إنتاج تقنية الذكاء الاصطناعي في العالمين العربي والإسلامي
موقعنا من صناعة الذكاء الاصطناعي حقيقةً لا خطابًا: ما نبنيه، وما نشتريه، ومن يقود؟

تمهيد
كما كان للنفط في القرن العشرين سلسلة إنتاج كاملة: بئرٌ، ومصفاةٌ، وخطوط نقلٍ، وعقولٌ هندسية وإدارية، وتمويلٌ، فإن للذكاء الاصطناعي في هذا القرن سلسلة مماثلة لا تنكسر حلقاتها: نماذجُ لغوية هي كالعقل يجري تعليمها وتدريبها، ورقائقُ إلكترونية تُشغلها بطاقةٍ نولدها، وجامعاتٌ تخرِّج صانعيها، وعقول بشرية تقود مسارها، وتمويل يدفع ذلك كله، وفوق كل ذلك إرادة ذات رؤية وإدارة ذات خبرة. والدولة التي تملك حلقة واحدة دون الأخرى هي كمن يملك بئر نفط بلا مصفاة.
وقد ارتكز كثيرٌ من الخطاب العربي والإسلامي المنشور حول هذه التقنية على سؤال “الاستخدام”: كيف يُوظِّف الطالب أو الباحث أو الموظف أدوات الذكاء الاصطناعي؟ ولا شك أنه سؤال مشروع، لكنه يغادر الورقة الحاضرة التي تطرح سؤالًا آخر ألا وهو “الإنتاج”: ما الذي تصنعه دولنا فعلًا من هذه التقنية؟ وأي حلقات السلسلة تملكها، وأيها يملكها غيرنا؟ ولكيلا يبقى الجواب مجرد انطباعٍ، اعتمدت الورقة قاعدة ثابتة: كلما ذُكر إنجاز عربيٌ أو إسلاميٌ قورن بأقرب ما إليه في دولة متقدِّمة في هذه الصناعة، وكل معلومة سترد في هذه الورقة ستستند إلى مصدرٍ أولي أو بيان رسمي أو ورقةٍ فنية منشورة، لا إلى تغطية إعلانية أو حملة تسويقية.
ثلاث كلمات يكفي فهمها
ستتكرر في هذه الورقة ثلاث كلمات تقنية لدواعي التعامل مع مفهوم الذكاء الاصطناعي، إذا انضبط فهمها، انضبط ما بعدها:
- ملف الأوزان: هو “عقل” النموذج اللغوي بعد تعليمه؛ وهو ملف إلكتروني يُحمَّلُ ويُنسخُ ويُباع، ويستطيع صانعه الأصلي تقييد استخدامه أو تغيير شروطه متى شاء، كما يستطيع صانع السيارة وقف تصنيع قطع غيارها.
- التدريب من الصفر: أن يبني الفريق نموذجه بتعليمه اللغة من نقطة الصفر على نصوص ضخمة؛ وهي عملية معقدة قد تستغرق أسابيع أو أكثر على مئات –وأحيانًا على آلاف– من الأجهزة فائقة السرعة بتكلفة قد تتخطى ملايين الدولارات. بينما “التبني” هو أخذ نموذج أجنبي جاهز وتخصيصه؛ وهو أشبه بتعديل سيارة مصنوعة لا بتصنيعها ابتداءً.
- المعالج الرسومي: هو رقاقة إلكترونية تمثل دائرة إلكترونية فائقة الدقة كانت قد صُمِّمت أصلًا لألعاب الفيديو لما تحتاجه هذه الألعاب من حسابات هائلة أثناء التشغيل، ثم تبين لاحقًا أنها الأنسب لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. فصارت بندًا استراتيجيًّا تخضع صادراته لتصاريح الحكومات، كما تخضع صادرات الأسلحة.
المبحث الأول: النماذج اللغوية – هل نصنعها فعلًا أم نعيد تسميتها؟
أولًا- قاعدة التمييز
النموذج اللغوي الكبير يشبه السيارة، قد يجتمع على “هيكل” واحد عشرات الماركات. وحين يُعلن بلدٌ عن “نموذجه الوطني للذكاء الاصطناعي” فالسؤال الحاسم: هل “درَّبه من الصفر” أم “تبنَّى” نموذجًا أجنبيًّا وعدَّله؟ الفرق بين الحالين ليس تقنيًّا فحسب، بل هو في جوهره سيادي. فمن يبني المحرك يملك قراره، ومن يُجمِّع السيارة يظل رهينة مُوَرِّد المحرك.
ولهذه الورقة معيار واضح: النموذج الأصيل هو ما جرى له تدريب من الصفر بوزن وبنية خاصين، والنموذج المُتبنى هو ما انطلق من ملف أوزان أجنبي مهما بلغت صلاحية تعديله.
ثانيًا: نقاط القوة – نماذج بنيناها من الصفر
يتصدّر الإماراتيون هذه الفئة. ففي ديسمبر ٢٠٢٤ أعلن معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي عن عائلة النماذج اللغوية “فالكون” والتي قام بتدريبها انطلاقًا من الصفر على نحو أربعة عشر تريليون مقطع لغوي (يشمل أربع لغات ليست منها العربية)، ثم أضاف إليها العربية لاحقًا في مايو ٢٠٢٥ بتدريب متتابع على بيانات عربية أصيلة، ثم أطلق نموذجه العربي الأحدث والأقوى في يناير ٢٠٢٦ والذي تصدَّر به لوائح النماذج العربية المفتوحة متفوقًا على نماذج عالمية أكبر منه بمرتين[1].
وفي الإمارات أيضًا، يمثّل الجيل الأحدث من “جيس” – والذي أُطلق في ديسمبر ٢٠٢٥ – (ثمرةُ تعاون شركة إنسبشن ٤٢ مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي) أقوى حالة تدريب عربي موثَّقة: نموذج بسبعين مليار معامل، بمفردات عربية خاصة صممت داخليًّا، تدرَّب من الصفر على ما يزيد على تريليوني مقطع لغوي؛ وهو ما وصفته الورقة الفنية المنشورة بأنه أكبر نموذج عربي مفتوح الأوزان مدرَّب من الصفر[2]. وقد أقرت الجهة المطورة سابقًا بأن إصدارًا من نفس المشروع قد بُني سابقًا في عام ٢٠٢٤ على نموذج أمريكي جاهز، وهو اعتراف علمي يحسب لها ولا ينتقص من الإصدار الأخير الأصيل[3].
وفي السعودية، جرى في أغسطس ٢٠٢٥ تدريب الجيل الأحدث من نموذج “عَلَّام” من الصفر على أكثر من خمسمئة مليار مقطع عربي، وتُغذِّي نسخته الكبيرة تطبيق «هيومين شات» الوطني – مع الإشارة إلى أن الورقة الفنية للمشروع[4][5] تفصح بأمانة أن إصداراته الأولى انطلقت من نموذج أمريكي جاهز.
وفي قطر، يُعدّ «فنار»[6]، الذي أطلقه معهد قطر لبحوث الحوسبة التابع لجامعة حمد بن خليفة بدعم من وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في ديسمبر ٢٠٢٤ والمُدَرَّب من الصفر على نحو تريليون مقطع، العمل الأنزه علميًّا في المشروع القطري برمَّته[7].
ثالثًا- نقاط التميز: حيث نتفوق حتى على الأكبر منا
ثمة حقيقة تُنسى وسط إحصاءات الأحجام: المنافسة الحقيقية للنماذج الإقليمية ليست في الاختبارات العالمية العامة، بل في فهم اللغة العربية بعمقها. وفي هذا الحقل تتفوق نماذجنا على العمالقة؛ فالنموذج الإماراتي الأحدث يتجاوز في فهم العربية نماذج عالمية أكبر منه بمرتين، وتضم المنصَّة القطرية خدمات لا يقدِّمها أيُّ نموذج عالمي، من استشاري شرعي يرجع إلى القرآن والسنة، إلى ديوان للشعر العربي على مَرِّ تاريخه. وبذلك تكون هُوية المنطقة الحقيقية في هذه الصناعة -إلى الآن- سيادة المحتوى اللغوي والثقافي العربي؛ وهي سيادة لا يستهان بها؛ فهي التي تمنع “إعادة إنتاج لغتنا بقوالب معرفية لا تعكس بنيتها”.
رابعًا: نقاط الضعف – حين تسبق التسميةُ المرحلةَ
ولا يعني التمييز السابق انتقاد التبنِّي ذاته؛ فالاتكاء على نموذج مفتوح المصدر ثم تخصيصه للاحتياجات المحلية -لغةً ومحتوى واختصاصات– هو ممارسة مشروعة بدأت بها كبرى دول العالم وشركاته، وقد تتطور لتبلغ مرحلة التدريب من الصفر حين تنضج الخبرة وتتوافر البيانات والعتاد. والضعف الحقيقي إنما هو خلط المراحل في الخطاب الرسمي: فإطلاق صفة «النموذج الوطني الأصيل» في مرحلة التبني يحرم المشروع من تقييمه العلمي العادل، ويحرم صانع القرار من صورة دقيقة لموقع بلده في هذه الصناعة.
والتجربة المصرية هنا في محلها: فنموذج “كرنك“، الذي أطلقه مركز الابتكار التطبيقي بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في فبراير ٢٠٢٦، مبني – كما تنص بطاقته الفنية المنشورة[8] – على النموذج الصيني المفتوح المصدر “كُوِن”، وهو أساس سليم لمشروع في بداية مشواره قد يليه بناءٌ من الصفر كما حدث في التجارب السابقة المشار إليها.
وتتفاوت شفافية المشاريع الإقليمية والإسلامية في هذا الشأن: فالنسخة الكبرى من الجيل الثاني لمنصة “فنار” القطرية (ديسمبر ٢٠٢٥) مُعلنٌ في بطاقتها أنها تطوير لنموذج من شركة جوجل[9]، والنموذج الإندونيسي “سحابات” (نوفمبر ٢٠٢٤) يحمل اسمه المرجع المكشوف لاما الذي طورته شركة ميتا (Meta) الأمريكية[10]، بينما الادعاء الماليزي بـ”ملكية فكرية مئة في المئة” لم نقع على أدلة تتيح التحقق من مصداقيته[11]، ويوازيه الادعاء التركي لتدريب من الصفر -والذي اقتصر رسميًّا على النسخ الصغيرة- دون أي ورقة فنية معلنة[12].
خامسًا- القطاع الخاص: بين الادعاء والدليل
ولا يقتصر البناء على الحكومات والمراكز البحثية الرسمية؛ فثمة شركات خاصة تدرِّب نماذج فعلًا، والفارق الحاسم فيها ليس ضخامة الادِّعاء بل وجود الدليل المنشور: فالنموذج الذي تُنشر ورقته الفنية يدخل الميزان مهما صغر، والنموذج المغلق -مهما علا صوت دعايته- يبقى خارج التمحيص. وعلى هذا المعيار تتوزع الشركات الخاصة في المنطقة على ثلاث درجات:
- الدرجة الأولى- شركات قدمت أدلَّتها العلمية: فـ”إنسبشن ٤٢” الإماراتية، التابعة لمجموعة G42، تتصدرها بعائلة “جيس” المدرَّبة من الصفر والموثَّقة بورقة فنية كاملة، وشركة Cntxt AI الإماراتية أصدرت في أبريل ٢٠٢٥ ورقة فنية لنموذجها الصوتي “مُنصِت” تنص على تدريبه من الصفر على خمسة عشر ألف ساعة كلام عربي؛ وهو أمتن دليل منشور لأي شركة خاصة في المنطقة[13]، وفي ماليزيا تُدرّب “ميسوليتيكا” منذ نوفمبر ٢٠٢٣ نماذجها الملايوية من الصفر على تسعين مليار مقطع[14]، وفي تركيا تُقدّم VNGRS منذ أكتوبر ٢٠٢٥ نموذج “كومرو” مفتوح المصدر مدرَّبًا من الصفر، مع تحفُّظ تسجِّله تقارير فنية مستقلة من تشابه بنيته مع “مسترال” و”لاما”[15]. ونشرت “YTL AI” الماليزية في أغسطس ٢٠٢٥ تقريرًا فنيًا لنموذجها «إيلمو» تدّعي فيه التدريب من الصفر.
- الدرجة الثانية- شركات وصفت تدريبها وصفًا تفصيليًّا مقنعًا لكنها لم تنشر أدلتها: فـ”أرامكو” السعودية أعلنت في مارس ٢٠٢٤ نموذجها الصناعي «مِتا برين» بمئتين وخمسين مليار معامل على سبعة تريليونات مقطع تشمل تسعين عامًا من بياناتها الخاصة[16]، وكذلك شركة “وتد” السعودية كشفت في مارس ٢٠٢٤ عن نموذج “مُلهم” ثنائي اللغة بقاموس عربي صُمِّمَ داخليًّا[17]، وناشئة “مِسراج” السعودية أيضًا أطلقت هي الأخرى في ديسمبر ٢٠٢٥ عائلة “كُوِن” بادعاء تقنية عربية أصيلة[18]، وهي ادعاءات جدية بمعايير التجارة، لكنها -بغياب الأوراق والأوزان- تبقى في خانة “المدعوم بلا محكم”. ويلاحظ أن السعودية باتت تمتلك أكثف عنقود من هذه الشركات في المنطقة -أكثر من الإمارات التي تتربع على لاعب واحد مهيمن- وهو مؤشر على أن المنافسة القادمة قد تكون بين عواصم المنطقة نفسها قبل أن تكون بينها وبين الخارج.
- الدرجة الثالثة- شركات تفصح عن أساسها وتدريبها بجدية: فـ”ترينديول” التركية توثِّق منذ فبراير ٢٠٢٤ تدريبًا مستمرًّا انطلاقًا من «مسترال» ثم «كُوِن» بمليارات المقاطع التركية[19]، و”سحابات” الإندونيسية (نوفمبر ٢٠٢٤) مبنية على “لاما” و”جيما“، وشركة “سيلما” السعودية (أغسطس ٢٠٢٤) تفصح بطاقتها عن أنها مبنية على “جيما”[20]، و”نسيج” السعودية سبقت الجميع بنموذج “نون” المبني على “بلوم” (يونيو ٢٠٢٣)[21]، وفي باكستان يوثِّق فريق بحثي في يناير ٢٠٢٦ لنموذج “قلب” الأوردي تدريبًا مستمرًّا على «لاما»[22].
أما الحالة المصرية فتستحق التسجيل بإنصاف: فشركتا “إنتللا” و”وايد بوت” -بما تملكانه من تمويل موثق وعملاء من الحكومات والمؤسسات- حقيقتان في سوق الذكاء الاصطناعي العربي، ولكن بالرغم من ادعائهما البناء من الصفر فلم أقف إلى تاريخه على ورقة فنية أو بطاقة نموذج لأيٍّ من نماذجهما، فضلًا عن أي نتيجة قابلة للتكرار. وهذا ليس حكمًا بالبطلان بقدر ما هو دعوة إلى قواعد السوق ذاتها التي خاض فيها غيرهما وكسب: فالشركة التي تنشر دليلها تكسب ثقة السوق قبل إعجاب المقيّم، وتمنح بلدها حجة يُحتاج إليها في أروقة السياسة التقنية.
سادسًا- أين نقف عالميًّا؟
لرسم الموقع بدقة، تكفي ثلاثة مقاييس مفهومة:
١- الحجم: أكبر نموذج عربي مفتوح الأوزان يبلغ سبعين مليار معامل، بينما أكبر نموذج مفتوح في العالم –الصيني “كيمي“- يبلغ ٢٫٨ تريليون معامل بواقع أكثر من مئة مليار معامل تعمل في كل عملية؛ أي إن الفارق نحو أربعين ضعفًا.
٢- القدرة: النماذج الأمامية المغلقة تتقدَّم بخطى مذهلة؛ فنموذج “جي بي تي-٦” الذي أطلقته شركة “أوبن إيه آي” في سبتمبر ٢٠٢٦ يجيب إجابة صحيحة على ٩٦٪ من أسئلة اختبار بمستوى الدكتوراه في العلوم، ونموذج “فابل ٥٫١” التابع لشركة “أنثروبيك” يحل نحو ثلثي «أصعب أسئلة وُجهت للبشرية» في اختبار دولي، بينما لا يظهر أي نموذج عربي أو إسلامي على لوائح هذه الاختبارات الأمامية أصلًا.
٣- العتاد والكلفة: بينما استُخدم ألف معالج رسومي في عملية تدريب أكبرِ نموذجٍ عربي، استخدمت شركة ميتا الأمريكية -المالكة لتطبيق فيسبوك- أكثر من ستة عشر ألف معالج رسومي لتدريب أحد نماذجها المفتوحة. أمَّا بالنسبة للتكلفة، فلك أن تتخيَّل أن تكلفة تدريب نموذج “جيميني ألترا” لشركة جوجل قُدِّرت بنحو ١٩٢ مليون دولار، بينما دربت شركة “أوبن إيه آي” أحد نماذجها بنحو ٧٨ مليون دولار.
سابعًا- حتى الأصيل قائمٌ على أرض غيرنا
وأخيرًا، ينبغي التواضع أمام حقيقة بنيوية: كل نموذج “أصيل” في المنطقة -دون استثناء- تدرّب على معالجات أمريكية الصنع؛ والنموذج الأقوى بينها، “جيس ٢“، تدرَّب فعليًّا على أجهزة شركة “سيريبراس سيستمز” الأمريكية داخل الولايات المتحدة؛ بل إن البنية البرمجية التي تُدار بها عمليات التدريب كلها أمريكية المنشأ، حتى إن الابتكار المعماري الوحيد للمنطقة -بنية “فالكون” الهجينة- دخل كمساهمة في منظومة شركة “إنفيديا” لا كمنظومة مستقلة. فالسيادة الحقيقية اليوم هي سيادة ما نُعلِّمه لنماذجنا، لا سيادة الآلة التي تتعلم عليها.
المبحث الثاني: الرقائق ومراكز البيانات – قوة الشراء وضعف الصنع
أولًا: الحقيقة أولًا
لا تصمم أي جهة في العالم العربي -حتى تاريخ هذه الورقة- رقاقة معالجة رسومية واحدة من الطراز العالمي المستخدم لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، ولا توجد على أرضه منشأة تصنيع متقدِّمة واحدة. أما على صعيد العالم الإسلامي كله فالاستثناء الوحيد هو ماليزيا، وخبرها في خاتمة هذا المبحث.
غير أن لهذه الحقيقة وجهًا آخر يجب تسجيله بإنصاف: فالمنطقة لا تخلو من صناعة تصميم أصلًا. ففي مصر وحدها تعمل نحو ستين شركةً ومركزًا في تصميم الدوائر فائقة الدقة –وقد كُنت أحد العاملين في هذا القطاع قرابة عقدين من الزمان- بين شركات محلية صمَّمت رقاقات عالمية التداول وخصوصًا في مجالات حساسات الاستشعار ودوائر التوقيت والاتصالات، وفروع تصميم لشركات عالمية عملاقة مثل “إنتل” و”أنالوج ديفايسز” و”ميدياتك“؛ ودشَّنت السعودية مركزًا وطنيًّا للكفاءات شمل منشآت تمهيدية وتغليف، ودرَّبت عُمان مئات المهندسين داخل مراكز تصميم دولية.
