في معاني الكسب والخسارة في الحرب الأمريكية -الصهيونية على إيران

الحرب صولات وجولات، مكاسب هنا وخسائر هناك، حتى تنتهي بالغلبة النهائية لأحد الطرفين؛ حيث يقهر الطرف الغالب نظيره المغلوب، مُنهيًا على قوته وبأسه بشكلٍ جذري، لا رجعة فيه. ومن ثم، فالمكسب في جولةٍ واحدةٍ لطرفٍ ما، لا يعني الغلبة النهائية، وإنما يعني وجود جولات أخرى ستُسهم في رسم المصير النهائي للطرفين سويًا. وكذلك، فإن المكسب في جولةٍ قد يُقابله خسارة في جولةٍ أخرى. فإذا كانت أمريكا وإسرائيل قد كسبتا –حتى الآن– في إلحاق تدمير مادي ملموس بالمقاومتين الفلسطينية والإيرانية؛ إلا أنه على جانبٍ آخر، فقد خسرت هاتان الدولتان الصهيونيتان فيما يتعلق بمحو هاتين المقاومتين من الوجود، طوال السنوات الثلاث الفائتة. ولم تفلح القوة الصهيوينة الباطشة، بكل مقدراتها المادية الجبارة، في القضاء على القوة المعنوية والقيمية لهاتين المقاومتين. نعم، لقد تحولت غزة إلى ترابٍ وخيام؛ وتحولت طهران إلى عاصمةٍ تتأرجح بين فكي الخناق الاقتصادي والغزو العسكري؛ إلا أن القوة المعنوية للمقاومة لم تختل، بل ازدادت قوةً انتشارًا وزخمًا، ليس عربيًا وإسلاميًا فقط، بل عالميًا أيضًا.
وإذا تحدثنا عن جانب الخسارة للطرف الأمريكي والإسرائيلي في هذا الصدد، فلنا أن نتساءل، لماذا خسرت الدولتان جولتيهما فيما يتعلق بكسر النموذج المقاوم في الحالتين المعنيتين؟
لماذا لم تستطع أمريكا وإسرائيل تحقيق انتصار إستيراتيجي مطلق على إيران وغزة؟ نعم، لقد حققت الدولتان انتصارات تكتيكية مذهلة، لا يُجادلها أحد، ولا ينفيها عاقل. مساواة غزة بالتراب؛ إبادة جماعية لأهلها؛ قتل المرشد الإيراني؛ اغتيال العديد من رموز القيادات الإيرانية والفلسطينية؛ تدمير قطاعات كبيرة من البنى التحتية للمقاومة… كل تلك الخبطات أو الصدمات لا يستطيع أحد إنكارها، أو تكذيبها، أو التقليل من آثارها المدمرة على كلٍ من الحانبين الإيراني والفلسطيني. ولكن يظل السؤال مطروحًا: ماذا بعد كل تلك “الخبطات” التكتيكية المرعبة؟ هل حققت كل من أمريكا وإسرائيل أهدافهما الإستيراتيجية -المعلنة- في كلتا الحربين (القضاء على المقاومة في غزة – إسقاط النظام الإيراني)؟ الإجابة باختصار: إنه بالرغم من المكاسب المادية الهائلة المتمثلة في تدمير قطاعات كبيرة من البنى التحتية للمقاومة، وفي اغتيال رموزها، إلا أن الغلبة الأمريكية الإسرائيلية لم تحدث، كما كان مُتوقعًا. لقد حال ثبات المقاومة، معنويًا وماديًا، دون تحقيق تلك الغلبة التي كانت مأمولة في يومٍ ما.
فلا أمريكا تمكنت من تحقيق أهدافها الإستراتيجية من حربها على إيران؛ من إزالة النظام السياسي، إلى إزالة النووي كليةً، إلى تركيعٍ غير مشروط للبلاد. ولا إسرائيل تمكنت من تحقيق أهدافها الإستراتيجية من حربها على حركة حماس؛ من إزالةٍ للمقاومة، إلى نزعٍ لسلاحها، إلى تحريرٍ للأسرى.
يحاول هذا المقال فك هذا اللغز غير المنطقي: كيف يمكن لجيشين –من أقوى الجيوش في العالم– ألا يُحققا انتصارًا مطلقًا أو غلبةً كاملة ًعلى شعبين ظلا سنواتٍ طويلة تحت الحصار؟
للإجابة عن تلك الإشكالية، يتجه المقال إلى الحديث عن تفسيراتٍ عدة. منها تفسير يتعلق بانهزام النموذج الغربي ماديًا ومعنويًا؛ ومنها تفسير آخر يتعلق ببزوغ وتصاعد نموذج المقاومة على الجانبين الإيراني والفلسطيني، كنموذجٍ مضاد. ثم يتحرك هذان التفسيران في سياق سنن ربانية حتمية، لا تتغير ولا تتبدل. وهنا، يتم استحضار العوامل الدينية والثقافية كمنطلقاتٍ للتحليل وعدم الاقتصار على مداخل صراعات القوة.
الفرضية التي يحاول إثباتها هذا المقال هي: أن هاتين الحربين كشفتا عن سقوط وانهزام للنموذج الغربي، قابله بزوغ للنموذج الإسلامي المضاد الذي طالما تمت شيطنته. في ظل تلك المقابلة بين النموذجين، تحققت السنن التي تنصر قيم الايمان بالله والجهاد والبذل والعطاء والتضحية والفداء والعدل والشرعية على قيم القوة الظالمة المستبدة المتلحفة بالاستكبار والغطرسة والاستعلاء والبغي.
ولكن قبيل الولوج في تناول الفرضية، يجب علينا التنويه أولًا بنظرتنا الحضارية الشاملة لمفهوم “النصر” وكيفية تحقيقه. فالنصر في المنظور الحضاري الإسلامي لا يشتمل فقط على القوة المعنوية الإيمانية، وإنما يشتمل أيضًا على إعداد القوة العسكرية والاقتصادية والشعبية والتقنية لمواجهة قوى الاحتلال والظلم والعدوان والجور. وهنا يجب القول، إن نكصان الأنظمة العربية والإسلامية عن إعداد القوة العسكرية والاقتصادية لدعم مقاومة العدوان في النموذجين، الفلسطيني والإيراني، كلَفا وكبدا المقاومة الكثير من الخسائر المادية، مما حرمها من تحقيق انتصار مادي يصير صنوانًا للانتصار الإيماني والقيمي. بمعنى آخر، لقد انتصر نموذج المقاومة كنموذج قيمي، أشادت به جميع شعوب العالم، إلا أنه فقد النصرة التي كان ينتظرها ويستحقها من سياقه الإقليمي والحضاري العربي الإسلامي. لقد خذلت الأنظمة العربية والإسلامية المقاومة الفسطينية ثم إيران كقوة داعمة لها، وحالت دون تحقيق الانتصار الشامل، المادي مع المعنوي. فرُغمًا عن الإقليم العربي الواحد، ورُغمًا عن الحضارة العربية والإسلامية الواحدة، لم تتحرك الأنظمة المعنية بأية سياسات أو قرارات تصب في مصلحة المقاومة، وفي سبيل نصرتها، بل وبما يحفظ الأمن الإقليمي بمعناه الحضاري الشامل.
انهزام النموذج الغربي ماديًا ومعنويًا
انهيار مصداقية السياسة الدولية الغربية لم يتكشف فقط إبان حرب غزة 2023، وإنما بدأت بواكيره في مطلع الألفية الثانية، وتحديدًا في عام 2003، حينما اعتدت القوات الأمريكية على العراق بادعاء “أسلحة الدمار الشامل” دون غطاءٍ أممي دولي، متخطيةً جميع المنظمات والقوانين والمواثيق الدولية. لقد تحولت الأخيرة إلى أدواتٍ لتكريس النظام القائم، وهو “النظام العالمي الجديد” (New World Order) الذي دشنته الولايات المتحدة الأمريكية إبان سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1989. ذلك النظام الذي وعد بنشر الديمقراطية والليبرالية والحرية والرفاهة في ربوع العالم، مبشرًا بعولمةٍ تُحول العالم إلى قريةٍ صغيرةٍ، تتحقق فيها وعود الحياة الرغدة لجميع الشعوب.
إلا أن تلك “الوعود” لم يتحقق منها شيء لشعوب الجنوب، بل تحولت إلى النقيض المطلق؛ ما بين حروبٍ مفتعلة غير عادلة، وإفقار متعمد للاقتصاد، وتضييع مستهدف للهوية والدين والانتماء. لقد سقطت العولمة أو “الأمركة” بفعل الدولة التي دعت إليها؛ تلك الدولة التي لم تمتلك إلا ذاتًا متضخمةً متكبرةً متجبرة، لا تمانع من تسوية العالم كله بالتراب لتبقى هي وحدها دون الجميع.
وإن ازدياد وتيرة انهيار العولمة أو “الأمركة” كان مشهودًا على امتداد العقدين الماضيين، على سبيل المثال: تعرية أخلاقية أمريكية متلاحقة على الصعيد الخارجي، وتردٍ واضح في الديمقراطية الأمريكية والديمقراطية الأوروبية، وتصاعد ظاهر لليمين المتطرف والتيار الشعبوي، وأفول ظاهر للأيديولوجيا، وانحدار غير مسبوق للدور الخارجي الأمريكي لم يحدث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن ثم بداية اندثار نظام القطب الأوحد، وهو ما تجلى في الحرب الروسية الأوكرانية المندلعة في فبراير 2022.
ومما زاد الطين بلة، ومما زاد من سرعة وتيرة الانهيار، كان وصول “دونالد ترمب” إلى البيت الأبيض في عام 2016، حيث تجلت الشعبوية والعنصرية جراء التطرف اليميني في أحط صورها عبر العديد من القرارات كحظر دخول مواطني عدد من الدول الإسلامية إلى الولايات المتحدة، وحيث تجلى السقوط الأخلاقي والقيمي للدور الخارجي الأمريكي في أبشع صوره.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد أمعنت –منذ مطلع الألفية– في الفعل العدواني الاحتلالي بحق دول وشعوب الجنوب (أفغانستان، والعراق، وفلسطين، وإيران)، فقد أمعنت أوروبا في “السكوت” و”الصمت” و”غض الطرف”، متمسكةً بدور التابعللسيد الأمريكي؛ وهو الدور الذي فُرض عليها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في أواسط القرن السابق؛ وهو دور لا يقل خزيًا عن نظيره الأمريكي. فالساكت عن الحق شيطان أخرس.
إن انهزام الغرب من داخل ذاته تناولته أدبيات غربية عديدة؛ ولا سيما منذ مطلع الألفية الثالثة. ومن أبرز تلك الأدبيات كتاب “هزيمة الغرب” لـ “إيمانويل تود” الذي أكد الفرضية القائلة بأن “الغرب يتدمر ذاتيًا” بغض النظر عن أية مؤثرات خارجية.
إن التعرية غير المسبوقة للقبح الغربي (الأمريكي، والأوروبي) أفضت إلى سقوط قيمي وأخلاقي وحضاري للنموذج الغربي في أعين قطاعات واسعة من تابعيه من الشعوب الغربية التي استفاقت استفاقةً غير مسبوقة، لتفتح عينيها على ذلك النموذج المهترئ المتصدع الذي يضخ نفاقًا وكذبًا ورياءً طوال الوقت؛ فتبدأ تلك الشعوب بالتنبه والتعقل والتحرر من سردياتٍ غربية كاذبة، طال عليها الأمد لعقودٍ طويلة؛ سرديات كانت دومًا تؤله النموذج الغربي المحتل بينما تشيطن النموذج المقاوم لذلك المحتل. وكانت النتيجة الطبيعية لتلك الإفاقة هي الإقبال العقلي لاستيعاب ذلك النموذج المقاوم المضاد، وتحريره من الشيطنة التي طالما فُرضت عليه فرضًا.
تصاعد النموذج المضاد المقاوم
يُعتبر عامل “المواجهة” –رُغمًا عن الفارق الهائل بين القوتين– عنصرًا أساسيًا وأصيلًا في توصيف النموذج المضاد. إنها تلك المواجهة المتمثلة في عدم الاعتراف بعقلية الوهن، وعدم الانصياع إلى نظرية “الأمن القومي” التقليدية. وقد يكتسب هذا العامل (المواجهة) زخمًا مُضاعفًا بسبب مصاحبته لعاملٍ مهمٍ آخر، وهو عامل “الشرعية”. فهي مواجهة شرعية عادلة لقوةٍ معتدية غاشمة متمثلة في العدو الصهيوني بشقيه الأمريكي والإسرائيلي.
فأما على المستوى الفلسطيني، فقد يكسر النموذج المقاوم التقليدية والنمطية في المواجهة؛ إذ علَمه الحصار –على مدار عقدين تقريبًا– المواجهة بكل الطرق الممكنة والسبل المتاحة التي لا يمكن للعدو الصهيوني المنمط أن يتخيلها. وأما على المستوى الإيراني، فقد استوعب النموذج المقاوم الذاكرة التاريخية جيدًا، مدركًا أن لغة إسرائيل الوحيدة هي “القوة”، ومن ثم لا بد من مواجهتها بالقوة، حتى ولو كانت غير متكافئة. وهو الأمر الذي تجلى في التحدي الذي أبداه “الحرس الثوري الإيراني” ومحور المقاومة الإيرانية أمام العدوان المباشر الأمريكي الإسرائيلي.
فرُغمًا من انخراط أمريكا وإسرائيل في حربٍ مباشرة مع إيران (منذ 28 فبراير 2026) –من أجل تفكيك الترابط بين ساحات المقاومة الإيرانية (لبنان، والعراق واليمن)- لم تتفكك تلك الساحات رغم إشكالياتها المحلية. فلا شبكة الإسناد (حزب الله، والفصائل العراقية، والحوثي) انهارت، ولا بُنية المحور تفككت، مع عدم إنكار ما تواجه من تحديات تحتاج إلى مراجعات.
لقد تصاعد النموذج المضاد /المقاوم في ظل العقد الأخير: من تصاعد قوة “حماس” وتطورها النوعي إلى تصاعد التأثير الإقليمي لـ “محور المقاومة” المتمثلة في “حزب الله” و”الحوثي” و”الفصائل العراقية”. وكانت الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة –المندلعة منذ 28 فبراير2026– فإذا بإيران تخرج من “الصمت الإستراتيجي” إلى “الاندفاع والهجوم الإستراتيجي” في ردها على الضربات الأمريكية.
في الحربين، غزة 2023 وإيران 2026، أظهرت المقاومة الفلسطينية وكذلك إيران منظومةً مختلفةً من القيم، تجلت على أرض المعركة، ونزلت إليها لتُحارب جنبًا إلى جنب مع “الممكن” و”المتاح” من العتاد العسكري الذي لا يساوي شيئًا يُذكَر أمام الترسانة العسكرية للمعتدي الصهيوني الظالم.
لقد فُعلت القيم الإيمانية العمرانية التدافعية مع “المتاح” عسكريًا فأحدثت فارقًا، بل أحدثت صدمةً غير متوقعة للعدو الغاشم، صدمةً جعلته حتى هذه اللحظة لا يقوى على إعلان انتصار حاسم شامل كامل على مقاومة مُحاصَرة… “ضعيفة” في عرف النظرية المادية التي تقيس كل شيء بالكم والعدد والمحسوس، لكونها لا تعرف غيره.
لم يرتدع النموذج المضاد /المقاوم من منهجية “ويخوفونك”، لكونه متسلحًا بمنظومة قيم إيمانية، تجعله يوقن في انتصار الحق حتمًا ولو بعد حين؛ يؤمن في أخذه بسُنة التدافع حتى يسقط الباطل مهزومًا بإذن الله. لم يرتدع النموذج المضاد/ المقاوم من الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية –بالرغم من أنه لا يمتلك عُشرها– لأنه مؤمنٌ بأن للقيم قوة كما للعتاد قوة. تلك القيم الإيمانية التي يجهلها العدو ولا يُعير لها بالًا، أضحت عاملًا قويًا في تحديد مسار ومآل الدول المعتدية في الحربين المعنيتين، ومنعها حتى يومنا هذا من تحقيق أهدافها الإستراتيجية؛ بل إقرارها بإنهاء حربها العسكرية، لأنها لم تعد مجدية، واستبدالها بحربٍ اقتصادية، كما صرح الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” في أغسطس 2026، في حربه على إيران.
تغطية الفشل العسكري
لم يظهر الفشل العسكري الأمريكي فقط في عدم القدرة على إنهاء النظام الإيراني، وإنما ظهر أيضًا في عدم القدرة على إعادة فتح مضيق هرمز الذي تحول في حد ذاته إلى هدفٍ جديد للقوات الأمريكية بعدما كان الهدف هو التخلص من النظام الإيراني؛ الأمر الذي دفع “ترمب” إلى “التنفيس عن غيظه” (إن جاز القول) عبر قيامه بعدة عمليات انتقامية -منها عمليات ترويجية– من أجل ذر الرماد في العيون.
وكان من ضمن تلك العمليات، شد الخناق على إيران اقتصاديًا (سياسة المنبوذ الاقتصادي في أغسطس 2026) من خلال فرض العقوبات على جميع الوسطاء (من الدول، والبنوك، والمؤسسات، والشركات، والأفراد) الذين يُمكنون إيران من الوصول إلى الأسواق العالمية، ويساعدونها على الالتفاف على العقوبات الأمريكية. وكذلك كان من ضمن تلك العمليات، إطلاق ضربات دورية ومحدودة على مضيق هرمز لمنع الصواريخ الإيرانية من استهداف البحرية الأمريكية؛ وكذلكالهجوم على منصات نووية بجزيرة “لارك” الإيرانية؛ وأخيرًا، نشر “ترمب” مقاطع فيديو خيالية مولدة بالذكاء الاصطناعي، توحي تارةً بتفجير المحطة الرئيسية لتصدير النفط الإيراني، وتارةً بتدمير جزيرة “لارك”، وتارةً بتدمير إيران كلها. وهي مقاطع ترويجية بامتياز، إن دلت على شيءٍ فإنما تدل ليس فقط على ضحالة رؤية الرئيس الأمريكي، إنما تدل أيضًا على انهزامه على أرض المعركة الحقيقية، مما يُلجئه إلى افتعال انتصار وهمي على قناته الرقمية “تروث سوشيال”.
لم يعد أمام الإدارة الأمريكية إلا القيام بضرباتٍ محدودة، أو نشر مقاطع مُتخيلة عبر “السوشيال ميديا”، مما يدل على تقلص الخيارات أمام العجز الأمريكي في كسب هذه الحرب إستراتيجيًا أو حتى الخروج منها. ورُغمًا عن جميع تلك الممارسات والمحاولات الأمريكية لإرضاخ إيران، فإن الأخيرة لم ترضخ. فمازال النظام الإيراني قائمًا، وما زال النووي موجودًا في داخل إيران، وما زال مضيق هرمز في القبضة الإيرانية.
أما إذا انتقلنا إلى صعيد الحرب الإسرائيلية على غزة، فنجد إسرائيل تقوم –بالمثل– بعملياتٍ جنونية، تُغطي بها فشلها العسكري في كسب معركتها الضروس مع المقاومة الفلسطينية (حماس) التي لم تستطع نزع سلاحها حتى هذه اللحظة. عمليات جنونية وصلت إلى درجة استفزازٍ لعددٍ غير قليل من الدول الأوروبية، ودفعها إلى إعلان مقاطعة اقتصادية لمنتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
عمليات جنونية في الضفة الغربية تتراوح بين تكثيف المشاريع الاستيطانية، وتجريف البنية التحتية، وتغيير الواقع القانوني والإداري الفلسطيني، والاعتداء على المساجد، وتكثيف الاعتقالات والحصار والقتل والتهجير القصري بحق السكان الفلسطينيين، فضلًا عن الاقتحامات الإسرائيلية لساحة الأقصى (وصل العدد إلى خمسين ألف إسرائيلي في أغسطس 2026)؛ وهو ما لم يحدث من قبل.
وكذلك عمليات جنونية في قطاع غزة تترواح بين انتهاكٍ متواصل وصارخ لاتفاقية وقف إطلاق النار، وإدخال قوات أمنية إسرائيلية خاصة في القطاع لقتل الفلسطينيين، ودعم الميليشيات العميلة لخطف المجاهدين والمقاومين، والسعي في التهجير القصري، وتجميد شبه كامل للتوظيف في “الأونروا”.
ولعل ذلك كله يصب في سنن التاريخ التي تُظهر لنا دومًا أحوال المستبدين والمتكبرين في الحروب التي يوشكون على خسارتها. فذواتهم المتكبرة تأبى عليهم الاعتراف بأي خسارة؛ مما يجعلهم يستنفذون كل ما تبقى لديهم من قوة لتحقيق أي “نصر” شكلي حتى ولو كان ضد المنطق والعقل. إنهم يفعلون أي شيء إلا الاعتراف بالهزيمة؛ فيصير مسلكهم ذاك استدراجًا إلهيًا ليرتكبوا المزيد من الحماقات التي تُفقدهم أكثر مما فقدوه سابقًا. إنهم يفقدون زمام السيطرة على عقولهم رويدًا رويدا حتى يثبتوا لذاتهم أولًا وللعالم ثانيًا أنهم ما زالوا متحكمين ومهيمنين ومسيطرين… وما هم بذلك.
ويمكن الاستدلال في هذا المقام بمشهدين من التاريخ: مشهد غرق فرعون وجنده، ومشهد انهزام “أدولف هتلر” في الحرب العالمية الثانية. الاثنان قادهما الغرور إلى الانزلاق نحو الهاوية، الاثنان قادهما تضخيم الذات إلى رفض التراجع والانسحاب، بالرغم من توفر الفرصة التي كانت سـتُجنبهم ذلك الهلاك المطلق. لو كانا تراجعا، لما تحولت الهزيمة العادية إلى هزيمةٍ مطلقة كلية؛ ولكنها سُنة الاستدراج الإلهي لمن يطغى ويتكبر.
فأما فرعون، فقد دخل بجيشه في الطريق اليابس داخل البحر ليدرك موسى عليه السلام وبني إسرائيل بعد معجزة انشقاق البحر. دخل فرعون في الطريق اليابس غرورًا وعنادًا؛ ظنًا منه أن اليابس قد مُد له ولجيشه ليحقق هزيمةً منكرةً بموسى وقومه. ولم يكن يدر بخلده أن اكتمال دخوله هو وجيشه في وسط البحر كان استدراجًا من الله سبحانه وتعالى ليُطبق عليه البحر مرةً أخرى؛ فيغرق هو وجيشه غرقًا حتميًا، وينجو جسده الميت ليصير للعالمين آية.
وأما “هتلر”، فقد صور له كبره أنه لا وجود للمعوقات أو التحديات أمامه لكسب الحرب العالمية الثانية. فرفض نصائح قادته العسكريين الأكفاء، مصرًا على فتح جبهاتٍ متعددة، مصممًا على غزو الاتحاد السوفيتي رُغمًا عن البرد القارس الذي لم يتحمله الجنود الألمان؛ ورُغمًا عن المساحات الشاسعة للاتحاد السوفيتي التي تورط فيها الجيش الألماني؛ فكانت النتيجة معركة “ستالنجراد” )1942) التي أفضت إلى انقلاب ميزان القوة من الألمان إلى السوفييت. وهكذا تدمرت ألمانيا بفعل قائدٍ مؤله لذاته؛ رفض الاعتراف بالخسارة؛ فاستُدرِجَ في المستنقع السوفيتي ليسطر بنفسه نهايته ونهاية جيشه وبلاده؛ كما استُدرجَ فرعون في البحر، فسطر نهايته ونهاية جيشه بنفسه.
تُرى، هل ستبتلع إيران “أمريكا ترمب” كما ابتلعت مياه البحر “فرعون مصر”، وكما ابتلعت ثلوج الاتحاد السوفيتي “هتلر ألمانيا”؟ وهل ستُغرق غزة “إسرائيل نتنياهو” كما أغرقت مياه البحر فرعون وجنوده؟ وهل ستسطر إيران وغزة النهاية لعدونا الإستراتيجي القابع على صدورنا قرابة قرنٍ من الزمان؟
ولكن كما أشرنا في بداية المقال؛ لن تتحقق الغلبة الحقيقية للمقاومة، ولن يتحقق النصر الإلهي الغالب للمقاومين المناهضين للباطل والظلم والجور إلا بتضافر جميع الأسباب المؤدية لذلك النصر. ليس الأسباب الإيمانية والروحية والقيمية فقط، بل الأسباب العسكرية والسياسية والاقتصادية أيضًا. وهنا نخص تحديدًا دور الأنظمة العربية والإسلامية في مساندة المقاومة ونصرتها نصرًا ماديًا ملموسًا، يتعدى التصريحات والمؤتمرات واللقاءات والمفاوضات والاجتماعات إلى رؤية كلية حضارية للأمن الإقليمي.
* دكتوراه في العلاقات الدولية.








