مفهوم “الأمن القومي العربي” عند د. حامد ربيع ودلالاته المعاصرة

تقديم:
ينقسم هذا العرض إلى محورين[1]؛ الأول يستعرض بإيجاز مضامين كتاب “نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط”[2]، أما الجزء الثاني: فيتطرق إلى الدلالات المعاصرة لأبرز هذه المضامين والأفكار على الأمن القومي العربي خاصة في ضوء تحولات الربيع العربي.
المحور الأول: رؤية د. حامد ربيع للأمن القومي بين الأمس واليوم: استعراض موجز للكتاب
يحاول هذا الجزء استعراض أهم أفكار كتاب د.حامد ربيع “نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط” في قراءة متجددة لهذا الكتاب المهم [3]، الذي يكتسب مزيدًا من الأهمية في الفترة الراهنة، ومحاولة لاستدعائها لتفسير واقعنا الراهن. فقد كُتِب هذا الكتاب في أواخر عام 1983 ونُشِر عام 1984، أي بعد الغزو الإسرائيلي للبنان، وبدء الحرب الإيرانية-العراقية، وتدمير المفاعل النووي العراقي، وبعد الثورة الإسلامية في إيران، ومعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية.
ويكتسب هذا الكتاب أهميته أولًا من الكاتب؛ فالدكتور حامد ربيع كاتب موسوعي، كتب في جميع تخصصات العلوم السياسية (من الفكر السياسي إلى العلاقات الدولية والسياسة الخارجية إلى نظم الحكم والرأي العام وغيرها)، والأهم من ذلك أنه صاحب مدرسة وله تلاميذ قامت علاقته بهم على التقدير والمحبة، وتراوحت بين النقد أحيانا، والشدة أحيانا، وبعض من تتلمذوا عليه ساروا مسيرته وطوروا مقولاته. وهو عروبي بوضوح ومن أكثر المتحمسين للقوميين العرب الحاليين، وهو أيضا إسلامي بعمق أكبر من كثير من الحركيين الإسلاميين، سواء على مستوى الحماس الحركي أو على مستوى العمق المرتبط بالروحانيات والعقيدة، وما بينهما من رابط هو العقل.
هذا فضلًا عما يمنحه موضوع “الأمن القومي العربي” من أهمية إضافية للكتاب. فموضوع الأمن القومي العربي موضوع مهم تناولته كتابات أخرى في الفترة نفسها التي صدر خلالها هذا الكتاب؛ بعضها كان سابقًا عليه واقترب من الموضوع بشكل بسيط أو معمق، وبعضها الآخر كان لاحقا عليه مثل كتاب الدكتور جمال حمدان الذي تلاقى مع هذا الكتاب في مشتركات كثيرة.
ويتضمن الكتاب عدة أجزاء؛ الجزء الأول عن الأمن القومي العربي وصياغة مكوناته الفكرية، ويتكون من أربعة فصول، والجزء الثاني عن الأمن القومي الإسرائيلي وديناميات التعامل الإقليمية، ويتكون من ثلاثة فصول، بالإضافة إلى تصدير متميز يفسر كثيرا من القضايا الراهنة، وخاتمة حول بناء استراتيجية قومية لإدارة الصراع العربي-الإسرائيلي، وأربعة ملاحق تتضمن دراسات تطبيقية عن الأمن القومي.
والهدف الأساسي من الكتاب كما يحدده د.ربيع، هو تخطي حالة الاختلال الفكري والإدراكي الذي يمثل أحد عناصر الفشل العربي بكافة مقوماته: استراتيجيًّا واقتصاديًّا (التعاون الاقتصادي) وسياسيًّا (تحقيق الوحدة). والمنهج الذي يستخدمه هو المزج بين تخصصات عدة (التاريخ والجغرافيا والتحليل السياسي والفكر السياسي والفلسفة السياسية والدراسات السكانية والعسكرية) في محاولة لتخطي هذا الخلل والعوار الاستراتيجي.
ويبدأ د.ربيع الكتاب بتأكيد أن المعضلة الأساسية في التعامل العربي مع الأمن القومي منبعه عدم الإدراك الحقيقي للمفهوم وتطبيقاته المختلفة وارتباطه بخصائص المنطقة. ويحذر –في هذا الإطار- من توسيع المفهوم بدرجة مبالغ فيها؛ فإذا تضمن المفهوم “كل شيء” فإنه يعني “لا شيء”، وذلك من قبيل الحديث –مثلا- عن الأمن الغذائي باعتباره من الأمن القومي. كما يشير أيضا إلى منحى آخر في توسيع المفهوم بـ”تمييعه” من قِبل الطرف الأقوى بما يخدم مصالحه، ولا يضيف -في الوقت ذاته- قدرة تفسيرية للمفهوم؛ مثال ذلك اعتبار إسرائيل –حينئذ- أن بقاء السادات رئيسا لمصر يحفظ الأمن القومي.
لذا يميز الكاتب بين ثلاثة مفاهيم ذات اتصال: الأمن القومي والأمن الإقليمي والأمن الجماعي؛ فالأمن القومي في رأي د.ربيع ذو بعد استراتيجي تتفاعل فيه وتتعانق الحدود الجغرافية وعلاقات الجوار والمقومات الديموجرافية السكانية والاستقرار السياسي الداخلي، لتحقيق الطمأنينة والأمن والمحافظة على مصالح ومقدرات الدولة. أما الأمن الإقليمي فهو ترتيبات بين دول تنتمي لذات الإقليم الجغرافي لحماية مصالحها ومنع أي تدخل خارجي، والأمن الجماعي هو ترتيب أوسع قد يضم دولا من خارج الإقليم بهدف الدفاع المشترك واعتبار أي اعتداء على أي من هذه الدول اعتداءً عليها جميعًا.
ويضع د.حامد عددا من المحددات والمبادئ للأمن القومي العربي والمصري:
أولها- أن الدفاع عن الأمن المصري يبدأ من الشام، فيقول: “إن طبيعة سيناء تفرض على مصر أن الدفاع عن حدودها الشرقية يجب أن يتمركز في الشام، في أقصى الشمال خط الدفاع الأول، وفي قلب فلسطين خط الدفاع الثاني، ومن ثم يجب على القيادة المصرية أن تتجنب أي معركة في سيناء“. ومن المقولات الذهبية له في هذا الشأن: “أن المعركة في سيناء لا يجب أن تكون معركة دفاعية، لابد أن تكون المعركة هجومية بحيث يتم نقل القتال بسرعة خارج نطاق الأراضي المصرية“.
المحدد الثاني- هو أن علاقات مصر بدول منابع النيل يجب أن يكون أساسها التعاون والتنسيق الدائم بغض النظر عن طبيعة وخصائص النظام الداخلي لكل من مصر وهذه الدول.
المحدد الثالث- هو أن سياسة مصر يجب أن يسيطر عليها متغيرات “الانتشار الإقليمي” في منطقة الشرق الأوسط والمساندة الحركية من دول الجوار (الإشعاع الإقليمي)؛ فيجب أن يكون هناك نفوذ وتأثير لمصر في المنطقة المحيطة بها حتى تضمن الدعم من الدول المحيطة، خاصة الدول العربية.
وتحدث د.ربيع عن العوامل الثابتة في مفهوم الأمن القومي والتقاليد المصرية. واستخدم –في هذا الإطار- فكرة “النماذج التاريخية” في دراسة الأمن القومي، وذكر ثلاثة نماذج استدل بها على أن حفظ أمن مصر والدفاع عنه يبدأ من الشام؛ وهي: النموذج الفرعوني الذي شهد حالات للدفاع عن مصر من خلال الخروج إلى الشام، والنموذج الإسلامي ومنه ما قام به صلاح الدين الأيوبي من وحدة مصر والشام لطرد الصليبيين، ونموذج محمد علي الذي أدرك -رغم أن طموحاته كانت شخصية- أن تأمين مصر ينبع من أن يكون لمصر نفوذ في الشام وصل للمطالبة بحق مصر في الدفاع عن الأماكن المقدسة.
كما أشار إلى أهمية مصر للأمن القومي العربي في بداية فترة العصر الإسلامي، وفهم عمرو بن العاص لأهمية مصر بالنسبة للامبراطورية الإسلامية في بدايتها (كما أسماها) ومشورته لعمر بن الخطاب عندما رأى منه تراجعا عن فتح مصر. وليس من الشوفينية أن يعتبر د.حامد ربيع مصر قلب العالم العربي وأنه لا أمن عربي بدون مصر ذات الوظيفة الحضارية، بما تفترضه هذه الوظيفة الحضارية من قوة عسكرية، ومعها قوة اقتصادية وثقافية، تحميها. ولكنه –من ناحية أخرى- يرى أيضا أن مصر دون العالم العربي مكشوفة.
كما استعرض بعض الحقائق الجغرافية المؤثرة في تحديد الأمن القومي العربي، منها: أن مصر هي قلب العالم القديم ونقطة التقاء القارات الثلاث فيه، فكما أن مصر دولة مَعبَر هي أيضا دولة التقاء ولذلك ظلت دائما في خطر؛ لأن الأهمية تخلق الاهتمام، فأهمية موقع مصر الجغرافي دفعت العالم للاهتمام بها قديما وحديثا. ويؤكد د.ربيع –في هذا الإطار- بعدًا استراتيجيًا مهما، وهو ضرورة أن يكون لمصر أسطول بحري قوي حتى تحافظ على أمنها لما تتمتع به من شواطئ كبيرة (على البحرين المتوسط والأحمر).
وفي مقابل تلك الصعوبات، هناك مزايا تتمتع بها مصر؛ من أهمها: الموقع الاستراتيجي، والقدرات البشرية الهائلة، والتطور التكنولوجي (حينئذ)، ويرى د.حامد ربيع أن القيادات المصرية المتتالية أخفقت في تقدير هذه المقومات، بل واتخذت بعض الإجراءات التي حدت من الأمن القومي العربي؛ من ذلك ما فرضه جمال عبد الناصر من عزلة ثقافية واقتصادية على مصر ومنعها من الانتشار في المنطقة العربية، ومنها أيضا توقيع السادت اتفاقية كامب ديفيد، كما أن حكومة الوفد في الفترة الملكية لم تولِ اهتماما كافيًا لمد يد العوْن للدول العربية إلا في مناسبات قليلة.
وفيما يتعلق بالأمن القومي الإسرائيلي، وهو الوجه الآخر –العكسي- للعملة، يؤكد د.ربيع أن ما فشلت في تحقيقه القيادات السياسية والفكرية العربية هو ما نجحت فيه القيادات السياسية والفكرية الإسرائيلية على اختلاف توجهاتها، فقد كانت هناك أساسيات حاكمة وأدوات متنوعة استخدمتها إسرائيل لحماية أمنها القومي، وتحولت من دويلة صغيرة، سكانها من أجناس مختلفة ولغات متعددة، إلى كيان مهيمن على منطقة الشرق الأوسط، من تلك الأدوات: شدّ الأطراف، وتوزيع الأدوار. وسياسة “شد الأطراف” تعني تكوين جيوب حول الكيان المستهدف لعزله وإضعافه والتركيز على نقاط ضعفه وتعميقها لمحاصرته ومنعه من القيام بواجباته، ومثال ذلك: ما قامت به إسرائيل من بسط نفوذها في أفريقيا وتهديد منابع النيل، أو استخدام الأقليات في إضعاف كيانات أو دول معينة.
ويتحدث د.ربيع عن أربع دول أساسية في حفظ الأمن القومي العربي هي: مصر وسوريا والعراق والسعودية، وهي دول تعاني مشكلات داخلية ووفرة اقتصادية غير مستغَّلة في بعضها مقابل عوَز اقتصادي في البعض الآخر، الأمر االذي يُجرِّئ دول الجوار عليها. كما أشار في حديثه عن الأمن القومي العربي والمصري إلى تأثير ودور إيران، وبدرجة أقل تركيا، وقد تنبأ في هذا الإطار بامتداد النفوذ الإيراني من العراق حتى البحر المتوسط. ومن الجدير بالذكر أنه كان من أوائل من هاجموا مفهوم “الشرق الأوسط”.
ومن المهم مراعاة بعض الملاحظات عند قراءة هذا الكتاب في اللحظة الراهنة؛ حتى لا نُسقِط التحليلات والمواقف الواردة في الكتاب على واقعنا الحالي إسقاطًا أصم، ويتم استخدامها سلاحا للتناوش بين الفرقاء، بما لا يمنع –في الوقت نفسه- الاستفادةَ من المفاهيم ومنهج التفكير المستخدم في الكتاب للنظر في واقعنا الحالي..
فعلى سبيل المثال، تحدث ربيع عن مفهوم “شد الأطراف وتوزيع الأدوار”، وهي عملية مارستها الثورة المضادة في الدول العربية (وهي نظم ودول كبرى وليست أفرادا أو منظمات) مع الثورات العربية؛ فقد عمقت نقاط الضعف في الثورات العربية، واستفادت من وجود خلافات سياسية وفكرية وأيديولوجية كان يمكن التغاضي عنها باعتبارها خلافات ثانوية، كما استفادت من وجود الأقليات، وافتعلت بؤرًا صراعية ثانوية انجر إليها المشاركون في الثورة.
من المهم أيضًا عند قراءة هذا الكتاب الانتباه إلى أن بعض أفكار الكتاب تستخدم الآن في بعض الصحف السيارة استخداما معيبا، بل إن بعض الخبراء يستخدمون بعض مقولات الكتاب في تبرير أفعال الحاكم..
وختامًا لهذه الجزئية من عرض الكتاب، فإن أهم ما يمكن استخلاصه من الكتاب، أن المشكلة ما زالت كما هي، وأن القيادات السياسية والفكرية العربية ما زالت لا تفهم، ولا تريد أن تفهم حقائق الأمن القومي، وأن ذلك أحد أسباب فشل الواقع العربي. لذا، فإن قراءة هذا الكتاب الجامع لا بد أن تؤسس لأرضية جامعة، وإن اختلفت رؤانا وتصوراتنا المسبقة عن إدراكنا لما فيه..
المحور الثاني: حول الدلالات الراهنة لرؤية د. حامد ربيع لـ”الأمن القومي العربي”: مفهومًا ونظرية واستراتيجية
يحمل كتاب “نظرية الأمن القومي العربي” رؤية استراتيجية قدمها العلامة الدكتور حامد ربيع حول الأمن القومي العربي في حينه، ولكنها أيضا رؤية ذات دلالات متجددة في فهم وتفسير الواقع العربي الراهن.
ويمكن تحديد أهم تلك الدلالات فيما يلي:
- د.حامد ربيع والأمن القومي العربي: كتابٌ يستعيد قيمته في هذا التوقيت خاصة، وكاتب صاحب مشروع فكري وهمٍّ حضاري تعكسه شبكة قضايا مؤلفاته، ومنها في شأن الأمن القومي بالإضافة لكتابنا هذا: “اتفاقية كامب ديفيد: قصة الحوار بين الثعلب والذئب”، و”نظرية القيم السياسية”؛ فتحدث مرارًا عن القيم السياسية العربية وأن نجاح تقاليدها من شأنه تحقيق معنى “القومي” و”العروبي” الحق. ومن مؤلفاته كذلك: سلسلة “سوف أظل عربيا”، وسلسلة “أمتي أمة القيم”، وسلسلة “احتواء العقل العربي”، وسلسلة “الحرب القادمة”.
- الأمن القومي العربي همٌ متجدد: فلا يكاد القارئ لكتاب د ربيع يدرك أن العرب يطبقون نظريةً لفشل الأمن القومي وليس لبنائه ووضع استراتيجيته كما أراد ربيع. ولهذا الفشل مظاهر كما أن له منابت وجذورًا عالجها الكتاب لتخطي الخلل الفكري وسوء الإدراك لدى صانعي القرار العرب لقضية الأمن القومي العربي. والإدراك قضية مركبة تستلزم الوعي على أبعاد الفكر والحركة، وعلى مستويات الواقع في المواقف والمؤسسات وتفعيل الإمكانات. إن منهجية النظر والتناول للأمن القومي العربي مازالت مأزومة وتشهد سوء إدراك يجعل الوعي بها منعدمًا؛ بالإضافة إلى ضعف تجسُّد القومية العربية سياسيا حيث تعتبر حالة فكرية أكثر منها سياسية، علاوة على زيادة وطأة الخارج على الداخل وكيف أضحت من الإشكاليات المزمنة للأمن القومي العربي خلال قرني الاستعمار، الأمر الذي أحدث تحولا سلبيا في الأمن القومي العربي بشكل كبير تكرس إلى يومنا هذا ومشهده الراهن بين انهيار وتفكك لدول عربية وتدخل بقوى مشتركة لمصلحة بعض الدول.
- إشكاليات الأمن القومي بين ضرورات الأمن القومي الجماعي وتجزئة الأمن القُطري للبعد القومي؛ فالدولة الحديثة جزأت العرب والمسلمين وأنشأت دولا (بعد سايكس بيكو لاقتسام المنطقة العربية ومؤتمر برلين 1884–1885 لاقتسام القارة الأفريقية) لا تستطيع بأي حال حماية الأمن القومي ولو جماعيًّا ما دامت مجزَّأة، وأثر بُعد الهوية على تعريف مصادر التهديد (قطرية وطنية، أم قومية، أم إسلامية، أم دوائر متحاضنة ولكن كيف؟ ومتى؟). فعلى النظم العربية أن تعي كيف يجب أن تدير علاقاتها البينية مع الدول الإسلامية؛ فلا تحقُّق لاستراتيجية أمن قومي عربي إلا إذا تجاوزنا الصراعات والخلافات البينية إلى استراتيجية مواجهة بل وجهاد ضد العدو التاريخي لبلادنا وقوميتنا. إذن فالقضية ليست مجرد النظرة التحليلية للأمن القومي بين بعده القطري وأولوياته ولو على حساب الأمن القومي والإقليمي، ولا الأمن الجماعي لعدة دول تقرر التدخل العسكري في دولة جوار عربي دون وعي حقيقي بتوابع ذلك من مثل صبِّه في صالح العدو الصهيوني وضياع قضايانا معه… فالتجزئة دائمًا تنتج مشكلًا أمنيًا.
القضية إذن هي عدم الانزلاق من التحليل إلى التفكيك كمنهج للنظر والتناول لقضية محورية كالأمن القومي؛ فأمن قطر عربي لابد ألا يتعارض مع الأمن القومي العربي ولا الإسلامي بمفهومهما الاستراتيجي.
ومن هنا، فتخصيص جانب من الكتاب عن الأمن القومي المصري جاء انطلاقا من اعتبار مصر دولة محور في الأمن القومي العربي؛ فكما يقال “إن الشرق يحمي مصر ويحتمي بها أيضًا”، وحينما تستقل إرادة الدول ذات القيادة والمحورية في الإقليم يتحقق جانب مهم من مقومات نجاح استراتيجية للأمن القومي.
- في المقابل، فالأمن القومي الإسرائيلي واقعيًّا كان ولا يزال –منذ كتب د.ربيع وللآن- هو الأمن القومي المتحقق فعليًا في منطقة الشرق الأوسط. لكن المهم فعلا هو استدعاء تنظيرات ربيع في سياق: كيف نواجه التوسع الاسرائيلي؟ واقع التبعية العربي الراهن نتج عن تراجع قضية الصراع مع إسرائيل في الوعي العربي خاصة الرسمي منه، فضلا عن تراجع الوعي لدى عموم العرب والمصريين بصفة خاصة. فسؤال: من العدو؟ تختلف حوله الإجابات الآن بعد أن كان العدو واضحًا ومحددًا: إسرائيل والاستعمار.
- أقاليم القلب والجناح والثغور، مدخل مهم لوضع استراتيجية الأمن القومي؛ فربيع تحدث عن أن النهضة القادمة ستأتي من دول الأطراف (ماليزيا، إندونيسيا، تركيا) وهذه الأطراف من شأن قوتها أن تجعل القلب يتماسك. ومن ثم، فالأمن القومي ليس أمن الذات القُطرية فحسب وإنما أمن الكيان ومواجهة مصادر التهديد التي باتت تهدد الداخل والبينيَّ من قِبل الخارج عبر هجمات خلال مراحل تاريخية، في العصر الحديث والمعاصر، ممتدة تزداد وطأتها حاليًا، وبالتالي من الأهمية بمكان إدراك ضرورة تحقيق أمن الأمة قلبًا وأطرافًا حتى تتحقق مهمة الأمة ودورها ووظيفتها الحضارية، وهل هي عالمية؟
وفي الختام،
يمكننا استنطاق كتابات د.ربيع: بين أزمة ربيع وأزمة الربيع العربي: كيف تستعاد أزمة ربيع للخروج من أزمة العرب والربيع العربي خاصة مع تكالب الخارج عليه. فيمكن للقارئ تلمس مجموعات من الظواهر في ضوء كتاب الأمن القومي العربي:
- ظواهر تتراجع: كالعروبة، والجامعة العربية، …
- وظواهر تتقدم وتتحكم: كالظاهرة الإسرائيلية، والهيمنة الأمريكية، والظاهرة القُطرية…
- وظواهر مأزومة: وعلى رأسها الأمة ذاتها وكيانها؛ من حيث نقص شعورها بهويتها ووجودها وتحققها.
- وظواهر غائبة: كالديمقراطية (فيتحدث الكتاب عن إرادة الأمة لكنه لا ينتظر تحقق الديمقراطية في الأفق القريب منه مما يزيد الأمر لديه تأزمًا).
- وظواهر جنينية: كالظاهرة الإسلامية (الصعود الإسلامي).
- وظواهر منتظَرة: حيث يشير من طرف خفي إلى أن الواقع ينتظر ثورة، لعدم إمكانية استمرار الأوضاع المتردية، وأنها لا يمكن أن تتغير تغييرًا إصلاحيًّا.
فكيف نستفيد إذن من تلك الأزمة التي عاصرها د.ربيع في الخروج من الأزمة الراهنة؟ تمثَّل جوهر الأزمة -في رؤية ربيع- في الاستبداد المركب الذي يحيط بالأمة ويصعب الخروج منه، بما يحقق “أمن الاستبداد”، وهو ما يمكن في ظله الحديث الآن عن “أمن الثورة” وكيف يمكن أن يتحقق؟
ومن ثم، يمكننا استكشاف ملامح نظرية لأمن قومي عربي “ثوري” في ضوء الكتاب والكاتب:
- كاستراتيجية حماية وأمن الثورة (لو كان ربيع حيًا ماذا كان قائلا): التخطيط الثوري، والأدوات والتكتيكات الثورية، والتطبيق بالنجاح والفشل، والاستراتيجية المستقبلية.
- وكالمقومات الأساسية للنجاح الثوري: كالتماسك عبر المنطقة وتحويلها إلى “ثورة قومية” لحماية الأمة وتحقيق الأمن القومي الحقيقي للبلاد والعباد.
[1] مستل من كتاب: نادية مصطفى، سمية عبد المحسن (مراجعة وتحرير)، الأمن القومي المصري والعربي في ضوء تحولات الربيع العربي، سلسلة الوعي الحضاري (14)، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، دار البشير للثقافة والعلوم، 2016).
[2] حامد ربيع، نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط، (القاهرة، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 2022) (نسخة مُراجعة ومُحققة من الكتاب)
[3] قدم الأستاذ محمد كمال محمد- باحث دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، عرضًا لأهم الأفكار الواردة بالكتاب.

