في الاقتصاد السياسي للأمة الإسلامية…نحو اجتهاد بيني جديد
تقرير اللقاء الثالث من منتدى البينية

تقديم اللقاء (د. مدحت ماهر)
هذا هو اللقاء الثالث من الموسم الثالث لمنتدى الحضارة، الذي يتخذ من “البينية” خيطًا ناظمًا وعنوانًا له، مستعرضًا تجلياتها في العلوم وفي الحياة ومجالات الواقع المختلفة. ويأتي هذا اللقاء حول أحد مجالات البينية تحت عنوان: “الاقتصاد السياسي للأمة الإسلامية: نحو اجتهاد بيني جديد”. إذ يتراوح النظر إلى “الاقتصاد السياسي” بين اعتباره المجال الجامع بين الاقتصاد والسياسة، أو أنه يمثل مساحة التقاطع بين هذين المجالين الكبيرين.
وفي الفلسفة الوضعية السائدة، يُعتبر الاقتصاد السياسي مجالًا “دولتيًّا” (أي يتعلق بالدولة). لكننا اليوم، في عنوان هذا اللقاء، نربطه بـ”الأمة الإسلامية” وليس بالدولة وحدها. وهذا يفرض استدعاء منهج “النظر الحضاري”؛ الذي يرصد ويصف ويحلل الجزئيات في إطار “الكليات”. وهذا ما يميز المنظور الحضاري عن الفلسفة الوضعية التي ترى الجزئيات في معزل عن بعضها، وتكاد أحيانًا تُنكر الكليات.
ومحاضر هذا اللقاء هو أستاذنا الدكتور إبراهيم البيومي غانم. وهو أستاذ العلوم السياسية، والمستشار بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، والمفكر الإسلامي الذي يمدُّ يدَه في تراث الأمة في المجالات المختلفة؛ في السياسة، والفقه، والاجتماع، واللغة، وفي الفكر والمعارف والوقائع المعاصرة، بمنهجية حضارية وطروحات إبداعية نقدية وبنائية.
لقد عرَّف لنا الدكتور إبراهيم “العلم” أو “الإنتاج المعرفي” بأنه: “أن تقدم جديدًا ومفيدًا”. وأستاذنا لا يكتب إلا ما هو جديد ومفيد بإذن الله؛ فلا يمكن أن نجده يكرِّر كلامًا، اللهم إلا التذكير بالثوابت والأساسيات.
ومن المهم التذكير في هذا المقام، برؤية الدكتور البيومي، التي تؤكد أن للعلوم الاجتماعية جذرًا أو جذعًا واحدًا يراه ماثلًا في “موسوعة الفقه الإسلامي”. وكثيرًا ما يقرِّر أن كل ما نتكلَّم فيه موجود في تراثنا وتناوله الفقه الإسلامي، وأن العلوم الاجتماعية المعاصرة هي “انشقاق حضاري” ومسار مستورد عن محضنه وبيته الجامع الذي هو الفقه. وحين يتكلَّم عن الفقه بهذا المعنى، يرى أنه يحتاج بالضرورة إلى إعادة صياغة ليتَّسع لهذه الأسئلة والأجوبة الكثيرة المتعلقة بـ “فقه الواقع”. وكما رأيناه يتكلم عن “الفقيه والمثقف بين التائه والحائر”[1]، فهذه نقطة مهمة في فهم مساحة النقد المركب عنده.
الدكتور إبراهيم ممن يؤمن بضرورة تجاوز التمهيدات والتأكيدات المستمرَّة على التخالف مع الرؤية الغربية، والبدء بالعمل والبناء. وأعتقد أن نقاش “البينيَّة” اليوم، وما بين السياسي والاقتصادي، سيكون له ذوق ووصف يحمل الجديد إن شاء الله.
يأتي هذا اللقاء بعد أسبوعين من حدث مهم، وهو رحيل الأستاذ الدكتور “محمد عمر شابرا” عن عمر يناهز 93 سنة، رحمة الله عليه. هذا الرجل عَلَمٌ في هذه المساحة، وبالأخص في مجال الاقتصاد عامة، والاقتصاد الإسلامي (تأصيلًا وتفعيلًا). والدكتور شابرا، الهندي المولد، السعودي الجنسية، والأمريكي التعليم، ذو الإنتاج الإسلامي، مرَّ بباكستان وغيرها في دراساته وتدريسه. وعلى قلة عدد كتبه، إلا أنها تحمل ثراءً كبيرًا، سواء في كلامه عن “النظام النقدي العادل”، أو “مستقبل الاقتصاد الإسلامي”، أو “الإسلام والتحدي الاقتصادي” (وهو واحد من أهم وأوائل كتبه التي نشرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي). وحتى أوقاته الأخيرة، ارتقى للبحث في مساحة ضخمة جدًّا (يعنى بها أيضًا أستاذنا الدكتور إبراهيم) وهي قضية “المقاصد”؛ النظر إلى الاقتصاد الإسلامي من منظور ومدخل المقاصد الإسلامية.
كلمة الترحيب والافتتاح (أ. د. نادية مصطفى)
أود أن أضيف شيئًا مهمًّا عن الدكتور إبراهيم البيومي، المتخصِّص في السياسة، الذي مَدَّ يده إلى الاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، وإلى غيرها من فروع العلوم الاجتماعية بنهج حضاري لا يستقيم فهم السياسة بدونها. الأمر الثاني، أنه لا يقدِّم تأصيلًا نظريًّا مجرَّدًا، بل يقدِّمه مجدولًا بالواقع وتحدياته وقضاياه ومحضونًا بها. هذا هو اجتهاد “عالم السياسة الاجتماعي” في الرؤية الإسلامية؛ أن يُدلي بدلوه بقوة في اجتهادات متواصلة حول قضايا وحلول الأمة الإسلامية في أوطانها، وفيما بينها، وفي وضعها في العالم.
ومنذ مشاركة الدكتور البيومي في مشروع “العلاقات الدولية في الإسلام” عام 1985 لم ينقطع التواصل معه على الإطلاق. وهنا يجب أن أتذكَّر عدَّة محطات مهمَّة في مسيرته:
- تسجيل الدكتوراه حول “الأوقاف”: كانت بداية لتتويج مسار اهتمامه بالاقتصاد وعلاقته بالسياسة والمجتمع من رؤية إسلامية. أَقْدَمَ بقوة في مرحلة صعبة بكلية الاقتصاد، حين لم نكن قد سمعنا بعد حديثًا عن السِّمات الحضارية أو الإسلامية بطريقة جديدة، ليقدِّم أطروحتَه عن موضوع “الأوقاف والسياسة في مصر”. رسالته عن الأوقاف في قلبها اقتصاد، واجتماع، وسياسة، وفي قلبها مقاصد وقيم وأمور كثيرة. أتذكر المعركة القوية عند تسجيل رسالته حين كنت أشرف على السيمينار، ولكنها أثْمرت والحمد لله، وأضحى الاقتراب من الأوقاف عبر الثلاثين عامًا الماضية مقاربة جديدة ومتطورة ساهم فيها هو وغيره.
- الإغاثة الإنسانية والعمل الأهلي: أتذكَّر جيِّدًا مشاركته في مؤتمر “الأمة وأزمة الثقافة والتنمية”، حين قَدَّمَ إلينا ما هو جديد عن أفريقيا، وعن العمل الإغاثي الإنساني الأهلي.
- مفهوم المصلحة: كتابه الصغير والموجز عن “مفهوم المصلحة”، وهي في قلب الحديث عن الاقتصاد. حيث قدم لنا إجابات عن معنى المصلحة؟ وما حدودها وأبعادها؟
- الإرث الحضاري في الموارد المائية: أتذكَّر حديثًا رائعًا بيني وبينه حين طلبت منه أن يكتب عن الإرث الحضاري في الواقع العملي لخبرات المسلمين في تنظيم الموارد المائية (ولدينا خبرة الأندلس التي لا تزال حية حتى الآن، وقد حافظ الإسبان على التراث الحضاري الأندلسي في هذا المجال).
ما أود أن أختم كلامي به هو أن الدكتور إبراهيم البيومي غانم ( باعتباره أستاذ علوم سياسية) لم يقتصر فحسْب على تقديم الرؤية الإسلامية، بل عمل في هذه المجالات الحضارية الواسعة والممتدَّة والمجدولة مع بعضها البعض. لقد نزل إلى الساحة العملية وفرغ منها سريعًا، قائلًا: “لا تشغلوا بالكم بهذه المقارنات (الفلسفة والنقد الأكاديمي الغربي ما بين ما هو وضعي ونقدي، ومادي وقيمي)، فلهم خصوصيَّاتهم ولنا خصوصيَّاتنا”.
أحيانًا كنا نختلف في هذا الأمر ونحاول أن نجد طريقًا مشتركًا حتى لا نُحسب (في نظر البعض، رغم أننا لا نهتم بذلك) أننا مجرد باحثين في مجال الدراسات الإسلامية التقليدية؛ بل نحن في مجال الدراسات والعلوم الاجتماعية الحديثة، من منطلق سياسي بَيْنِيٍّ مع غيره من أفرع العلوم الاجتماعية، ولكن برؤية “حضارية إسلامية” تستدعي الأمة بكل تكويناتها (دولًا وغير دول، بل وحتى الإنسان)، وتستدعي الأمة في تفاعلها مع العالم (تأثُّرًا وتأثيرًا) وليس منقطعة عنه.
وأخيرًا أود الإشارة أن لمركز الحضارة إسهامات متنوعة حول موضوع الاقتصاد السياسي بصفة عامة، والاقتصاد السياسي الإسلامي بصفة خاصة، وأعتقد أن هذه المحاضرة ستكون لبنة جديدة في هذا الصرح الذي شاركت فيه منذ نهاية الثمانينيات وحتى الآن[2].
المداخلة الرئيسية
في الاقتصاد السياسي للأمة الإسلامية… نحو اجتهاد بيني جديد
أ. د. إبراهيم البيومي غانم
نبحث في محاضرة اليوم عن الاقتصاد السياسي على مستوى الأمة الإسلامية، وهو مستوى بالغ الأهمية، وحضوره في الدراسات يتَّسم بصعوبة بالغة. إن التغاضي عن هذا المستوى أو تناوله تناولًا سطحيًّا ليس أمرًا إيجابيًّا ولا مفيدًا على الإطلاق، بل على العكس من ذلك؛ فنحن نضمُّ صوتَنا إلى الأصوات التي تسعى لتأكيد هذا المستوى التحليلي وتأكيد هذا المفهوم من أساسه في الخطاب السياسي، والثقافي، والقانوني.
الأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، وواجبنا -وهو ما يقوم به مركز الحضارة في حقيقة الأمر- إبراز مفهوم الأمة كوحدة تحليلية أساسية، لا لشيء إلا لأنه مفهوم حقيقي له أدلة وشواهد في الواقع، ولكن التعامل معه يتراوح بين الإقرار به والاعتراف بوجوده وأهميته، وبين إنكاره إنكارًا تامًّا. وعندما نتحدَّث عن الاقتصاد السياسي للأمة، فنحن نريد أن نضيف لبنةً في إظهار أهمية هذا المفهوم من الناحية التحليلية العلمية البحتة.
أمَّا بخصوص مسألة البينية، فتُعد واحدة من أزمات تطور العلوم في الحداثة الغربية، وليست من أزمات العلوم الإسلامية، وبخاصة إذا وضعناها تحت مظلة “علم العلوم” ألا وهو علم الفقه. إن الفقه بأدواته وآلياته وفروعه هو “علم علوم” حضارتنا. إن انقطاعنا عنه هو الذي يجعلنا لا ندرك عمق هذه الرؤية، بينما اقترابنا منه يصيبنا بحالة من الذهول حقيقة من صدق أطروحة كونه “علم العلوم”.
ولذلك، عندما ننظر إلى منظومة العلوم الاجتماعية بكاملها، سندرك أنها بينيَّة بطبيعتها من المنظور الإسلامي؛ وهذا يُعَدُّ فرقًا معرفيًّا عميقًا ومتجذِّرًا. ما أريد قوله في هذا الموضوع يتركَّز في طرح بعض المبادئ، والإشارة إلى بعض المسائل التطبيقية، وتقديم بعض الاقتراحات؛ وسأوضح ذلك بالأمثلة التي تبرهن عليه إذا اتَّسع الوقت.
المبادئ- مقاصد الشريعة.. مرجعية النشاط الاقتصادي
قبل أن أبدأ فيما يتعلق بالمبادئ العامة للاقتصاد السياسي الإسلامي، أود التأكيد على أن الهدف الأساسي هو فتح باب البحث في هذا الموضوع أمام الباحثين والمؤسسات، وتخصيص مسار أو مساق أو برنامج له نظرًا لأهميته البالغة.
إن نقطة البداية في المبادئ المتعلِّقة بموضوع الاقتصاد السياسي للأمة -أو الاسم الذي سأقترحه بعد قليل- هي مقاصد الشريعة الإسلامية. تمثِّل هذه المقاصد مرجعية النشاط الاقتصادي في عمومه وخصوصه، كما هي مرجعية في أمور أخرى، ولكن عندما نتحدَّث عن هذه المرجعية في مجال الاقتصاد يصبح لها مذاق خاص.
وعندما أذكر مقاصد الشريعة، فإنني لا أقصد المستوى المبسَّط والسريع الذي نعرفه جميعًا والذي يكاد يُختزل في الكليات الخمس؛ بل أقصد أن مقاصد الشريعة هي منظومة فكرية ومرجعية عليا تتألَّف من عدَّة مستويات:
- المقاصد العالية: وهو المستوى الأعلى، ويشمل أربعة مقاصد رئيسية تم استنباطها باستخدام الأدوات والقنوات ذاتها التي حدَّدها علماء المقاصد لاستنباطها من نصوص الكتاب والسنة، وهي: الكرامة الإنسانية، والعدالة، والحرية، والسلم العام.
- المقاصد العامة (الكليات): وهو المستوى الذي يليه، ويُعبر عن الأهداف والغايات التي تمثل مشتركات إنسانية عامة، ولذلك سُميت بالمقاصد العامة للشريعة. والمعيارية التي تحكمها هي المقاصد العالية الأربعة السابقة. الكليات الخمس هي مشترك عام يجب أن يُبحث ويُنظر إليه من هذا المنظور.
- وسائل المقاصد (مراتب الوسائل): وهي الوسائل المؤدية إلى تحقيق المقاصد العامة، وبالتالي تحقيق المقاصد العالية من حفظ الكرامة الإنسانية، وإقامة العدل، وضمان الحرية، وتحقيق السلم الذي يُعد شرطًا أساسيًّا للعمران، والذي يقع في صلب وظيفة استخلاف الإنسان في الأرض وفقًا للرؤية الإسلامية. هذه هي المنظومة المفاهيمية بكل مراتبها التي تمثل نقطة البداية.
أولًا- الأطروحة الأساسية للمحاضرة من نقد مصطلح “الاقتصاد السياسي” الوضعي إلى علم المعاش
لماذا أتحفَّظ على استخدام كلمة “السياسي” لوصف اقتصاد الأمة؟ أتحفَّظ لعدَّة أسباب:
أولها– أن “الاقتصاد السياسي” هو مصطلح صكَّه آدم سميث في نهاية القرن الثامن عشر في كتابه “ثروة الأمم”، وبنى عليه الاقتصاديون في الحضارة الغربية الذين توالوا بمدارسهم المختلفة على مَرِّ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. وفي البداية، كان يُقصد بالاقتصاد السياسي مركبًا يجمع بين السلوك الاقتصادي للفرد، والسياسات العامة للسلطة في المجال الاقتصادي، والقيم والمعايير والمبادئ التي تسعى هذه السلطة للانضباط بها أو تحقيقها. ولكن الأمر لم يستمر على هذا النحو.
وثانيها- أنه سُمي بـ “الاقتصاد السياسي” لارتباطه بإرادة السلطة، والدولة، والحاكم، والجماعة الحاكمة أيًّا كانت. وقد عُرِّف الاقتصاد السياسي في الكتابات الغربية بأنه: العلم الذي يُمَكِّنُ الدولة (الدولة تحديدًا، وليس المجتمع أو القطاع الخاص أو أي قطاع آخر) من تحقيق أهدافها بكليَّتها. وهو الهدف الذي رآه آدم سميث وما زال مستمرًّا حتى الآن (حتى في عهد ترامب).
الهدف هو إذن أن تكون الدولة غنية وثرية؛ لأن الغنى والثراء هو الذي يضمن لها القوة، والقوة هي التي تضمن لها الهيمنة، وهلم جرَّا. هذا هو الاقتصاد السياسي الوضعي.
● لمحة عن تطور الاقتصاد السياسي الغربي وموضوع البينيَّة:
في المقابل، فإن التغير والتحيز (الاجتماعي، والطبقي، والمعرفي، والسياسي) هو ما يميز أطروحة “الاقتصاد السياسي” في مسار النهضة الأوروبية منذ نهاية القرن الثامن عشر وحتى اليوم. إنها أطروحات متغيرة لا ثبات فيها، وقد تتلخَّص المسألة في المراحل التالية:
- في أيام آدم سميث أو الكلاسيكيين: أدمجوا الاقتصاد مع السلوك الفردي والقيم الحاكمة التي يُسعى إليها.
- مع ظهور “النيوكلاسيك”: فصلوا الاقتصاد عن الجانب القيمي بل وغيَّبوه، ولم يعودوا يتحدثون عن “الاقتصاد السياسي”؛ لأن الاقتصاد السياسي يمثِّل مسألة قيمية، ومذهبية، وفلسفية تتغيَّر بحسب الأنظمة وموجات التغيُّر السياسي وما إلى ذلك، وليست مسألة علمية محضة.
- في السبعينيات (وما سبقها مع جون مينارد كينز وجوزيف شومبيتر وغيرهما): عادوا مرة أخرى لينقضوا أُسس نظريات الاقتصاد السياسي التي نادى بها آدم سميث في “ثروة الأمم”.
وكان لا بدَّ من هذا النقض. وقد ترتَّب على أطروحات كينز في الثلاثينيَّات والأربعينيَّات إنقاذ النظام الرأسمالي من السقوط التام. لقد جاء بمثال وشرحه باستفاضة، وهو مثال “فشل السوق”. في تلك المنظومة، كان يُعتقد أن النظام الاقتصادي يفشل في كلِّيَّته إذا لم يعمل وفق شروط المنافسة الكاملة. لكن كينز جاء ليقول إن هذا غير صحيح، وأن فشل السوق (بمعنى غياب المنافسة الكاملة) قد يكون هو الشرط الأساسي للتقدُّم والخروج من أزمة الكساد العظيم (Great Depression) في الثلاثينيات والأربعينيات. كيف ذلك؟
لقد نفى إمكانية العلم الكامل بشروط أو ظروف السوق، معتبرًا إياه وهمًا وكلامًا مثاليًا. كما أكد شومبيتر أن توافر العلم الكامل بظروف السوق للجميع سيعطل التقدم؛ لأنه سيلغي الحافز والدافع لدى المبتكرين، ممَّا يؤدِّي إلى الركود أو الكساد. وأشاروا أيضًا إلى أن القول بتوازن الاقتصاد في المجتمع بناءً على مستوى التشغيل الكامل وأن الطلب يخلق العرض الموازي له هو مجرد وهم. وقالوا إن كلَّ ذلك غيرُ صحيح؛ لأنه مبني على فكرة “عدم تدخُّل الدولة”، مؤكدين أن تدخل الدولة ضرورة. وهذا النقاش هو كلام في الفلسفة، وفي صلب موضوع “الاقتصاد السياسي”، وليس في الاقتصاد الجزئي أو الكلي.
- وصولًا إلى مرحلة “النيوليبرالية” مع ميلتون فريدمان وغيره من الثمانينيات وحتى الآن: وصلوا إلى الحديث عن “اقتصاد الكوارث”؛ حيث لا مانع من إحداث أو اختلاق كوارث لإخراج النظام الرأسمالي من أزمته، خصوصًا بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط النموذج الاشتراكي.
الخلاصة أن “الاقتصاد السياسي” بهذا المعنى ليس علمًا، بل هو أيديولوجيا، ومذهب، وتوجه فكري، واختيار سياسي، ولذلك ناسب أن يُسَمَّى “سياسيًّا”.
ومن رحم الأزمات وما حدث لمعالجة مشكلات النظام الرأسمالي (بعيدًا عن النظام الاشتراكي الذي تراجع إلى حَدٍّ كبير)، ظهرت فكرة “البينية” في الغرب، فبدأت تبرز فروع مثل:
- الاقتصاد السياسي الدولي: والذي يبحث أثر الجانب الاقتصادي في العلاقات بين الدول وموازين القوى (وهذا علم بيني أو فرع جديد لم يكن موجودًا قديمًا، وأستاذتنا الدكتورة نادية مصطف أدرى بذلك).
- الاقتصاد السياسي للبيئة: ويبحث في قضايا الاستدامة.
- الاقتصاد السياسي للتنمية: ويبحث في الاختلال، وتوزيع الموارد الدولي، والمساعدات، والفقر الدولي.
ورغم ظهور هذه الفروع، لم تُحل المشكلة، بل تزداد تفاقمًا كل يوم. ويزداد تأثير عامل القوة في حسم المسائل، متفوقًا على العامل الاقتصادي والقواعد الاقتصادية الموضوعية والعقلانية التي من المفترض أن تحل الأزمات والمشكلات التي نشهدها يوميًّا، والأدلَّة على ذلك كثيرة وكافية.
● “علم المعاش”: المعادل الحضاري في التراث الإسلامي
هل لدينا في منظورنا الحضاري شيء يماثل هذا؟ أنا لا أبحث عن مثيل أو شبيه، ولكن أطرح سؤالًا: ماذا عندنا؟ وما هو المعادل الحضاري في تراثنا؟ المعادل الحضاري باسمه الأصيل في تراثنا هو “علم المعاش”.
وقد أطلق عليه ابن خلدون اسم “المعاش” أو “علم المعاش”. وكذلك يذكر التهانوي في مصطلحات العلوم كلمة “المعاش”، كما تناوله طاش كبرى زاده في كتابه “مفتاح السعادة ومصباح السيادة”، الذي يُعد من أشمل وأجمل الكتب في رصد تصنيفات العلوم وتطور العقل الإسلامي في هذه التصنيفات التي هي بنت الحضارة، دون أن يتأثر بتقسيمات حديثة مثل: “هذه علوم اجتماعية”، و”هذه علوم إنسانية”، و”هذه علوم بحتة”؛ وهي تصنيفات نحن غارقون فيها اليوم رغم أنها لا تَمُتُّ إلينا بصلة ولا نَمُتُّ إليها بصلة، وقد اقتحمت بلادنا منذ مائة سنة فقط أو أكثر قليلًا. كتاب طاش كبري زاده يتحدث أيضًا عن “علم المعاش”؛ بمعنى أنه يناقش القيم والمعايير الأساسية الكبرى التي على أساسها تُدار وتُوجه الأنشطة الاقتصادية، وتُرسَم ملامح الجانب الاقتصادي من الحياة.
ومن هنا، أقترح أيضًا على المركز الكريم أن يقوم بدراسة مصطلحية تتعقَّب تطوُّر هذا المفهوم؛ فقبل أن يُعرف باسم “علم المعاش” وقبل ابن خلدون، كانت له أسماء أخرى، ثم تبلور مع ابن خلدون، ويجب تتبُّع ما حدث له وصولًا إلى يومنا هذا.
● اجتهادات معاصرة في الاقتصاد الإسلامي
لدينا في الواقع مجموعة من الاجتهادات المعاصرة البارزة، أذكر منها ما قدَّمه الدكتور عيسى عبده رحمه الله، وبخاصة كتبه مثل: “المقدمات في الاقتصاد الإسلامي”، و”علم الاقتصاد الإسلامي”، وكتبه حول الملكية. وبناءً على ما قدَّمه الدكتور عيسى عبده، أخذ الدكتور عمر شابرا عددًا مهمًّا من هذه الأطروحات فطوَّرها ونمَّاها وبنى عليها. وقد استمرَّ تأثير الدكتور عيسى عبده على رواد الاقتصاد الإسلامي، وشمل ذلك: الدكتور رفعت العوضي، والدكتور معبد علي الجارحي، وإسهاماته مهمَّة جدًّا، وله كتاب من جزأين باللغة الإنجليزية في هذا الموضوع البالغ الأهمية؛ هذا الكتاب يحتاج حقيقة إلى ترجمة[3]، والأستاذ عبد المجيد عبد الرحمن في المملكة العربية السعودية، والذي كتب مجموعةً من أمتع وأعمق البحوث والدراسات في معهد البحوث والدراسات الاقتصادية بجامعة الملك عبد العزيز، وإن كان لم ينشرها حتى الآن.
كذلك محمد باقر الصدر في كتابه “اقتصادنا”؛ حيث يتضمَّن هذا الكتاب الأطروحة التي نُدَنْدِنُ حولَها ونبحث عنها. لقد كان يدرك تمامًا أن هناك فارقًا معرفيًّا وموضوعيًّا وتاريخيًّا وحضاريًّا بين ما يُسَمُّونَهُ “الاقتصاد السياسي” في بلادهم، وما نُسَمِّيهِ “علم المعاش” في بلادنا، وإن كان قد ابتكر وصك مصطلحًا جديدًا سماه “المذهبية الاقتصادية” أو “المذهب الاقتصادي”.
ولقد تعدَّدت التسميات التي أُطلقت على “الاقتصاد الإسلامي” في محاولة لتمييزه عن الاقتصاد الغربي. على سبيل المثال:
- أطلق عليه نجاة الله صديقي اسم “النظام الإسلامي”. كما سمَّاه في موضع آخر “الفلسفة”.
- وفي الآونة الأخيرة، قسَّم الدكتور رفعت العوضي، وهذا أعجبني كثيرًا، حين قال: “علينا أن نفرق بين فقه الاقتصاد الإسلامي وعلم الاقتصاد الإسلامي”. وهذه تفرقة دقيقة جدًّا؛ لأنه اعتبر أن:
- فقه الاقتصاد: هو البحث عن الأحكام الشرعية في المصادر الشرعية. وهذه الأحكام تتَّسم بدرجة عالية من الثبات والعموم والشمول. ويُعَدُّ هذا المبحث خطوة مهمَّة وأولى خطوات التميز لبيان الفروق الحقيقية (وليست المفتعلة) بيننا وبين اقتصادهم، أو بتعبير باقر الصدر: بين “اقتصادنا” و”اقتصادهم”.
- أما علم الاقتصاد: فهو النظريات، وأدوات ومفردات التحليل على المستويين الكلي(Macro) والجزئي (Micro)، والنماذج التحليلية، واستخدام الرياضيات والمعادلات، وكل ما شابه ذلك. وهذا القسم لا بأس به، حتى إن الدكتور عيسى عبده قبله بعشرات السنين، ذكر أكثر من ثلاثين نقطة من علم الاقتصاد معتبرًا إياها مقبولة تمامًا؛ لأنها من الأدوات والإجراءات التي لا صلة لها بفقه الاقتصاد أو الأطروحة النظرية المعرفية التي تُكسب النشاط الاقتصادي للأمة الإسلامية هويته الخاصة.
لذا، يجب أن ندرك أن هناك مشتركًا علميًّا بين اقتصادنا واقتصادهم، وهناك في الوقت نفسه مفترقٌ نظريٌّ وأصوليٌّ ومعرفيٌّ عميقٌ بين اقتصادنا واقتصادهم. إن الثبات والعموم الإنساني لمرجعية النشاط الاقتصادي الإسلامي -والمتمثِّلة في منظومة المقاصد التي ذكرتها قبل قليل- هي التي تمكِّننا من فهم ديناميات الاقتصاد، أو “اقتصاد المعاش”، أو “علم المعاش” على مستوى الأمة.
ثانيًا- أهمية التسمية: العودة إلى “علم المعاش”
قد يتساءل البعض: ما الفرق؟ ولماذا لا نسمي اقتصاد أمتنا “اقتصادًا سياسيًّا”؟
هناك فرق جوهري يستحق بذل الجهد؛ لأن إدراك هذا الفرق سيؤدي بنا إلى إعادة النظر في تعريف “علم الاقتصاد” بالمعنى الأكاديمي، وليس بالمعنى المتعلق بالاقتصاد السياسي المفصول عن القيم، والذي يُدرس في كليات الاقتصاد والعلوم السياسية.
وقد قمت ببحث سريع عن وجود مقرر بعنوان “الاقتصاد السياسي” في أقسام وكليات الاقتصاد والعلوم السياسية في الجامعات العربية، فوجدت مقرَّرًا في كلية الاقتصاد بجامعة القاهرة على مستوى الدراسات العليا تحت عنوان “الاقتصاد السياسي الدولي”، ومقرَّرًا في جامعة أردنية (ربما جامعة مؤتة). ولا يوجد غير ذلك تقريبًا (وهذا أمر يحتاج لحصر أدق).
على كل حال، إن البحث عن مفهوم “علم المعاش” سيقودنا للبحث في معنى “علم الاقتصاد”. وفي هذا السياق، أذكر ما جاء في كتاب عبد الرؤوف المناوي (من القرن السابع الهجري تقريبًا) واسمه “فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير”. في معرض شرحه لبعض أحاديث الصيام وسُننه، أورد تعريفًا أعتبره من أفضل التعريفات لمفهوم الاقتصاد. هذا التعريف يحمل أبعادًا اجتماعية، وثقافية، وشرعية، وحاضرة، ومستقبلية، وإنسانية في مجمله، وهو يتكون من كلمات معدودة:
“الاقتصاد هو ما يقوم به تماسك البدن والجماعات”
يتزامن الحديث عن الفرد مع الحديث عن المجتمع في نفس اللحظة؛ فالجماعات والتكوينات الاجتماعية تتركَّز حول مسؤولية الفرد تجاه أسرته، وكأن الأسرة هي مركز البناء الاقتصادي المقاصدي. وهذا اختياري الشخصي؛ فإذا حاولنا تغيير مصطلح “الاقتصاد السياسي” إلى “علم المعاش” -كما ورد في التراث- ووجدناه غريبًا أو غير واضح، فيمكننا أن نطلق عليه اسم “الاقتصاد المقاصدي”. لقد اخترت هذا العنوان لأنه يرتبط مباشرة بمرجعيَّاته، تمامًا كما يرتبط “الاقتصاد السياسي” باختيار السياسات الكبرى للدولة وتنظيمها واختياراتها في النشاط الاقتصادي. فالاقتصاد المقاصدي يعني تماسك البدن بما يقيم أوده ويحفظ قوَّته وينمِّي قدراته، إلى جانب تماسك الجماعات في دوائرها المتعددة بدءًا من الأسرة، مرورًا بالقبيلة والأمة، وصولًا إلى الإنسانية جمعاء.
وإذا كان للتعريف أثر في المعرَّف (وهو موضوع الاقتصاد)، فيمكننا أن نشتقَّ من هذا التعريف سياسات اقتصادية، ونضع برامج ومقرَّرات دراسية ومفردات تستند إليه. ويمتاز هذا التعريف بأنه يحمل صفات أفضل التعريفات كونه قصيرًا وواضحًا؛ فالتعريف الطويل الغامض لا يفيد بشيء، بل يُدخل الباحث في مشكلات أكثر مما يقدم له من مخارج، ولا يرسم له طريقًا واضحًا للبحث والدرس والغرس. ومن ثم، يكون علم الاقتصاد؛ هو ذلك العلم الذي يبحث في كيفية الوصول إلى تماسك البدن الإنساني ليكون صحيحًا، وتماسك البدن الاجتماعي الذي يضم هذا الفرد ويجعله جزءًا لا يتجزأ منه. وهذه الرؤية لا تخرج إلا من عقل مقاصدي وإسلامي يأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية، والثقافية، والشرعية، والمستقبلية، والغائية.
وفي هذا السياق، ذكر الدكتور عيسى عبده في أحد كتبه أنه لا يجوز الدخول في دراسة الاقتصاد -إسلاميًّا كان أو غير إسلامي- قبل دراسة “الاقتصاد السياسي” في النظم الوضعية، أو قبل دراسة “علم المعاش” في النظام الإسلامي. وعلَّل ذلك بأن الباحث سيكون تائهًا بلا ميزان أو معايير تحدِّد مستوى النجاح؛ فكيف سنعرف إن كنَّا قد حقَّقنا المقاصد أم لم نحقِّقها إذا لم تكن هناك مقاصد واضحة؟ وفي باب المقارنة، لا يُعقل أبدًا أن يكون همُّ النظام الأوحد -إلا إذا كنا نتحدَّث عن نظام وضعي- هو زيادة ثروة الدولة لتصبح أقوى، في إطار منزوع الإنسانية، ومنزوع التراحم، ومجرد من القيم الاجتماعية، ممَّا يُحيل المسألة إلى معادلة رياضية وصراعية بالأساس. أما في “علم المعاش”، فالهدف الجوهري هو ضمان المعاش للجميع بلا استثناء.
● إعادة النظر في القطاعات الاقتصادية من منظور علم المعاش:
يترتَّب على التمسُّك بهذه الأصول، انتقال في مستوى التحليل إلى الجانب الجزئي والتفصيلي. ففي علم الاقتصاد الوضعي، يتحدثون عن “السلعة” و”الخدمة”، بينما أضاف الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله قطاعًا ثالثًا سماه “قطاع اللذة”، ولم يستخدمه أحد غيره من علماء وأساتذة الاقتصاد. أمَّا إذا بحثنا في مصادرنا ومرجعيَّتنا، فسنجد آيات كثيرة، أذكر منها آية في سورة القصص يقول فيها الله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [القصص: 60]. وقد سمعت الدكتور عيسى عبده يقول إن كلمة “متاع الحياة” تغني عن كل السلع والخدمات في النظام الاقتصادي؛ فالمتاع يشمل السلعة والخدمة معًا، لأنه لا توجد سلعة إلا وتحتاج إلى خدمة للاستفادة منها. فرغم أن للسلعة تعريفًا محددًا في الاقتصاد الجزئي، إلا أن السيارة مثلًا تحتاج إلى سائق لتحصل منها على الخدمة (وحتى لو قمت بقيادتها بنفسك فأنت تقدم خدمة لنفسك)، كذلك قطعة القماش (النسيج) تحتاج إلى خدمة الحائك لتصبح سلعة مفيدة.
لكن النقطة بالغة الأهمية هي ما أشارت إليه الآية الكريمة بكلمة “وَزِينَتُهَا”؛ حيث جاءت واو العطف هنا للمغايرة، مما يعني أن الزينة تمثل قطاعًا مستقلًّا وكاملًا في الاقتصاد الإسلامي. قطاع الزينة هذا بالغ الخطورة، وهو يختلف عن “قطاع اللذة” الذي تحدث عنه الدكتور المسيري (وإن كانت اللذة جزءًا منه). يضم هذا القطاع الجماليات، والترويح، والجوانب المعنوية، وينتج سلعًا تخرج عن القواعد العادية للاقتصاد القائمة على التكلفة والمنفعة، أو العرض والطلب الذي يحدِّد السعر. فالناس يدفعون في الزينة تكاليف عالية جدًّا تتجاوز حسابات العرض والطلب؛ لأنها تلبِّي رغبات معنويَّة ووجدانيَّة لدى الإنسان. وهذا ما يؤكِّده القرآن الكريم في قصة قارون؛ فعندما خرج على قومه، لم يخرج بأمواله أو عتاده وأسلحته، بل قال تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) [القصص: 79] (أي في مهرجانات ومظاهر مزركشة). وبذلك خلب ألباب الناظرين، فقال الذين يريدون الحياة الدنيا – لأن هذه الزينة دنيوية وزائلة ولكنها خطيرة جدًّا: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [القصص: 79].
وفي الاقتصاديات المعاصرة، وفي ظل النظام الرأسمالي المتوحش؛ يتزايد حجم ما يدخل تحت بند اللذة أو الزينة. وهو قطاع خطير ومدمِّر للنفس الإنسانية التي لا تملك الحصول على الأساسيَّات والضروريَّات، بينما يُضخِّم من حجم من يمتلك هذه الزينة في مواجهة الآخرين، ولذلك يُبالَغ فيها جدًّا. ورغم أن الزينة ليست محرَّمة بطبيعة الحال في الرؤية الإسلامية، فإنها يجب أن تنضبط بضوابط ومعايير محدَّدة حتى لا تتحوَّل إلى أثر سلبي يعاكس الوظيفة التي خلقها الله سبحانه وتعالى من أجلها.
وتكْمن خطورة موضوع الزينة في واقع أمتنا الإسلامية حاليًّا في كونه الباب الواسع الذي تدخل منه المؤثِّرات التي تنال من هوية الأمة مباشرة وبدون استئذان. فتحت عناوين “قطاع الترفيه”، أو “اللذة”، أو “الجماليات”، تدخل كل القيم والمفاهيم التي تضرب أساسيات خصوصية الرؤية الإسلامية، وشخصية الإنسان المسلم، وهوية الأمة بمجملها. ويُعد هذا الباب أخطر بكثير من القطاعات الأخرى كالسلع والخدمات العادية، والمنتجات الطبية، والهندسية، والعسكرية.
وتترتَّب على ذلك نتيجة أخرى حتمية، وهي ضرورة إعادة النظر في هيكلة النظام الاقتصادي للأمة الإسلامية. لقد شهدت النظم الاقتصادية الحديثة هياكل تعتمد إمَّا على قطاع واحد (كما في النظام الاشتراكي القائم على ملكية الدولة والتخطيط المركزي المطلق وتهميش القطاع الخاص)، أو على قطاعين، أو ثلاثة قطاعات (قطاع خاص، وقطاع عام، وقطاع خيري أو مساند يعمل خارج آليات السوق). أما الرؤية الإسلامية، وبناءً على الجذور التي أشرت إلى بعضها، فإنها تقدِّم أطروحةً جديدةً ومختلفة تمامًا، وهي ما نطلق عليه أطروحة الأنساق الأربعة.
ثالثًا- أطروحة الأنساق الأربعة في الاقتصاد المقاصدي
يجب أن نميز في “الاقتصاد الإسلامي” بين أربعة أنساق مترابطة، لكلٍّ منها مركز وقيم ضابطة:
3النسق الأول: نسق السعي والمنافسة الحرة؛ نسمِّيه بأسماء مشتقَّة من القاموس الإسلامي والمرجعية الإسلامية. يمكننا استخدام مصطلح “السعي” أو “الكدح”. يحكم هذا النسق قيم محدَّدة مثل: قيمة العمل المتقن، والتعليم والتطوير المستمر، واقتران العلم بالعمل. ومركزه هو العمل والكدح والتنافس إلى أقصى حد ممكن، ولكن بضوابط وأخلاقيات تحكم هذا العمل في إطار ما يجب أن يكون.
وأقول إن اللحظة التي نصل فيها إلى تطبيق معايير هذا النسق، هي اللحظة التي نجد فيها سلعًا وخدمات مكتوبًا عليها: “صُنع بمعايير المقاصد العامة للشريعة الإسلامية”، بدلًا من “صُنع في ألمانيا” أو “أمريكا” أو عبارات مثل “صنع بمعايير التنمية المستدامة”. وهذه المعايير ليست وهمية بل هي موجودة ومحدَّدة، ومنها على سبيل المثال أن نضمن:
- أن هذا المنتج غير ضار ببدن الإنسان حتى يظل متماسكًا.
- أنه غير ضار بمعايير الظلم والعدالة حتى تظل الجماعة متماسكة.
- أنه خالٍ من العيوب.
- أن من شاركوا في إنتاجه قد حصلوا على حقوقهم كاملة دون أي مظلومية.
أتمنى أن أرى هذه المؤشرات الأربعة، بضوابطها وآليات التحقُّق منها، على منتجات وسلع وخدمات تُنتجها مصانع ومزارع ومعامل الأمة الإسلامية.
3النسق الثاني: نسق العقلانية العامة والمصلحة الجماعية؛ وجود مركز للنسق الأول لا ينفي بقية الأبعاد، بل يستدعي النسق الثاني. فالنسق الأول، القائم على المنافسة، سيطرد بالضرورة بعض غير القادرين أو العاجزين الذين يحاولون ولا يتمكَّنون من النجاح أو الاستمرار، وهؤلاء سيتراجعون إلى مركز النسق الثاني الذي أسمِّيه “نسق العقلانية العامة والمصلحة الجماعية”. ومركز هذا النسق هو “العدالة النظامية” كما نبَّه أستاذنا الدكتور حامد رحمه الله.
والعدالة النظامية تختلف عن العدالة بين الأفراد في الحياة الاجتماعية (بين الرجل وأخيه، أو زوجته، أو أبنائه)، فهي العدالة التي تقوم عليها سلطة الدولة وتمثِّل مسؤوليَّتها الأولى. وقد أعطى النظام الإسلامي للدولة ثلاث أدوات لتحقيقها:
- جمع السلطة العامة للزكاة.
- فرض الضرائب بحسب تقدير أُولي الأمر.
- رعاية ما يُعرف في علم الاقتصاد بـ “السلع العامة”، وهي السلع والخدمات التي تستهلكها جماعات وفئات كثيرة جدًّا من الناس، ولا يستقلُّ باستهلاكها فرد أو فئة محدودة. وكلما زاد المستهلكون لهذه السلع العامة، قلَّت تكلفتُها بل وقلَّت أسعارُها، بعكس السلع الخاصَّة في السوق الخاص.
3النسق الثالث: نسق مكارم الأخلاق (التراحم والبر)؛ ومركزه هو البر والعاطفة الإنسانية. وله أدوات كثيرة جدًّا، وقد حصرت لهذا النسق ثلاثة عشر (13) موردًا، منها على سبيل المثال: الوقف، والوصية، والهبة، والهدية، والأضحية، وزكاة الفطر، والقرض الحسن، والعارية، ونصيب اليتامى وأولي القربى إذا حضروا تقسيم الميراث، وغيرها.
ولهذه الموارد أحكام شرعية (تكليفية ووضعية بلغة أصول الفقه)، ولها مقاصد اجتماعية مباشرة تتَّجه إليها في الصرف والتنظيم. لكن للأسف، هذه الموارد غير منظَّمة بشكل جيد حتى الآن على المستوى الكلي لمجتمعات الأمة الإسلامية؛ فهي تتمُّ بشكل جزئي ومنفرد ومشتَّت، ولا يجمعها جامع، وبالتالي لا تدخل في حسابات الاقتصاد المعيشي أو “علم المعيشة”. هذا بالرغم من أن علم المعيشة يفرض هذا النظام من البداية كونه جزءًا من التشريع، وليس مسألة لاحقة أو علاجية لنظام وُجِدَ ثم ظهرتْ له سلبيَّات.
3النسق الرابع: نسق الزينة والحسن والترويح؛ وهو نسق كامل وقائم بذاته في الرؤية الكلية للاقتصاد الإسلامي، وأسمِّيه أيضًا نسق “البهجة”. ومركزه هو مسألة الإسعاد؛ أي إسعاد النفس الإنسانية. فيجب ألا يتحوَّل النشاط الاقتصادي إلى تسليع السوق وتسليع العلاقات الاجتماعية داخله (حيث تصبح العلاقات نفسها سلعة) كما حدث في النظام الرأسمالي المتوحِّش. فالإسلام يريد أن يتجنَّب ذلك بإفراد هذا النسق والنسق الذي قبله بملامح وأحكام شرعية تخاطب عقيدة العاملين في السوق، ليصبح السوق مؤسَّسة اجتماعية، وليس ميدانًا رياضيًّا لحساب المكسب والخسارة المادِّيَّة البحتة كما في النظام الوضعي.
هذه الأطروحات تُعَدُّ أساسًا لبناء “علم المعاش” أو “علم الاقتصاد المقاصدي”. وربما يكون مصطلح “الاقتصاد المقاصدي” أكثر وضوحًا في التعبير عما نريد؛ لأن “علم المعاش” يحتاج إلى شرح وإقرار، واستحضار لابن خلدون الذي كان يكتب بمصطلحات قيِّمة ودالَّة. وحتى لو استخدمنا “الاقتصاد المقاصدي”، فلا بدَّ أن نكتب هذا التطوُّر المصطلحي؛ فيجب أن نخدم تراثنا ومصطلحاتنا وعلماءنا، بدلًا من تكرار مقولات شومبيتر، وآدم سميث، وريكاردو. لقد سَئِمَتْ أذهانُنا من هذه الأسماء والأطروحات التي لم نَجْنِ منها سوى الخوف والتبعية، حتى أصبحت العلوم الاجتماعية في مجملها “علوم التبعية المستدامة”. إنها تُخيفنا من أنفسنا وتُفقدنا الثقة في حضارتنا وما نملك، مع أن لدينا ما يفيدنا ويفيد الإنسانية جمعاء.
رابعًا- ملاحظات ختامية:
أورد هنا بعضًا من الملاحظات الختامية تساعدنا على فهم أعمق للنشاط الاقتصادي الإسلامي.
الملاحظة الأولى: أود الإشارة إلى مصطلحاتنا في القرآن والسنة واجتهادات العلماء عند الانطلاق من رؤية “علم المعاش”. خذ مثلًا مصطلح “الرزق”. هل تعلم أن باحثًا إسبانيًّا اسمه ياسمين ريمال قد تصدَّى للبحث في كلمة “الرزق” العربية، وكشف مفاجأة تتمثَّل في أن هذه الكلمة تسرَّبت في القرنين السابع والثامن الهجريين (عندما كان المسلمون في الأندلس) إلى اللغات الأوروبية كالفرنسية والإنجليزية، لتصبح الكلمة المعروفة: Risk (المخاطرة)؟ وهل هناك صلة بين الرزق والمخاطرة؟
نعم بكلِّ تأكيد. فإذا تأمَّلنا كلمة “رزق” في المرجعية الإيمانية، نجد أنه يجب ألَّا تحمل هَمَّ رزقك لدرجة تجعلك غير متَّزن أو قَلِقًا طوال الوقت، أو تشل حركتك عن العمل؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، فالرزق سيأتي حتمًا وعليك أن تبذل الجهد. بل بالعكس، عندما تُسلم بهذه النقطة العقائدية، فإنك ستخاطر بأعلى المخاطرات (والتي تُرجمت إلى Risk. هذه المخاطرات تنطوي غالبًا على غنائم ومكاسب وأرباح لم تكن لتحصل عليها لو ظللت قابعًا في مكانك. ولذلك نجد دعوات قرآنية كثيرة مثل: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) [الملك: 15]؛ فالمشي في مناكب الأرض يحمل مخاطرة، لكنه يثمر عن اكتشافات، وغنائم، وأرباح، وتعارف، ومصالح كثيرة.
ويقول هذا الباحث (ونحن بحاجة لمتابعته في ذلك) إن هذا اليقين العقائدي هو ما دفع التجار الأوائل في الحضارة الإسلامية إلى القيام بتجارة بعيدة المدى، وترك أهلهم خلفهم والغياب لشهور طويلة؛ لكونهم مطمئنين تمامًا أن الرزق سيأتيهم، وأنهم سيأخذون بجميع الأسباب ويقومون بالمخاطرة دون خوف من أن تضر هذه المخاطرة بالرزق الذي يقيم أودهم. وهذه نقطة مهمة جدًّا لها أصل في الممارسات التاريخية الإسلامية.
الملاحظة الثانية: تتعلق بموضوع “اقتصاد الحرب”، والذي يُعتبر جزءًا من الاقتصاد السياسي بالمعنى الوضعي، ومن الاقتصاد المقاصدي أو علم المعاش بالمعنى الإسلامي. وعند بحث هذا الموضوع تُثار مسألة الغزوات والحروب والفتوحات الإسلامية، والادِّعاء بأنها كانت لأجل الغنائم واستغلالًا للفقر في الجزيرة العربية. وهذا ادِّعاء غير صحيح بالدليل والبرهان.
ومن هذه الأدلة، دراسة متعمِّقة لثمان وثلاثين (38) غزوة وسرية تمَّت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من السنة الثانية إلى العاشرة للهجرة (بمعدل 5 غزوات تقريبًا في السنة). بيَّنت هذه الدراسة أن إجمالي الغنائم التي حصل عليها المسلمون في هذه الغزوات بلغ 5.157016 درهمًا. وهذا الحساب الدقيق مستند إلى مراجع من الطبقة الأولى (First-hand) مثل طبقات ابن سعد، وسيرة ابن هشام، والكتابات المبكرة التي دونت التكاليف بعمليات حسابية لا يتَّسع الوقت لتفصيلها. ولكن ما معنى هذا الرقم؟
كانت تكلفة معيشة أسرة واحدة مكوَّنة من ستة أفراد في المدينة المنورة في ذلك الوقت تبلغ حوالي 3,000 درهم في السنة. هذا يعني أن إجمالي ما يعادل الـ 6 ملايين درهم يكفي لإعاشة حوالي 2,000 أسرة لسنة واحدة. وبقسمة هذا العدد على 8 سنوات، نجد أن نحو 250 أسرة فقط هي من استفادت سنويًّا من قصة الغنائم في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم. وبحسابات دقيقة، يتَّضح أن هذه الاستفادة كانت تمثل 1% فقط من متوسط دخل الأسرة، و2% فقط من الدخل الإجمالي للمدينة المنورة، والذي كان معتمدًا بشكل أساسي على الزراعة، والتجارة، وبعض الصناعات الحرفية البسيطة.
في المقابل، يذكر ابن سعد أن قريشًا أنفقت 50 ألف دينار لتجهيز 3 آلاف مقاتل في إحدى الغزوات. وبحساب المقاتلين الذين شاركوا في الغزوات والسرايا من السنة 2 إلى 10 هجرية، اتضح أن المسلمين أنفقوا ما يقرب من 60 مليون درهم على النفقات العسكرية فقط (تكلفة الخيول، والسيوف، والرماح، والدروع، والطعام وغيرها)، أي ما يعادل 10 أضعاف قيمة الغنائم التي حصلوا عليها؛ فمن الناحية الحسابية البحتة هي عملية خاسرة. وإذا أضفنا إلى ذلك تكلفة الفرص البديلة، والبطالة، وتوقُّف بعض الأنشطة الزراعية بسبب ذهاب المقاتلين للحرب، وتغطية نفقات أسر الشهداء، وفك الأسرى، فسيتبين أنهم أنفقوا فعليًّا حوالي 15 مليون دينار (أي 180 مليون درهم) في تلك السنوات الثمان.
لقد بُنيت هذه الاستنتاجات على حسابات دقيقة مستمدَّة من المراجع الموثوقة الأولى (التي تمثِّل المصادر الأصلية)، وهي مراجع لا يتطرَّق إليها الشك، وإنما قد تعتريها مجرد اختلافات بسيطة في التقدير بين مرجع وآخر. هذه الملامح السابقة تقودنا مجتمعة إلى طرح سؤال جوهري: هل تمتلك أمَّتنا الإسلامية اليوم اقتصادًا سياسيًّا، أو “اقتصاد معاش”، أو اقتصادًا مقاصديًّا؟ الإجابة بكل وضوح هي: لا.
الملاحظة الثالثة: تدور حول تساؤل: لماذا لا نمتلك هذا الاقتصاد اليوم؟
يرجع ذلك إلى أن قيام اقتصاد مقاصدي للأمة الإسلامية يفترض مسبقًا وجود أربع وحدات أساسية. تتمثل الوحدة الأولى في وحدة الأمة، وهي الوحدة الوحيدة الباقية؛ لأنها تمثل وحدة معنوية، ووجدانية، وشعورية متجذرة لا يستطيع كائن من كان أن يدَّعي عدم وجودها، وتتجلَّى هذه الوحدة بوضوح وتتفاعل عندما يقع خطب ما في مناطق مثل غزة، أو ميانمار، أو غيرهما من بقاع العالم الإسلامي.
أمَّا الوحدة الثانية فهي وحدة الدار، وهي للأسف غير موجودة في واقعنا المعاصر؛ إذ تفصل بين أبناء الأمة اليوم دول، وحدود مصطنعة، وقيود صارمة على التنقُّل تعتمد على جوازات السفر والتأشيرات وما إلى ذلك من عوائق.
وتأتي الوحدة الثالثة لتتمثَّل في وحدة السلطة، وهي بدورها غائبة ومفتقدة أيضًا.
وأخيرًا، الوحدة الرابعة هي وحدة المرجعية، والتي تعني ضرورة الاحتكام إلى المرجعية المقاصدية العليا بمركباتها ومستوياتها الثلاثة التي تحدَّثت عنها آنفًا.
إن اكتمال هذه الوحدات الأربع يمثِّل شرطًا لازمًا، وضروريًّا، وسابقًا لأي حديث جادٍّ عن تأسيس اقتصاد معيشي للأمة الإسلامية ككل، أو بناء اقتصاد مقاصدي، أو -إن شئنا استخدام التعبير الغربي- اقتصاد سياسي. ففي الواقع الراهن، نجد أن هناك مضادات ومعوِّقات تعترض سبيل كل وحدة من هذه الوحدات، وهذا يمثِّل تحديًا كبيرًا وواقعًا معقَّدًا يجب علينا أن ندركَه جيِّدًا، ونتعامل معه بوعي، ونأخذه في حسباننا بشكل دقيق عند التنظير أو التطبيق.
مداخلات الحضور:
أ. هشام جعفر:
أود أولًا- بالاستعارة من منهج النظر لدى المستشار البشري رحمه الله، أن أقول: إن هذه المنظومة التي طُرحت في المحاضرة تحتاج إلى “تشغيل”؛ وبدون تشغيلها ستظل كلامًا معلَّقًا في الهواء. التشغيل يرتبط بالانتقال إلى الواقع؛ لأن هذه المنظومة قد تجيب عن بعض الأسئلة، لكنها ربما تعجز عن بيان الآليات الواقعية.
وثانيًا- أتحفَّظ على فكرة أن نأخذ بعضًا من الأدوات التحليلية من الاقتصاد الوضعي ونستخدمها كما هي؛ إذ يجب أن ندمج الجانب القيمي مع التحليلي، وإلا سنقع في مأزق كبير.
وسأضرب أمثلة على ذلك:
- اقتصاد الحرب: ما طرحه الدكتور إبراهيم نفيس جدًّا، لكنه لا يجيب على “الاقتصاد الذي أنتج الإبادة في غزة”. كيف يعمل هذا الاقتصاد؟ ما هي الشبكات والآليات والدوافع التي تحركه؟ يجب أن ندمج التطورات الحالية، كاندماج المجمع الصناعي-العسكري مع تكنولوجيا “وادي السيليكون”، في تحليلنا.
- الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي: أخشى أن يُفهم من اقتراب الدكتور إبراهيم (رغم أنني أعرف أنه لا يقصد ذلك) بناء حواجز تمنعنا من الاستفادة من التطورات الحاصلة في تحليل “اقتصاد الذكاء الاصطناعي” أو الاقتصاد الرقمي. فهذه المنظومة إذا لم نُشَغِّلْهَا، لن تتمكَّن من الإجابة عن أسئلة جوهرية مثل سؤال “سوء توزيع الدخل والفرص والقدرات” المطروح عالميًّا.
- استعمار البيانات واحتكارها: لقد تم إعادة تحويل مفهوم “المشاع الإنساني” (الناس شركاء في ثلاث)، والآن يجب أن نضيف إليها “البيانات”. فهناك محاولات لاستعمار البيانات والاستيلاء عليها ممَّا يخلق احتكارات كبرى.
- الخوارزميات والتحيُّزات: أشار الدكتور إبراهيم إلى مسألة الهوية من مدخل قطاع “الزينة”، لكننا اليوم أمام خوارزميات “تعيد تعريف الحقيقة” ذاتها.
لذلك، أقول إن هذا الإطار يجب أن يُشغَّل، ويجب أن ننفتح على المدارس النقدية (مثل نقد الرأسمالية) التي يمكن أن تُثري منظومة “علم المعايش”. التشغيل يجب أن يكون متبادلًا؛ ينطلق من تأصيلات الدكتور إبراهيم، وينطلق كذلك من قضايا الواقع الملحَّة حتى لا يتمَّ إغفال هذه المنظومة؛ إذ حتى المقاصد العليا (كالكرامة والعدالة)، ونحن نقرُّها، لكننا ندركها عبر حركتها الواقعيَّة وانتهاكاتها المستمرَّة. فمثلًا، في قطاع الذكاء الاصطناعي، يتم استغلال العامل الذي ينظِّف البيانات بأجر زهيد جدًّا، ممَّا يمثِّل شكلًا جديدًا من أشكال سوء توزيع الموارد. لذا، يجب أن تتَّصل مؤشِّرات العدالة والكرامة بالحركة الواقعية لتصبح المنظومة إنسانية عامة ولا تقتصر على الأمة الإسلامية فحسْب؛ لأن انتهاك الكرامة باتَ همًّا إنسانيًّا مشتركًا تقف وراءه هياكل وفواعل عالمية.
مداخلة د. أحمد علي سالم:
أريد أن أعلق على مسألة التفاعل الحضاري، وسأضعها في إطار يمكن أن يخلق تحيُّزًا ما حول ما أريد أن أقوله. للمحاضر موقف صارم فيما يتعلَّق بالاهتمام بالمعرفة الغربية؛ بمعنى أنه يقول “كفى هذا الاهتمام”، وذلك لكثرة ما يتمُّ نقلُه من المعرفة الغربية والتأثُّر بها؛ فهناك الكثير من اللغط فيما يُنقل، وغالبًا ما يُنقل بدون تمحيص أو نقد للأسف. ولكن، ربما يكون القليل من الاحتكاك مع المعرفة الغربية مفيدًا، وذلك على الأقل من جانبين.
الجانب الأول- هو إدراك أن هذه المناهج الوضعية لا تنجح، بل بالعكس، فيها الكثير من المشاكل الأصيلة في الفكرة نفسها وفي التطبيقات أيضًا. وأستحضر هنا أثرًا يُنسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سمعته في فترة سابقة: “إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا وُلد في الإسلام من لم يعرف الجاهلية”. وبعيدًا عن الاستخدام المثير للجدل لكلمة “الجاهلية”، فإنه من المهم بالفعل أن نتعرَّف على الأطر التي تنطلق من مرجعية غير إسلامية ونفهم مشكلاتها. هذا الأمر يزيد من اليقين في صلب بحثنا وفي الأصول التي يجب أن نهتم بها.
والجانب الثاني- في مسألة التفاعل، هو ما ذكره الدكتور إبراهيم في مسألة “الأدوات”. فنحن ربما نجد بعض الأدوات المفيدة في المعرفة الغربية التي لا تتعارض مع أصولنا، ولا تتعارض مع الفلسفة الإسلامية، ويمكن أن نستفيد بها بشكل أو بآخر. أعتقد أن تحقيق درجة من التوازن في مسألة الاهتمام بالغرب -بين الاهتمام المبالغ فيه جدًّا وبين ترك المعرفة الغربية تمامًا- قد يكون أمرًا مفيدًا.
مداخلة أ. أحمد خليفة:
لديَّ استشكالان مفهوميَّان. الأول حول مفهوم “السياسي”؛ فلماذا نبتعد عن هذا المفهوم ونعتبره بمثابة أيديولوجيا لا يجب أن نستخدمها، بينما هو في التراث الإسلامي يعني: “القيام على الأمر بما يصلحه”، ما يجعله مفهومًا مهمًّا جدًّا. وحين نربطه بالاقتصاد، فإننا نستعيد جزءًا من التراث المفقود حول معنى “السياسي”.
أمَّا الاستشكال الثاني، فيتعلَّق بتعريف الاقتصاد؛ فالتعريف القائل بأنه: “ما يقوم به تماسك البدن والجماعات”، أجد فيه بعض العمومية. فما هو مقدار هذا التماسك؟ هذا سيرجعنا في النهاية إلى إيجاد مجموعة من المعايير حول مفهوم التماسك. وهل يُقصد به التماسك بمفهوم الضروري، أم الحاجي، أم التحسيني؟ أي مستوى ودرجة من المصالح سيكون هذا التماسك؟
سيُحيل الأمر إلى مجموعة من الإشكاليات التي ربما نخرج منها لو اتَّبعنا مفهومًا أطول قليلًا، فقد كان بعض الأساتذة يقولون إن “المفاهيم القصيرة تصيب العقل بنوع من الخلل”. فهل هذا المفهوم القصير فعلًا كافٍ لتعريف الاقتصاد، ويستحق أن يُبنى عليه “علم اقتصاد سياسي للأمة”؟ أرى أننا نحتاج إلى شيء من التوضيح والإضافات لكي يمثِّل مدخلًا للاشتباك والتفاعل مع عالم الاقتصاد السياسي الراهن.
مداخلة د. ريهام خفاجي:
لدي ثلاث نقاط أساسية:
- النقطة الأولى: بخصوص مساق “الاقتصاد السياسي العالمي”؛ لقد تشرَّفت شخصيًّا بتدريسه في فترة سابقة في جامعة زايد، وحاليًّا أقوم بتدريسه في جامعة روتشستر في الإمارات. فهو بالفعل يُدرس، حتى وإن لم يكن درجة علمية منفصلة بالكامل.
- النقطة الثانية: انتقدت حضرتك في البداية تعريف “الاقتصاد السياسي” باعتبار أنه يربط الاقتصاد بالدولة ويجعلها مهيمنة على مساراته، وهذا شيء دقيق جدًّا. ولكنني كنت أودُّ أن أسمع منكم -وأعتقد أنكم تعملون على ذلك بشكل أو بآخر- عن كيفية تسليم هذه الراية إلى المجتمع في الحضارة الإسلامية؟ فوجود المجتمع هو ركيزة أساسية في مجال الاقتصاد السياسي، بينما تركزت معظم المحاضرة على المعايير. لذا، عندما نتحدث عن الجوانب التشغيلية، لا بد من الإشارة إلى دور المجتمع.
- النقطة الثالثة: وهي مرتبطة بدراسات حضرتك عن الأوقاف؛ فأنا أتصور أن الأوقاف تحديدًا تمثل ركيزة أساسية للربط بين الاقتصاد السياسي وتأثير المجتمع وفعاليته. فكيف يمكن أن يتم هذا الربط؟
مداخلة د. عبد الرحمن رشدان:
أتساءل عن صناعة مستقبل اقتصاد المعايش، مع الاعتراف بكل العوائق التي تفضلتم بها من غياب الوحدات الأربع؛ حيث تقيّد الدولة القومية المركزية دور وحدة الدار ووحدة السلطة. بينما يسمح الاقتصاد الحر ببعض الحرية للفاعلين الاقتصاديين ما دون الدولة، وبالتالي من الممكن النظر في وحدة الأمة والمرجعية بعيدًا عن الدولة القومية. فما هي مقومات وآفاق تفعيل هذه الأمة بعيدًا عن (أو بالتعاون مع) الدولة المركزية في العالم الإسلامي، من خلال ربط القطاع الخاص الإسلامي العابر للحدود؟
تعقيب أ. د. نادية مصطفى:
كانت لي شخصيًّا خبرة في طرح مقرَّر “الاقتصاد السياسي الدولي” (أو العالمي) كمادة اختيارية لمدة خمس سنوات على مستوى الدراسات العليا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.
والحقيقة أن حصيلة هذا المقرر كانت متميزة جدًّا عبر تلك السنوات؛ لأنني قدَّمت فيه الطرح الغربي ونقدناه من داخله، وبنينا رؤية حضارية إسلامية متقدِّمة في هذا المجال. لقد حاولنا التشغيل والتفعيل على قضايا داخلية في أوطان الأمة وعبر العالم، وكانت المحصِّلة أجندة قضايا وموضوعات مهمَّة جدًّا نُشِرَ بعضها في أعداد من دورية “قضايا ونظرات”[4]، ومن هذه الموضوعات كان “الاقتصاد السياسي للهجرة”. من هنا نأتي لحدود “التشغيل” على أكثر من مستوى؛ حين نتحدث عن أجندة القضايا العالمية والتطور في البيئة المعلوماتية والتكنولوجية، وعن الفرق بين دور المجتمع والدولة، وكيف نستطيع العمل خارج حدود الدول القومية وعبر الحدود، فهذه تحديات مهمَّة.
وهنا ينقسم الحديث بشأن الاقتصاد السياسي إلى مستويين: مستوى التأصيل والإبداع في رؤية اجتهادية معرفية تكون إطارًا مرجعيًّا لهذا المجال العلمي، ومستوى تشغيل هذه المساحة المزدحمة والمتنوِّعة فكريًّا في الواقع. لقد أشارت المحاضرة إلى الروَّاد، ولكن تظلُّ المساحة الغائبة -والتي وُجِّهَ بمقتضاها الكثير من الانتقادات لتراكُم الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي- هي إغفال الاشتباك مع قضايا الواقع، وليس فقط واقع المسلمين. فهم يتحدَّثون عن الربا، والزكاة، والوقف، والعمل الأهلي والإغاثي، ولكن هناك قضايا أكثر تحدِّيًا للأمة على المستوى العالمي، وهي التي تحتاج إلى رصد وتصنيف وتوضيح؛ لبيان قدر المنجز منها، وعوائقه، وما نحتاجه حتى قبل أن تتحقَّق وحدة الدار ووحدة السلطة. ولذا لا بدَّ من مرجعية واضحة، فهذه المنطقة مهمَّة جدًّا.
قدَّمت المحاضرة عرضًا ممتازًا لتطوُّر المدارس الغربية في الاقتصاد السياسي (الليبرالية، والواقعية، والماركسية) في ضوء تطوُّر مشكلات النظام الرأسمالي العالمي. وكيف أن هذا التطوُّر في الرؤى والمدارس الأيديولوجية هو في الحقيقة التحام مع واقع النظام الرأسمالي ومشاكله، وتقديم تصوُّرات لكيفية الخروج من أزماته؛ ولهذا السبب ما زال هذا النظام الرأسمالي العالمي قائمًا يتكيَّف دائمًا مع أزماته عبر أكثر من خمسة قرون وحتى الآن.
ومن ثمَّ، فلا مانع من اهتمامنا بهذا التطوُّر، ليس بوصفه غرضًا في حَدِّ ذاته، ولكن لنستخلص منه -كما قالت أستاذتنا الدكتورة منى أبو الفضل- أن هذا النظام ليس عالميًّا يفيد كل المناطق الحضارية، وأنه ليس مطلقًا خاليًا من العيوب، بل قاد إلى أزمات في واقعه ومكانه، وأنه يجتهد ليخرج من هذه الأزمات بطرق متكررة، كان من بينها طرح “البينية”. وهذا ما خلصنا إليه في اللقاءين السابقين من هذا المنتدى[5]: البينية هي مخرج للعلم الوضعي من أزمته، ولكنها ليست مخرجًا لنا. ومن المهم إبراز هذا كله، خصوصًا ونحن نُدَرِّسُ في جامعات وأقسام ليست إسلامية بالكامل، ونريد أن نقتحم هذا المجال فيه بعلمية وطريقة منظَّمة، كما كان يقول أستاذنا المستشار طارق البشري.
كما أننا نبحث عن المشترك الإنساني؛ فقد كتب النقديُّون في مجال الاقتصاد السياسي العالمي دراسات رائعة، بعضها موثَّق في رسالة الدكتوراه الخاصة بالدكتور مدحت ماهر، وجدت فيها مشتركًا إنسانيًّا حول القيم الخاصة بالإنسان وكيف يتأثَّر بالاقتصاد، وأن الأمر لا يقتصر فقط على معايير قوة وثراء الدول. كما نبحث أيضًا عن الجديد من الأساليب البحثية التي يمكن أن تساعدنا؛ فهم يمتلكون قدرة على تطوير المؤشِّرات والمعايير التي يمكننا الاستفادة منها، رغم أن الفلسفة والمرجعية تظلَّان مختلفتين.
ملاحظتي الأخيرة تتعلَّق بمفهوم “السياسي”: لماذا لا نقول “اقتصاد سياسي مقاصدي”؟ كلمة “السياسة” ليست عيبًا عندنا، بل لها مفهومها الأصيل. وحتى لو تحدَّثنا عن كل المفاهيم والأنساق والقطاعات التي شُرحت في المحاضرة، فهي تحتاج إلى إطار فوقي أو كلي يديرها، وهو ما نسمِّيه “الدولة”. والدولة في مفهومنا الإسلامي تقوم بـ “سياسة”. فأنا لا أريد أن أنزع هذه الكلمة، ليس فقط بحكم التخصص، ولكن بحكم فهمي لموضوع السياسة.
وعندما يتحدثون عن الاقتصاد السياسي، فهم يتناولون البعدين الداخلي والدولي، بل يتحدَّثون اليوم عن الاقتصاد السياسي العالمي (Global Political Economy)؛ لأن العالم تغير، والبعد العالمي فرض نفسه وسحق أمتنا. هذا الأمر يجب أن نعيه ونحن نضع العناوين والمفردات. وبالتالي، يجب الالتحام مع أجندة القضايا العالمية مثل التنمية المستدامة[6].
وكيف يحدث التغيير في أمتنا داخليًّا وعبر الحدود التي ما زالت قائمةً بيننا؟ لدينا دراسات مهمَّة جدًّا أُجريت حول البنك الإسلامي للتنمية، وكيف يُدار الاقتصاد بين الدول الإسلامية من خلال المعونات وغيرها. ولدينا دراسات عن مقاومة الفقر من رؤية إسلامية مقارنة بالرؤى الأخرى، تبرز فيها مفاهيم التكافل وغيرها من المفاهيم المتَّصلة بهذه القضايا.
وهنا أودُّ أن أختم مداخلتي بسؤال مهم، ولا أنتظر إجابة عنه الآن: كيف يختلف المتخصِّصون في العلوم السياسية عن المتخصِّصين في “الاقتصاد الإسلامي” من حيث الأداء والإنجاز والتراكم في مجال الاقتصاد السياسي؟
معظمنا في هذا اللقاء نهتم بالتأصيل الضروري لتوفير رؤية إبداعية واسعة ننظر من خلالها لقضايا الواقع، ونأخذها من قراءة ونقد تراثنا الفكري، وهذا لا نختلف عليه. لكننا نجتمع أيضًا على أن قضايا التغيير في واقعنا وأوطاننا تهمنا. بالتالي، نحن بوصفنا جماعة علمية في “العلوم السياسية”، واجبنا -إلى جانب التأصيل- أن ننظر في قضايا الواقع، ونبحث في خصائصها القائمة وكيفية تغييرها (ولو جزئيًّا) وفق هذه الرؤية؛ الفارق مع متخصصي “العلوم السياسية” أننا أكثر اهتمامًا بإدارة الواقع، وتوازنات القوى، وتوزيع الأدوار بين المؤسسات والدولة والمجتمع بصفة عامة في كل المجالات (سواء في الاقتصاد أو الاجتماع).
تعقيب د. مدحت ماهر:
أثار الدكتور إبراهيم مسألة المفهوم نفسه ومدى تعبيره عن الظاهرة الحياتية التي نسمِّيها “الاقتصاد”، وطرح بديلًا أصيلًا وهو مفهوم “علم المعاش”. وهو مفهوم قرآني أصيل كما في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) [الأعراف: 10]، وقد تكرر في القرآن مرتين، وله دلالات عميقة ترتبط بالحالة النفسية والمعنوية للإنسان في معيشته المادية، سواء في الدنيا (عيشة راضية) أو (معيشة ضنكًا). ولذلك سأعقب على مفهوم “الاقتصاد السياسي”، الذي أُصِرُّ على استخدامه من منظور حضاري؛ انطلاقًا من ابن خلدون وصولًا إلى مالك بن نبي
فعندما نراجع مقدمة ابن خلدون (وهي تقع في ستة أبواب)، نجده يبدأ باستعراض واسع للأقاليم والعالم، ثم ينتقل إلى أنواع العمران (البدوي والحضري)، ويذكر فيه أنواع معايش الناس. ويتحدَّث عن العمران البدوي القائم على الخشونة والتعامل مع الطبيعة، ثم ينتقل إلى العمران الحضري حيث يظهر التنمق، والتروق، ومفهوم “الحضارة” الذي يحمل عنده دلالة سلبية تتمثل في الركون إلى الترف والدعة والزينة.
لكن، عندما طرح ابن خلدون كلمة “المعاش” بشكل مكثف، كان ذلك في باب “السياسة” (الباب الثالث). وهناك ذكر مقولته المشهورة حول دخول السلطان عالم الاقتصاد والأسواق: “التجارة من السلطان مضرة بالرعية ومفسدة للجباية”. وهنا تتجلَّى بينيَّته وحضاريَّته؛ فقد استدعى علم النفس قائلًا: “فإن أخذ الأموال يضعف الأعمال ويذهب الآمال”. كما شبَّه الأمر بالهجرة وترك الأوطان؛ لأن الأوطان قلبها الأسواق، حيث تتماسك الأبدان والكيانات. هكذا نرى كيف دمج بين السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والنفسي. هذه هي البينية التي نتحدث عنها، والتي أؤمن أنها متأصِّلة في الرؤية الإسلامية التي تعتبر أن الأواني المستطرقة الحياتية يجب أن تقابلها أواني مستطرقة معرفية.
وإذا انتقلنا من ابن خلدون (المتوفى سنة 808 هـ) بقرابة خمسمئة سنة إلى مالك بن نبي (1905-1973)، نجده يكتب في الوقت الذي انشغل فيه باقر الصدر والشيخ الغزالي بالرد على الشيوعيِّين، ليقدِّم لنا كتابه الصغير العظيم “المسلم في عالم الاقتصاد”. لقد ترجم هذا الرجل مقولة “علم المعايش” ببراعة شديدة، رابطًا بين البيولوجي، والمالي، والاجتماعي، والإنساني، والتوزيع، والإنتاج برؤية حضارية ملهمة بشكل استثنائي. ولذلك أقول: إذا فُهم “الاقتصاد السياسي” من المنظور الحضاري، فإنه سيجنِّبنا الكثير من أعباء المفهوم الغربي التسلُّطي.
بالإضافة إلى ذلك، نحن بحاجة لمراجعة نظرتنا للدولة، حيث يبدو أن وطأة الواقع جعلتنا نعبر عنها أحيانًا بوصفها “شر مطلق”؛ فأنا أشعر في بعض الخطابات أن كلَّ ما يأتي من الدولة أو يذهب إليها يُعَدُّ سيِّئًا. أرى أن الرؤية الإسلامية ترى أن الدولة تصلح وتفسد، وتُحسن وتُسيء، ولذلك لا أحبِّذ إقصاءها من تفكيري الحضاري.
رد أ. د. إبراهيم بيومي غانم:
ردًّا على أسئلة التشغيل أقول: نحن لا نزال في مرحلة “التأصيل” لموضوعنا. لو كان هناك تأصيل كافٍ ووافٍ، لبدأنا مباشرة بـ “التشغيل” ولم نكن بحاجة للإعادة والزيادة في التأصيل. لكنني شخصيًّا لم أجد تأصيلًا كافيًا حتى عند رواد الكتابة في الاقتصاد الإسلامي المعاصرين.
وهنا ألخِّص نقدًا وجَّهته لهم في أكثر من ندوة، ويتركَّز في ثلاث نقاط رئيسية:
النقطة الأولى: أنهم دخلوا ميدان “الاقتصاد الإسلامي” من أضعف نقطة في الرؤية الإسلامية للاقتصاد، وهي “القطاع النقدي والبنكي”. وفقًا للتأصيل النظري الأساسي في الانتماء لـ “علم المعاش” و”الاقتصاد المقاصدي”، يجب أن يكون دور القطاع النقدي محدودًا جدًّا، وأن تنحصر وظيفتُه في إبراء الذِّمم في المعاملات، وألَّا يتحوَّل هو نفسه إلى “سلعة” تُتداول لتنتج نقودًا أخرى. فهذا هو “جحر الضب” الذي أدخلنا فيه الاقتصاد الرأسمالي الحديث؛ حيث أصبحت النقود بحدِّ ذاتِها ثروةً وسلعةً، ممَّا أوقعنا في دوامة من الأمور غير المسموح بها إسلاميًّا، كالربا، والظلم، واستغلال حاجة الضعيف.
النقطة الثانية: لقد دخلوا من هذه النقطة التي كان ينبغي أن تكون ثانوية (الضعيفة في هيكلنا الاقتصادي) ذهبوا ليواجهوا أقوى نقطة في منظومة الاقتصاد الرأسمالي العالمي، ألا وهي “القطاع المصرفي”.
إن دخولنا إلى ميدان الاقتصاد من نقطة ضعيفة نسبيًّا في التأسيس النظري، لكي نواجه أقوى نقطة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، مسألة في غاية الأهمية. وبالتالي، يجب علينا أن نصبر قليلًا على “التأصيل”؛ من خلال البحث عن المفاهيم، والتنقيب عنها، ونقدها، ودراستها، وشرحها، ومقارنتها بغيرها، ولكن أن ننتقل مباشرة إلى هَمِّ “التشغيل” فهذا يتطلَّب تروِّيًا. فنحن “جماعة علمية” ولسنا أصحاب قرار تنفيذي؛ ولذا فإن الخطوة الأولى للمدارس العلمية (ومدرسة المنظور الحضاري على وجه الخصوص) هي: التأصيل، والتعمُّق، والتجذُّر في الجانب المعرفي، والمصطلحي، والمنهجي، والأدوات، والوسائل.
ولذلك لا بدَّ أن نعمِّق جذورَنا أوَّلًا، ونفهم “الآخر” بكل دقَّة وعمق في الوقت نفسه؛ حيث يجب أن نجعل المعرفة بـ “الآخر” من “علوم الآلة” أو “علوم الأدوات”، وليس من “علوم المقاصد” (إذا استعرنا تعبيراتنا الأصولية). فالمعرفة بالآخر ضرورية لدينا بحكم التعريف، ولا نناقش في هذه البديهيَّات. ولكن السؤال هو: ما الذي أضعُه في سُلَّمِ الأولويَّات الأول؟ ويظلُّ الهدف هو الوصول إلى تلك الرؤية المتماسكة وإقامة الأدلَّة عليها بكلِّ الطرق: نقلية، وعقلية، وواقعية، وتاريخية. و”الحكمة ضالَّة المؤمن”. إذن، القاعدة هي: التأصيل ثم التشغيل.
إن موضوع “الاقتصاد السياسي” في مسار التطور الغربي الحديث هو موضوع غير علمي (بالمعنى الحصري لكلمة “علم”، الذي يتضمَّن التجريب، والأدوات، والاختبار، وإثبات الصواب والخطأ). هو اختيار أيديولوجي ومذهبي كما عبر بعض الاقتصاديِّين.
وهناك عيبان رئيسيان في هذا المنظور الغربي مقارنة بما عندنا:
- غياب الثوابت: فهو متغير بحسب المشروعات المهيمنة، وسياسات الدول والحكومات.
- التبعية للسلطة: فهو أداة خادمة للسلطة وليس أداة موجِّهة لها.
بينما عندنا، الاقتصاد هو “أداة موجِّهة”؛ لأنه يجب أن يُوجَّه إلى مقاصد محدَّدة تحمي كرامة الإنسان، وتصون حريته، ولا تُخِلُّ بالسِّلم العام أو بميزان العدالة (وهذه هي المقاصد العالية).
ثم هناك برامج تنفيذية يمكن تفعيلها الآن. لدي مثلًا برنامج كامل حول كيفية حفظ “النفس” وحفظ “المال” (وهو الأقرب لموضوع الاقتصاد). حفظ المال لا يتم بالطريقة التي تقدِّمها الدراسات التقليدية، بل لديَّ سبعة مستويات أو برامج فرعية تتعلَّق بـ: التبادل، والتراكم، والإنفاق، والتداول، والكسب، والتشغيل، واختيار الضروريات.
كيف يُفَعَّل المال؟ يجب أن نفعِّل خط “الضروريات” (وهو من الوسائل التي تحقِّق المقاصد العامة) ليحلَّ محلَّ ما يُسَمَّى “خط الفقر”. فخط الفقر الذي وردنا من الاقتصاد الحديث هو خط غير آدمي وغير إنساني بالمرة؛ إذْ تَمَّ حسابه بطريقة تحفظ الوجودَ البيولوجي للإنسان على قيد الحياة فقط. هل لدينا ظاهرة فقر؟ نعم، مفهوم الفقر وظاهرته موجودان، لكنها ظاهرة “متحرِّكة” وليست ثابتة؛ فالفقير يمكن أن يصبح غنيًّا. ولدينا أدوات اقتصادية معيَّنة ومقصودة لإخراج من يقعون في دائرة الفقر منها. نستعد بسياسات وبرامج، لأن الفقر يتولَّد في المجتمع كـ “سُنة من سُنن الاجتماع” التي لا تتبدَّل ولا تتغيَّر. لا يوجد شيء اسمه “القضاء التام على الفقر” (Eradication of poverty) كما يكتبون في أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، فلا يوجد ما يُسَمَّى “اقتصاد الفقر”، ولن يحدث ذلك. هذا الموضوع دقيق ويحتاج إلى تفاصيل كثيرة.
أمَّا عن مفهوم “التماسك”. قد يبدو المفهوم غريبًا؛ لأنه لم يتم إجراء عدد من الدراسات على هذا التعريف (تماسك البدن والجماعة). نحن الآن فقط من يبحث فيه، فيتعجب البعض: ما هذا؟! وإذا أخذنا مثلًا آخر مفهوم “المصلحة” عند الفخر الرازي، والعز بن عبد السلام، وابن تيمية، وقارنه بمفهوم المصلحة عند جون ستيوارت ميل أو جيريمي بنتام في الفكر الغربي، الذي حصر المصلحة في “اللذة” وما شابه. نحن بحاجة لدراسات متعمِّقة تختار العلماء بعناية، كما يفعل الغرب حين يركِّزون على آباء الاقتصاد السياسي لديهم (رغم أنهم مئات، إلا أنهم يبرزون أسماء كآدم سميث، وريكاردو، وماركس).
مثلًا، في بدايات القرن السابع الهجري، نجد الفخر الرازي يتحدَّث عن مفهوم المصلحة قائلًا: “المصلحة هي اللذات وأسبابها، والمفسدة هي الآلام وأسبابها”. وأضاف غيره مفاهيم تتعلَّق بالأمور النفسية كالـ “غموم”. هذه مفاهيم متقدِّمة جدًّا! أين هي من المفاهيم الرياضية الجافة التي تُقصي الجانبين الروحي والاجتماعي؟ وهذا بالمناسبة ما انتقده كينز نفسه حين قال: “يجب ألا يكون السوق مؤسسة رياضية تتمُّ فيها الحسابات بالقلم والمسطرة، بل يجب أن تظلَّ مؤسسة اجتماعية تأخذ الأبعاد الأخرى في الحسبان”.
فيما يتعلَّق بموضوع المقاصد، لا يمكن أن يكون الاقتصاد السياسي العالمي “إنسانيًّا” إلا إذا كان “اقتصادًا مقاصديًّا”؛ لأن المقاصد هي مقاصد عليا للإنسان وعامة للبشر.
وعندما نستخدم مصطلح “الأمة” في تراثنا المتخصِّص، فهو لا يعني محض “مجتمع من المسلمين” وحسْب. فإذا تمحَّضت بقعة من بقاع الأمة الإسلامية وخَلَتْ من غير المسلمين، فهل تفقد وصف الأمة؟ الأمة ليست كذلك؛ بل إن غياب غير المسلمين عن مجتمع الأمة يُفقده جزءًا من معناه. الأمة لا تقوم على عقيدة الانتماء لدين واحد فحسْب، بل على الانتماء إلى “مصلحة اجتماعية عامَّة”. ولذلك، جاءت الأحكام والتشريعات بإقرار غير المسلمين -وحتى غير المتديِّنين بديانة سماوية- ليظلُّوا، ويتولُّوا المناصب، ويعملوا. فالاجتماع الإنساني تُظله القيم والمقاصد العالية التي تخاطب الإنسان بوصفه إنسانًا.
هل نظن أن “الاقتصاد السياسي العالمي” سيراعي الإنسان في بلادنا كما يراعيه في أوروبا أو أمريكا؟
لا، فهو تحيُّز مصلحي وعِرقي محض. نحن الوحيدون الذين نملك إطارًا محايدًا، وإنسانيًّا، وعالميًّا بأمر الإسلام وتعاليمه، وليس باختراع أو محاولة تقريب. ومن يخلُّ بهذه المبادئ -كائنًا من كان- يُخِلُّ بشرعيَّة انتمائه للإسلام، وأي سلطة تُخِلُّ بها تسقط عنها شرعية تمثيلها للشريعة.
وهذا يتقاطع مع موضوع “الأوقاف”، وما أسميتُه “نسق مكارم الأخلاق”. إن “نسق مكارم الأخلاق” لا يقتصر على الوقف فقط، بل هو منظومة متكاملة تتضمَّن ثلاثة عشر بندًا أو موردًا، كلها ذات أحكام شرعية. من أين وُلدت هذه المنظومة؟ إنها لم تولد من ديناميَّات العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، بل وُلدت من أصل التشريع بحد ذاته. خذ مثلًا “الكفارة”؛ هل تصبح أمرًا واجبًا إلا إذا فعلت ما يستوجبها؟ زكاة الفطر أمر واجب. النذر يصبح واجبًا إذا نذرت شيئًا، وإذا حنثت به تدفع كفارة، فتصبح الكفارة واجبة. إذن، لدينا أربع مصادر بحكم الشريعة، إذا طُبقت ونُظمت داخل هذه المنظومة، فإنها تصبح واجبة. وتنشئ هذه المصادر شبكة من الموارد التي تنتج تدفُّقات مالية مستمرَّة، ولا مركزية، ومحدَّدة شرعًا في فئات اجتماعية معينة. هذا من شأنه أن يبني “السِّلم المجتمعي” (وهو من المقاصد العالية) من أسفل، ويتضافر مع السياسات الأخرى التي تقوم بها الدولة من خلال الضرائب وتوفير السلع العامة؛ فهي منظومة كبيرة جدًّا.
أمَّا بخصوص صناعة المستقبل في الاقتصاد وجدلية علاقة الدولة القومية المركزية بما تحت الدولة، فهذه الأسئلة تحتاج حقيقة إلى محاضرة كاملة، فهناك مساحات نقاش كبيرة جدًّا قد تُتاح لنا فرصة للحديث فيها مرة أخرى. نحن لا نغفل إشكالات الواقع، ولكن المسألة مسألة ترتيب للأولويَّات يا جماعة. هدفي الأساسي كان مجرد “فتح باب الكلام” في هذا الموضوع، ومن حسن الطالع أن أستاذتنا الدكتورة نادية أكَّدت وجود برنامج مخصَّص لذلك. هذا الموضوع يُعد من العلوم الجامعة التي تفتح آفاقًا على فروع كثيرة، ويجب أن تكون لنا فيها رؤيتنا الحضارية الخاصة التي تحمل ملامح مشتركاتنا.
وكما قلت، إن مجرد الحديث عن المقاصد العامة (ناهيك عن المقاصد العالية) هو حديث في المشترك الإنساني العام. فعندما نتحدث عن “حفظ الدين”، يتساءل البعض: أي دين؟ هذا يندرج ضمن المقاصد العامة. وكذلك “الكرامة”؛ فهي كرامة بني آدم: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: 70]. وحتى في موضوع الزينة، نادى القرآن بني آدم (وليس المسلمين فقط) قائلًا: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) [الأعراف: 31]؛ لأنه يعلم أن في الأمة الإسلامية من غير المسلمين من قد يكونون مجاورين للمسجد، أو مارِّين به، أو لديهم مصلحة في السوق المجاور له، فيجب أن يظهروا بمظهر طيب وجميل، لأن المسجد نقطة إشعاع وتجميع لرعاية المصالح.
ولذلك،يجب أن نجري دراسات معمَّقة على “السوق” في تراث الحضارة الإسلامية. وهناك دراسات كثيرة (من أعمقها ما أصدره مركز الإنماء في بيروت عن دراسات السوق في إيران والأندلس). النقطة الأساسية هنا هي أن السوق في تراثنا يمتاز بسمة فريدة؛ فهو ليس سوقًا واحدًا، بل هما “سوقان”:
- سوق حسابي تنافسي: يتم فيه العرض والطلب.
- سوق خيري: وهو صلب الموضوع؛ تندرج فيه الزكاة، والوصية، والهدية، والكفارة، والنذر.
هذا القطاع الخيري يُنتج سلعًا وخدمات ضخمة جدًّا. فبنجلاديش مثلًا (في عامي 2024 و2025) هي أعلى الدول الإسلامية مشاركة في الأضاحي. نحن نتحدَّث عن حوالي 100 مليون رأس في السنة الواحدة! هذه صناعة متكاملة تنتج الجلود، والأعلاف، والتصنيع، والتصدير من أصوافها إلى أسواق عالمية مثل “وول مارت”. من الذي درس هذه القطاعات؟ هذا “اقتصاد خيري”، ويجب أن يذهب ريعُه للفقير.
وفي إندونيسيا، أُجريت دراسات حول أفضلية إخراج زكاة الفطر “أرزًا” من غالب قوت البلد كما جاء في الحديث النبوي، وليس كما تُفتي بعض دور الإفتاء المعاصرة -بدون علم أو نظر في الواقع- بإخراجها نقدًا. أثبتت الدراسات أن إخراجها أرزًا يُشغِّل عمالةً كثيفةً جدًّا (كيف يُزرع الأرز ويُحصد والعمالة التي تعمل فيه، وفي التعبئة، والنقل، والتبييض، والتنقية). هذا يُحرك عجلة الاقتصاد بشكل دوري في الاقتصاد الإندونيسي.
مثل هذه الدراسات المتخصِّصة والواقعية أهم عندي مئة مرة من الجلوس ليل نهار لترديد مقولات “المدرسة الكينزية”، أو “ميلتون فريدمان”، أو غيرهم. لقد عرفنا ما يقولون، وهم مهيمنون ومسيطرون علينا، وهذا يكفي؛ يجب أن نركز نحن كجماعة علمية على استثمار مفاهيمنا.
وهناك نقطة أخيرة حول سمات الرؤية الإسلامية في تنظيم الأسواق (وهذا له فقه واسع جدًّا في أصول الفقه، والقواعد الفقهية، والجانب الاجتماعي، والعرف والعادة) فلم يثبت قط -من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نهاية الدولة العثمانية عام 1924 (أي لقرابة 1444 سنة هجرية)- أنه سُمح لفرد أو فئة بامتلاك سوق كبير بالكامل (كالمولات والهايبر ماركت الحالية المملوكة لشركات ورأسماليِّين). بل الثابت أن جميع الأسواق الكبرى كانت إمَّا “وقفًا خيريًّا” (بما فيها الخانات، والنُزل، والاستراحات، والمطاعم المجانية للتجار والباعة والمشترين)، أو مشاريع صغيرة داخل السوق يظلُّها الوقف غير الربحي.
هذه مقارنات مهمَّة يجب أن نقف عليها ونبني عليها، ونطوِّرها لنستوعب كلَّ جديد (بما في ذلك الذكاء الاصطناعي) ولكن بعد أن نعرف أين نضع أقدامنا أولًا.
لقد قدَّمت بحثًا حول دور “وكلاء الذكاء الاصطناعي في الإدارة والاستثمار في الاقتصاد الإسلامي (بالتطبيق على الأوقاف)”. ووجدت فيه أمورًا بالغة الأهمية. هناك فرق بين مجرد استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبين “وكلاء الذكاء الاصطناعي”؛ حيث يُسعى لبناء شخصية قانونية جديدة (إلى جانب الشخصية الطبيعية والاعتبارية) تتولَّى التخطيط، والتفكير، والاختيار، والتنفيذ، والمراجعة، والحوكمة، بل وتُنيب عنك أمام الغير.
هذا الكلام يحتاج إلى عودة دقيقة للأصول، وإلا فإن الانجراف خلفه لن يؤدِّي إلى نتائج حقيقة في الوصول إلى “اقتصاد إسلامي”. لدينا معايير إسلامية خاصة بتحمُّل المسؤولية: من عليه الضمان؟ ومن المباشر والمتسبب عند اجتماعهما؟ هل يجوز توكيل الذكاء الاصطناعي في الشهادة الجنائية؟ مستحيل؛ إذ لا توجد شهادة لذكاء اصطناعي. ولا يجوز توكيله في مسائل النية. نحن لا يجب أن نجري خلف صيحات الخبراء المحنَّكين الذين يؤدُّون عروضًا مسرحية في الندوات؛ هذا ليس علمًا! لا بدَّ أن نفهم أصولنا ونقف عندها.
المراجع
[1] إبراهيم البيومي غانم، الفقيه الحائر والمثقف التائه في زمن الحداثة، (القاهرة: نيو بوك للنشر والتوزيع، 2020).
[2] للمزيد بشأن أعمال مركز الحضارة والأستاذة الدكتورة نادية مصطفى حول الاقتصاد السياسي، انظر:
– العدد الثالث، فصلية قضايا ونظرات، مركز الحضارة للدراسات السياسية، سبتمبر 2016، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/iNBuT
– العدد السادس، فصلية قضايا ونظرات، مركز الحضارة للدراسات السياسية، يوليو 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/GYX1E
– أحمد شوقي، الاقتصاد السياسي للحرب: التمويل – الممارسات – الآثار، فصلية قضايا ونظرات، العدد الرابع والثلاثون، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، يوليو 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/XcyDL
– إيمان حشاد، الاقتصاد السياسي لمحاربة الفقر: بنجلاديش نموذجًا، فصلية قضايا ونظرات، العدد السابع والثلاثون، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، أبريل 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/d3q1O
– سارة أبو العزم، الاقتصاد السياسي للجوء.. السودان نموذجًا، فصلية قضايا ونظرات، العدد الثامن والثلاثون، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، يوليو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/0HVql
– عبد الرحمن عاطف أبو زيد، الاقتصاد السياسي السوري: بين ميراث الأسد وما بعده، فصلية قضايا ونظرات، العدد الأربعون، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، يوليو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/O4r1H
– مصطفى دسوقي كسبه، الاقتصاد السياسي للإصلاح في الأمة، (في): نادية مصطفى، سيف الدين عبد الفتاح (إشراف)، حولية أمتي في العالم، العدد السابع: الإصلاح في الأمة بين الداخل والخارج، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2007.
– عبد الله عرفان، الاقتصاد السياسي للثورة: مصر بين نظامين ومداخل جديدة للنظر، حولية أمتي في العالم، العدد الحادي عشر (2011/2012): “الثورة المصرية والتغيير الحضاري والمجتمعي”، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2012).
– أحمد شوقي، الاقتصاد السياسي للعالم الإسلامي بين الدولة الإمبراطورية والدولة القومية: قراءة في نماذج التنمية والتدخل الأجنبي والمقاومة، حولية أمتي في العالم، العدد السابع عشر: مائة عامة على إسقاط الخلاقة، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 2025).
– نادية محمود مصطفى، حول تجدد الاهتمام بالاقتصاد السياسي الدولي، مجلة العلوم الاجتماعية، ديسمبر 1986.
– نادية محمود مصطفى، الاعتماد المتبادل الدولي، تجدد الاهتمام بالاقتصاد السياسي الدولي، (في): موسوعة العلوم السياسية، إشراف أ. د. إسماعيل صبري مقلد، أ. د. محمد محمود ربيع، جامعة الكويت، 1994.
– نادية محمود مصطفى وأحمد شوقي، الاقتصاد السياسي الدولي: بين الاقتراب النظمي والسياسة الخارجية وبين التغيير العالمي، (في): نادية مصطفى، العلاقات الدولية في عالم متغير: منظورات ومداخل مقارنة، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية)، الجزء الثالث، ص ص 1404-1282.
– نادية مصطفى، الذاكرة التاريخية للأبعاد الحضارية للأزمات الاقتصادية: دعوة لتجديد الاهتمام بالاقتصاد الحضاري الإسلامي العالمي، فصلية قضابا ونظرات، العدد الثلاثون، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، يوليو 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/W3AVl1s
[3] Mabid Ali Al-Jarhi, Economic Analysis: An Islamic Perspective, (Istanbul: Türkiye Katılım Bankaları Birliği (TKBB), 1st Ed., 2024). (Two parts)
[4] انظر:
– العدد الثالث، فصلية قضايا ونظرات، مرجع سابق.
– العدد السادس، فصلية قضايا ونظرات، مرجع سابق.
[5] انظر تقارير هذه اللقاءات:
– البينية والمنظور الحضاري المقارن في العلم والواقع (اللقاء التمهيدي الأول)، 25 أبريل 2026، تاريخ النشر: 11 مايو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/ljdYg
– في خبرات البينية: التجسير بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية نموذجًا (اللقاء الثاني)، 23 مايو 2026، تاريخ النشر: 25 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/I9gAO
[6] أصدر مركز الحضارة عددين من فصلية قضايا ونظرات حول ما وصلت التنمية المستدامة في عددٍ من البلدان الإسلامية، انظر:
– العدد الثامن والثلاثون، قضايا ونظرات، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، يوليو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://hadaracenter.com/10409-2/
– العدد السابع والثلاثون، قضايا ونظرات، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، أبريل 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/aDG7s
إعداد التقرير/ الباحث أحمد عبد الرحمن خليفة








