عرض كتاب: في الذاكرة التاريخية للأمم: تحولات ومآلات حضارية معاصرة

هل يمكن فهم العالم المعاصر دون استحضار ذاكرته الحضارية؟ أم أن تجاهل هذه الذاكرة هو ما أنتج اختلالات الرؤية في تفسير العلاقات بين الأمم؟ في ظل عالم يتَّجه نحو الكونية وتتصاعد فيه أنماط التفاعل والتدافع بين الحضارات، تبرز الحاجة إلى مقاربات تتجاوز الأطر التقليدية في حقل العلاقات الدولية. وفي هذا السياق، يأتي كتاب “في الذاكرة التاريخية للأمم: تحولات ومآلات حضارية معاصرة[2]للدكتورة نادية محمود مصطفى، ليقدِّم محاولة فكرية لإعادة قراءة الواقع العالمي من منظور حضاري شامل.

لا يقدِّم هذا الكتاب مجرد رصدٍ للتحولات الدولية، بل يقدم “الذاكرة الحضارية” بوصفها مفتاحًا تفسيريًّا لفهم التاريخ والحاضر معًا. فالذاكرة، في تصوُّر المؤلِّفة، لا تُختزل في سردٍ لأحداث الماضي، بل تمثِّل وعيًا انتقائيًّا يستحضر ما هو ضروري لفهم الواقع مما يجعلها مدخلًا للتأمُّل في مسارات الحضارات واستشراف مآلاتها المستقبلية. وبناءً على ذلك، فإن استدعاء الذاكرة لا يعني استعادة الماضي في ذاته فحسب بل توظيفه باعتباره أداة معرفية لفهم الحاضر حيث تتداخل الخبرة التاريخية مع الإدراك المعاصر لتشكِّل رؤيةً أكثرَ عمقًا وشمولًا للواقع الدولي.

ومن خلال هذا المدخل، يتتبَّع الكتاب التفاعلات التاريخية الممتدَّة بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات شرقًا وغربًا، بوصفها جزءًا أصيلًا من الذاكرة التاريخية للأمم منذ نشأة الإسلام وانتشاره، مرورًا بمراحل صعوده وتوسُّعه، وصولًا إلى التحوُّلات التي أَفْضَتْ إلى تراجُعه في ظلِّ تشكُّل نظام دولي حديث متمركز حول الغرب، سعى إلى فرض هيمنته السياسية والاقتصادية والثقافية. ولا يقتصر هذا التتبُّع على السَّرد التاريخي، بل يمتدُّ ليشمل تحليل التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل موازين القوة على المستوى العالمي، بما في ذلك التغيرات التي طالت مختلف القارات في القرون الأخيرة.

غير أن المؤلِّفة لا تقف عند حدود هذا التحليل، بل تتجاوزه إلى نقد المركزية الغربية التي اختزلت مسار الحضارة الإنسانية في تجربة واحدة، ومن ثم تقدِّم نظرةً جديدةً لرؤية العلاقات الدولية، ليس باعتبار الغرب مهيمنًا دائمًا على الأمة الإسلامية، وإنما باعتباره جزءًا من شبكة تفاعلات دولية يتأثَّر بالحضارة الإسلامية ويؤثِّر فيها. وبناء على ذلك، تدعو إلى إعادة الاعتبار لتعدُّد مسارات التطوُّر الحضاري وتنفتح رؤيتُها على تجارب القارات المختلفة، من آسيا إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية، في محاولة لبناء تصوُّر لحضارة إنسانية أكثر توازنًا وشمولًا تقوم على التفاعل والتنوع لا الهيمنة.

وفي هذا السياق، يتبلور الطرح الذي تقدِّمه المؤلِّفة ضمن “النموذج الحضاري الإسلامي”، الذي يسْعى إلى إعادة تفسير العلاقات الدولية من منظور يتجاوز الاختزال المادي، ويدمج بين الأبعاد الأخلاقية والروحية والسياسية. ويمزج الرؤية الأصيلة مع منظور معاصر. وتسعى هذه الورقة، انطلاقًا من ذلك، إلى تحليل القضية المحورية التي يعالجها الكتاب، وتوضيح مدخله التحليلي، واستعراض أبرز أفكاره، قبل الوقوف على أهم الدلالات والاستنتاجات التي يقدِّمها في سياق فهم العالم العربي والإسلامي المعاصر.

  • هيكل الكتاب وأفكاره الأساسية

يستند هذا الكتاب إلى فكرة أساسية تتمثَّل في أن التفاعلات المستمرَّة بين الإسلام بما يتضمَّنه من معتقدات وقوانين وقيم وبين سائر الأديان والحضارات تعتبر جزءًا لا يتجزَّأ من الذاكرة التاريخية للشعوب في الشرق والغرب.  ويستعرض هذا المسار منذ بداية ظهور الإسلام وتوسُّع تعاليمه، مرورًا بفترات ازدهاره الحضاري وتطوره وحتى وصوله إلى التحولات الكبرى التي غيَّرت مكانتَه ضمن نظام دولي حديث متمركز حول الغرب.

على هذا الأساس، تُعرض أفكار الكتاب ضمن قسمين رئيسيين يعكسان امتداد الذاكرة الحضارية للأمة عبر الزمان والمكان. يتناول القسم الأول الذاكرة الحضارية للأمة عبر العالم، من خلال رصد أبرز التحولات التاريخية التي شملت أنماط الهجوم والأزمات، إلى جانب مختلف أشكال المقاومة والتفاعل الحضاري التي شهدتها الأمة في سياقاتها المتعدِّدة. كما تضمَّن هذا القسم الازمات الاقتصادية والمؤتمرات الدولية.

أمَّا القسم الثاني فيتوسَّع في دراسة الذاكرة الحضارية للأمة عبر قارات العالم، متناولًا تطوراتها المختلفة وأبعادها الاستراتيجية والثقافية وما ترتَّب عليها من تحوُّلات في موقعها داخل النظام العالمي وتفاعلاتها مع باقي الحضارات. وانطلاقًا من هذا التقسيم البنيوي للكتاب، سيتم عرض ومناقشة أفكاره الرئيسية وفق هذين المحورين، بما يسمح بتتبع منطق المؤلفة في بناء أطروحتها.

أولا- الهجمات الحضارية على الأمة وأنماط المقاومة

بدأ هذا الجزء من الكتاب بافتراض أساسي؛ وهو أن المقاومة الحضارية ليست حدثًا عابرًا، بل عملية مستمرة عبر تاريخ الأمة، تتشكل من التفاعل بين داخل الوطن وخارجه. واستنادًا إلى هذا، لا يمكن فصل الهجوم الحضاري عن أزمات البنية الداخلية، كما لا يمكن فصل الإصلاح عن شروط البيئة الدولية. لذلك، توجِّه المؤلِّفةُ القارئَ إلى النظر إلى “الذاكرة التاريخية” التي لا تُعامل باعتبارها قائمة أحداث، بل تُستعمل كإطار يوضِّح العلاقة بين الهجوم والمقاومة، مما يبيِّن كيف تُعيد الذاكرة المشوَّهة تشكيل الواقع، وكيف تُوَظَّف لتقوية التبعية والاستبداد.

وفي هذا الإطار، نقرأ التحولات الكبيرة -خصوصًا انتقال مركز القوة من العالم الإسلامي إلى الغرب- في منعطفات حضارية تتجاوز الجانب العسكري لتشمل الاقتصاد والثقافة والمجتمع؛ لذا يصبح الاحتلال والتغريب وجهين لعملة واحدة. لكن ما يهم في هذا الطرح ليس مجرد وصف التحول، بل تفسيره؛ فالمؤلِّفة تعزو أزمات القرون الأخيرة إلى بنية مركبة تجمع بين قابلية الاستعمار والعوامل الخارجية، وترفض اختزال الأزمة في سبب واحد.

وفيما يخص أنماط المقاومة، يوضح الكتاب أن هناك أدوات متعددة تتراوح بين الإصلاح، والتجديد، والاجتهاد، وهي عملية مستمرة تشمل أيضًا المقاومة المسلحة والمجتمعية. وعليه، فإن الدراسة لا تكتفي بتصنيف هذه الأنماط، بل تكشف عن إشكالية داخلية تسيطر عليها، وتظهر في ثنائيات مثل: الثورة مقابل الإصلاح، والعنف مقابل السلمية، والقيادة مقابل القاعدة.وتلفت المؤلفة الانتباه إلى أن المجتمع يلعب دورًا أساسيًّا في مواجهة الضغوط الحضارية، ويتَّضح هذا الدور في الدراسة من خلال استعراض دور الأزهر والمقاومة الشعبية. وانطلاقًا من ذلك، تستنتج الدراسة أن الذاكرة الحضارية تتجلَّى في الممارسات التي تحافظ على الهوية وتمنع الانصهار، ولا سيما الأدوار الشعبية؛ فالناس ليسوا مجرد تابعين للقيادات التاريخية، بل فاعلون ومؤثِّرون في محيطهم.

تنتقل المؤلِّفة بعد ذلك إلى دراسة أنواع الثورات في التاريخ الإسلامي؛ من خلال تتبع أنماط “الخروج” منذ العصور الأولى، متمثِّلة في: الانحراف، والصراع على الشرعية، والخروج الديني، والثورات ذات الطابع الاجتماعي أو السياسي؛ لتستنتج من ذلك أنماط التفاعل بين الدول والمجتمعات، مثل: الصراع على السلطة، وكيفية الاستجابة لمشكلات الناس.

وعند الانتقال إلى التجربة المعاصرة، تؤكِّد الكاتبة أن الأنماط ذاتها يُعاد تشكيلها في سياق جديد يتَّسم بزيادة التدخل الخارجي وتعميق التجزئة؛ حيث أصبح القرن العشرون يجمع بين استمرار الاستعمار، وصعود الدولة القطرية، وفرض التغريب من الأعلى، بالإضافة إلى تعقد التفاعل بين الداخل والخارج، وهو ما يظهر في الصراع ضد الاستعمار وضد القابلية للاستيعاب.

ومما سبق، يتضح أن الأزمة تكمن في غياب مشروع حضاري متكامل يوازن بين متطلبات الإصلاح الداخلي وضغوط الخارج، لا سيما مع تغير آليات الهجمات التي تستهدف المجتمعات؛ إذ تتزايد في المجال الثقافي، وعبر خطاب غير متوازن يُعيد إنتاج فكرة السيطرة.

وتدعو الدراسة إلى استخدام نهج حضاري منظومي في فهم تداخل الثقافة والدين مع السياسة والاقتصاد والعسكرية، وتحدد ثلاث ركائز أساسية له: اعتبار الغرب تحديًا حضاريًّا مستمرًّا، وتقدير التعدُّدية والتواصل الحضاري، وإحياء الجانب الأخلاقي للدين.

وفي ختام هذا الفصل، تؤكِّد الكاتبة أن قراءة الهجمات الحضارية وأنماط المقاومة لا يمكن حصرها في السرد التاريخي فحسْب، بل تتطلَّب استدعاء الذاكرة التاريخية كأداة تحليلية توضح تداخل الداخل والخارج. كما تبرز الحاجة إلى إعادة ترتيب أسئلة الإصلاح والنهوض ضمن أفق حضاري أوسع؛ بغية فهم الماضي ليكون مدخلًا صحيحًا لقراءة الحاضر.

ثانيا- الذاكرة التاريخية والحضارية للأزمات الاقتصادية

لا يمكن فهم الواقع الاقتصادي اليوم دون الوقوف عند النموذجين: الإسلامي والغربي؛ فالجمع بينهما ضروري لفهم ما يُعرف بـ “تاريخ الاقتصاد العالمي”. ومن هنا تبدأ الكاتبة في إعادة تحليل مفهوم “الأزمة الاقتصادية العالمية”؛ حيث تتساءل عما إذا كانت الأزمة شاملة حقًّا، أم مجرَّد انعكاس لخلل بنيوي في النظام الرأسمالي العالمي؟ بيد أن هذا التساؤل يفتح أفقًا لسؤال آخر أكثر إلحاحًا: ما موقف أمَّتنا وأوطاننا من هذه الأزمة؟

أولًا- النموذج الإسلامي؛ وقد قدَّمت المؤلِّفة هذا النموذج عبر مرحلتين تاريخيَّتين متمايزتيْن:

  • المرحلة الأولى: تمثَّلت في عهد النبوة والخلافة الراشدة، وكان الاقتصاد فيها جزءًا من منظومة قيمية تحكم المجتمع، كالعدل، ومنع احتكار الثروة، والتحذير من الترف، وهي قيم عملت كدرع يحمي المجتمع من الأزمات العاصفة. وعليه، كانت الأزمات الاقتصادية آنذاك نتاج تأثيرات خارجية أو طبيعية -كالحروب وشح الموارد- ولم تكن ناجمة عن خلل داخلي عميق في بنية النظام.
  • المرحلة الثانية: وشملت الخلافاتِ الأموية والعباسية والعصر المملوكي، حيث أُعيد بناء العلاقة بين السلطة والاقتصاد. وهنا حدث تحول مفصلي؛ إذ أضحت الأزمات تعبيرًا عن تحولات داخلية تنوعت بين مظاهر الترف واختلالات البنية الاقتصادية مع توسع الدولة، وهو ما يتضح في الانتقال من اقتصاد يعتمد على الفتوحات إلى اقتصاد يقوم على الزراعة والتجارة في عهد الخلافة العباسية. كما تُظهر تجربة العصر المملوكي تعمُّق هذا المسار، تزامنًا مع بروز عوامل رئيسية أخرى في نشوء الأزمات، كالفساد الإداري وضعف الحكم.

وفي العصور الحديثة والمعاصرة، حلَّلت المؤلِّفة مسار تشكُّل النظام العالمي الحديث بطريقة مقارنة وموازية، مما أتاح إعادة تفسير الأزمات الاقتصادية كنتاج لتفاعل حضاري أوسع يتخطى حدود كل نموذج. فقد قدمت المؤلفة التاريخ الاقتصادي الغربي بوصفه ثمرة لنظام رأسمالي علماني ارتبط بالتوسع الاستعماري، وليس كمسار محايد للتقدم كما تصوِّره التفسيرات التقليدية؛ حيث لم تكن الأزمات مجرد اضطرابات اقتصادية عابرة، بل تعبيرًا عن تحولات في موازين القوى الدولية، وإعادة توزيع الموارد والسلطة. وقد حدث هذا التحوُّل تحديدًا ما بعد الحربين العالميَّتين، لتصبح الأزمات الاقتصادية معولمة هي الأخرى؛ إذ تحولت الاختلالات في أوروبا خلال تلك الفترات إلى أزمات عالمية تُعيد تشكيل بنية النظام الدولي برمَّته.

وفي ختام هذا الفصل، ترى المؤلِّفة أن الأزمات الاقتصادية المعاصرة لا يمكن فهمها بمعزل عن امتدادها التاريخي؛ فتلك الأزمات تمثِّل استمرارًا لأزمة حضارية أعمق داخل النظام الرأسمالي العالمي، إذ تتجاوز الجانب المالي المحض لتشمل القيم والأخلاق؛ حيث تسود مقولات مثل: “البقاء للأقوى”، و”الغاية تبرر الوسيلة”، و”الأولوية للمصالح والقوة”، تزامنًا مع تهميش الفضائل الدينية والإنسانية. ومما سبق، يفتح هذا الواقع المجال لإعادة التفكير في موقع العالم الإسلامي؛ كي لا يظل “مفعولًا به” في تلك السياقات العالمية، بل يغدو “فاعلًا” في صياغة بدائل حضارية مستقلة.

ثالثا- الذاكرة التاريخية لمؤتمرات دولية

تبدأ المؤلفة بتحليل نقدي للوضع الراهن للمؤتمرات الإقليمية والدولية التي تتناول قضايا العالم العربي خلال العقد الأخير، مما يطرح تساؤلًا مهمًّا، وهو: هل تتضمَّن هذه المؤتمرات تسويات للصراعات وحلولًا للمشكلات وفقًا للمصالح العربية، أم أنها ترتيبات لصالح القوى غير العربية ومصالحها الخاصة؟ مما يجعلنا نتفكر في الهدف وراء هذه المؤتمرات؛ ففي سياقنا العالمي، نرى أن التدخُّلات الإقليمية والعالمية أصبحت من طبائع الأمور المتوقعة.

تنطلق المؤلِّفة من هنا باستدعاء الذاكرة التاريخية لفهم الحالة المؤتمرية في وقتنا المعاصر، وذلك من خلال المقارنة بين الخبرتين الحضاريتين: العربية الإسلامية والغربية الحداثية. ويمكن استنتاج أن الإشكالية العامة في هذا الموضوع تتمحور حول اختلال توازن القوى العالمي وآثاره على شعوب وأمم الدائرة الأضعف، وكيف أضحت المؤتمرات الدولية ساحةً لاختبار تطوُّر هذه التوازنات وآثارها على حقوق الشعوب والأمم.قبل أن تتعمَّق المؤلِّفة في الإجابة عن أسئلتها، توقَّفت عند ملاحظات منهجية تتعلَّق بطبيعة المؤتمرات وأشكالها المتعدِّدة، مؤكِّدة أن ما يحكم طاولة المفاوضات هو مصالح الدول وتوازنات القوى، وأن التواريخ السياسية للمؤتمرات الدولية ليست تواريخ الحقيقة، بل تواريخ رسمية قد لا تعلن كل الحقيقة. وفي المقابل، اختلفت التقاليد الإسلامية عن نظائرها الغربية لاختلاف المرجعيات قبل صلح وستفاليا عام 1648 وبعدها، بينما كشفت خبرات التاريخ الإسلامي عبر العصور المتتالية عن نماذج وحالات رشيدة وغير رشيدة في فترات القوة والضعف.

بعد ذلك، تنتقل الورقة إلى خريطة النماذج التاريخية للمؤتمرات الحضارية الغربية في فترة التأسيس والصعود الحديث، وذلك بدءًا من علمنة السياسات الداخلية والعلاقات الدولية منذ مؤتمر وستفاليا، مرورًا بمؤتمر فيينا ومؤتمرات التنافس الاستعماري وتقسيم المستعمرات، إضافة إلى مساندة الحركات القومية وفقًا لحسابات مصالح القوى وتوازناتها، وتقنين هيمنة مجموعة من الدول على السياسة الدولية. ويتَّضح ذلك في مؤتمرات تسوية الحرب العالمية الأولى بوصفها نموذجًا لإهدار حقوق وتطلُّعات الشعوب الأوروبية والعربية لحساب توازن المصالح بين القوى الكبرى، من خلال تصفية الإمبراطوريات، وإعادة ترسيم الحدود، وتقسيم الشعوب.

وقد حملت هذه التسويات بذور اندلاع حرب عالمية ثانية، وصعود نظم فاشية ونازية، في حين ظلَّت الآثار الاجتماعية والفكرية تُستدعى من قبيل الاستثناء. وعلى ضوء ذلك، تستعرض المؤلِّفة أربع مراحل كبرى: أولاها تصفية توازن القوى وتقسيم الأوطان العربية بعد الحرب العالمية الأولى، ثم مرحلة الحرب الباردة والثنائية القطبية وظهور إسرائيل، تليها مرحلة إعادة تشكيل التحالفات العربية بعد حرب أكتوبر والثورة الإيرانية، وأخيرًا مرحلة نهاية الحرب الباردة وإعادة تشكيل النظام العالمي والنظم الإقليمية بين عامي 1991 و2011، حيث تعاظم التغلب الخارجي على الداخل والإقليمي تحت رايات مكافحة الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل والإصلاحات الهيكلية الرأسمالية.

وبناء على ما سبق، توصَّلت المؤلِّفة إلى استنتاجات عديدة، مفادها أن التوجُّه العام يتمثَّل في تغلُّب الخارج بحلول مفروضة، وعجز الداخل عن المبادرة الفاعلة، واستمرار الأزمات بلا حلول حاسمة، في ظلِّ تحكُّم الأبعاد المادية النفعية في القلة المالكة لعناصر القوة في العالم.

أولا- التطور الأوروبي الحديث

لا يمثِّل موقع أوروبا في النظام الدولي حالةً ثابتةً، بل هو نتيجة مسار تاريخي معقد تتداخل فيه مجموعة من عوامل القوة، والتحول، والتراجع. من هذا المنظور، تُعاد الاستعانة بـ”الذاكرة التاريخية” لا بوصفها استرجاعًا للماضي، بل كوسيلة لفهم كيفية تشكل دور أوروبا وتغيراته عبر الزمن في بيئة دولية تزداد فيها التعددية مع صعود قوى مثل الصين وروسيا وتراجع الهيمنة الأمريكية.في هذا الإطار، يتضح أن “أوروبا” لم تكن يومًا كيانًا موحدًا، بل فضاءً متنوعًا مليئًا بالانقسامات الداخلية والتوازنات الخارجية، حيث تحولت من موقع التأثر، كما حدث خلال الفتح الإسلامي، إلى موقع الفاعل الرئيسي مع صعودها الحديث.

هذا التقدُّم جاء مدفوعًا بتغيُّرات هيكلية كبيرة، مثل العلمنة والرأسمالية وصعود الدولة القومية والتوسُّع الاستعماري؛ إذ تداخلت هذه التحوُّلات لتُنتج نموذجًا ثقافيًّا يرتكز على مركزية أوروبية تربط بين القوة والمصلحة، مما يمنح الهيمنة طابعًا مسوَّغًا؛ لكن هذا المسار لم يكن خاليًا من التناقضات؛ فقد ظهرت شعارات التحرُّر وحقوق الإنسان إلى جانب ممارسات استعمارية توسُّعية، مما يكشف عن فجوات بين الخطابات والأفكار وبين الممارسات الفعلية على الأرض. وقد برز هذا التناقض أيضًا في التطبيق الانتقائي لمبدأ “تقرير المصير” بعد الحرب العالمية الأولى، حيث خضع هذا المبدأ لمنطق توازنات القوى أكثر من خضوعه لمعايير العدالة.

يتشكَّل الدور الأوروبي على مستوى أعمق نتيجة لتفاعل معقَّد؛ إذ لا يعتمد على القدرات الذاتية فحسْب، بل يتأثَّر أيضًا بصعود قوى خارجية منافسة، فضلًا عن الانقسامات الداخلية المستمرة بين شرقي القارة وغربيها. وبلغت هذه التفاعلات ذروتها مع نشوب الحرب العالمية الثانية، التي أعادت صياغة موازين القوة عالميًّا، وقوَّضت مركزية أوروبا. وفي السياق المعاصر، لم تؤدِّ نهاية الحرب الباردة إلى استقرار دولي، بقدر ما أسهمت في إعادة تشكيل النظام العالمي؛ حيث اندمجت أوروبا في إطار غربي أوسع، مع استمرار تباين مصالحها عن الولايات المتحدة، لا سيما في الموقف من القوى الصاعدة.

ثانيًا- النظام الآسيوي الدولي

يتناول هذا الفصل الذاكرة المعاصرة المتعلِّقة بالقوى الجديدة في آسيا، مثل: الصين وروسيا والهند، منذ منتصف القرن العشرين حتى بداية التسعينيَّات، وأثرها في الدول الإسلامية بعد استقلالها عن الاستعمار الغربي.

ومن ثم، تُشير المؤلِّفة إلى أهمية بحث هذه التفاعلات بين القوى الإسلامية والآسيوية، لا سيما الحالة الراهنة للقوى الإسلامية في آسيا وتفاعلها، ودور التدخُّلات الغربية في تشكيل هذه العلاقات؛ إذ إن الوجود المسلم في آسيا يختلف عن وجوده في أوروبا. يستعرض الفصل القرون الخمسة الماضية، فيتناول تجارب الفتوحات الإسلامية وتفاعل العرب مع الأمم الآسيوية، وكيف كانت تلك الفتوحات سببًا في انتشار الإسلام، ثم تنتقل المؤلفة إلى عصر المغول الذي شهد دخول القوى الوثنية المهدِّدة، مما كان له أثر كبير في الحضارات والثقافات في تلك المناطق. ويبين المسار التاريخي انتقال الأمة من الحالة التي كانت فيها متَّحدة حضاريًّا ومتماسكة سياسيًّا خلال فترات الفتوحات والامتداد الإسلامي، إلى حالة من التنوُّع والتفكُّك السياسي التي أثَّرت سلبًا في قدرتها على المبادرة.

ففي عصر الفتوحات، كانت التفاعلات بين العرب والشعوب الآسيوية تتَّسم بالاندماج الحضاري ونشر الإسلام ضمن إطار سياسي موحَّد نسبيًّا، وذلك قبل أن تظهر مراكز القوة المتعدِّدة مع صعود الكيانات التركية والفارسية في الساحة الإسلامية. ثم تعرَّض هذا التوازن لتحوُّل كبير جرَّاء الغزو المغولي، الذي شكَّل تهديدًا شاملًا أعاد صياغة الهيكل السياسي والحضاري في آسيا الوسطى والقوقاز؛ كما أنه أدخل المنطقة في حقبةٍ من الاضطراب والتبدُّل في موازين القوى. ومع التراجع الإسلامي، برز التوسُّع القيصري الروسي كنمط جديد من الهيمنة، نتيجة لضعف الكيانات الإسلامية والصراعات الداخلية فيما بينها؛ وهو ما يفسِّر تحول الانقسامات الوطنية والمذهبية تدريجيًّا إلى أدوات لصراع إقليمي وتدخُّل خارجي، ممَّا جعل آسيا المسلمة ساحةً مفتوحةً لإعادة تشكيل النفوذ والتوازنات الدولية.

ثالثًا- أفريقيا قارة الإسلام

بدأت المؤلِّفة في هذا الجزء بذكر مفردات عديدة تحكى جانبًا واحدًا من جوانب حكاية أفريقيا، منها تجارة الرقيق وسرقة الثورات المعدنية، ثم طرحت سؤالًا: ماذا كان قبل هذه الحقبة من تاريخ أفريقيا؟ ومن الذي اهتمَّ بها؟ وكيف؟ تنبِّه الكاتبةُ القرَّاء إلى أهمية وجود رؤيتِنا الخاصَّة في تحليل أوضاعنا ويجب علينا العمل على تفكيك الصورة النمطية التي أرسَى قواعدَها الاستعمارُ، فقدَّمت مجموعةً من التساؤلات التي تراها أساسية لتأسيس وجهة نظر جديدة تجاه أفريقيا.

عرض الفصلُ ملامحَ تاريخ القارة الأفريقية قبل فترة الاستعمار وما تحمله هذه المرحلة من معانٍ، فأشار  إلى الدور الحيوي الذي لعبتْه أفريقيا في السياق الدولي للاقتصاد والتجارة، حيث ساهمت الإمبراطوريات الأفريقية في غرب القارة، من خلال قدراتها الاقتصادية، في بناء نماذج تجارية ناجحة ارتكزت على التجارة العالمية بدلًا من الاعتماد على القوة العسكرية، كما أبرز كيفية انتشار الإسلام في القارة الأفريقية، خاصة في المناطق الواقعة جنوب الصحراء خلال مراحل متعددة، موضِّحًا أن هذا الانتشار كان غالبًا بطريقة سلمية.
ثم انتقل الفصل للحديث عن الغزو الاستعماري الأوروبي، حيث توضِّح وجودَ مرحلتين رئيسيَّتين من الاستعمار؛ المرحلة الأولى التي قادتها البرتغال وإسبانيا وهولندا، والتي تركزت حول إنشاء نقاط تجارية ونهب الموارد مثل العبيد والذهب. بينما كانت المرحلة الثانية تحركها دوافع اقتصادية وثقافية، مثل فرنسا في محاولتها لفرض سياسات الاستيعاب، بالإضافة إلى ذلك، تمَّ تناول كيف أن وضع الدول الأفريقية الحالية هو نتائج عن الاستعمار، وليس تعبيرًا عن واقع اجتماعي وسياسي متماسك.

ويوضِّح الفصل سياقَ المقاومة الثقافية في أفريقيا، حيث تميَّزت بموجتين: الأولى ضد الاحتلال البرتغالي، والثانية ضد القوى الأوروبية الكبرى، مع التأكيد على البعد الإسلامي للجهاد في هذه المقاومة. ورغم أن هذه المقاومة لم تنجح في إيقاف الاحتلال، فإن لها أثرها المهم الذي يستحق الدراسة، نتيجة لمركزيتها في الإسلام وعلاقتها بالمجتمعات.

رابعًا- أمريكا اللاتينية

يركِّز الفصل الأخير على الذاكرة الحضارية لأمريكا اللاتينية، التي غالبًا ما تُغفل في الدراسات العربية الإسلامية، ويطرح تساؤلًا حول أسباب ذلك؛ مثل: البُعد الجغرافي، أو اختلاف التواريخ، أو حواجز اللغة. فأمريكا اللاتينية، إلى جانب أفريقيا وآسيا، تمثِّل الجنوب العالمي الذي كان يُطلق عليه سابقًا “العالم الثالث”، وهي تمتاز بتنوُّع ثقافي وهُويَّاتي؛ فبِنيتُها لم تكن فارغةً قبل الاستعمار، بل سكنتْها شعوبٌ لها تاريخ وحضارات عريقة.

واستعرض الفصل مجموعة من المشاهد المرتبطة بتاريخ القارة، وذلك بدءًا من الغزو الإسباني والبرتغالي الذي حمل جوانب مأساوية؛ حيث أُجبر السكان الأصليون على الدخول في الدين المسيحي، مما أدى إلى تغييرات جذرية في الثقافات والهويات المحلية.

كما يستعرض تاريخ أمريكا اللاتينية من فترة الاستعمار إلى النزاعات الدولية، عندما بدأت الولايات المتحدة توسيع نفوذها محدثةً قطيعة في العلاقات السياسية مع العديد من القوى الاستعمارية الأوروبية.وتتناول المؤلفة القوى الاجتماعية والسياسية التي كانت موجودة في أمريكا اللاتينية، حيث تحدِّد ثلاثة تيارات رئيسية لها أثر في المسار الداخلي، وهي: الإقطاع، والرأسمالية، واليسار، موضحةً دور الكنيسة في هذا السياق؛ فتشير إلى أن تاريخ هذه القاعدة الاقتصادية والاجتماعية مرتبط بالتدخُّلات الخارجية، وتناقش الصراعات التي نشبتْ نتيجةً لهذه التدخُّلات. وتوسَّع هذا الجزءُ من الكتاب أيضًا لمناقشة قضايا الأمن الإنساني في أمريكا اللاتينية مع التركيز على تنوُّع شعوب القارة، بما في ذلك السكان الأصليون، والهجرات، والتحديات المرتبطة بمشكلات المخدرات والاتجار بالبشر، وتُبرز القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي أعاقت تحقيق العدالة للسكَّان الأصليِّين الذين تعرَّضوا للاستيطان والتهميش.

وفي ختام هذا الفصل، أكَّدت الكاتبة أهمية الذاكرة التاريخية التي تعبِّر عن مقاومة الشعوب الأصلية ضد الاستعمار، كأمل لمنع تكرار تجارب الإبادة، مشيرةً إلى نماذج من المقاومة المستوحاة من تجارب تاريخية أخرى؛ مثل الوضع في جنوب أفريقيا وفلسطين.

بعد أن ألقينا نظرةً على جميع محتويات الكتاب، يمكننا أن نختتمَه باستنتاج هامٍّ، وهو أن المنظور الحضاري الإسلامي يأخذ في اعتباره شتى أنواع المتغيرات في التحليل، ولا يقتصر على بُعد واحد وحسْب؛ فلقد قدَّم هذا الكتابُ رؤيةً شاملةً بالمعنى الدقيق للكلمة، لتحليل العلاقات الدولية في وضعنا الراهن، من خلال استخدام مفهوم الذاكرة التاريخية. ولقد تطرَّقت المؤلِّفة لموضوعات شتَّى؛ منها: المقاومة الحضارية، والأزمات الاقتصادية، والمؤتمرات الدولية، كما درست الذاكرة الحضارية للأمة عبر قارات العالم، وذلك كله لدراسة العالم الإسلامي، ليس بوصفه متأثِّرًا بالتحولات الدولية وحسْب، بل فاعلًا ومؤثرًا فيها أيضًا.

ومن ثم، فإن أهم الدروس المستفادة من هذا الكتاب هو إبراز أهمية المقاومة؛ فمع تنوع أساليبها، تُعد نشاطًا مجتمعيًّا في جوهرها، بينما تبقى النخب والأنظمة في موضع رد الفعل لا الفعل. وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثَّل في “كيفية مواجهة الهجوم”، وإنما في كيفية إعادة تشكيل الدولة والمجتمع والنخبة في إطار مشروع حضاري شامل، من خلال المقاومة الحضارية في شتى المجالات وعلى المستويات كافَّة.

أمَّا عن الأزمات الاقتصادية، فبقدْر ما كانت أنظمتُنا الاقتصاديةُ والاجتماعيةُ قويةً ومستقلَّة خلال فترات التقدُّم الحضاري، كانت تملك قدرةً عاليةً على مواجهة الأزمات وتجاوزها. ومع ذلك، كلما تراجعت مظاهر الاستقلال والقوة والوحدة، زاد انغماسنا في الاقتصاد العالمي، مما أدَّى إلى تبعيَّتنا لنظام رأسمالي عالمي؛ ونتيجة لذلك، أصبحت أزماتُنا تأخذ شكلًا مختلفًا يتأثَّر بشكل كبير بالعوامل الخارجية، على الرغم من أن المحكَّ الحقيقيَّ ظل كامنًا في الظروف الداخلية. إن انخراط أمَّتنا العربية الإسلامية في عملية التبادل الحالية يستوجب وجود عدَّة شروط سننيَّة لضمان إعادة النهوض الحضاري لهذه الأمَّة.

ومن الدروس المستفادة التي يطرحها الكتاب عبر فصوله المتعدِّدة، مراعاة التوازن الخارجي بين القوى الكبرى، ومدى التحول فيها، وانتقال الموازين بين الشرق والغرب، وكيف يمكن أن يؤثِّر ذلك في وضع الشعوب والدول العربية والإسلامية. ومن جانب آخر، يوضِّح الكتاب من خلال مفهوم الذاكرة التاريخية أن قضايا الجنوب العالمي في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية -لا سيما المجتمعات المسلمة في تلك المناطق- تتشابه نتيجة سطوة الاستعمار الغربي حقبًا طويلة، مما خلق فجوة انفصال بين مسار تطوُّر المجتمعات الطبيعي وكيفية نشأة دولهم بعد الاستقلال؛ وهو ما قد يسمح بمزيدٍ من التضامن والتفاعل بين هذه الدول والمجتمعات.


[1] باحثة سياسية متخصصة في مجال العلاقات الدولية.

[2] د. نادية محمود مصطفى، في الذاكرة التاريخية للأمم: تحولات ومآلات حضارية معاصرة، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 2024).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى