في ذكرى ميلاد الحكيم طارق البشري

في الأول من نوفمبر، تحل ذكرى ميلاد المستشار طارق البشري (1933–2021)، القاضي والمؤرخ والمفكر، الذي جمع في تجربته بين دقة النظر القانوني، وعمق الوعي بالتاريخ، والانشغال بقضايا الوطن والأمة. وفي هذه المناسبة، يستعيد مركز الحضارة للدراسات والبحوث جانبًا من عطائه؛ وفاءً لأستاذ أسهم في بناء المنظور الحضاري، ودعوةً إلى قراءة أفكاره ومناقشتها، واستئناف النظر في الأسئلة التي شغلت حياته.

وُلد البشري في حي الحلمية بالقاهرة، ونشأ في أسرة التقت فيها تقاليد العلم الأزهري والعمل القضائي؛ فجده الشيخ سليم البشري، شيخ الأزهر، ووالده المستشار عبد الفتاح البشري. وفي حديثه عن نشأته، وصف حياة امتدت بين العمامة والطربوش، وبين المدينة والريف؛ وهي خبرة أتاحت له أن يعايش تحولات المجتمع المصري داخل الأسرة والتعليم وأنماط الحياة، وأن يرى الصلات بين الموروث والوافد من خلال الناس وتجاربهم اليومية، وقد تعلّم منذ طفولته أن «القيمة الاجتماعية هي قيمة العلم والموقف، وليست قيمة المال ولا السلطان». وبدأ علمانيَّ الفكر في السياسة والاقتصاد، يتعامل عقلًا مع الفقه وأصوله ويتعلق وجدانًا بالتصوف. ثم انتقل عن وعي وبناء متدرّج إلى أن صار علَمًا من أعلام التجديد في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر..

وتكشف سيرته عن رحلة طويلة من التعلم والمراجعة وإعادة البناء الفكري. فقد انتقل من رؤية علمانية للشأن السياسي والاجتماعي إلى الاحتكام إلى المرجعية الإسلامية في فهم قضايا المجتمع والدولة، عبر دراسة متأنية وحوار مع النفس والآخرين. وظل إيمانه الديني حاضرًا خلال مراحل هذه الرحلة، فيما اتسع إدراكه لدور الدين والثقافة في تكوين الجماعة وصيانة استقلالها. وفي تجربته درس في المسؤولية العلمية: أن يراجع المفكر مسلّماته، وأن يمنح الأفكار ما تستحقه من بحث قبل أن يستقر على أحكامه.

كان الاستقلال الوطني أحد المحاور الكبرى لفكر البشري، ثم اتسع نظره إلى الاستقلال الحضاري بما يشمله من مرجعية وثقافة وقدرة على الاجتهاد. فالأمة، في رؤيته، تدافع عن أرضها ومصالحها، وعن المقومات التي تجعلها جماعة واعية بذاتها وقادرة على الفعل. ومن هنا ارتبط اهتمامه بمقاومة الاستعمار والتبعية باهتمامه بالتجدد الحضاري، وبالبحث عن سبل استعادة طاقات المجتمع وفاعليته.

واقترن هذا الاهتمام بقضية الحرية ومواجهة الاستبداد. وقد تأمل البشري، من خلال التاريخ المصري وخبرته القضائية، العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومخاطر تركّز السلطة وإضعاف التكوينات الاجتماعية. وأولى المؤسسات واستقلالها، ودور المجتمع الأهلي والمؤسسات الوسيطة، عناية خاصة؛ لما يمكن أن تنهض به من حماية للتعدد، وتنظيم للمصالح، والحد من تغوّل السلطة. وظل الجمع بين الاستقلال الوطني والحرية الداخلية سؤالًا أساسيًّا في تفكيره.

وفي قلب هذا المشروع حضرت الجماعة الوطنية؛ بقدرتها على استيعاب تنوع أبنائها، وبناء المشترك بينهم. انشغل البشري بعلاقة المسلمين والأقباط في التاريخ المصري، وبالحوار بين الاتجاهات الفكرية والسياسية، وطرح فكرة التيار الأساسي للأمة بحثًا عن قاعدة جامعة للعمل المشترك. كما نظر إلى الانتماءات المصرية والعربية والإسلامية بوصفها دوائر يمكن أن تتساند وتتداخل، وأن تغني صلة الإنسان بوطنه وأمته.

وكان التاريخ عنده معينًا لفهم الحاضر، والكشف عن كيفية تشكّل المؤسسات والقوى الاجتماعية والأفكار. أما التجديد، فكان ممارسة علمية تستند إلى معرفة الأصول وفهم الواقع المتغير؛ وقد أفاد في ذلك من خبرته بالقضاء والفقه وأصوله، ومن اشتغاله بتطبيق النصوص على الوقائع. ولهذا اتصلت معالجاته الفكرية بأسئلة عملية عن الدولة والقانون والديمقراطية والهوية، وعن إمكانات الإصلاح في مجتمعاتنا.

من أهم أفكاره:

  • المرجعية الحضارية الإسلامية: رأى أن «الفصام المرجعي» بين ثقافتين، منذ غزا الغرب أرضنا ثم عقولنا ونظمنا، هو أصل داء واقعنا المعاصر. ورأى أن المخرج في الاجتماع على مرجعية الأمة من منظور حضاري واسع.
  • الجماعة الوطنية والتيار الأساسي للأمة: دعا إلى جمع الشمل ورأب الصدع بين المسلمين والأقباط، وبين التيارات الإسلامية والقومية والوطنية. وعدّ دوائر الانتماء، الوطنية والعربية والإسلامية، دوائر «متحاضنة» لا متنافية.
  • نقد الدولة الحديثة: رأى أنها قضت على تكوينات المجتمع التقليدية، فتغوّلت على الداخل وتقزّمت أمام الخارج. وجعل العلاج في ثلاثية: المرجعية الحضارية، والاستقلال الوطني، والديمقراطية الأهلية، مع تحرير طاقات المجتمع الأهلي.
  • التجديد ممارسة أصولية لا مجرد دعوة: عدّ أصول الفقه منهجَ نظرٍ ومنطقَ تفكير يُستفاد منه حتى في القانون الوضعي، وجمع بين التأسيس المنهجي وتقديم الحلول العملية للمشكلات.
  • المنهج ضمير الباحث: رفض «الشكلانية» التي تُسمّى منهجًا علميًّا، وعرّف المنهج بأنه الاستقامة العلمية في طلب الحقائق. وقرأ التاريخ ليستخلص منه العبرة للحاضر.

من إصدارات المركز عنه

1. «حوارات مع طارق البشري: سيرة معرفية بين الذات والأمة» (2020)
حوارات أجراها معه د. مدحت ماهر على مدى عامين (يوليو 2017 – يوليو 2019)، وقدّم لها أ.د. نادية محمود مصطفى وأ. د. إبراهيم البيومي غانم. يتتبع الكتاب نشأته وتكوينه، وعمله في القضاء، وتحوّله الفكري. ثم يتناول آراءه في الفكر الإسلامي بين التأصيل والتطبيق، وفي الفكر السياسي بين التاريخ والواقع. وقد أراده المركز بالدرجة الأولى للأجيال الشابة التي تسأل: من أين نبدأ؟ وماذا نقرأ؟

2. حولية «أمتي في العالم»، العدد السابع عشر: «منهج النظر الحضاري في قضايا الأمة: قراءة في فكر طارق البشري» (2023، جزءان)
عدد خاص صدر بمناسبة مرور 25 عامًا على صدور الحولية التي كتب البشري افتتاحيات أعدادها الستة عشر السابقة. أشرفت عليه أ.د. نادية محمود مصطفى، وحرّره أ.د. إبراهيم البيومي غانم. فيقدّم قراءة جماعية في عطائه. ويتناول أصول منهجه ومفاهيمه، واجتهاداته في التجدد الحضاري، ويضم قراءات غير عربية لفكره، وشهادات عن البشري إنسانًا وقاضيًا ومفكرًا. ويتصدره تناول لافتتاحياته للأعداد الستة عشر السابقة من الحولية، بما يعكس صلته الممتدة بمشروعها واهتمامه بموقع الأمة في العالم.

من كتب المستشار طارق البشري:

  1. الحركة السياسية في مصر 1945 – 1952، (القاهرة: دار الشروق، 1972).
  2. الديمقراطية والناصرية، (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1975).
  3. سعد زغلول يفاوض الاستعمار: دراسة في المفاوضات المصرية – البريطانية 1920 – 1924، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977).
  4. المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، (القاهرة: دار الشروق، 1981).
  5. دراسات في الديمقراطية المصرية، (القاهرة: دار الشروق، 1987).
  6. نحو وعي إسلامي بالتحديات المعاصرة، ضمن منهج الثقافة الإسلامية بجامعة الخليج العربي، سنة 1988.
  7. الديمقراطية ونظام 23 يوليو 1952 – 1970، (القاهرة: دار الهلال، 1991).
  8. مشكلتان وقراءة فيهما، (فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1992).
  9. شخصيات تاريخية، (القاهرة: دار الهلال، 1996).
  10. شخصيات وقضايا معاصرة، (القاهرة: دار الهلال، 2002).
  11. العرب في مواجهة العدوان، (القاهرة: دار الشروق، 2002).
  12. القضاء المصري وعلاقته بالحكومات المتعاقبة، تحرير: محسن يوسف، (الإسكندرية: مكتبة الاسكندرية، 2005).
  13. الجماعة الوطنية… العزلة والاندماج، (القاهرة: دار الهلال، 2005).
  14. مصر بين العصيان والتفكك، (القاهرة: دار الشروق، 2006).
  15. نحو تيار أساسي للأمة، (القاهرة: دار الشروق، 2011).
  16. السياق التاريخي والثقافي لتقنين الشريعة الإسلامية، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2011).
  17. تقنين الشريعة الإسلامية في مجلس الشعب (تقديم)، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2012).
  18. جهاز الدولة وإدارة الحكم في مصر المعاصرة، (القاهرة: نهضة مصر، 2013).
  19. محمد على ونظام حكمه، (القاهرة: دار الشروق، 2013).
  20. من أوراق ثورة 25 يناير، (القاهرة: دار الشروق، 2013).
  21. ثورة 25 يناير والصراع حول السلطة، (القاهرة: دار البشير، 2014).
  22. الدولة والكنيسة، (القاهرة: دار الشروق، 2014).
  23. مقدمات الحكيم البشري: أمتي في العالم، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، دار البشير ، 2014).
  24. قراءات فكرية وهموم مصرية، (القاهرة: دار البشير، 2015).
  25. التجدد الحضاري: دراسات في تداخل المفاهيم المعاصرة مع المرجعيات الموروثة، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث، 2015).
  26. القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء، (القاهرة: دار البشير، 2016).
  27. شخصيات وقضايا معاصرة، (القاهرة: دار البشير، 2019).
  28. في المسألة الإسلامية المعاصرة: بين الإسلام والعروبة، (القاهرة: دار الشروق، 1988).
  29. في المسألة الإسلامية المعاصرة: منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي، (القاهرة: دار الشروق، 1990).
  30. في المسألة الإسلامية المعاصرة: بين الجامعة الدينية و الجامعة الوطنية في الفكر السياسي، (القاهرة: دار الشروق، 1998).
  31. في المسألة الإسلامية المعاصرة: الحوار الإسلامي-العلماني، (القاهرة: دار الشروق، 2005).
  32. في المسألة الإسلامية المعاصرة: الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، (القاهرة: دار الشروق، 2005).
  33. في المسألة الإسلامية المعاصرة: الوضع القانوني بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، (القاهرة: دار الشروق، 2005).
  34. في المسألة الإسلامية المعاصرة: ماهية المعاصرة،  (القاهرة: دار الشروق، 2005).
  35. في المسألة الإسلامية المعاصرة: اجتهادات فقهية، (القاهرة: دار البشير، 2017).
  36. في المسألة الإسلامية المعاصرة: نحو إسلامية المعرفة في الفكر السياسي المعاصر، (القاهرة: مفكرون الدولية للنشر والتوزيع، 2019).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى