السودان بين أزمة الدولة وتحولات الصراع: قراءة في الجذور والسياقات

حينما اندلعت الحرب الراهنة في السودان في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه صراع عسكري تقليدي على السلطة داخل دولة تعاني هشاشة سياسية مزمنة. غير أن قراءة مسار الدولة السودانية منذ نشأتها تكشف أن ما يحدث لا يمثل انفجارًا مفاجئًا، بل امتدادًا لأزمة بنيوية رافقت تكوينها الحديث. فمنذ الاستقلال عام 1956، لم ينجح السودان في ترسيخ استقرار سياسي مستدام أو نمط راسخ لانتقال مؤسَّسي سَلِسٍ للسلطة، سواء خلال فترات الحكم المدني أو العسكري، وظلَّ مسرحًا لدورات متكرِّرة من الانقلابات العسكرية والصراعات الأهلية والانقسامات الإقليمية والتدخُّلات الخارجية.

وفي هذا الإطار، لا يمكن فهم الحرب الراهنة بمعزل عن سياقها الأوسع، الذي يتجاوز لحظة الصراع العسكري ليشمل تاريخ تشكل الدولة وطبيعة المجتمع المتعدد، إلى جانب موقع السودان الجيوسياسي وشبكة التفاعلات الإقليمية والدولية المحيطة به. فالسودان لا يمثِّل حالةً هامشيةً، بل يشغل موقعًا استراتيجيًّا عند تقاطع دوائر جيوسياسية متعدِّدة تشمل البحر الأحمر والقرن الأفريقي ووادي النيل والساحل والصحراء والعالم العربي، وهو موقع لم يكن مجرد إطار جغرافي لانتمائه، بل أسهم في تعقيد مسارات الصراع من خلال تداخل العوامل الداخلية مع الحسابات الإقليمية.

وفي ضوء هذا التفاعل، تتجلَّى الأزمة السودانية بوصفها نتاجا لعلاقة مركبة بين بنية الدولة وتحوُّلات المجتمع وموقعه الإقليمي، حيث لم تنجح الدولة في تحويل تنوُّعها الاجتماعي والإقليمي إلى مصدر قوة، كما عجزت عن بناء مؤسسات قادرة على إدارة التعدُّد أو احتواء التنافس على السلطة والثروة. وقد أفضى ذلك إلى حالةٍ من “الهشاشة المركَّبة”، تتداخل فيها عناصر الضعف الداخلي مع ضغوط البيئة الإقليمية والدولية، بما يعمِّق حالة عدم الاستقرار ويجعلها قابلة لإعادة الإنتاج في كل مرحلة. وعليه؛ فإن الحرب الدائرة لا تمثِّل مجرد صراع على السلطة، بقدر ما تعكس حدود الدولة السودانية في إدارة التعدُّد، وتعقيدات العلاقة بين المجتمع والسلطة، وتشابك الداخل مع الإقليم والنظام الدولي.

ومن هذا المنطلق، يسعى هذا الملف إلى تقديم قراءة شاملة للحرب في السودان بعد ثلاثة أعوام من اندلاعها، من خلال مقاربة متعدِّدة المستويات تربط بين الدولة والمجتمع والإقليم والنظام الدولي، بما يُتيح فهمَها بوصفها تعبيرًا عن أزمة بنيوية أعمق تمسُّ أُسُسَ الدولة وتوازناتها، وهو ما يقتضي العودة إلى الكيفية التي تشكَّلت بها الدولة السودانية الحديثة بوصفها الإطار الذي انبثقتْ عنه هذه التوتُّرات وتراكمتْ داخلَه.

لا يمكن فهم الأزمة الراهنة في السودان بمعزل عن الكيفية التي تشكَّلت بها الدولة السودانية الحديثة، إذ إن جذور الاضطراب السياسي تعود إلى لحظة التكوين الأولى، إذ نشأت الدولة في سياق استعماري جمع بين أقاليم ومجتمعات متباينة ضمن إطار إداري واحد، دون أن يصاحب ذلك مشروع متكامل لبناء أمة سياسية جامعة. غير أن هذا التكوين لم يكن مجرد عملية فرض من أعلى، بل تفاعل أيضا مع البنى الاجتماعية القائمة، التي أعادت بدورها تشكيل طبيعة الدولة وحدود فاعليتها. فقد جاء هذا التكوين نتيجة تداخل مراحل الحكم التركي-المصري ثم الاستعمار البريطاني، حيث رُسِمَت الحدود السياسية وأُنشئت مؤسسات الدولة بصورة فوقية، دون أن تعكس بالضرورة التفاعلات الاجتماعية والثقافية القائمة، التي ظلَّت مؤثِّرة في مسار تشكُّل الدولة لاحقًا.

وقد انعكس هذا التكوين على طبيعة الدولة السودانية، التي بَدَتْ في كثير من الأحيان كيانًا إداريًّا أكثر منها كيانًا وطنيًّا متماسكًا، فلم تنجح في إنتاج رابطة وجدانية جامعة بين مكوناتها المختلفة، وظل الانتماء في قطاعات واسعة مرتبطًا بالبنى التقليدية مثل القبيلة أو الجماعة المحلية. وفي المقابل، لم تكن هذه البنى مجرد ضحية لضعف الدولة، بل شكَّلت بدورها أنماط التفاعل مع السلطة، وأعادت إنتاج الانقسام داخل المجال السياسي. وتشير بعض التحليلات إلى أن هذا الغياب للرابطة الوطنية جعل الدولة أقل قدرة على الصمود في وجه الأزمات، وباتت الخلافات السياسية تتحوَّل بسرعة إلى صراعات وجودية تهدِّد الكيان نفسه، في ظلِّ مجتمع لم يُدمج بشكل كامل في إطار وطني جامع.

ومنذ الاستقلال عام 1956، لم تتمكَّن الدولة السودانية من تجاوز هذا الإرث البنيوي، بل أعادتْ إنتاجَه في أشكال مختلفة، حيث شهدت البلاد دورات متكرِّرة من الحكم العسكري والانقلابات، مقابل تجارب ديمقراطية قصيرة لم تنجح في ترسيخ مؤسَّسات مستقرَّة. وقد ارتبط هذا المسار بضعف النخب السياسية، لكنه يعكس أيضًا تفاعلًا مستمرًّا بين بنية الدولة وأنماط التنظيم الاجتماعي، حيث ساهمت الانقسامات المجتمعية في إضعاف الاستقرار السياسي، في الوقت الذي عمَّقت فيه سياسات الدولة هذه الانقسامات.

وفي هذا السياق، برزتْ إشكالية العلاقة بين الدولة والبنى التقليدية، خاصة القبيلة، بوصفها أحد أبرز مظاهر هذا الخلل. فبدلًا من أن تعمل الدولة على دمج هذه البنى ضمن إطارٍ وطنيٍّ أوسع، شهدت العلاقة بينهما مسارًا متقلِّبًا، تراوحَ بين التفكيك والإحياء، وبين التهميش والتوظيف السياسي. وفي كثيرٍ من الحالات، لم يكن توظيفُ الانتماءات القبَلية مجرَّد أداةٍ بيد السلطة، بل جاء أيضًا استجابةً لواقعٍ اجتماعيٍّ أعادَ إنتاجَ نفسه داخل المجال السياسي، ممَّا أسْهم في تعقيد النزاعات المحلية وتحويلها إلى صراعات أوسع ذات أبعاد سياسية وأخرى هُوياتية (متعلقة بالهوية).

كما ساهمت التحولات الإدارية والسياسات المتَّبعة تجاه الإدارة الأهلية في إضعاف آليات الضبط الاجتماعي التقليدية، دون أن تَحِلَّ محلَّها مؤسَّسات حديثة فعَّالة، وهو ما خلق فراغًا مؤسَّسِيًّا ساهمَ في تصاعد النزاعات، خاصة في الأقاليم الطرفية. غير أن هذا الفراغ لم يكن نتاج الدولة وحدها، بل ارتبط أيضًا بقدرةٍ محدودةٍ للبنى الاجتماعية على الانتقال إلى أشكال تنظيم حديثة، ممَّا أدَّى إلى تداخل مستويات الصراع، ولم تعد النزاعات تدور فحسْب حول الموارد أو الحدود المحلية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالصراع على السلطة والتمثيل السياسي.

ويُضاف إلى ذلك أن فشل الدولة في تحقيق تنمية متوازنة بين المركز والأطراف عَزَّزَ من الشعور بالتهميش لدى قطاعات واسعة من السكان، خاصة في مناطق مثل دارفور وجنوب كردفان، ممَّا جعلَ هذه المناطق بؤرًا متكرِّرة للصراع. وفي المقابل، أسهمت هذه التفاعلات المجتمعية في إعادة تشكيل أولويات الدولة وسياساتها، وإن كان ذلك في كثير من الأحيان في اتجاه يعمِّق الأزمة بدلا من معالجتها.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الأزمة السودانية ليست مجرد نتيجة لأحداث سياسية طارئة، بل هي تعبير عن إرث طويل من التكوين المضطرب، الذي لم تُعالج اختلالاته البنيوية عبر الزمن، بل تراكمت وتفاعلت عبر علاقة معقَّدة من التأثير المتبادل بين الدولة والمجتمع، لتنتج حالة من الهشاشة المستمرَّة.

انعكست اختلالات الدولة السودانية وتاريخها المضطرب بشكل مباشر على بنية المجتمع، غير أن هذا التأثير لم يكن أحادي الاتجاه، إذ أسهمت تحولات المجتمع نفسه في إعادة تشكيل طبيعة الصراع وتوازنات السلطة داخل الدولة. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تقتصر على التوازنات العسكرية أو التنافس السياسي، بل امتدَّت إلى بنية المجتمع ذاته، حيث أعادت تشكيل أنماط الحياة اليومية، وأثرت في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وأدخلت ملايين السودانيِّين في دائرة غير مسبوقة من النزوح والفقدان وعدم اليقين، بما انعكس بدوره على طبيعة الفاعلين وديناميات الصراع.

وقد اتَّسمت الحرب باتساع نطاقها الجغرافي وتأثيرها المباشر على المراكز الحضرية الكبرى، إذ اندلعت في قلب العاصمة الخرطوم ومدن رئيسة أخرى، على خلاف حروب سابقة تركزت في الأطراف. وقد أدى ذلك إلى انتقال الصراع من هامش الدولة إلى مركزها السياسي والاقتصادي، مما عمَّق أثره على المجتمع بمختلف فئاته، كما أعاد تشكيل علاقة المجتمع بالدولة، حيث لم يعد المواطن متلقِّيًا لسياسات الدولة فحسب، بل طرفًا مباشرًا في تداعيات انهيارها الجزئي.

فقبل اندلاع الحرب، كان المجتمع السوداني قد شهد تحولات مهمة عقب احتجاجات 2019، تمثَّلت في تنامي دور الفاعلين المحليِّين مثل لجان المقاومة، واتساع مشاركة الشباب والنساء في المجال العام. وقد عكست هذه التحولات قدرة المجتمع على الفعل السياسي المستقل، كما أسهمت في إعادة صياغة العلاقة مع السلطة. غير أن الحرب أعادت ترتيب الأولويات بشكل جذري، حيث أصبحت قضايا البقاء والأمن وتوفير الاحتياجات الأساسية في صدارة الاهتمام، دون أن يختفي أثر تلك التعبئة المجتمعية، بل ظل حاضرًا في أشكال جديدة من التنظيم والتكيف.

وقد مثَّل الانهيار الواسع للبنية الخدمية، خاصة في قطاعي التعليم والصحة، أحد أبرز آثار الحرب؛ حيث أغلقت آلاف المدارس والجامعات، سواء بسبب القتال أو استخدامها كمراكز إيواء، مما أدى إلى انقطاع ملايين الطلاب عن الدراسة. كما تعطَّلت معظم المؤسسات التعليمية في الخرطوم، واضطرت بعضها إلى الانتقال أو الاعتماد الجزئي على التعليم عن بعد، وهو ما يعكس هشاشة البنية المؤسسية، لكنه يكشف أيضا عن محاولات مجتمعية للتكيف مع هذا الانهيار.

أمَّا في القطاع الصحي، فقد خرجت نسبة كبيرة من المستشفيات عن الخدمة نتيجة القصف أو نقص الكوادر والإمدادات، وهو ما ترك ملايين السكَّان دون رعاية طبية كافية. وقد ظهر ذلك بشكلٍ حادٍّ في علاج الأمراض المزمنة والعمليات الطارئة، إذْ واجهت المرضى صعوبات كبيرة في الوصول إلى العلاج أو الأدوية، في ظل اعتماد متزايد على مبادرات فردية ومجتمعية لسدِّ هذا النقص.

وفي ظلِّ هذا الانهيار المؤسَّسي، برزتْ مبادرات مجتمعية لسدِّ جزءٍ من الفراغ، مثل توزيع الغذاء والمياه، وإنشاء مطابخ جماعية أو ما يعرف بـ”التكايا” لتقديم الطعام للنازحين والفئات الأكثر تضرُّرًا. ولا تعكس هذه المبادرات قدرةَ المجتمع على التكيُّف فحسْب، بل تشير أيضًا إلى تحوُّله إلى فاعل بديل في تقديم الخدمات، بما يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع في ظل الأزمات.

وتتجلَّى آثار الحرب بشكلٍ أكثر وضوحًا في أزمة النزوح الواسعة، فقد نزح ملايين السودانيين داخليًّا أو لجأوا إلى دول الجوار مثل مصر وتشاد وإثيوبيا. وقد أدَّى هذا النزوح إلى ضغوط كبيرة على المدن المستقبلة، وإلى إعادة تشكيل التوزيع السكاني داخل البلاد، مع ما يصاحب ذلك من تحديات اجتماعية واقتصادية، كما ساهم في خلق شبكات اجتماعية جديدة عابرة للمناطق، قد يكون لها أثر مستقبلي في إعادة تشكيل المجال السياسي.

وعلى صعيد آخر، أثرت الحرب بشكل مباشر في البنية الاقتصادية، وتعطَّلت الأنشطة الإنتاجية، وتضرَّرت الأسواق، وارتفعت معدَّلات البطالة والفقر. وفقد كثيرٌ من صغار التُّجار مصادرَ دخلهم، في حين تراجعت القدرة الشرائية نتيجة ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخول. ويعكس هذا الوضع تداخل العوامل الاقتصادية مع الصراع، حيث لا تقتصر المنافسة على الموارد المحدودة على كونها نتيجة لضعف الدولة، بل تسْهم أيضا في إعادة إنتاج الصراع وتغذيتِه.

وبالرغم من هذه الأوضاع، أظهر المجتمع السوداني قدرًا ملحوظًا من القدرة على التكيُّف، من خلال إيجاد مصادر دخل بديلة، أو الاعتماد على شبكات التضامن العائلية والقبلية. وهو ما يعكس طبيعة المجتمع الذي ما يزال يعيش، في كثيرٍ من مناطقه، حالة انتقالية بين البنى التقليدية والحديثة، حيث تستمر آليات التكافل التقليدية في لعب دور أساسي في مواجهة الأزمات، لكنها في الوقت نفسه تُعيد إنتاج أنماط من التنظيم الاجتماعي تؤثِّر في طبيعة العلاقة مع الدولة. وهو أمر مهدَّد بالضعف والتراجع بفعل استمرار الحرب وما تسفر عنه من تزايد الضغوط الاقتصادية والإنسانية. وكذا تعميق الانقسامات الاجتماعية، وتحويلها إلى صراعات يصعب احتواؤها في المستقبل، بما ينعكس بدوره على فرص إعادة بناء الدولة.

ومن هنا، تكشف دراسة المجتمع السوداني في ظل الحرب أن الصراع لا يقتصر على كونه مواجهة عسكرية، بل يمثل عملية إعادة تشكيل عميقة للبنية الاجتماعية والاقتصادية، تتفاعل فيها الدولة والمجتمع بصورة مستمرة، بحيث يسهم كل منهما في إعادة تشكيل الآخر.

وتؤكد هذه التحولات في بنية المجتمع السوداني حقيقة أن آثار الحرب لا يمكن فهمها بمعزل عن طبيعة السلطة التي تدير الدولة، وبنية مراكز القوة داخلها، وهو ما يقود إلى تحليل دور المؤسسة العسكرية وتعدد الفاعلين المسلحين في تشكيل مسار الصراع.

يمثل الصراع الدائر في السودان منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع أحد أبرز تجليات الأزمة السياسية في البلاد، لكنه لا يمكن فهمه بوصفه مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين مسلحتين. فهذه المواجهة تعكس في جوهرها أزمة أعمق تتعلق بطبيعة السلطة في الدولة السودانية، وبالدور التاريخي للمؤسسة العسكرية في تشكيل النظام السياسي منذ الاستقلال.

فمنذ ميلاد الدولة السودانية الحديثة عام 1956، لم تكن المؤسسة العسكرية جهازًا مهنيًّا محايدًا، بل مثَّلت فاعلا رئيسًا في الحياة السياسية، وارتبطت معظم التحولات الكبرى في السودان بتدخُّل الجيش، سواء عبر الانقلابات أو من خلال إدارة الفترات الانتقالية. وذلك في ظل تصور راسخ داخل النخبة العسكرية بأن الجيش هو الضامن النهائي لاستقرار الدولة، إلى جانب ضعف المؤسسات السياسية والمدنية الرسمية وعدم استقرارها، رغم حيوية المجتمع المدني وقدرته على الحشد والتعبئة، كما تجلَّى في العديد من الثورات والاحتجاجات الناجحة.

وقد شهدت بنية القوة داخل الدولة تحولات مهمة خلال حكم عمر البشير، حيث سعى النظام إلى إعادة توزيع مراكز القوة عبر إنشاء قوى موازية للجيش التقليدي. وقد كان الهدف من ذلك الحد من احتمالات التمرُّد داخل المؤسسة العسكرية نفسها، ومنع تركُّز السلطة في يد جهة واحدة. غير أن هذه السياسة أدَّت إلى نتيجة عكسية، تمثَّلت في تعدُّد مراكز القوة المسلَّحة داخل الدولة، وهو ما مثَّل أحد أبرز مظاهر الهشاشة البنيوية في الحالة السودانية.

في هذا السياق، ظهرت قوات الدعم السريع بوصفها قوة عسكرية شبه نظامية نشأت من المليشيات التي استخدمتها الحكومة خلال حرب دارفور، قبل أن يتم تنظيمها رسميًّا عام 2013. وتميَّزت هذه القوات بمرونة تنظيمية وبنية مختلفة عن الجيش التقليدي، كما اكتسبت تدريجيًّا مصادر قوة اقتصادية وسياسية خاصة بها، من خلال مشاركاتها العسكرية الخارجية وسيطرتها على أنشطة اقتصادية، خاصة في قطاع التعدين.

ومع مرور الوقت، تحوَّلت قوَّات الدعم السريع من قوة مساندة إلى مركز قوة مستقل داخل الدولة، يمتلك شبكاته الخاصة من الموارد والتحالفات. وقد أدَّى ذلك إلى نشوء وضع غير مألوف، يتمثَّل في وجود قوتين عسكريَّتين كبيرتين تتقاسمان النُّفوذ داخل الدولة، دون أن تخضعا لقيادة موحَّدة.

جاءت لحظة التحول بعد سقوط نظام البشير في عام 2019، حين شارك كلٌّ من الجيش وقوات الدعم السريع في إدارة المرحلة الانتقالية. وقد عكس تشكيل المجلس السيادي توازنًا حذرًا بين الطرفين، لكنه كان توازنًا هشًّا بطبيعته، إذ لم يكن قائمًا على رؤية مشتركة لمستقبل الدولة، بل على توزيع مؤقَّت للسلطة.

ومثَّلت مسألة دمج قوات الدعم السريع داخل الجيش إحدى أبرز نقاط الخلاف؛ فقد كان الجيش يميل إلى دمج سريع يُعيد توحيد احتكار القوة المسلحة، في حين فضلت قيادة الدعم السريع عملية تدريجية تضمن لها الحفاظ على استقلاليتها. لم تكن هذه الخلافات مهنية فنية بقدر ما كانت تعبيرًا عن صراع على السلطة داخل الدولة.

وقد تفاقمت هذه التوتُّرات مع تعثُّر العملية السياسية بعد انقلاب 2021، لتصل إلى ذروتها في أبريل 2023، حين اندلع الصراع المسلَّح بين الطرفين. وسرعان ما تحوَّل هذا الصراع إلى حرب مفتوحة، امتدَّت من الخرطوم إلى مناطق أخرى، في ظلِّ سعي كل طرف إلى تعزيز مواقعه العسكرية والسياسية.

وتكشف هذه الحرب عن أزمة جوهرية في بنية الدولة السودانية، تتعلَّق بفقدانها احتكار القوة المسلحة، الذي يمثل أحد الأسس الرئيسة لقيام الدولة الحديثة. فوجود أكثر من مركز للقوة لا يعكس فقط خللًا مؤسَّسِيًّا، بل يُشير إلى تفكُّك السلطة وتحوُّلها إلى توازن فعلي بين قوى متنافسة، بدلًا من كونها سلطة مؤسسية خاضعة لقواعد واضحة.

كما أن هذا التعدُّد في مراكز القوة يرتبط بشبكات أوسع من المصالح الاقتصادية والسياسية، حيث يمتلك كل طرف علاقاته الإقليمية وقواعده الاجتماعية، مما يجعل الصراع أكثر تعقيدا من كونه مواجهة عسكرية مباشرة. وفي هذا السياق، يمكن فهم الحرب بوصفها نتيجة منطقية لمسار طويل من تفكيك احتكار الدولة للعنف، واعتمادها على أدوات غير تقليدية لتعزيز سلطتها، تحوَّلت مع الوقت إلى قوى مستقلَّة تنافسها على البقاء. وعليه، يطرح الصراع الراهن سؤالا حاسمًا حول مستقبل الدولة السودانية مؤدَّاه: هل يمكن إعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة تحت سلطة مدنية؟ أم أن البلاد ستظل تعيش في ظل تعدُّد مراكز القوة المسلَّحة؟ وتظلُّ الإجابة عن هذا السؤال مفتاحا لفهم مسارات الاستقرار أو استمرار الصراع في السودان. لكن الإجابة عن هذا السؤال لا ترتبط بالأبعاد البنيوية الداخلية وحسْب، بل تتداخل في تشكيلها عوامل إقليمية ودولية لا تقلُّ ثقلًا وأهمية، بحكم موقع السودان بين العالمين العربي والأفريقي.

لا شكَّ أن ديناميات السلطة في السودان لا تتشكل في فراغ داخلي، بل تتقاطع مع محددات أوسع ترتبط بموقع السودان الجغرافي وتكوينه “الهوياتي”، وهو ما يفرض النظر إلى موقعه بين دوائر الانتماء الإقليمي المختلفة. فالموقع الجغرافي للسودان يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم كثير من أبعاده السياسية والاستراتيجية، إذ لا يقتصر على كونه دولة في شمال شرق أفريقيا، بل يشكل فضاء يربط بين عالمين إقليميين كبيرين: العالم العربي وأفريقيا جنوب الصحراء. وقد جعل هذا الموقع السودان نقطة تفاعل بين دوائر سياسية واقتصادية وثقافية متعدِّدة، وهو ما أضْفى على ديناميَّاته الداخلية وتوجُّهاته الخارجية قدرًا كبيرًا من التعقيد. ولا يقتصر أثر هذا الموقع على تحديد دوائر الانتماء، بل يمتدُّ إلى كونه عاملًا فاعلًا في تشكيل مسارات الصراع داخل السودان، من خلال تداخل العوامل الداخلية مع حسابات إقليمية متشابكة.

جغرافيًّا، يمتدُّ السودان بين وادي النيل شمالا، والساحل الأفريقي غربًا، والقرن الأفريقي شرقًا، ويطل على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. وقد جعله ذلك عبر التاريخ منطقة عبور بين شمال أفريقيا ووسطها وشرقها، ومركزًا للتبادل التجاري والثقافي. كما أسهم انتشار الإسلام واللغة العربية في تعزيز الروابط مع العالم العربي، خاصة في مناطق الشمال والوسط، في حين احتفظت مناطق أخرى بروابط قوية مع الفضاء الأفريقي من حيث البنية الاجتماعية والاقتصادية والعلاقات العابرة للحدود.

هذا التداخل جعل السودان حالة مركبة داخل النظام الإقليمي، فهو عضو في جامعة الدول العربية، وفي الوقت نفسه فاعل مهم في المنظومة الأفريقية. وقد انعكس ذلك في توجُّهات السياسة الخارجية، التي تراوحت ما بين الانخراط في القضايا العربية والانخراط في القضايا الأفريقية، دون أن تستقرَّ دائمًا على رؤية استراتيجية واضحة.

وقد برزَ هذا التداخل بوضوح في محطَّات تاريخية مختلفة، مثل الدور الذي لعبه السودان في القضايا العربية خلال ستينيات القرن العشرين، ومشاركته في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية. كما تعزَّزت أهمية موقعه في العقود الأخيرة مع تصاعد الأهمية الاستراتيجية لمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع قضايا الأمن والهجرة والتجارة الدولية والتنافس على الموانئ والممرات البحرية.

وفي هذا السياق، أصبح الساحل السوداني، خاصة مدينة بورتسودان، ذا أهمية متزايدة في حسابات الفاعلين الإقليميِّين والدوليِّين، سواء من حيث الاستثمار في الموانئ أو تأمين خطوط التجارة. غير أن هذه الأهمية الاستراتيجية لا تمثل فرصة اقتصادية فحسْب، بل تفتح المجال أيضًا أمام تنافسات إقليمية معقدة تنعكس على الداخل السوداني، حيث تسعى أطراف مختلفة إلى تعزيز نفوذها من خلال علاقاتها مع الفاعلين المحليين، وهو ما يجعل الصراع الداخلي أكثر قابلية للتأثر بهذه التفاعلات الخارجية.

كما يرتبط السودان بعلاقات حيوية مع محيطه الإقليمي، خاصة مع مصر في إطار وادي النيل، حيث تمثِّل قضايا المياه والسدود، مثل سد النهضة، محورًا أساسيًّا في التفاعلات الإقليمية. وفي الوقت نفسه، تربطه حدوده الغربية بمنطقة الساحل الأفريقي، التي تواجه تحديات أمنية متزايدة، ما يضيف بُعْدًا آخر لتعقيدات موقعه الجغرافي.

إلى جانب البُعد الجيوسياسي، يبرز البُعد الثقافي بوصفه أحد أهم عناصر هذه الإشكالية. فالسودان يمثل مساحة تداخل حضاري غني بين الثقافة العربية والأفريقية، حيث تتعايش اللغة العربية مع عشرات اللغات المحلية، وتظهر في أنماط الحياة اليومية مزيج من التأثيرات الثقافية المختلفة. وقد أسهم هذا التنوع في تشكيل هوية سودانية مركبة يصعب اختزالها في إطار واحد.

غير أن هذا التعدد لم يكن دائمًا مصدر قوة، بل تحول في بعض الأحيان إلى محور للتوترات السياسية، خاصة عندما حاولت بعض النخب فرض تصوُّر أُحادي للهوية الوطنية. وقد ارتبطت هذه النقاشات بالصراعات السياسية، واستُخدمت قضايا الهوية والانتماء في الخطاب السياسي لتبرير مواقف مختلفة، وهو ما يعكس تداخل البعد الثقافي مع البعد السياسي في تشكيل الأزمة السودانية.

وفي ضوء ذلك، يمكن النظر إلى موقع السودان بوصفه سيفًا ذا حدَّين: فهو يمنحه إمكانات للعب دور إقليمي مهم، لكنه في الوقت نفسه يجعله عرضةً لتأثيرات وضغوط خارجية متشابكة. فالتوازن بين دوائر الانتماء المختلفة يتطلَّب قدرة عالية على إدارة العلاقات الإقليمية، وهو ما ظلَّ تحدِّيًا مستمرًّا للدولة السودانية.

وفي ظلِّ الأزمة الراهنة، تزداد أهمية هذا البُعد، إذ لا يؤثِّر استقرارُ السودان في الداخل وحده، بل يمتدُّ إلى تفاعلات إقليمية أوسع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي ووادي النيل. كما أن مسار الصراع الحالي قد يُعيد تشكيلَ موقع السودان داخل النظامين العربي والأفريقي، سواء من حيث تحالفاته أو دوره الإقليمي.

ومن ثم، لا يمكن فهم الحرب الراهنة في السودان بمعزل عن هذا الموقع المركَّب، الذي لا يحدِّد دوائر انتمائه فحسْب، بل يسهم أيضًا في إعادة تشكيل ديناميات الصراع وتوسيع نطاقه ليشمل تفاعلات إقليمية أوسع.

وانطلاقًا من هذا الموقع المركَّب وما يطرحه من تداخل في دوائر الانتماء، تتبلور التفاعلات الإقليمية والدولية بوصفها امتدادًا عمليًّا لهذه الخصوصية الجيوسياسية، لم تعد الأزمة السودانية منذ اندلاع الحرب في عام 2023 مسألة داخلية محضة، بل أصبحت جزءًا من شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية التي تتقاطع فيها مصالح دول الجوار والقوى الإقليمية والفاعلين الدوليين. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي واتساع حدوده وتاريخه السياسي، لا يتأثر بما يجري في محيطه وحسْب، بل تمتدُّ أزماته بدورها إلى هذا المحيط، ممَّا يجعل الصراع الحالي جزءًا من سياق أوسع يتجاوز حدود الدولة.

تبدأ هذه التفاعلات من دول الجوار المباشر، حيث يمتلك السودان حدودًا طويلة مع سبع دول، ما يجعل أي اضطراب داخلي فيه ذا انعكاسات فورية على هذه الدول. ففي الشمال، تنظر مصر إلى استقرار السودان بوصفه مسألة استراتيجية مرتبطة بالأمن الحدودي وبقضايا حوض النيل. وفي الغرب والشمال الغربي، تأثرت تشاد بشكل مباشر وملحوظ بتدفقات اللاجئين السودانيين في ظل روابط قبلية واجتماعية عابرة للحدود، ما زاد من الضغط على مواردها وتحدياتها الأمنية، في حين امتدَّ تأثيرُ الأزمة السودانية إلى ليبيا بصورة غير مباشرة، من خلال تنشيط مسارات الهجرة غير النظامية وحركة المقاتلين عبر الحدود. أمَّا في الجنوب، فيظل استقرار السودان عاملًا مهمًّا لدولة جنوب السودان بسبب الاعتماد المتبادل في قطاع النفط. وفي الشرق، تتقاطع علاقاته مع إثيوبيا وإريتريا مع قضايا الحدود وسد النهضة، وذلك ضمن بيئة القرن الأفريقي المعقدة.

إلى جانب دول الجوار، تلعب القوى الإقليمية دورًا متزايدًا في الأزمة السودانية، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية لمنطقة البحر الأحمر. فقد عزَّزت بعض دول الخليج حضورها الاقتصادي في السودان عبر استثمارات في قطاعات الزراعة والبنية التحتية والموانئ، مدفوعة باعتبارات تتعلَّق بالأمن الغذائي والموقع الجغرافي. كما انخرطت هذه الدول في جهود الوساطة بين أطراف الصراع، وإن كانت نتائج هذه الجهود محدودة حتى الآن، بسبب تعقيد الأزمة وتباين مصالح الأطراف المنخرطة فيها.

كما أن التنافس على النُّفوذ في منطقة البحر الأحمر أضْفى بُعْدًا إضافيًّا على التفاعلات المرتبطة بالسودان، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية متعدِّدة، ممَّا يجعل البلاد جزءًا من معادلات استراتيجية أوسع. وفي بعض الحالات، قد ينعكس هذا التنافس على الداخل السوداني، من خلال سعي أطراف خارجية إلى بناء علاقات مع فاعلين محليِّين، وهو ما قد يؤدِّي إلى تعقيد مسارات التسوية بدلا من تسهيلها.

ولا يقتصر الاهتمام بالسودان على القوى الإقليمية، بل يمتد إلى القوى الدولية الكبرى، التي تنظر إلى الأزمة من زوايا مختلفة. فقد سعت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية إلى دعم عملية الانتقال السياسي ودمج السودان في النظام الدولي، لكن الحرب الأخيرة أعادت توجيه الاهتمام نحو وقف القتال ومعالجة الأزمة الإنسانية. وفي المقابل، تتابع الصين تطورات الوضع من منظور اقتصادي، نظرًا لاستثماراتها في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، بينما أبدت روسيا اهتمامًا متزايدًا بالسودان، خاصة فيما يتعلق بالتعاون العسكري ومشروعات البحر الأحمر.

كما تلعب المنظمات الدولية والإقليمية دورًا مهمًّا في إدارة الأزمة، من خلال جهود الوساطة وتقديم المساعدات الإنسانية. فقد انخرطت الأمم المتحدة في دعم مسارات الانتقال السياسي، بينما سعى الاتحاد الأفريقي ومنظمة “إيجاد” إلى طرح مبادرات للتسوية، في إطار مبدأ الحلول الإقليمية. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لم تحقِّق نتائج حاسمة حتى الآن، بسبب تعقيد الصراع وتعدد الأطراف واختلاف أولويات الفاعلين الخارجيِّين.

ويكشف هذا الواقع أن التفاعلات الخارجية ليست عاملًا محايدًا دائمًا، بل قد تسْهم أحيانًا في إطالة أمد الأزمة، خاصة إذا تحولت البلاد إلى ساحة تنافس بين قوى تسعى إلى تعزيز نفوذها. كما أن ارتباط بعض الفاعلين المحليين بتحالفات خارجية يجعل من الصعب الوصول إلى تسويات سياسية مستقلة، حيث تتداخل الحسابات الداخلية مع المصالح الإقليمية والدولية.

ومع ذلك، يظل الدور الخارجي عنصرًا مهمًّا في أي محاولة لإنهاء الصراع، سواء من خلال الدعم الإنساني أو الضغوط الدبلوماسية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن نجاح هذه الجهود يظل مرهونًا بمدى استعداد الفاعلين السودانيِّين أنفسهم للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

ومن هنا، فإن فهم الأزمة السودانية يتطلَّب النظر إليها بوصفها نتاجًا لتفاعُلٍ معقَّد بين العوامل الداخلية والخارجية، حيث يتحرك السودان داخل بيئة إقليمية ودولية متشابكة. غير أن مستقبل استقراره يظلُّ مرتبطًا في المقام الأول بقدرته على إعادة بناء نظام سياسي قادر على إدارة هذه العلاقات بطريقة متوازنة، دون أن يتحوَّل إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

لم يعد الصراع يقتصر على ميادين القتال في الحروب المعاصرة، بل صار يمتدُّ إلى فضاء المعلومات والاتصال، حيث تتنافس الأطراف المختلفة على تشكيل الرواية العامة للأحداث وتوجيه إدراك الجمهور لطبيعة الصراع ومسؤولياته. وفي الحالة السودانية، كما في كثير من النزاعات الحديثة، أصبح الإعلام ساحة موازية للحرب العسكرية، تُبنى عبرها صور الصراع وتتشكَّل من خلالها مواقف الرأي العام المحلي والدولي.

تكتسب هذه المسألة أهميةً خاصةً لأن النزاعات لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل تتأثَّر أيضًا بكيفية إدراكها. فالرواية المتداولة حول الصراع يمكن أن تؤثِّر في حجم الدعم السياسي أو الإنساني الذي يحصل عليه كل طرف، كما قد تسهم في تشكيل المواقف الدولية تجاهه. ولذلك تسعى الأطراف المتصارعة إلى بناء خطاب إعلامي يعزِّز شرعيَّتها ويقوِّض شرعية خصومها.

وقد برز هذا التنافس بوضوح منذ الأيام الأولى للحرب في السودان، حيث قدَّمت الأطراف المختلفة روايات متباينة حول أسباب الصراع ومساره، سواء عبر وسائل الإعلام التقليدية أو المنصَّات الرقمية. وغالبًا ما ركَّزت هذه الروايات على إبراز دور كل طرف بوصفه المدافع عن الدولة أو المجتمع، في مقابل تصوير الطرف الآخر كتهديد للاستقرار.

غير أن خصوصية الحالة السودانية ترتبط بضعف البنية الإعلامية قبل اندلاع الحرب. فقد شهد الإعلام خلال العقود الماضية مستويات عالية من الرقابة والتقييد، خاصة في فترة حكم عمر البشير، مما حَدَّ من تطوُّر مؤسَّسات إعلامية مستقلة قادرة على تقديم تغطية مهنية. ورغم الانفتاح النسبي بعد عام 2019، فإن هذا التطور ظلَّ هشًّا ولم يستقر مؤسَّسِيًّا.

ومع اندلاع الحرب، تعرَّضت المؤسسات الإعلامية لضغوط إضافية، حيث تعطَّلت العديد منها، خاصة في الخرطوم، واضطر الصحفيُّون إلى النُّزوح أو العمل في ظروف غير مستقرَّة. وقد أدَّى ذلك إلى تراجع القدرة المحلية على تغطية الأحداث بشكل منتظم، وفتح المجال أمام مصادر بديلة للمعلومات.

في هذا السياق، برزت وسائل الإعلام الدولية ومنصات التواصل الاجتماعي كمصادر رئيسية للأخبار. غير أن هذه المصادر واجهت تحديات تتعلَّق بصعوبة الوصول إلى مناطق القتال أو التحقُّق من المعلومات. كما كشفت الحرب عن فجوة واضحة في مستوى الاهتمام الإعلامي الدولي، إذ ظلَّت تغطية الأزمة السودانية محدودة نسبيًّا مقارنة بنزاعات أخرى، رغم حجم الكارثة الإنسانية المرتبطة بها.

وفي المقابل، لعبت منصَّات التواصل الاجتماعي دورًا متزايدًا في نقل المعلومات، حيث استخدمها المواطنون لنشر الأخبار والصور ومقاطع الفيديو. وقد ساهم ذلك في توسيع دائرة المعرفة بما يجري، لكنه في الوقت نفسه فتح المجال أمام انتشار معلومات غير دقيقة أو مضلِّلة، في ظلِّ غياب آليات التحقُّق المهني.

كما شهدت هذه المنصَّات نشاطًا لخطابات دعائية تعكس مواقف الأطراف المختلفة، سواء من داخل السودان أو خارجه، وهو ما زاد من تعقيد فهم الأحداث. ويعكس هذا الوضع تحوُّل الإعلام من مجرد ناقل للوقائع إلى فاعل مؤثِّر في تشكيلها، إذْ تتداخل المعلومات مع التفسيرات والدعايات السياسية.

إلى جانب ذلك، تؤثِّر طريقةُ تمثيل الصراع في الإعلام الدولي على كيفية فهمه. ففي بعض الحالات يتمُّ اختزالُ الأزمة السودانية في صورة مواجهة عسكرية بين فصائل مسلَّحة، دون إبراز السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأوسع. وقد يؤدِّي هذا الاختزال إلى تقليل مستوى الاهتمام الدولي بالقضايا الإنسانية المرتبطة بالحرب.

ورغم هذه التحديات، برز دور بعض الصحفيين السودانيين في تقديم صورة أكثر تفصيلا عن الواقع، من خلال نقل قصص إنسانية تعكس معاناة المدنيِّين. وقد ساهمتْ هذه الجهود في إبراز أبعاد الصراع التي قد تغيب عن التغطيات الرسمية، خاصة فيما يتعلَّق بالنزوح وتعطُّل الخدمات الأساسية.

إن دور الإعلام في النزاعات لا يقتصر على نقل الأحداث، بل يمتدُّ إلى تشكيل الذاكرة الجماعية للصراع. فالروايات التي تُبنى اليوم حول الحرب في السودان قد تؤثِّر في كيفية فهمها مستقبلا، وفي طريقة تفسير أسبابها ونتائجها.

ومن هنا، تبرز أهمية تطوير بيئة إعلامية أكثر قدرة على تقديم تغطية مهنية ومتوازنة، تسهم في الحد من انتشار المعلومات المضلِّلة، وتوفِّر أساسًا لنقاش عام يساعد المجتمع على التعامل مع أزماته. فالصراع في السودان لا يدور فحسْب على الأرض، بل يمتدُّ أيضًا إلى مستوى الرواية، حيث تتشكَّل معانيه وتحدَّد دلالاته في الوعي المحلي والدولي.

مع استمرار الحرب في السودان وتعقُّد مساراتها العسكرية والسياسية، يبرز سؤال المستقبل بوصفه أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في النقاش حول مصير الدولة السودانية. فالصراع الدائر لا يهدِّد فقط توازنات السلطة داخل الدولة، بل يفتح أيضًا احتمالات متعدِّدة تتعلَّق بشكل الدولة نفسها وطبيعة نظامها السياسي والاجتماعي في السنوات المقبلة. وفي هذا السياق، يتراوح النقاش بين احتمالين رئيسيَّين: خطر التفكُّك التدريجي للدولة، أو إمكانية إعادة بنائها على أُسُسٍ أكثر استقرارًا وشمولًا.

وغني عن البيان، أنه لا يمكن فصل التفكير في مستقبل السودان عن مسار الدولة خلال العقود الماضية، حيث تكرَّرت الأزمات السياسية والحروب الداخلية دون معالجة جذرية لاختلالات بنيوية عميقة. ومع اتِّساع نطاق الحرب الحالية وتأثيراتها على المجتمع والاقتصاد ومؤسسات الدولة، أصبح التحدِّي مزدوجًا: وقف النزاع المسلَّح، وإعادة بناء الدولة في الوقت نفسه.

ويتمثَّل أحد السيناريوهات المطروحة في احتمال دخول السودان مرحلة من التفكُّك التدريجي، أي تآكُل قدرة الدولة المركزية على فرض سلطتها، مقابل بروز مراكز قوة محلية أو إقليمية تتحكَّم في أجزاء من البلاد. وتَظهر بعضُ المؤشِّرات التي تدعم هذا الاحتمال، مثل اتساع رقعة الصراع، وتراجع الخدمات العامة، وظهور جماعات مسلَّحة أو سلطات محلية تمارس أدوارًا كانت من اختصاص الدولة.

لكن هذا المسار ليس حتميًّا، إذ توجد عوامل قد تدعم سيناريو إعادة البناء. من بينها وجود مجتمع مدني نشط نسبيًّا، أظهر قدرة على التنظيم والتكيُّف خلال الأزمات، من خلال مبادرات مجتمعية وشبكات تضامن محلية يمكن أن تشكِّل قاعدة لإعادة بناء مؤسسات أكثر تماسكًا.

كما يمتلك السودان موارد اقتصادية وطبيعية مهمَّة، تشمل إمكانات زراعية واسعة وموارد معدنية وموقعًا جغرافيًّا استراتيجيًّا، ما يُتيح فرصًا للتعافي الاقتصادي في حال تحقُّق الاستقرار السياسي. غير أن استثمار هذه الإمكانات يتطلَّب إدارةً فعَّالة ومؤسسات مستقرَّة.

وفي هذا السياق، يبرز دور التسويات السياسية بوصفه عاملًا حاسمًا في تحديد المسار المستقبلي. فالتجارب الدولية تشير إلى أن الحروب الأهلية غالبًا ما تنتهي عبر اتفاقات سياسية معقَّدة، لكن نجاح هذه الاتفاقات يعتمد على قدرتها على معالجة جذور الصراع، لا الاكتفاء بتقاسم السلطة بين النُّخب.

ومن القضايا المحورية في أيِّ عمليةِ إعادةِ بناء، هي مسألة إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية والعسكرية، بما يضمن وجود قوة موحَّدة تخضع لسلطة مدنية. فاستمرار تعدُّد مراكز القوة المسلَّحة يمثِّل أحد أهم عوامل عدم الاستقرار، ويجعل أي تسوية سياسية عُرضة للانهيار.

كما تبرز أهمية إعادة النظر في العلاقة بين المركز والأقاليم، من خلال تبنِّي ترتيبات تضْمن توزيعًا أكثر توازنًا للسلطة والموارد. وقد طُرحت في هذا السياق أفكار تتعلَّق بتعزيز الحكم المحلي وتوسيع صلاحيات الأقاليم، بما يسْمح بإدارةٍ أفضل للتنوع داخل الدولة.

ولا تقتصر عملية إعادة البناء على المؤسسات السياسية، بل تشمل أيضًا إعادة إعمار البنية التحتية المتضرِّرة، وإعادة تشغيل الاقتصاد، ومعالجة آثار الحرب الاجتماعية. فالتعافي يتطلَّب جهودًا طويلةَ الأمد، ودعمًا إقليميًّا ودوليًّا، إلى جانب إرادة سياسية داخلية.

غير أن أحد التحديات الأساسية يتمثَّل في كيفية بناء عقد اجتماعي جديد يعكس التنوع داخل المجتمع السوداني، ويضمن مشاركة أوسع في صنع القرار، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع في ظل تراجعها نتيجة سنوات من الصراع وعدم الاستقرار، وهو أمر يمكن أن يسهم فيه الشباب عبر الدفع نحو نماذج أكثر انفتاحًا في الحكم والتنظيم السياسي.

وفي النهاية، يظل مستقبل السودان مفتوحًا على احتمالات متعدِّدة. فقد يؤدِّي استمرارُ الصراع إلى تعميق التفكُّك وتآكُل مؤسَّسات الدولة، لكن في المقابل قد تُتيح هذه اللحظة التاريخية فرصةً لإعادة التفكير في أُسُسِ النظام السياسي وبناء مسار جديد أكثر استقرارًا. وأيًّا ما كان الأمر، فإن المسار الذي ستسلكه البلاد سيعتمد في جانب كبير منه على مدى قدرة القوى السياسية والاجتماعية على تجاوز الانقسامات، والعمل نحو صياغة مشروع وطني يُعيد بناء الدولة ويؤسِّس لاستقرار طويل الأمد.

وبهذا المعنى فإنه، لا يجب أن تُقرأ دراسات هذا الملف بوصفها معالجات منفصلة، بل باعتبارها مداخل تحليليَّة متكاملة تسعى إلى إعادة تركيب صورة الأزمة السودانية في تعقيدها البنيوي وتعدُّد مستوياتها. فمن تحليل الدولة والمجتمع، إلى تفكيك معادلات القوة والتحالفات، وصولًا إلى استشراف مسارات المستقبل بين احتمالات التفكُّك وإمكانات إعادة بناء الدولة، يقدِّم هذا الملف مقاربة كلية ترى الحرب في السودان لحظة كاشفة لأزمة متداخلة الأبعاد تمس الدولة والمجتمع والإقليم في آن واحد، بما يعكس أن موقع السودان الإقليمي لم يكن مجرد سياق خارجي، بل أحد محددات تشكِّل أزمته ومسارات تطورها.

ومن خلال هذه المقاربة، يأمل الملف أن يسهم في توسيع النقاش الأكاديمي حول السودان، وأن يفتح أفقًا تحليليًّا أعمق لفهم تحوُّلات الصراع والدولة في الفضاءين الأفريقي والعربي في مرحلة تتَّسم بتزايد السيولة وعدم اليقين.


د. محمد عاشور مهدي

أستاذ العلوم السياسية - كلية الدراسات الأفريقية العليا - جامعة القاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى