أنجح التجارب في تطبيق برامج التحويلات النقدية لأنهم تمكَّنوا من منع السلطات التنفيذية من استغلال البرامج للتربُّح الانتخابي، ففي المكسيك تحظر القواعد التشغيلية لبرنامج التحويلات النقدية المعروف بـ Oportunidades أو Progresa التوسُّع في البرنامج قبل الانتخابات بستَّة أشهر، وأمَّا في بوليفيا فتوزيع المساعدات موكولٌ إلى القوات المسلَّحة للحدِّ من قدرة السلطة التنفيذية على التدخُّل مباشرةً في عملية النقل، وأمَّا في البرازيل فقد ساهمت كلٌّ من نزاهة الحكومة في تنفيذ البرنامج ونجاح البرنامج بالفعل في مكافحة الفقر في نجاح لولا دا سيلفا في الدورة الثانية له، وتتَّسم البرامج الناجحة بمجموعة من السمات المشتركة، وهي:

1- استقلالية البيروقراطية: تسهم قوة البيروقراطية واستقلالها عن القوى الاقتصادية والاجتماعية في إنجاح برامج التحويلات، وتعدُّ المكسيك والبرازيل النموذجين الأنجح في هذا الصدد.

2- قوة الدولة: ويقصد بذلك قدرتها على تحمُّل الأعباء الإدارية التي تتطلَّبها التحويلات النقدية.

3- تبنِّي بعض المؤسَّسات الدولية للبرامج: مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وبنك التنمية للدول الأمريكية ووكالات دولية أخرى.

4- شفافية البرنامج، واحتواء وثائقه على ما يلي:

أ) أخطاء التضمين والاستبعاد في نظام الاستهداف.

ب) التحقُّق من امتثال الأسر المنضوية تحت ظلِّ البرنامج لشروطه، وتوقيع العقوبة على الأسر غير الملتزمة.

ج) التأكيد على إتاحة المعلومات الخاصة بالبرنامج أمام الجمهور، مثل نفقات البرنامج وجداول التحويلات وغيرها.

د) صدور وثيقة من منظمة غير حكومية محلية أو دولية لتقييم أثر البرنامج.

  • آليات تنفيذ البرنامج:

يبدأ تنفيذ البرنامج حين تختار الحكومة وكالةً لتشغيل البرنامج، وتحديد أنشطة الوكالة والحصول على التمويل، تُمْنَحُ السلطة الخاصة ببرامج التحويلات النقدية المشروطة إلى فئتين، هما:

1- السلطة التنفيذية: وعادة ما تتمثَّل في الرئيس، ولها سلطة التصرُّف في ميزانية البرنامج وتصميم السياسة والقواعد التشغيلية لتحديد التفاصيل المتعلِّقة بتوزيع المساعدات.

2- المجلس التشريعي: وله سلطة التصرف بوجه عام في الميزانية المخصَّصة للبرنامج ككل، ولذا ترجع إليه الموافقة على الموازنة التي يقترحها الرئيس أو رفضها.

هناك أربعة احتمالات لطبيعة العلاقة بين الرئيس والمشرعين كما يلي:

أ) مشرِّع من حزب الرئيس، ومن جناح الحزب التابع للرئيس.

ب) مشرِّع من حزب الرئيس، ومن جناح الحزب المعارض للرئيس.

ج) مشرِّع من أحزاب المعارضة للرئيس.

د) مشرِّع من أحزاب المعارضة التي ائتلفت مع حزب الرئيس.

ففي حين ينصب اهتمام المسؤولين السياسيِّين على نتائج السياسة، ينصبُّ اهتمام المشرِّعين على وضع القواعد التشغيلية ومراجعة ميزانية البرامج سنويًّا، وهناك سيناريوهات مختلفة كما يلي: فالتناغم بين المشرِّعين والمسؤولين السياسيِّين يفتح الباب للفساد والمحسوبية. وغياب التحالف يزيد فرصة عدم التلاعُب بالبرامج. أما تطبيق البرامج التي تتميَّز بدورٍ محايدٍ للرئيس واتِّباع قواعد تشغيلية صارمة فإنه يزيد من فرص مكافحة الفقر.

في ضوء السياق السياسي والاقتصادي، فإن أمام الرئيس واحدًا من ثلاثة سيناريوهات، الأول: أن يكفَّ الرئيسُ يدَه تمامًا عن التدخُّل في آليَّات عمل البرنامج، ويواصل برنامج التحويلات عملَه كأداة سياسية لمكافحة الفقر. الثاني: تدخُّل الرئيس في تصميم برنامج التحويلات النقدية وتصميم قواعد تشغيلية لا تحدُّ من سلطة الرئيس فيما يتعلَّق بتنفيذ السياسة. الثالث: تدخُّل الرئيس في تصميم برنامج التحويلات النقدية وتصميم قواعد تشغيلية تحدُّ من قدْرة الحكومة على التلاعُب بالبرنامج لتحقيق مكاسب سياسية.

يفترض الكتاب أن هناك عددًا من المتغيِّرات الهامَّة التي تؤثِّر على تصميم السياسة الاجتماعية لتطبيق برامج التحويلات، منها: العلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية – الأزمات الاقتصادية التي تدفع الرؤساء للتدخُّل لحلِّ الأزمة بشكل فعلي وليس للتربُّح السياسي منها خاصة مع ارتفاع تكلفة اتِّخاذ الرئيس قرار تصميم برنامج يمكن التلاعُب به، ولذا يتبنُّون البرامج بقواعد تشغيلية صارمة غالبًا كإحدى محاولات إصلاح السياسة الاجتماعية – التوجُّه الأيديولوجي للرئيس، حيث يميل الرؤساء ذوي الخلفية اليسارية للإنفاق الاجتماعي بدرجة أكبر مقارنة بالرؤساء ذوي الخلفية اليمينية، لكن قوة البرنامج لا تتأثَّر بكون الرئيس يمينيًّا أو يساريًّا – الناتج المحلي الإجمالي للفرد وذلك للوقوف على حجم النفقات على الرفاهيات – مدى تراجع التصنيع في البلاد والذي يتزامن معه غالبًا ارتفاع معدَّلات عمالة الأطفال فضلًا عن البطالة أو العمل غير الرسمي ويتزايد عدم الاستقرار الأسري ويزداد الضغط على الحكومة لإصلاح سياستها الاجتماعية – تأثير العولمة الاقتصادية على الإنفاق الاجتماعي.

أمَّا نتائج السياسة فتتأثَّر بثُلَّةٍ من العوامل الأخرى، منها: الرقابة الشديدة من قبل المجالس التشريعية على الرئيس، فكلَّما واجهَ الرؤساءُ رقابةً أشد من المجالس التشريعية كلَّما كان تصميمهم لبرامج التحويلات النقدية أكثر صرامةً؛ وبالتالي تكون البرامج أقرب للكفاءة في مكافحة الفقر، وكذلك درجة قوة الدولة، ويتعدَّد تعريفُ قدرة الدولة، ويرتبط التعريف الأشهر بقوة البيروقراطية، والتي تتَّسم بالعمليَّات الموحَّدة والتوظيف على أساس الكفاءة والقدرة على تقديم الخدمات والعمل بمعزل عن الضغوط السياسية، وكلَّما  كانت البيروقراطية أقوى كلَّما كانت نتائج البرامج أفضل.

  • البرامج والمحسوبية:

قد يتلاعب المسؤولون السياسيُّون ببرامج التحويلات لتحقيق مصالح خاصة، والقواعد التشغيلية الصارمة هي الضامن الأوحد لزوال المحسوبية من برامج التحويلات النقدية، وذلك لثلاثة أسباب هامة، أولًا: تضمن القواعد التشغيلية الصارمة وجود إدارة عالية الجودة للبرامج، وبالتالي فإن تحديد المستفيدين يكون دقيقًا، فتنأْى الأسرُ ذات المستوى المالي المرتفع عن الاستفادة بهذه البرامج، ممَّا يجعل تكلفةَ شراء أصواتها مرتفعةً. ثانيًا: يتمتَّع البرنامج القوي بخدمة إعلامية دعائية قوية تمكِّن المستفيد من معرفة الامتيازات التي يمكِنُه الحصول عليها من البرنامج مباشرة دون الحاجة لوسيط، فيحصل المستفيدون على الامتيازات بشكل عادل وتتلاشى المحسوبية. ثالثًا: تتضمَّن القواعد التشغيلية الصارمة أنظمة صارمة للتنفيذ والمراقبة، مما يقلِّل من فرص التلاعب من قبل الوسطاء بموارد البرامج لتحقيق أغراض موازية للبرنامج.

  • البرامج والسياسيون والانتخابات:

بالنسبة لتأثير البرامج على الساسة في الانتخابات، يُعَدُّ نجاحُ البرنامج عمومًا مصلحةً هامَّةً من مصالح الرؤساء حتى لو كانت استفادتهم المباشرة منه ضعيفة، لأن إخفاق البرنامج كليًّا أو جزئيًّا قد يدْفع المشرِّعين إلى سحب التمويل من البرنامج، وهذا لا يَصُبُّ في مصلحة الرؤساء، لأن ذلك قد يعرِّضهم لاحتجاجات مجتمعية وسخط شعبي، فلذا يلجأ الرؤساء أحيانًا لتنفيذ سياسات بضوابط صارمة تفاديًا لهذا السيناريو، وهو ما يعني أن الرؤساء يهتمُّون بكلٍّ من تصميم السياسة وتنفيذها ونتائجها.

وقد يدفع نجاح البرنامج الناسَ لاختيار الحزب أو الرئيس مرةً أخرى، وقد فسَّرت بعضُ وسائل الإعلام نجاح لولا دا سيلفا في انتخابات عامي 2000 و2006 بنجاح تنفيذه لبرامج الدعم النقدي المشروط، وذات الأمر في المكسيك وكولومبيا وجواتيمالا.

  • نجاحات البرنامج:

ساهمت هذه البرامج في خفض نسبة الفقر وعدم المساواة في القارة اللاتينية، حيث انخفضت نسبة السكَّان الذين يعيشون على أقل من 2.5 دولار يوميًّا من 28٪ إلى 16٪ من إجمالي السكَّان، كما انخفضتْ نسبة السكَّان الذين يعيشون على أقل من 4 دولارات يوميًّا من 44٪ إلى 30٪ من إجمالي السكَّان وذلك بين عامي 1992 و2009، كما ساهمت هذه البرامج في خفض نسبة عدم المساواة في 12 دولة من دول القارة.

  • مستقبل برامج التحويلات:

لقد أحرزتْ برامجُ التحويل النقدية نجاحات هامَّة فيما يتعلَّق بمكافحة الفقر في أمريكا اللاتينية، ومن المحتمل توسيع نطاقها لتشمل عددًا أكبر من المستفيدين، إلَّا أنها مع ذلك قد تواجه تحديات مستقبلية، ومنها: تأثير التوسُّع على جودة خدمات التعليم والصحة، وما يتطلَّبه من زيادة الاستثمار في قدرات القطاعين الصحي والتعليمي وإلَّا تأثَّرت جودة خدمات التعليم والصحة سلبًا – توفير الموارد المالية اللازمة لتوسيع البرنامجين، حيث يلزم توسيعَ البرامج مواردُ ماليةٌ خاصة، وقد تضطر الحكومات إلى الاعتماد على القوى المجتمعية الداخلية لتمويل هذه البرامج، وبعض هذه المجموعات لا تستفيد من البرامج شيئا (خاصة أبناء الطبقتين المتوسطة والعُليا) لذا قد تواجه الحكومة ردًّا عنيفًا من قبل هذه الفئات – إضفاء الطابع المؤسَّسي على هذه البرامج باعتبارها أحد أعمدة السياسة الاجتماعية، حيث إن تبنِّي البرامج يكون مدفوعًا إمَّا بالاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن الأزمات الاقتصادية أو بالرقابة التشريعية، ويبقى السؤال حول ديمومة هذين الدافعين قائمًا، فإذا غاب الدافعان، فهل سيظلُّ الإلحاحُ لتبنِّي هذه البرامج قائمًا؟ – تحديد نطاق المستفيدين من البرنامج، فمن خلال تحديد عتبة الفقر التي تحدِّد استحقاق المساعدات من عدمه، إضافة إلى مراعاة المتغيِّرات في المستوى الاقتصادي للمستفيدين من البرنامج، وما يترتَّب على ذلك من استمرار استحقاقهم لتلقِّي المساعدات أم لا – وعلى الرغم من ذلك فقد ساهمت هذه البرامج في تحسين مستويات المشاركة السياسية وتفعيل المرأة في قضايا الشأن العام.

يحسب للكتاب أنه قدَّم ما يشبه “الدليل التنفيذي” لتبنِّي مثل هذه البرامج، وإن كان الكتابُ يحتاج إلى معرفة متقدِّمة بالمناهج الكمِّية لأنه اعتمد على هذه المناهج من أجل دراسة البرامج في أمريكا اللاتينية اعتمادًا كبيرًا، كما قدَّم التجارب المختلفة لتطبيق البرامج تقديمًا موجزًا وركَّز في أغلب الورقة على استعراض النماذج الناجحة والأسباب النظرية المجرَّدة لنجاح البرنامج أو فشله، بينما لم يطل الحديث عن أيِّ تجارب فاشلة باستثناء حديث سريع وموجز عن برامج ناجحة لكنها أتتْ بعد تجارب فاشلة في التطبيق، وكان سبب الفشل تطبيق قواعد تشغيلية متساهلة لتطبيق البرنامج.

خاتمة:

في ضوء ما سبق، يمكن الخروج بثُلَّةٍ من الدلالات الجامعة والدروس المستفادة في السياقين العربي والإسلامي، منها أنه لا بدَّ لأيِّ تغيير أن يتحلَّى بفقه الواقع؛ بمعنى الاستبصار بالذات وإدراك مواطن القوة والضعف والوعي بالسياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفاعلين فيه، كما يتطلَّب التحلِّي بفقه الممكن وليس المثال، فهناك تغييرات لن تتخطَّى الأماني لأن الفاعلين غير جادِّين أو لأنها فوق مستوى الممكن، كما يتطلَّب التغييرُ فاعلِين في ميادين شتَّى لأن المواجهة مع النيوليبرالية شاملة متعدِّدة الأدوات.

وقد برز دورُ المثقَّف في أمريكا اللاتينية في عملية التغيير، حيث لعب المثقَّفون اليساريُّون دورًا هامًّا مما ساعد على فتح الباب لعودة اليسار للنقاش العام والأكاديمي، ويثور هنا تساؤلٌ عن دور المثقَّف في السياق العربي والإسلامي، وفقهه بواقعه، وقدرته على ابتكار حلول للتعامل مع تحديات سياقه.

وتتناول الورقة كذلك آليَّات التعامل مع أزمة الفقر كإحدى أبرز أزمات القارة اللاتينية، ويتَّضح من الورقة أن مكافحة الفقر لها مستويان أحدهما ضيِّقٌ يتعلَّق بآليَّات تطبيق البرامج ذاتها ابتداءً من تصميم السياسة ومرورًا بتنفيذها وانتهاءً بإحصاء نتائجها، أمَّا النِّطاق الآخر فهو نطاقٌ أوسع يتعلَّق بتهيئة السياق لتطبيق هذه البرامج سواء السياق المؤسَّسي المتعلِّق ببناء قُدرات الدولة الإدارية والبيروقراطية، أو الثقافية المتعلِّقة بفقه التوافقات والمواءمات السياسية بين الفاعلين، أو القيمية المتعلِّقة بالحرص على الشفافية في تداول المعلومات وما يترتَّب عليها من مساءلة، ويمكن الخروج بمجموعة من التأمُّلات كما يلي:

1- يلزم أي دولة بصدد استنساخ هذه البرامج لمكافحة الفقر الوقوف على تجارب الدول السابقة عليها في تنفيذ هذه البرامج، سواء كانت تجارب ناجحة للتأسِّي بها أو تجارب فاشلة لتجنٌّب ثغراتها، وإلى جانب الدول المذكورة في ثنايا البحث فهناك بعض الدول العربية والإسلامية التي طبَّقت هذه البرامج، والتي يمكن الاستفادة من خبراتها مثل: تركيا – كمبوديا – إندونيسيا –  نيجيريا – باكستان – اليمن.

2- برامج مكافحة الفقر لا تكفي وحدها إن لم تُنَفَّذْ بآليَّات ضابطة وحازمة للفاعلين في إطار هذه البرامج لضمان فاعليَّتها.

3- القضاء على الثُّغرات التي تتسبَّب في فشلٍ بالبرامج بحلولٍ عملية، فمثلًا تُعَدُّ المحسوبية أحد أبرز الثُّغرات التي قد تؤول بالبرامج إلى الفشل، ولذا فقد عالجتْها بعضُ الدول قانونيًّا بتجريمها، بينما عالجتْها أخرى بتشديد أساليب المراقبة والتقييم التي يخضع لها المسؤولون السياسيون، وغيرها من الوسائل.

4- التطبيق الناجح يضمن تعظيم مكاسب هذه البرامج، فلا تقف النجاحات عند مكافحة الفقر وتحقيق المساواة، بل تتعدَّاها للارتقاء بمستوى المشاركة السياسية والعملية الانتخابية.

كما يمكن الخروج بمجموعةٍ من الخطوات العملية، مثل: الحفاظ على ممتلكات القطاع العام، والبُعد عن الخصخصة وبرامج التكيُّف الهيكلي، لأنها تكون في صالح رأس المال فقط وتغضُّ الطرف عن الطبقات الفقيرة وتعمِّق الديون، وتطوير ثقافة كفالة الضعيف في أوقات الأزمات، ويقصد بذلك تأمين الفئات الأكثر ضعفًا وتضرٌّرًا من هذه البرامج، مثل كبار السن وأصحاب المعاشات، وكذلك حرص المجتمع على التنظيمات القوية فيه، ليس لمصلحة هذه القوى وحدها، بل لصالح الشعب، حتى إذا ما استبدَّت الحكومات تجد مقاومةً منظَّمةً لها، فمثلًا إضعاف الحركة العمَّالية في بوليفيا كان له أكبر ضرر على البلاد لأن الحكومة طبَّقت حينها برامج التكيُّف دون رادع، وتغوَّلت بعدها في القمع الاجتماعي، ومن الخطوات العملية أيضًا الحصول على رأس المال من خلال استغلال الموارد الذاتية وتسويقها عالميًّا، مثلما استغلَّ كيرشنر في الأرجنتين الموارد الطبيعية، واستغل لولا دا سيلفا قطاع الزراعة والإيثانول في البرازيل ليكون له موطئ قدمٍ في الاقتصاد العالمي ويحصل على الاستثمارات.

وفي ذات الوقت، تثير الورقة عدَّة تساؤلات تحتاج إلى مزيدِ بحثٍ، ومنها: كيفية إدارة الدولة للمصالح المتناقضة، وكيف توفِّق بين التنمية التي تُحابي رأس المال والعدالة لإنصاف الفقراء وتوفير حياة كريمة له؟ وما سبب إخفاق الأحزاب في التغيير الجذري في السياق العربي والإسلامي من خلال الاستفادة من تجربة تشافيز في فنزويلا.

فصلية قضايا ونظرات – العدد الثامن والعشرون – يناير 2023

________________

الهوامش

[1] Susan J. Spronk and Jeffery R. Webber (eds.), Crisis and Contradiction Marxist Perspectives on Latin America in the Global Political Economy, (Leiden, The Netherlands: Koninklijke Brill nv, 2015).

[2] Ana Lorena De Lao, Crafting Policies to End Poverty in Latin America: The Quiet Transformation, (New York: Cambridge University Press, 2015).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى