عرض كتاب: النصب التذكارية والذاكرة في إفريقيا: تأملات في الاستعمار وتفكيكه

مقدمة:
صدر كتاب ” النصب التذكارية والذاكرة في إفريقيا: تأملات في الاستعمار وتفكيكه “[1] Monuments and Memory in Africa: Reflections on Coloniality and Decoloniality، في عام 2024. يبحث هذا الكتاب في كتابة التاريخ وأثرها في تشكيل المجتمعات من خلال النظر إلى النصب التذكارية المعرفية من مدخل استعمار الذات (Coloniality of being)، حيث يكون العرق والنوع الاجتماعي هما المبدآن المنظمان لها، واللذان ولّدا وجوديات متمايزة (Differentiated Ontologies)؛ تتراوح ما بين الوجودية الكاملة (للأبيض)، والوجودية الناقصة (للسمر والسود والملونين)، وصولا إلى الوجودية الفارغة (للسكان الأصليين)، تمكن استعمار الذات من الاستمرار بالرغم من الاستقلال السياسي، إلا أن هذا التقسيم ظل يحكم الرؤى المعرفية لكلٍ من الشمال والجنوب والعلاقة بينهما.
يدور الكتاب الذي حرره كل من جون صديق ساني John Sodiq Sanni أستاذ الفلسفة في جنوب إفريقيا و ماداليتسو زيليلو فيري Madalitso Zililo Phiri دكتور النظرية السياسية في جنوب إفريقيا، حول تفكيك الاستعمار في جانبه المعرفي من خلال التركيز على العلاقة بين النصب التذكارية وإعادة تذكر الاستعمار وكيف يمكن توصيفه وفهمه بعد مرور ما يقرب من سبعين عامًا، وعليه فهذا الكتاب يُركز على الأسئلة الآتية:
- ما هي النصب التذكارية، وماذا مثلت خلال الفترتين الاستعمارية وما بعد الاستعمارية؟
- ما هي طبيعة الذكريات التي تُثيرها هذه النصب في عالم اليوم؟
- ما الذي قد يتطلبه تفكيك الاستعمار عن النصب والجغرافيا التاريخية؟
- هل يمكن للطبقات الدنيا الملونة في الحداثة الاستعمارية أن تستمر في التعايش دون مستقبل متحرر من الاستعمار؟
- هل يجب أن تصيغ حركات الحرية والتحرر السوداء لغةً جديدة لفهم الأنماط المعاصرة للاستعمار والهيمنة؟
إن هذه الأسئلة لا تكتفي بالنظر إلى الماضي، بل تشتبك معه بطرقٍ تُشير إلى الحاضر، وتُوضح كيف يتحدانا هذا الحاضر لاستشراف واقع متحرر من الاستعمار.
منهجية الكتاب:
يعتمد هذا الكتاب على مقاربةٍ بينية عابرة للتخصصات، حيث يجمع بين الفلسفة وعلم الاجتماع التاريخي والسياسة والأدب لدراسة خطاب النصب التذكارية والذاكرة؛ إذ يُركز الكتاب على تحليل النصب التذكارية كرموزٍ تاريخية وثقافية استُخدمت لفرض القمع والهيمنة في الحقب الاستعمارية، وكيفية إعادة قراءتها من أجل إعادة تشكيل المستقبل. ويصب كل ما سبق في حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية في محاولةٍ لتفكيك المعرفة الاستعمارية وأثرها في قراءة التاريخ وأحداثه ومعانيه وعلاقة المجتمعات به، وكيف يُمكن إعادة النظر في الأحداث التاريخية وإعادة كتابتها لتحرير المجتمعات من الأسر المعرفي الغربي.
يُحاول الكتاب تقديم ما سبق من خلال ثمانية فصول: الفصل الأول: أيديولوجيا الإبادة المعرفية، الفصل الثاني: التفضيل العرقي(جينوفيليا) – ومواقع الأصول العرقية في كيب تاون، الفصل الثالث: النصب التذكارية والاختفاء: استعادة المساحات من الاستعلاء الاستعماري، الفصل الرابع: خلافات مُستعصية: جدل التماثيل وخطاب العدالة الانتقالي، الفصل الخامس: التحولات في النصب التذكارية واستحضار المعنى، الفصل السادس: النصب التذكارية (المستحيلة /الممكنة): “غوكوراهوندي” وسياسات التذكير في زيمبابوي، الفصل السابع: الإرث الاستعماري ونظام الفصل العنصري (الأبارتهايد): التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في جنوب إفريقيا، الفصل الثامن: تدمير النصب التذكارية التاريخية وخطر تجميل التاريخ.
مضامين الكتاب:
الفصل الأول- أيديولوجيا الإبادة المعرفية
كتب هذا الفصل الأكاديمي ماداليتسو ز. فيري (Madalitso Zililo Phiri)، وهو باحث مالاوي الجنسية، متخصص في الدراسات التنموية والعلوم السياسية، يعمل باحثًا في معهد الدراسات الاجتماعية والاقتصادية (ISER) بجامعة رودس، وينتمي “فيري” إلى المدرسة النقدية التي تدعو إلى “إنهاء الاستعمار المعرفي”.
يهدف هذا الفصل إلى إثارة إشكالية تحرير الفكر في القارة الإفريقية من خلال التفاعل مع الفكر الراديكالي الأسود، والإجابة عن تساؤل ماذا يحدث لجماعةٍ بشرية عندما تتلاشى الذاكرة والمعرفة معًا؟ إن القول بأن المعرفة كانت مستعمرة، وعنيفة، ومركزية أوروبية، وبالتالي عنصرية ليس أمرًا جديدًا، فقد تناولها العديد من المفكرين أبرزهم محمود ممداني، إلا إن ما يُحاول الكتاب طرحه هو رؤى المفكرين السود الراديكاليين في القرن العشرين لإنتاج بيئات معرفية تحررية تتجاوز تجريد الإنسان من إنسانيته ووحشية المعرفة الاستعمارية، وصولا إلى تحقيق مفهوم “الإنسان الجديد”.
فلقد تورطت العلوم الاجتماعية الغربية في مشروع العنف الاستعماري، ونظام المعرفة الهرمي العالمي الذي وصل إلى حد التشكيك في الإسهامات المعرفية لأولئك المصنفين عرقيًا كـ “سود”. حيث كانت جميع العلوم الاجتماعية والإنسانية غربية من الأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية /الإقليمية إلى اللاهوت والفلسفة والعلوم السياسية، وهي علوم بُنيت على سيادة الأبيض وتراتبية الأعراق. وفضلا عن الدافع الاقتصادي للاستعمار، كانت هناك بنية استعمارية أنتجت مجتمعات وثقافات وبشر مهمشين؛ وعليه يحاول هذا الفصل الإجابة عن مجموعة من الأسئلة:
السؤال الأول: ماهي الإبادة المعرفية؟ فهي بناء أوروبي جرى تبريره من خلال الاستعمار، وعرقنة المعرفة بوصفها “بيضاء”، وأنتجت تراتبيات جغرافية وسياسية ومعرفية عالمية. لم تنجح الإبادة المعرفية فقط في الاستهانة بالقارة الإفريقية ومعارفها ضمن الحداثة الرأسمالية مما أدى إلى ظهور اقتصاد سياسي عالمي هرمي وعرقي، بل إن بزوغ الحداثة الاستعمارية نفسها قد تحقق عبر أيديولوجيا إبادة المعرفة، التي بررت تشويه وسرقة وفصل الأفارقة عن الثورات المعرفية المركزية الأوروبية، وكذلك عن ذاكرتهم وبيئاتهم المعرفية.
فماذا يعني مصطلح “إبادة المعرفة” (Epistemicide)؟ إنه يعني إبادةً للمعارف وطرق المعرفة. وبالنسبة للأفارقة، تحقق ذلك من خلال إرساء المركزية الأوروبية عبر الوجود والمعرفة؛ حيث كانت الدونية المعرفية حجةً جوهرية استُخدمت للادعاء بالدونية الاجتماعية البيولوجية، أي أنها شملت الاستعلاء إزاء الإنتاج المعرفي لكل ما هو غير غربي وكذلك البشر واعتبارهم بشر درجة ثانية أو “متخلفين”. يطرح الكاتب أحد الأمثلة على إبادة المعرفة بأن العلوم الاجتماعية اعتبرت أن المجتمعات الإفريقية مجتمعات قبلية، تلك الرؤية لم توثر فقط في كيفية دراسة المجتمعات الإفريقية على تنوعها، بل حجمت طرح أي افتراضات أخرى أو زوايا مختلفة للنظر إلى تلك المجتمعات. حيث أصبحت إفريقيا باعتبارها حيز معرفي لا يُنظر إليها إلا من خلال القبلية والعرق، ويُرجح الكاتب أن مؤسس تلك الرؤى الغربية هو كانط باعتباره أحد الأعمدة التي تأسست عليها المركزية الغربية.
السؤال الثاني: وهو سؤال إبادة المعرفة والدولة القومية، ولقد عالج هذا القسم إشكالية دور الدولة القومية في إفريقيا كأداةٍ لتنفيذ “إبادة المعرفة” والإمبريالية الثقافية، حيث تم محو المعارف واللغات المحلية لصالح النماذج الغربية المهيمنة. فظهر سؤال غاية في الأهمية للدول المستعمرة، ألا وهو كيف يمكن المحافظة على المكاسب الاستعمارية فيما بعد استقلال المستعمرات؟
فالمعرفة والسلطة ظلتا منظمتين دومًا عبر حدود الأنظمة الثقافية الاستعمارية التي تُعبر عن نفسها من خلال الدولة القومية، فالبناء التاريخي للدولة القومية أثبت أنها الأداة التي ارتُكبت في إطارها جريمة إبادة المعرفة. فقد أشار النقديون أن الدولة القومية ليست مجرد نظام سياسي، بل “وعاء” لفرض ثقافة ولغة واحدة وتهميش الثقافات الأخرى (إبادة المعرفة) كمعيارٍ للمواطنة، بما يؤدي لمحو لغات ومعارف الأقليات أو الشعوب المستعمرة. واتصالا بما سبق، صك النقديون مصطلح “استقلال الأعلام”، وهو مصطلح تهكمي يُشير إلى أن الدول نالت استقلالا صوريًا (مجرد رفع علم جديد) بينما ظلت التبعية المعرفية والثقافية للاستعمار.
السؤال الثالث: ويدور حول مضمون التفكير في العلوم الإنسانية والاجتماعية بوصفها “صناعة عالم” في أنحاء إفريقيا؛ ذلك أن العلوم الإنسانية والاجتماعية الحالية أُنتجت ضمن نطاقات العنف الاستعماري، وأسست لمغالطة أن الحضارات الأخرى كانت حضارات منغلقة على ذاتها خاصة الحضارة في إفريقيا. وعليه، فإن تفكيك الاستعمار (Decolonization) يهدف إلى تغيير نظام العالم من خلال تفكيك الجيوسياسات المعرفية، ومن ثم يهدف إلى وضع إفريقيا المحررة كمركز للإمكانيات الإدراكية لإنتاج إنسانية جديدة.
وقد حاول العديد من المفكرين الأفارقة مثل فانون وسيمي وسنجور وديوب الإجابة عن سؤال: كيف يمكن تفكيك الاستعمار خاصةً الاستعمار المعرفي؟ وفي هذا الإطار، انقسموا إلى اتجاهين: ركز الاتجاه الأول على الفن والفلسفة والخطاب الحضاري، من خلال مركزية الأصول السوداء للحضارة الفرعونية لإعادة تشكيل الذاكرة. أما الاتجاه الثاني، فركز على اللغة وكيفية إنتاج الأدب من خلال اللغات الإفريقية وليس اللغات الأوروبية الست الحديثة /الاستعمارية: الإيطالية، والإسبانية، والبرتغالية (التي هيمنت خلال عصر النهضة)، والألمانية، والإنجليزية، والفرنسية (التي هيمنت منذ عصر التنوير). وما يزال الاتجاهان يُحركان ويقسمان النقاشات العامة والأكاديمية للتغلب على الإبادة المعرفية، ويسعى كل موقف منهما نحو نُظمٍ معرفية تتحدى هذه الإبادة مع الاعتراف بالقيود الاستعمارية.
خلصت الإبادة المعرفية التي مورست ضد القارة الإفريقية إلى أنها فضاء معرفي جامد لم يُسهم في الحضارة الإنسانية، وعليها إذن أن تتبع المركزية الأوروبية للخلاص من ذلك الجمود، ظلت هذه هي الحجة الأساسية للاستعمار ولسياسات ما بعد الاستعمار، واستخدمت أدوات عدة منها علوم مزيفة مثل الأنثروبولوجيا الاستعمارية التي ركزت على تحليل متحيز للصفات الجسدية، وفصلت شمال إفريقيا عن إفريقيا جنوب الصحراء باعتبارهما فضاءين منفصلين لا تلاقح فكري ومعرفي بينهما. ذلك دون اعتراف بالاندماج والتلاقح والارتباط بين الحضارة الفرعونية وباقي إفريقيا، أو بأثر الحضارة الإسلامية على مسار التاريخ الإفريقي وصعود ممالك وسقوطها. وقد كانت الأداة الثالثة للإبادة المعرفية هي الدولة القومية التي أعادت تشكيل المجتمع بلغةٍ وثقافةٍ مغايرة للمجتمعات الإفريقية، وعليه فإن وضع الإبادة المعرفية يستدعي نظرة مغايرة للتاريخ والاستعمار والعلاقة بينهما.
الفصل الثاني- التفضيل العرقي (جينوفيليا) – ومواقع الأصول العرقية في كيب تاون
كاتب هذا الفصل هو فاضل مرادي (Fazil Moradi)، وهو أكاديمي عراقي وباحث بارز في مجالات الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، يُركز في دراساته على قضايا الإبادة الجماعية، والعنف السياسي، والذاكرة، والعدالة.
يبدأ الكاتب الفصل بالتأكيد على ما يتعلق بفهم الإمبراطوريات الإسبانية والفرنسية والبريطانية والهولندية على أنها شبكات حكمت العالم الجديد (الأمريكتين) وإفريقيا وآسيا من خلال ممارساتٍ تدميرية وإبادة مُنظمة، حيث كانت شبكات العنف الاستعماري متشابكة مع معرفة استعمارية -إمبريالية تهدف إلى استدامة الاستعمار إلى ما لا نهاية.
يُركز الكاتب في هذا الفصل على كيفية ترسيخ الاستعلاء العرقي من خلال النصب التذكارية والمتاحف التي تستعرض رؤية متحيزة للتاريخ، حيث يدرس الباحث نماذج من النصب التذكارية والمتاحف في كيب تاون في جنوب إفريقيا التي تؤكد على الهوية العرقية، وهي ذاكرة لم تنشأ ولم تُصنع أبدًا في جنوب إفريقيا غير العرقية، إنما هي تحول كل مواطن في جنوب إفريقيا إلى موقع عرقي، وتضعه بين الماضي والمستقبل في علاقةٍ مستمرة مع الاستعمار والأبارتهايد القائمين على التراتبية العرقية و”سيادة البيض”، ذلك بما يحمي تاريخ وذاكرة وهوية الاستعلاء الأبيض حتى لو أعلنت تلك النصب والمتاحف أن ما سبق فترة تاريخية قد انتهت.
فقد تحولت جنوب إفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) إلى نموذجٍ يُؤكد ضرورة الثورة الإبستمولوجية المعرفية لتحقيق الثورة السياسية؛ حيث أدى نشر المعرفة حول عنف دولة الفصل العنصري (الأبارتهايد) إلى تحويل الأسئلة المتعلقة بما يعنيه أن تكون إنسانًا، وكيفية العيش معًا، وكيف تتحول حياة الفرد أو الإنسان إلى أفعالٍ جماعية من التضامن العابر للحدود، أو كيفية ترجمة المسؤولية الأخلاقية إلى ضرورات سياسية عالمية؛ إن هذه الروابط والحركات قد زعزعت العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية الراسخة بين دولة الأبارتهايد وباقي العالم.
الفصل الثالث- النصب التذكارية والاختفاء: استعادة المساحات من الاستعلاء الاستعماري
كاتب هذا الفصل هو جون صادق ساني (John S. Sanni)، هو أكاديمي نيجيري وباحث بارز يشغل حاليًا منصب أستاذ محاضر أول في قسم الفلسفة بجامعة بريتوريا في جنوب إفريقيا.
يؤكد الكاتب أن النصب التذكارية، بأشكالها الحالية والتاريخية، لها تبعات مباشرة على المجال العام. وما تقرر الدولة فعله تجاهها قد يُسهم في إنهاء استعمار ذلك المجال، ولكنه أيضًا ينطوي على خطر نسيان محتمل من خلال تطهير التاريخ؛ فالنصب التذكارية ليست مجرد رموز منفصلة عن المجالات السياسية والاجتماعية، حيث إنها تُجسد الماضي بطرق تتحدى الحاضر، وتتحدى كيفية صياغة النظرات والأسئلة والمخاوف والتصورات التاريخية في وقتنا الراهن. إن المواقف تجاه النصب التذكارية تتجاوز مجرد الرغبة في الحفاظ عليها أو تدميرها؛ فهي تُقدم سرديات تتطلب تفكيرًا نقديًا في الفضاءات والرموز وتداعياتها على فهم الواقع السوسيولوجي والاقتصادي في المجتمعات. بعبارةٍ أخرى، ليست النصب التذكارية مجرد تماثيل ومتاحف؛ بل هي كيانات مشحونة معرفيًا تمتد في علاقة ثلاثية من الماضي إلى المستقبل.
وعليه، يُركز هذا الفصل على التحليل النقدي للنصب التذكارية التاريخية من منظور “الظهور والخفاء”، والكشف عن نزعة التعالي للاستعمار واستعراضه للقوة والسيطرة والهيمنة من خلال النصب التذكارية، لإضفاء شرعية على تغييب السكان الأصليين (جعلهم غير مرئيين). ويُطالب الكاتب بفهم النصب التذكارية بما يتجاوز حالتها المرئية، مقترحًا أن الطريق لإعادة كتابة التاريخ والالتزام بالذاكرة -أملا في إنهاء الاستعمار- يتطلب التزامًا ليس تجاه التماثيل فحسب، بل تجاه مجالات التعالي الاستعماري أيضًا. ويقوم الكاتب بذلك من خلال عرض لبعض النصب الاستعمارية في دول إفريقية مختلفة، وكيف تُجسد هذه النصب مفاهيم التعالي، هذا مع التأكيد على أن النصب الاستعمارية تُروج لأيديولوجيات الظهور والخفاء؛ حيث يُفهم الظهور هنا كونه تصورًا للوجود يمنح الاستعلاء، بينما يُفهم الخفاء كشكلٍ من أشكال الدونية المفروضة على مجموعة معينة من الناس أو التي تتبناها تلك المجموعة.
الفصل الرابع- خلافات مستعصية: جدل التماثيل وخطاب العدالة الانتقالي
كاتبة هذا الفصل هي كيوليبوجيل مبيبي (Keolebogile Mbebe)، وهي أكاديمية وباحثة بارزة من جنوب إفريقيا، تشغل منصب أستاذة محاضرة في قسم الفلسفة بجامعة بريتوريا.
ترى الكاتبة إن هدف هذا الفصل هو المحاججة بأن خطاب العدالة الانتقالية عاجز تمامًا عن تقديم حل للجدل الدائر في جنوب إفريقيا حول علاقة النصب التذكارية لشخصيات استعمارية مثيرة للجدل بسلامة وتماسك المجتمع؛ لأنه يُمثل موقعًا للنزاع المفاهيمي الذي يُوضح الخلاف بين المساومة والإجماع في المجتمع الجنوب إفريقي.
وعليه، تقوم الكاتبة بتفصيل طبيعة ووظيفة النصب التذكارية، كالتماثيل مثلا، ومناقشتها من حيث طبيعتها الجمالية والسياسية ثم تشرح كيفية تجلي الجدل حول التماثيل في الديمقراطيات الليبرالية؛ مع عرض المنطق والخطوط العريضة للحجج المؤيدة لإزالة هذه الأنواع من التماثيل أو الحفاظ عليها؛ بعد ذلك، تُبين كيف يعكس هذا الجدل ما يدور في ميدان العدالة الانتقالية، وذلك من خلال مناقشة فلسفة هذا الميدان وآلياته؛ وتنتهي بتوضيح أوجه القصور في خطاب العدالة الانتقالية والجدل حول أثر مثل هذه التماثيل في تحقيق عدالة حقيقية للمواطنين.
الفصل الخامس- التحولات في النصب التذكارية واستحضار المعنى
كاتبة هذا الفصل هي مينكا وورمان (Minka Woermann)، هي أكاديمية وباحثة بارزة من جنوب إفريقيا، تشغل منصب أستاذة مشاركة في قسم الفلسفة بجامعة ستيلينبوش.
تؤكد الكاتبة في هذا الفصل بأن معنى أي أثر رمزي لا يمكن استيعابه بشكلٍ صحيح دون مراعاة الإطار الفلسفي لإنتاجه، وبُعده الزمني، وسياقه المحيط، وتُضيف بأن تدمير الآثار الاستعمارية وآثار الأبارتهايد لا يعني بالضرورة تخريبًا (أي طمس قوتها الدلالية)، بل يمكن بدلا من ذلك أن يفتح فضاءً لإعادة التفكير في الماضي بطرق تخدم المشروع المناهض للاستعمار، وتستكشف الطبيعة السياسية والفلسفية للتدخل، ودور الفنان -الناشط، والشروط التي تجعل التدخل مبررًا.
وترفق الكاتبة الفصل بموجزٍ حول أخلاقيات الاشتباك مع التاريخ والسياسة، مع التطلع نحو المستقبل، كل ذلك من أجل تحفيز التفكير في القوة الدلالية للنصب التذكارية، وطبيعة التدمير، والظروف والوسائل المناسبة للتدخل.
الفصل السادس- النصب التذكارية (المستحيلة /الممكنة): “غوكوراهوندي” وسياسات التذكير في زيمبابوي
كاتب هذا الفصل هو جيبسون نكوبي (Gibson Ncube)، وهو أكاديمي وباحث بارز من زيمبابوي، يشغل حاليًا منصب محاضر أول في قسم اللغات الأجنبية الحديثة بجامعة ستيلينبوش (Stellenbosch University) في جنوب إفريقيا.
ينطلق الكاتب من شرح أحداث مذبحة “غوكوراهوندي” في زيمبابوي؛ حيث قتل اللواء الخامس أكثر من 20,000 شخصًا بين عامي 1983 و1987، وأُصيب كثيرون غيرهم بإعاقاتٍ جسدية ونفسية. وقد عُرفت هذه الإبادة الجماعية باسم “غوكوراهوندي” (Gukurahundi)، وهي مصطلح بلغة “الشونا” يعني “الأمطار الأولى التي تجرف القش قبل الربيع”، ونُفذت تلك المذبحة لقمع معارضة موجابي في المقاطعات الجنوبية من “ماتابيليلاند” وكذلك في “ميدلاندز”. وللتعامل مع هذا التمرد، أرسلت الحكومة إلى المناطق الجنوبية من البلاد جيشًا “بريتوريًا” (حرس خاص) درّبته كوريا الشمالية.
ومن أجل فرض نسيان المذبحة على الشعب، شجعت الحكومة “النسيان الجماعي” لأحداث “غوكوراهوندي”، بل أصبح تذكرها أو إحياء ذكراها أمرًا شبه مُجرّم. ومن خلال الترويج لرواية وطنية (قومية) كبرى قائمة على الوحدة، اعتبرت الدولة أي أفكار تحيد عن هذه الرواية “مناهضة للثورة”. وكان نقاش قضية “غوكوراهوندي” أحد تلك الأفكار التي اعتُبرت متعارضة مع الرغبة الوطنية في الوحدة؛ وبالإضافة إلى منع النقاش العلني حولها، قامت الدولة أيضًا بفرض رقابة وحظر على الأعمال الفنية التي تُجسد تلك الإبادة.
إضافةً إلى فرض “النسيان الجماعي” ومنع إحياء الذكرى، لم تسمح الدولة أيضًا بإقامة النصب التذكارية. ويُحلل الكاتب في هذا الفصل ما يتصل باللوحات التذكارية التي دُمرت حتى لا يتذكر أحد تلك المذبحة، من خلال فحص الكيفية التي جعلت بها الدولة في زيمبابوي تذكر إبادة “غوكوراهوندي” أو إحياء ذكراها أمرًا مستحيلا، وفي المقابل شرح الطرق الإبداعية التي تمكن من خلالها الزيمبابويون من تذكر الإبادة وإحياء ذكراها بطريقة تتحدى ثقافة الصمت والنسيان التي تدعمها وتغرسها الحكومات.
الفصل السابع- الإرث الاستعماري ونظام الفصل العنصري (الأبارتهايد): التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في جنوب إفريقيا:
كاتب هذا الفصل هو فرانك أراغبونفوه أبوميري (Frank Aragbonfoh Abumere)، هو فيلسوف وعالم سياسة نيجيري الأصل، يعمل حاليًا كأستاذ مساعد زائر في جامعة كلارك أتلانتا بالولايات المتحدة، وهو زميل في “مدرسة أبوجا للفكر الاجتماعي والسياسي” بنيجيريا.
يتناول هذا الفصل نظام الفصل العنصري (Apartheid) في جنوب إفريقيا الذي خصص الأراضي الصالحة للزراعة للبيض، والأراضي القاحلة للسود. وبالإضافة إلى ذلك، كان البيض يتمتعون بحرية التنقل والعيش في أماكن أفضل اقتصاديًا، في الوقت الذي كان السود يفتقرون لهذه الحرية ولا يُمكنهم العيش في تلك المناطق. وعلى الرغم من نهاية نظام الأبارتهيد في جنوب إفريقيا، إلا إن المميزات والنظم الفرعية التي أنشأها ظلت قائمة حيث ما زال البيض في وضعٍ أفضل، بينما السود في وضعٍ أسوأ.
ينتقل الفصل إلى دراسة تطبيق نظرية “الحدية” (limitarianism[2]) لروبينز على جنوب إفريقيا، حيث يقوم الكاتب بفحصها عبر ثلاثة مستويات، الأول، عرض النظرية والحجج التي استندت إليها لتبريرها. بينما ناقش المستوى الثاني الاعتراضات التي أُثيرت ضد النظرية وكيف تم دحضها بنجاح، وتناول المستوى الثالث ما يراه الكاتب من إشكالياتٍ في النظرية وكيفية التفاعل معها.
الفصل الثامن- تدمير النصب التذكارية التاريخية وخطر تجميل التاريخ:
كاتب هذا الفصل هو جون صادق ساني (John S. Sanni)، أكاديمي نيجيري وباحث بارز يشغل حاليًا منصب أستاذ محاضر أول في قسم الفلسفة بجامعة بريتوريا في جنوب إفريقيا.
يطرح هذا الفصل سؤال غاية في الأهمية، وهو هل يمكن إعادة تذكر الماضي بشكلٍ مختلف إذا تم تدمير النصب التذكارية؟ هذا لا سيما مع وجود سوابق لتدمير النصب التذكارية الخاصة بالشخصيات الاستعمارية، حيث يُبرر هذا التدمير بالرغبة في إبادة وتحدي واستئصال وقمع الارتباطات الأيديولوجية والعاطفية التي غالبًا ما ترتبط بهذه المعالم التاريخية. ويرى الكاتب أن النصب التذكارية تنقل شخصيات وأحداثًا تاريخية متنوعة تربط بين الناس أو تُفرق بينهم؛ وتعد الذكريات التي تُثيرها هذه النصب عناصر يجب أخذها في الاعتبار عند النظر إلى الدور الرمزي لها في كل مجتمع، وإن فصل هذه الأبعاد المهمة يعني تقويض الأدوار الجوهرية التي تلعبها المعالم التذكارية.
يطرح الكاتب فكرة مفادها أن تدمير النصب التذكارية التاريخية يُعد انتهاكًا؛ لأنها مخاطرة بخلق رؤى جديدة للتاريخ من خلال المحاولة المفترضة لتطهيره عبر هدم هذه المعالم. ويُقدم الكاتب تحليل لعمليات التدمير الأخيرة للمعالم التاريخية، ثم يُقدم عناية خاصة لتدمير تمثال “رودس[3]” في جامعة رودس بجنوب إفريقيا؛ لينتقل لمناقشة مدى معقولية الرأي القائل بأن تدمير النصب التاريخية هو انتهاك للارتباط البشري بالروايات التاريخية.
خاتمة:
يُقدم الكتاب فكرًا إفريقيًا من منطلق دراسات تفكيك الاستعمار من أجل فهم منظومات الاستعمار المعرفي الذي ما زال يُهيمن على مسارات وإنتاج المعرفة العالمية، ويطرح أسئلة غاية في الأهمية حول ارتباط الذاكرة بالمعرفة وإنتاجها من خلال النظر في النصب التذكارية في أنحاء إفريقيا، خاصةً في جنوب إفريقيا، وأثرها على التاريخ وإعادة قراءته.
وطرح الكتاب رؤى نقدية للمركزية المعرفية المتعالية على المراكز المعرفية الأخرى والثقافات المتنوعة، كما يُقدم الكتاب رؤيةً مغايرة لشكل إفريقيا فيرفض التقسيم الاستعماري بين شمال إفريقيا وجنوبها والفصل بين الإسلام والمعارف الإفريقية، ويعتبر أن الإسلام أحد أهم الروافد المعرفية الإفريقية وجزء أصيل منها على عكس الاستعمار، وقد أكد على ذلك بشكلٍ خاص الفصل الأول المتعلق بالإبادة المعرفية.
يُمثل الكتاب رؤية حيوية غاية في الأهمية بالنسبة لعالمنا العربي والإسلامي على عدة أصعدة، الأول على الصعيد الاجتماعي السياسي الثقافي في ظل الإبادة الإسرائيلية وتبعاتها وكيف يمكن أن نتعامل معها، والحذر من مساحات إبادة معرفية تُمارسها إسرائيل وكيفية حماية التاريخ وكتابته من تلك الممارسات.
الصعيد الثاني على المستوى العلمي في كتابة التاريخ والرموز المستخدمة وعلاقتها بتشكيل الذاكرات الجماعية عن الأحداث، وكيفية النظر برؤى نقدية للسرديات المحيطة وكيفية تفكيكها وإعادة كتابة التاريخ دون أي محاولات تطهيرية تنفي عن التاريخ أحداثه وإشكالياته.
[1] John Sodiq Sanni and Madalitso Zililo Phiri (eds), Monuments and Memory in Africa: Reflections on Coloniality and Decoloniality, Routledge, 2024.
[2] تعتمد نظرية “الحدية” (Limitarianism) التي صاغتها الفيلسوفة إنغريد روبينز (Ingrid Robeyns) على فكرة مركزية وهي: “ليس من الجائز أخلاقيًا أن يكون المرء فاحش الثراء، ولتفادي ذلك تقترح النظرية فرض ثلاثة آليات وهي: 1- ضرائب تصاعدية تصل إلى 100٪ على الدخل الذي يتجاوز حدًا معينًا. 2- ضرائب مرتفعة على الميراث لمنع تراكم الثروات عبر الأجيال. 3- تحديد سقف للأجور داخل المؤسسات.
[3] سيسيل رودس (Cecil Rhodes)، وهو أحد أبرز وجوه الاستعمار البريطاني في القارة الأفريقية، وكان مؤمنا بالتفوق والاستعلاء للعرق الأبيض على باقي الأعراق.