لكن هذه الجهود كلها تنتمي إلى “مراكز التصميم” لا إلى “المصانع“؛ فلا يوجد في العالم العربي مصنع أشباه موصلات متقدم من طراز مصانع تايوان الشهيرة، لارتفاع كلفة إنشائه وندرة الكوادر القادرة على إدارته. والأدق من ذلك كله: حتى هذه المراكز القادرة لا تصمم معالجًا رسوميًّا للتدريب؛ فهذا النوع من الرقاقات -خلافًا لدوائر الاستشعار والتوقيت والاتصالات- يقوم على منظومات معمارية وبرمجيات وملكية فكرية تتراكم عقودًا وتحتاج آلاف المهندسين المتخصصين، ولا ينافس فيه عالميًّا اليوم سوى عددٍ من الشركات على أصابع اليد الواحدة.
ومن هذا المنطلق تحديدًا اختارت الإمارات –ومن قبلها مصر– نهجًا أعلنته صراحة: سيادة الرقاقات بالتصميم لا بالتصنيع، وهو ما تعرفه الصناعة عالميًّا بـ”الفابلِس“: أن تملك الشركة التصميم والملكية الفكرية دون أن تملك المصنع. والمفارقة أن هذا هو ذاته نهج أغلى شركات القطاع في العالم؛ فالثلاث الأعلى قيمةً في صناعة الرقائق اليوم –إنفيديا وبرودكوم وإيه إم دي– لا يملك أيٌّ منها خط تصنيع واحدًا، ويكفي لتفسير المنطق الاقتصادي أن المصنع الواحد المتقدِّم يكلِّف نحو عشرين مليار دولار لبنائه ونحو مثلها لتشغيله عقدًا كاملًا، بينما تحتاج شركة التصميم فكرةً قوية وفريقَ مصمِّمين وعقودًا مع مصانع الغير.
وقد ظهرت بذور تستحق التسجيل في هذا المضمار: فـ”مركز كوانت ليز الإماراتي للبحث والتطوير” يصمم أول رقاقة فوتونية في المنطقة لحساب الذكاء الاصطناعي تُصنَّع في أوروبا، والشركة السعودية الناشئة “إبيك سيمي” تستهدف تصميم رقاقات ذكاء اصطناعي من السحابة إلى الأجهزة الطرفية، لكنها بذور في مضمار الاستدلال المتخصص والبدايات، لا في مضمار معالجات التدريب التي تقوم عليها النماذج الكبرى.
ثانيًا: نقاط القوة – شراء من الطراز العالمي
ما تمارسه المنطقة هو “احتكار القدرة” لا “امتلاكها“: فالسعودية أسست شركة “هيومين” المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة (وهو الصندوق السيادي السعودي)، ووقَّعت صفقات تشمل ثمانية عشر ألف معالج فائق في مرحلة أولى ضمن طموحات معلنة تصل إلى ستمائة ألف، وسمحت واشنطن في نوفمبر ٢٠٢٥ بتصدير ما يعادل خمسة وثلاثين ألف رقاقة فئة حديثة إليها.
وبالمعيار العالمي يوازي هذا الطموح -لو تحقق كاملًا- ما بُني فعلًا عند منافس واحد: فمُجمَّع “كولوسوس ١” للبيانات في ممفيس الأمريكية التابع لشركة “سبيس إكس إيه آي” -التابعة لرجل الأعمال العالمي إيلون ماسك- يضم نحو ربع مليون معالج رسومي، ويتجاوز التوسّع الجاري في “كولوسوس ٢” أربعمئة ألف معالج بطاقة نحو غيغاواط تتجه إلى ١٫٥ جيجاواط، بينما تشغّل شركة “أنثروبيك” لدى “خدمات أمازون السحابية“أكثر من مليون رقاقة من تصميم “أمازون” نفسها، ولم تكتفِ بذلك بل استأجرت من “سبيس إكس إيه آي” نفسها مساحة في “كولوسوس ١”. ويضم مُجمَّع “ستارجيت أبيلين” التابع لشركة “أوبن إيه آي” أكثر من ٤٥٠ ألف معالج رسومي.
أمَّا الإنفاق الكلي فمؤشِّره مذهل: إذ أنفقت أربع شركات أمريكية عملاقة نحو ٤١٠ مليارات دولار عام ٢٠٢٥، وتوجِّه نحو ٧٢٥ مليارًا في ٢٠٢٦، أي ما يقارب سبعة أضعاف برنامج “هيومين” السعودي كله. وفي المقابل الإماراتي، وقَّعت شركة “جي ٤٢” الإماراتية في مايو ٢٠٢٥ تحالفًا مع شركات “أوبن إيه آي” و”أوراكل” و”إنفيديا” و”سوفت بنك” و”سيسكو” لبناء عقدة “ستارجيت الإماراتية“: وهي حظيرة حوسبة تبلغ قدرتها الكهربائية الكاملة جيجاواط واحدًا -أي ما تستهلكه محطة كهرباء كبرى- داخل حرم مشترك جديد في أبوظبي تبلغ طاقته الإجمالية خمسة جيجاواط، تديره “أوبن إيه آي” و”أوراكل“، وتبدأ مرحلتها الأولى بمئتي ميجاواط عام ٢٠٢٦.
ثالثًا- سقف القوة – حين يتوقف الشراء بقرار بعيد
لكن قوة الشراء تظل مُرخَّصة لا مملوكة؛ فتسليم معالجات سوبر كمبيوتر “شاهين ٣” في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية -أقوى حاسوب أكاديمي في الشرق الأوسط- تطلَّب موافقة أمريكية على التصدير، بالرغم من أن أداءه يبلغ سُبع أداء أقوى حاسوب في العالم، وقد تراجع ترتيبه عالميًّا بعد أن انتزعت الصين الصدارة في يونيو ٢٠٢٦.
رابعًا- نقاط الضعف: دروس من التجارب… الشراء بدلًا من التصنيع
تكشف التجارب السابقة ثمن غياب التصنيع:
- فوحدة أشباه الموصلات في الشركة الصناعية السعودية “آلات” جُمِّدت أوائل ٢٠٢٦ وأُعيد توجيه أموالها إلى “شراء” القدرة الحوسبية بدل بنائها.
- وأَبلغُ درس سبق ذلك بأكثر من خمس عشرة سنة حصل عندما اشترى صندوق مبادلة الإماراتي عام ٢٠٠٩ شركة “جلوبال فاوندريز” الخارجة من “إيه إم دي”، وأُعلن عن إنشاء مصنع لأشباه الموصلات في أبوظبي بقيمة سبعة مليارات دولار، فوُضع المشروع في التجميد عام ٢٠١١ ولم ينفَّذ منه شيء.
- واليوم تملك الإمارات نحو ٨٢٪ من هذه الشركة -وهي خامسة كبرى شركات تصنيع الرقائق عالميًّا- بلا خط إنتاج واحد في المنطقة، بينما تستثمر الشركة ستة عشر مليار دولار في التصنيع داخل الولايات المتحدة نفسها.
- استخلصت أبوظبي الدرس وغيَّرت الاتجاه: فبدل المصنع المجمَّد، استحوذت “جلوبال فاوندريز” في نوفمبر ٢٠٢٥ على “إنفيني لينك” المصرية الناشئة التي تستخدم الضوء بدل الإشارات الكهربائية في تصميم الرقائق.
- وجمعت «ماستيسكا» الناشئة في أبوظبي عشرة ملايين دولار في جولة أولية شاركت فيها صناديق خليجية سيادية لتصميم مسرِّعات استدلال بمستوى مراكز البيانات؛ أي الانتقال من مضمار خسرت فيه إلى مضمار تستطيعه: مصمِّمة رقائق لا صاحبة مصانع.
خامسًا- بذور التميز: الاستثناءان الماليزي والتركي
أقرب ما يكون إلى التصنيع الحقيقي هو ما يوجد في ماليزيا؛ الدولة الإسلامية الوحيدة التي تعمل على أرضها مصانع رقاقات فعلية: فمصنع “سيلتيرا” في كوليم هو ماليزي الملكية، ومصنع “إنفينيون” الألماني في نفس المدينة والذي أُنشئ باستثمارات بلغت سبعة مليارات دولار، وكذلك مصنع “أوسرام” القائم على شراكة ماليزية نمساوية ألمانية.
لكن التدقيق ينقص هذه الصورة من رأسها: فجميعها رقائق قدرة وبصريات ودوائر تقليدية بتقنيات بين ٩٠ و٢٥٠ نانومتر -أي أجيال كاملة خلف الدقة التي تُصنع بها معالجات الذكاء الاصطناعي الحالية- بل إن أهم ما في الموقف الماليزي ليس تصنيع الرقائق أصلًا بل تغليفها واختبارها؛ فجزيرة “بينانج” الماليزية وحدها تستحوذ على نحو ثُمن سوق العالم في هذا الطرف الخلفي من الصناعة.
وأمَّا تركيا فتقف حيث تقف مصر تقريبًا: قاعدة تصميم قوية -منها رقاقات رادار مقاتلات «إف-١٦» التي اجتازت الاختبار الجوي- وتصنيع متخلف عنها. فمتحكِّمُها الوطني الأول “تشينتيك” المصمَّم تركيًّا عن طريق شركة “يونجاتك” والمُصنَّعة رقاقاتُه لدى شركة تايوانية بوساطة أوروبية، أُنتجت نماذجه الأولى أواخر عام ٢٠٢٥ ودخل إنتاجه الكمي خلال عام ٢٠٢٦ بواقع عشرات الملايين من الوحدات سنويًّا لصناعة الأجهزة المنزلية، بينما لا يُنتظر إنتاج رقاقتها الوطنية للذكاء الاصطناعي قبل عامي ٢٠٢٧-٢٠٢٨. وجميع ذلك بدعم حكومي بخمسة مليارات دولار ضمن برنامج أوسع للتقنية العالية تبلغ قيمته ثلاثين مليارًا.
وهذان الاستثناءان معًا -ماليزيا صانعة القدرة والتغليف، وتركيا مصمِّمة الدفاع- بعيدان كل البعد عن مضمار معالِجات تدريب النماذج الحديثة.
المبحث الثالث: التمويل… الحلقة التي تدفع ثمن كل ما قبلها
أولًا- نقاط القوة والتميُّز: صناديق تُقاس بالمليارات
رأس المال هو الحلقة التي تجمع سائر الحلقات؛ فلا نموذج يُدرَّب ولا مركز بيانات يُبنى دون من يدفع. وعلى هذه الحلقة تحديدًا تقف المنطقة على أرض معلنة: فأبوظبي أغلقت صندوق «إم جي إكس» الأول بتسعة وأربعين مليار دولار -من أكبر صناديق الذكاء الاصطناعي في التاريخ- ووضع منه مع مساهمات أخرى أربعون مليارًا في شراء مراكز بيانات عالمية وثلاثون مليارًا في اتحاد بنيوي دولي. ووقَّعت قطر عبر شركة «كاي» التابعة لجهازها الاستثماري شراكة بعشرين مليار دولار لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. والسعودية خَصَّصَتْ لشركة «هيومين» نحو أربعين مليار دولار بحسب تقديرات الصحافة الاقتصادية -إذ لم يُعلَن رقم رسمي واحد- وأنفقت عشرة مليارات في صفقة رقائق مع «إيه إم دي» وخمسة مليارات في شراكة مع أمازون، وثلاثة مليارات داخل جولة تمويل «إكس إيه آي» نفسها.
وخارج النطاق العربي المباشر، خصَّصت تركيا ثلاثة مليارات دولار حكومية هذا العام ضمن خطتها الوطنية التي تستهدف تعبئة عشرة مليارات من القطاع الخاص، وتعهدت باكستان بمليار دولار حتى عام ٢٠٣٠. وبجمع هذه الأرقام المعلنة يبلغ ما التزمت به المنطقة نحو ١٤٠ إلى ١٦٥ مليار دولار – وهذا الرقم المُجمَّع لا يضاهيه رقمٌ خارج الصين وأمريكا.
والخليجيون اليوم لا يشترون المنتج النهائي فحسب، بل يملكون حصصًا في مصانعه: فصندوقا أبوظبي والدوحة شاركا في قيادة جولتين من أكبر جولات تمويل عام ٢٠٢٦ -ثلاثين مليار دولار لـ”أنثروبيك” وعشرين مليارًا لـ”إكس إيه آي”- وهي مقاعد كانت يومًا ما تحتكرها المؤسسات الأمريكية وحدها.
ثانيًا- نقاط الضعف: أموال سيادية بلا سوق، وأرقام بلا إفصاح
لكن ثلاثة حدود تكبح هذه القوة:
- الأول- التمويل كله تقريبًا من خزائن الدول: بلا منظومة واسعة من رأس المال المخاطر الخاص كما في أمريكا؛ فالشركة الناشئة الإقليمية تجمع ملايين حيث تجمع نظيرتها الأمريكية مليارات.
- الثاني- غموض المشاريع الكبرى: فقيمة «ستارجيت الإماراتية» لم تُفصح عنها الجهات المعلنة، وإن قدَّرتها رويترز للمرحلة الأولى بنحو ثلاثين مليار دولار؛ ونموذج «كرنك» المصري أُطلق في قمة عالمية دون أن يُعلَن عن أي تمويل؛ والتعهُّدات الوطنية الكبرى -كالاستراتيجية المصرية- بلا ميزانيات معلنة.
- الثالث- الاحتساب المزدوج: فاستثمار «هيومين» داخل جولة «إكس إيه آي» يظهر في رقمي الطرفين معًا، فيضخِّم الإحصاءات إقليميًّا وعالميًّا في آن واحد.
ثالثًا- أين نقف عالميًّا؟
وفي مقارنة كاشفة فإن شركة “أوبن إيه آي” أغلقت وحدها في مارس ٢٠٢٦ جولة تمويل بمئة واثنين وعشرين مليار دولار -بتقييم بلغ ٨٥٢ مليارًا- فلا يعادل أكبر صندوق عربي واحد إلا أقل من نصف جولة واحدة لشركة أمريكية واحدة، ثم دخلت الشركة ذاتها في سبتمبر من العام نفسه مفاوضات جولة جديدة لا تقل عن ثلاثين مليار دولار بتقييم يرفع قيمتها إلى نحو تريليون وأربعمئة مليار، بعدما استبعد مؤسسها الطرح العام هذا العام وأرجأه إلى عام ٢٠٢٧.
و”أنثروبيك” جمعت ثلاثين مليارًا في فبراير ٢٠٢٦ ثم خمسة وستين مليارًا في مايو بتقييم قارب تريليون دولار، وهي تستعد في هذه الأثناء لطرح عام أول يُتوقع مع انتخابات الكونجرس الأمريكية في نوفمبر ٢٠٢٦ بقيمة يتحدَّث المستثمرون عن أنها قد تتجاوز تريليوني دولار. وتقدِّر “جولدمان ساكس” أن الاستثمار العالمي في هذه الصناعة يبلغ نحو تريليون دولار في ٢٠٢٦، منها ٥٨١ مليارًا في أمريكا وحدها، وأن الإنفاق التراكمي في العالم منذ عام ٢٠٢٢ قد بلغ تريليونًا وثمانمئة مليار دولار، وأن ما هو مخطَّط للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بين عامي ٢٠٢٦-٢٠٣١ قد يصل إلى ٧٫٦ تريليون دولار. وبالمقياس التراكمي يظل مجموع المنطقة المعلن نحو “خُمس” ما تنفقه العمالقة الأمريكية في سنة واحدة. رقمنا إذن ليس هزيلًا بالمقياس الوطني، لكنه -بالمقياس الصناعي- مشاركة في تمويل الموجة، لا امتلاكًا لها.
المبحث الرابع- العقول: الجامعات بين الصرح والمنظومة
أولًا- نقاط القوة: صروح حقيقية
أنشأت المنطقة خلال خمس سنوات تجمُّعات أكاديمية تعد صروحًا حقيقية: جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أول جامعة في العالم متخصِّصة في هذا المجال بالدراسات العليا، وقادت مختبراتها مشاريع النماذج العربية الكبرى؛ وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية التي تستضيف أقوى حاسوب أكاديمي إقليمي؛ ومعهد قطر لبحوث الحوسبة الذي أنتج أدوات معالجة عربية متوارثة. وخارج النطاق العربي يبرز الأستاذ السنغالي المسلم مصطفى سيسيه، مؤسس أول برنامج أفريقي لدراسات الذكاء الاصطناعي بعد أن قاد مركز جوجل البحثي في غانا.
ثانيًا- نقاط الضعف: حين تقاس العقول بالأرقام
لكن الصروح لا تقيم صناعة؛ فوفق تتبُّع المواهب العالمية، يعمل اليوم ٥٩٪ من الباحثين الأكثر تميزًا في الولايات المتحدة الأمريكية و١١٪ في الصين، ولا يظهر أي بلد عربي أو إسلامي في قوائم التصنيف أصلًا، بينما تُقَدَّرُ حصة الإمارات والسعودية مجتمعتين بنحو ١٫١٪ من القوى العاملة العالمية في هذا المجال.
وبمقياس الحجم المؤسسي: تضم جامعة محمد بن زايد -أكبر تجمع أكاديمي متخصِّص في المنطقة- ١١٦ عضو هيئة تدريس، بينما يعمل في مختبر جوجل ديب مايند وحده نحو ستة آلاف شخص، وفي “أوبن إيه آي” بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف يشكِّل الباحثون نحو ربعهم. أتلحظ الفارق في الأعداد؟
ثالثًا- ما الذي يلزم؟
يختصر البنَّاؤون أربعة احتياجات لا غنى عنها:
١- أن يمسك طالب الدراسات العليا معالجًا رسوميًّا بيده لا بعينه.
٢- وأن تكافئ الجامعات إنتاج النماذج والأدوات المفتوحة كما تكافئ الأوراق البحثية.
٣- وأن تُبنى قواعد بيانات عربية موثقة بعناية، فهي أثْمن من العتاد لأنها لا تُشترى.
٤- وأن تُصنع لأبنائها أسباب البقاء، وهو ما يقودنا إلى المبحث الأخير.
المبحث الخامس- أبناؤنا في قمة العالم: حضور فردي أم منظومة؟
أولًا- نقاط القوة: حضور في القمة
إذا انتقلنا من السيادة إلى الإسهام البشري، تتبدل الصورة:
- فالرئيس التنفيذي لذراع الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت هو البريطاني مصطفى سليمان ذو الأب السوري، مؤسس شركة ديب مايند التي كانت شرارة هذا المجال كله.
- وفي جوجل يقود البحوث العالم البريطاني الإيراني زوبن جهرماني.
- وكُلِّف الأمريكيُّ الإيرانيُّ أمين فهدت بمنصب «كبير التقنيين» للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الشركة.
- وانضمَّ زميله علي فرهادي إلى منظومة الذكاء الاستراتيجي الناشئة في مايكروسوفت بعد رئاسته لمعهد ألين للذكاء الاصطناعي.
- وفي ميتا قاد الكندي من عائلة عربية أحمد الضحلة برنامج الذكاء الاصطناعي التوليدي بأكمله وفيه عائلة النماذج المفتوحة «لاما» التي يستخدمها فريق «كرنك» المصري نفسه.
- وأسَّس المصري حسين مهنَّا مجموعة تعلُّم الآلة التطبيقي في فيسبوك قبل أن يؤسِّس شركته الناشئة.
- ويقود ذو الأصول الإيرانية بابك حجت -مخترع تقنية ساعدت في بناء مساعد آبل الصوتي- الذكاء الاصطناعي في شركة كونجنيزنت العالمية.
- وفي سجل التأسيس: شركة داتابريكس التي تقيَّم بأكثر من مئة وثلاثين مليار دولار برئاسة الإيراني علي جودسي.
- ومنصة «ريبليت» التي بلغت تسعة مليارات قامت على أيدي الأردني من أسرة فلسطينية أمجد مسعد.
- وشركة «رايتر» لنماذج المؤسسات بقيادة اللبنانية الكندية مي حبيب.
- والمصري عمرو عوض الله أسَّس «فكتارا» بعد أن أسس شركة «كلوديرا».
- والمصرية رنا القليوبي أسَّست «إفكتيفا» الرائدة في الذكاء الاصطناعي الوجداني.
- والباكستاني زيد عنَّام أسَّس «كريستا».
- والبنجلاديشي المولود في الأردن محمد عماد مصطاق مؤسس شركة «ستابيليتي إيه آي» صاحبة أشهر مولد صور في العالم.
- والأمريكي من أصول بنجلاديشية سلمان خان وظَّف الذكاء الاصطناعي في التعليم حتى اعتمدته حكومة باكستان لمدارس إسلام آباد.
- والمصري محمد جودت (مو جودت)، الرئيس التجاري السابق لقسم «إكس» في جوجل، أحد أبرز الأصوات العالمية في أخلاقيات هذه التقنية.
وهناك كثيرون غيرهم عرب ومسلمون أو من أصول عربية ومسلمة يقومون بأدوار متنوِّعة ومهمة في هذا المجال.
لكن الصورة الصادقة تقتضي تسجيل النقيض: فحضور القمة هذا -موزعًا في جاليات المهجر- فرديٌّ بامتياز، ولا يقابله في مواقع التأسيس العالمية الحرجة أي تمثيل مؤسسي لدول المنطقة.
ثانيًا- استرجاع العقول: الهجرة العكسية تبدأ
لكن المستجد الذي يستحق التسجيل أن المَدَّ صار يجري في الاتجاه المضادِّ أيضًا:
- فالرئيس التنفيذي لشركة «هيومين» السعودية -الذراع الوطنية للذكاء الاصطناعي المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة- هو الأردني الأمريكي طارق أمين، الذي رأس «راكاتن موبايل» اليابانية قبل أن يستدعيه الصندوق لقيادة مشروعه الوطني.
- والعقل الذي يقود نموذج «فالكون» الإماراتي في معهد الابتكار التكنولوجي هو الجزائري حكيم حاسد، الذي قضى ست سنوات في مختبرات بيل العالمية قبل أن يرأس في أبوظبي مركز الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.
- والظاهرة أعمق من شخصين: ففِرق «هيومين» استُكملت بمهندسين سابقين في جوجل وميتا ومايكروسوفت وإنفيديا.
- وهيئة تدريس جامعة محمد بن زايد جُذبت من أبرز البرامج الأمريكية والأوروبية ويقيم في الإمارات أكثر من ثلاثة أرباع خريجيها. حتى جاءت الإمارات ثاني أكثر دول العالم استقطابًا صافيًا لكوادر الذكاء الاصطناعي عام ٢٠٢٥ والسعودية رابعة، متقدمتين على سويسرا وأستراليا.
غير أن ثلاثة حدود تكْبح هذه الموجة: فهي تتم بأدوات سيادية صماء، وبإقامات ذهبية ورواتب معفاة، لا ببرنامج وطني معلن لاسترجاع الكفاءات على النمط الصيني الذي انطلق عام ٢٠٠٨. ثم هي تميل إلى الملف التنفيذي والهندسي أكثر منها إلى نخبة البحث الأمامية. والمستفيد الأكبر من هذه الموجة هو الخليج وحده، إذ تغيب عنها مصر -أكبر خزان للكفاءات العربية المهاجرة- لغياب مركّب سيادي يضاهي «هيومين»، فتبقى العودة، في محصلتها، استقدامًا لعقول تبني سيادة دولٍ مستقدِمة، لا برنامجًا يعيد إنتاج القدرة حيث تكون.
خاتمة: القوة والضعف والتميز في موازنة واحدة
تنتهي الورقة إلى موازنة من ثلاثة أعمدة:
١- القوة: والتي تتبدَّى في سيادة حقيقية على المحتوى العربي في نماذج مدرّبة فعلًا من الصفر، وقدرة شرائية حوسبية تجعل المنطقة شريكًا لا يُستغنى عنه، وصناديق تمويل تجلس في غرف اكتتاب مختبرات القمة العالمية، وعقول عالمية المستوى تقود صناعة القرار في كبريات الشركات.
٢- الضعف: ويتمثَّل في غيابٍ كامل لتصميم الرقائق يجعل كل ما سبق رهينة قرار تصدير أمريكي، وشفافية علمية ومالية متفاوتة تسمح لبعض المشاريع بإطلاق لقب «وطني» على نماذج مستوردة، وتمويل شبه حكومي بلا سوق شركات ناشئة واسعة، وحضور بشري في القمة فردي لا مؤسَّسي.
٣- التميز: عن طريق فهم اللغة والهوية العربية بعمق لا يملكه العمالقة، وخبرة عالمية متراكمة في بناء المنصات والمنتجات، ورأس مال صبور طويل النفس لا يضغطه طلبُ أرباح فصلية.
وعلى ضوء هذه الموازنة، ثلاث توصيات عملية:
١- اعتماد معيار شفافية يقضي بعدم إطلاق صفة «نموذج وطني» على ما لم يُنشر تقريره الفني. فالاعتراف القطري بأن فنار ٢٫٠ مطوَّر من نموذج جوجل، والإفصاح المصري عن أساس «كرنك» في بطاقته الفنية، نموذجان لدقة الوصف تخدمان صانع القرار والمقيِّم العلمي معًا.
٢- توجيه جزء من الإنفاق الحوسبي من الاحتكار الشركاتي إلى البحث الجامعي المفتوح، وبناء قواعد البيانات العربية الموثقة بوصفها رأسمالًا وطنيًّا لا يُشترى.
٣- تحويل شبكة العقول المنتشرة في العالم إلى منظومة: مجالس علمية مشتركة، وبرامج عودة، وشراكات بحثية. فهذه الشبكة ثروة لا تقل عن النفط قيمةً، لكنها اليوم تتدفَّق في اقتصادات غيرنا.
إن السؤال الذي يختم به هذا العدد ملفه لا يزال مفتوحًا: ليس كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي، بل كيف ننتج منه ما نملك قراره. وكما علمنا شيوخنا أن الأمة التي لا تصنع غذاءها ودواءها وسلاحها أمة مستعبدة، فاليوم أري أن نعلم أبناءنا أن:
الأمة التي لا تصنع مقومات الذكاء الاصطناعي، أمة لا تستحق النصر
[1] Jingwei Zuo et al., Falcon-H1: A Family of Hybrid-Head Language Models Redefining Efficiency and Performance, preprint, arXiv, 30 July 2025, https://doi.org/10.48550/arXiv.2507.22448; Technology Innovation Institute, Falcon-H1, GitHub repository, n.d., accessed: 10 October 2026, https://github.com/tiiuae/Falcon-H1; Technology Innovation Institute, Abu Dhabi’s TII Launches Falcon-H1 Arabic, Establishing the World’s Leading Arabic AI Model, TII, 5 January 2026, accessed: 10 October 2026, https://www.tii.ae/news/abu-dhabis-tii-launches-falcon-h1-arabic-establishing-worlds-leading-arabic-ai-model
[2] Inception42, Jais-2-70B-Chat, model card, Hugging Face, n.d., accessed: 10 October 2026, https://huggingface.co/inception42/Jais-2-70B-Chat; Mohamed Anwar et al., Jais 2: A Family of Arabic-Centric Open Large Language Models, preprint, arXiv, 2026, https://doi.org/10.48550/arXiv.2608.13580
[3] G42, G42 launches JAIS 70B and 20 other AI Models to Champion Arabic Natural Language Processing, G42, 2024, accessed: 10 October 2026, https://www.g42.ai/resources/news/g42-launches-jais-70b-and-20-other-ai-models-champion-arabic-natural-language-processing
وجاء فيه على لسان كبيرة علماء التطبيقات في شركة إنسبشن: «We made a choice to build JAIS 70B on the Llama2 model».
[4] M Saiful Bari et al., ALLaM: Large Language Models for Arabic and English, preprint, arXiv, 22 July 2024, https://doi.org/10.48550/arXiv.2407.15390
[5] IBM, ALLaM-1-13b-instruct, model card, IBM Documentation, 2024, accessed: 10 October 2026, https://www.ibm.com/docs/en/SSYOK8/wsj/analyze-data/assets/ALLaM-1-13b-instruct-model-card.pdf
[6] Fanar Team, Fanar: An Arabic-Centric Multimodal Generative AI Platform, preprint, arXiv, 18 January 2025, https://doi.org/10.48550/arXiv.2501.13944
[7] Qatar Computing Research Institute (QCRI), Fanar-2-27B-Instruct, model card, Hugging Face, n.d., accessed: 10 October 2026, https://huggingface.co/QCRI/Fanar-2-27B-Instruct; Fanar Team, Fanar 2.0: Arabic Generative AI Stack, preprint, arXiv, 17 March 2026, https://doi.org/10.48550/arXiv.2603.16397
[8] Applied Innovation Center, Karnak-6B-v1.0, model card, Hugging Face, n.d., accessed: 10 October 2026, https://huggingface.co/Applied-Innovation-Center/Karnak-6B-v1.0
[9] QCRI, Fanar-2-27B-Instruct, section Model Details; Fanar Team, Fanar 2.0, section Abstract.
[10] Sahabat-AI, Llama-Sahabat-AI-v2-70B-IT, model card, Hugging Face, n.d., accessed: 10 October 2026, https://huggingface.co/Sahabat-AI/Llama-Sahabat-AI-v2-70B-IT
[11] YTL AI Labs, ILMU Technical Report, technical report, YTL, 12 August 2025, accessed: 10 October 2026, https://cdn.prod.website-files.com/6732b4653312fe07f9531a17/689a8e962b44b57638437dbf_ILMU_Technical-Report_20250812-Cmprs.pdf
[12] TÜBİTAK BİLGEM, BİLGE AI, BİLGE, n.d., accessed: 10 October 2026, https://bilge.gov.tr/en/
[13] Mahmoud Salhab et al., Advancing Arabic Speech Recognition Through Large-Scale Weakly Supervised Learning, preprint, arXiv, 16 April 2025, https://doi.org/10.48550/arXiv.2504.12254
[14] Husein Zolkepli et al., MaLLaM — Malaysia Large Language Model, preprint, arXiv, 26 January 2024, https://doi.org/10.48550/arXiv.2401.14680; Amazon Web Services, Mesolitica Builds Malaysian Large Language Model for Generative AI Assistants on AWS, Amazon Press Center, 2 December 2024, accessed: 10 October 2026, https://press.aboutamazon.com/aws/2024/12/mesolitica-builds-malaysian-large-language-model-for-generative-ai-assistants-on-aws
[15] kesimeg, awesome-turkish-language-models, GitHub repository, n.d., accessed: 10 October 2026, https://github.com/kesimeg/awesome-turkish-language-models; VNGRS, Kumru-2B, model card, Hugging Face, n.d., accessed: 10 October 2026, https://huggingface.co/vngrs/Kumru-2B
الفهرس المذكور مستقل، وتصنيفه هو أساس نسبة التدريب من الصفر؛ وبنية النموذج المذكورة في البطاقة هي أساس التحفظ الوارد في المتن.
[16] Divsha Bhat, Aramco launches world’s first industrial AI model, AGBI, 6 March 2024, accessed: 10 October 2026, https://www.agbi.com/ai/2024/03/aramco-launches-world-first-industrial-ai-model/
[17] Watad Energy & Communications, Watad Energy & Communications Unveils Mulhem, First Locally Trained Arabic-Language Large Language Model in Saudi Arabia, press release, PR Newswire, 6 March 2024, accessed: 10 October 2026, https://www.prnewswire.com/news-releases/watad-energy–communications-unveils-mulhem-first-locally-trained-arabic-language-large-language-model-in-saudi-arabia-302080078.html
[18] Scarlett Evans, Saudi AI Startup Launches Arabic LLM, AI Business, 4 December 2025, accessed: 10 October 2026, https://aibusiness.com/generative-ai/saudi-ai-startup-launches-arabic-llm
[19] Trendyol, Trendyol-LLM-7B-chat-v4.1.0, model card, Hugging Face, n.d., accessed: 10 October 2026, https://huggingface.co/Trendyol/Trendyol-LLM-7B-chat-v4.1.0. البطاقة تفصح عن تدريب مستمر لنموذج Qwen2.5 على ١٣ مليار مقطع.
[20] SILMA AI, SILMA-9B-Instruct-v1.0, model card, Hugging Face, n.d., accessed: 10 October 2026, https://huggingface.co/silma-ai/SILMA-9B-Instruct-v1.0. تفصح البطاقة عن البناء على نماذج Gemma الأساسية من Google.
[21] Naseej, noon-7b, model card, Hugging Face, n.d., accessed: 10 October 2026, https://huggingface.co/Naseej/noon-7b
[22] Muhammad Taimoor Hassan, Jawad Ahmed, and Muhammad Awais, Qalb: Largest State-of-the-Art Urdu Large Language Model for 230M Speakers with Systematic Continued Pre-training, preprint, arXiv, 13 January 2026, https://doi.org/10.48550/arXiv.2601.08141

