نماذج من تحاور المعارف وتزاور الثقافات في العصر الإسلامي الأول

لم تحتج العلوم الشرعية وعلوم العربية للأخذ عن الغير؛ إذ مادتهما حصر على العرب والمسلمين. لكن التواصل مع الآخرين تعلَق بنوعَي المعارف الآخرين: المعارف الفلسفية والمنطقية، والمعارف الطبيعية والرياضية. وقد شهد العصر الإسلامي الأول حركة ترجمة لهذه العلوم من الخارج إلى الداخل، ثم عمليات استيعاب، فمحاولات تجاوز، بل إبداع وإنتاج جديد داخل هذه الحقول المعرفية. مثَّل ذلك نوعًا من تحاور المعارف وتزاور الحضارات والثقافات، وخاصة أنه جرى من غير استعلاء، أو دونية، أو انغلاق، أو ما إليه. لكن هذه الحركة حملت إشكاليات عديدة، وأفرزت الكثير من الحواريات المتقابلة: بعضها بدا تعاونيًّا بنَاءً، وبعضها بدا صراعيًّا هدَامًا. وتقدمت نماذج من رموز الحضارة الإسلامية وأعلامها يعبرون عن هذه التحديات والإشكاليات عبر حواريات متنوعة، نحاول في هذه المساحة أن نطل على بعض منها.
1- حوارية الانفتاح على الثقافات: حركة ترجمة فإنتاج:
كان الخلفاء العباسيون أول من اهتمَّ بنقل العلوم الأجنبية أو الدخيلة [بتعبير محمد لطفي جمعة] من اليونانية والفارسية والسريانية والهندية. فكان أبو جعفر المنصور أول من بدأ بالأمر بنقل الكتب؛ حيث كان البطريق (أبو يحيى المترجم الأشهر تاليـًا) في خدمة المنصور، وأمره بنقل أشياء من الكتب القديمة[1]. وكان اهتمام المنصور بالفلك والطب، وفي أيام هارون الرشيد نقل كتاب “المجسطي” في الرياضيات. بَيْدَ أن فترة حكم المأمون 198-218هـ؛ هذه العشرين سنة، كانت مرحلة بداية الانفتاح على نقل الفلسفة والمنطق بصفة خاصة، وسائر العلوم بصفة عامة، وبالأخص عن اليونان، بعد أن سبقها بعض الانفتاح على حكمة الفرس وبعض آدابهم في أوائل الخلافة العباسية على يد ابن المقفع، وإسحاق بن يزيد، والحسن بن سهل[2]. هذا التوجُّه من المأمون أرسى قاعدة الترجمة المسنودة من الدولة، وأفرز طبقة من المنفتحين على ثقافة اليونان ومعارفهم؛ بدأت بالمترجمين أمثال: إسحق بن حنين، ويحيى (أو يوحنا) بن البطريق المشار إليه، والحجاج بن مطر، وسَلْم صاحب بيت الحكمة، وكذلك الحسن بن سهل كما أشرنا[3].
وبالنظر في نوعية الكتب التي تُرجمت في هذه الفترة من أوائل العصر العباسي، نجد أنها تنوعت جدًّا بين سياسية وأدبية، وطبية وفلسفية، وهندسية، ورياضية، وجغرافية، في مجالات الطبيعة، وفي ميادين الحياة الاجتماعية والنفس الإنسانية وفي الوجود والعالم[4]. وقد بلغت الكتب التي نُقلت في ذلك العصر المئات، أكثرها من اليونانية، منها: (19) في الفلسفة والمنطق لأرسطو، و(8) في الفلسفة والأدب لأفلاطون، و(10) في الطب لأبقراط، و(48) في الطب لجالينوس، و(20) لإقليدس وأرخميدس وبطليموس وغيرهم، (وأكثرها في الرياضيات والفلك). أما من الفارسية فـ(20) في التاريخ والأدب. ومن اللغة السنسكريتية (30) في الرياضيات، والطب، والفلك، والأدب. وعن السريانية والنبطية (20) في الفلاحة، والزراعة، والسحر، والطلاسم. و(20) عن اللاتينية والعبرانية في مختلف العلوم والآداب والفنون[5].
أما الذين نقلوا تلك العلوم من اللغات الأجنبية إلى العربية فأشهرهم: آل بختيشوع من أولاد جرجيوس بن بختيشوع السرياني النسطوري الجنديسابوري، طبيب الخليفة المنصور، وآل حنين سلالة حنين بن إسحاق العبادي شيخ المترجمين، وهو من نصارى الحيرة، وحبيش الأعسم الدمشقي ابن أخت حنين، وقسطا بن لوقا البعلبكي من نصارى الشام، وآل ماسرجويه اليهودي السرياني، وآل ثابت الحراني من الصابئة، وأبو بشر متَى بن يونس، ويحيى بن عدي، وإصطفان بن باسيلي، وموسى بن خالد. هؤلاء أشهر من نقلوا العلوم من اليونانية والسريانية إلى العربية. أما نَقَلة العلم من الفارسية إلى العربية فأشهرهم: ابن المقفع، وآل نوبخت، وكبيرهم نوبخت وابنه الفضل، وموسى ويوسف ولدا خالد، وعلي بن زياد التميمي، والحسن بن سهل، والبلاذري أحمد بن يحيى، وإسحاق بن يزيد. ومن الذين نقلوا عن اللغة السنسكريتية: منكه الهندي، ابن دهي الهندي. ومن الذين نقلوا من اللغة النبطية: ابن وحشية، نقل كتبًا كثيرة أهمها كتاب “الفلاحة النبطية”[6].
وظاهر من هذا الذي أورده د. محمد لطفي جمعة أن المسلمين في عصرهم الذهبي نقلوا إلى لسانهم معظم ما كان شائعًا من العلم والفلسفة والطب والفلك والرياضيات والآداب، واتَّخذوا عن كل أمة أحسن ما لديها، ولكنهم اختاروا من اليونان فلسفتهم وتركوا آدابهم وفنونهم لأسباب عديدة. وقد كانت تلك المؤلفات التي نُقلت إلى اللغة العربية هي النواة التي نبتت ونَمَتْ، ثم أزهرت وأثمرت، وأتت –في رأي جمعة- بأطيب الفوائد للمسلمين وغيرهم ممَن اندمجوا في مدنيتهم خلال الأربعة عشر قرنًا منذ ظهر الإسلام إلى الآن. يقول د. لطفي جمعة: “… جاء العصر العباسي الأول الذي يعد العصر الذهبي للإسلام، وقد دام مائة عام من 132هـ إلى 232هـ. وفي هذا العصر الذهبي بلغت دولة الإسلام قمَّة مجدها في المدنية والغِنى والسيادة، وفي تلك المائة نشأ معظم العلوم الإسلامية، ونُقلت العلوم الأجنبية إلى اللغة العربية، وكانت بغداد في ذلك العهد أشبه بباريس في عهد لويس الرابع عشر، فكانت قصور الخلفاء آهلةً بالعلماء والأطباء والأدباء والشعراء، وكانت سيادة العباسيين على العالم الإسلامي شاملةً سائر الأقطار، وكانت أوربا في ذلك الوقت -وهو النصف الأخير من القرن السابع والنصف الأول من القرن الثامن [الميلادي]- في غيابة الجهل والوحشية، حتى إنَ مؤرخي أوربا أنفسهم يسمُّون هذا العصر وما سبقه وما لحقه بالقرون المظلمة (The Dark Ages). على أن نهضة الإسلام لم تكن قاصرة على الأمم التي اعتنقت هذا الدين، بل كانت النهضة شاملة للشرق كله، كأن المبعث هو أركان ذلك الجزء من الكرة الأرضية، فهبَ من سُباته الذي مضت عليه الأجيال المتراكمة وأخذ ينفض عن نفسه غبار خمول الأجيال السابقة، فنهض الفرس والترك والتتار والهنود حتى أهل الصين واليابان فإنهم هبُّوا للإصلاح الأدبي في أثناء ذلك العصر العباسي أو بعده بقليل، فكانت حركة الإسلام كهزَات الزلازل تسير في مناطق معينة وتنتقل في دوائر محدودة، ولا يزال مؤرِّخو الآداب الصينية يذكرون نهضة فحول شعرائهم في القرنين التاسع والعاشر للمسيح في عهد إمبراطورهم ابن السماء “تنغ”. واشتغل اليابانيون في ذلك أيضًا بتهذيب اللغة اليابانية وتنظيم الآداب الاجتماعية، وظهرت فيهم عبقرية الفنون، فكان منهم الشعراء والأدباء والمصوِّرون والمثَّالون”[7].
وما يشار إليه في هذا، أن الذين اشتغلوا بنقل العلم والفلسفة في العصر العباسي الأول كان معظمهم من أبناء أهل الكتاب من غير المسلمين، فلمَّا تمَّ النقل تقدَّم المسلمون إلى العمل فكان أسبقهم يعقوب بن إسحق الكندي من أبناء القرن الثالث الهجري، وسنأتي على جهده تاليًا. وفي الفترة بين بدايات القرن الرابع ونهايات القرن الخامس، كانت شجرة المعارف الإسلامية قد اتَسعت عرضًا وتعمَّقت طولًا، وتفرَّعت غصونها وأورقت عددًا ضخمًا من علماء الدين، وأدباء العربية، والمؤرخين، والجغرافيين، ومفكري السياسة والمجتمع، ومتخصِّصي العلوم الطبيعية. لكنَ الحوارات كانت قد بدأت تتراجع للانشغال بصراعات الفِرَق، واقتسام المعرفة بين إيمانيين حدسيِّين، وعقلانيِّين، وطبيعانيين، بل ظهر أدعياء عِصمة فيما بعد النبوة… وهكذا. ومن ثم بدأت حوارات التهافت المعرفي وتهافت الحوارات المعرفية.
وفيما بين القرنين الخامس والسادس الهجريين، انتقلت العلوم (الدخيلة) إلى بلاد الأندلس، وذلك بعد ظهور رسائل إخوان الصفا بمائة عام، حين رحل أبو الحكم عمرو بن الرحمن الكرماني القرطبي من الأندلس إلى المشرق في طلب العلم وعاد إلى بلاده حاملًا نسخةً من تلك الرسائل، فتعلَّق بعضهم بالفلسفة واستغرقوا في درسها ليظهر ابن باجه، وابن طفيل، وابن رشد، وغيرهم من الفلاسفة والأطباء والرياضيين والفلكيين والكيميائيين؛ الذين اشتهروا بين المسلمين ثم بين الأوربيين التالين ربما بصورة أكبر.
لكن هل كانت هذه العملية تعبيرًا عن شعور بالنقص أو الانبهار أو الاستخذاء أمام الثقافات الأخرى؟ هل دخلت فيها عمليات انتحال أو ادعاء ملكية هذه الأشياء وإنتاجها؟ ادَعى ذلك بعض المستشرقين غير المنصفين، وللأسف تَبعهم بعض المثقفين من المسلمين الذين أرادوا إسقاط تبعيتهم الثقافية على حضارتهم، ومتى؟ إبَّان عصور ازدهارها المعرفي والشامل.
حوارية إنتاج من غير دونية ولا فوقية: نماذج متقابلة
مما يلاحظه الـمُطالع جيدًا لحوارية هذه العصور، أنَّ الأداء المعرفي العام للمسلمين تفادى آفتَي الاستعلاء أو الفوقية على الغير من ناحية، والاستخذاء أمامه أو الدونية والتبعية له من الناحية الأخرى. وقد عبَّرت نماذج مفكِّري الحضارة الإسلامية الذين انتدبوا للتواصل مع الثقافات الأخرى عن هذه الملاحظة البارزة.
أشرنا من قبلُ إلى يعقوب بن إسحاق الكِندي (العربي الملقَّب بفيلسوف العرب)، قيل: وُلد 185ه، وكان حيًّا يُرزق من 198هـ، وقيل توفي 258هـ/873م، كان عالـمًا بـ”الطب، والفلسفة، والمنطق، وعلم الحساب، والهندسة، وطبائع الأعداد، وعلم النجوم، وتأليف اللحون (الموسيقى)، وقيل إنه كان يعرف جانبًا من علوم الإغريق والفرس وحكمة الهنود، مع الإلمام بإحدى اللُّغتين الأجنبيتين الذائعتين لذاك العهد؛ وهما: اليونانية والسريانية؛ لذا ندبهُ المأمون فيمن ندب من الحكماء إلى ترجمة مؤلفات أرسطو وغيره من فلاسفة اليونان. ولم يكن مجرَّد مترجم. لقد ترجم ثم فسَّر وشرح من كتب الفلسفة الكثير، و”أوضح منها الـمُشكِل، ولخَّص المستصعب، وبسط العويص؛ وهذا لعلوِّ كعبه في الترجمة”[8]. إذن، هذه ليست ترجمة حرفية أو اكتفائية أو نقلية (عمل الناقل الأمين وحسب)، إنما هي نظر في المادة؛ وتصرُّف فيها بما يحقق أهدافها، بالتحاور مع المُشكلِ فيها حتى يتَّضح، والتجاوب مع المستصعب منها حتى يسهل، وهي تلخيص، وبسط… هي -إذن- أخذ وعطاء. أليست هذه هي “الحوارية المعرفية”، في إطار التواصل والاستيعاب الحضاري والثقافي؟!
ثم إن أبناء الحضارة الإسلامية لم يستفيدوا فقط من كتب الآخرين التي ترجموها أو ترجمها مترجمون جُلُّهم غير مسلمين، ولكنهم تعلموا أيضًا على يد غير مسلمين داخل ذات الإطار الحضاري والثقافي الإسلامي. فهذا المعلم الثاني عند فلاسفة المسلمين والشارح الأكبر أبو نصر الفارابي (الذي عاش بين 260هـ تقريبًا و339هـ)، أجمع المؤرخون على أنه تعلَّم على يد أستاذ مسيحي اسمه يوحنا بن حيلان، رغم أنه كان يعرف العديد من اللغات، منها على الأقل: اليونانية والسريانية والتركية والفارسية، فضلًا عن براعته في العربية. وكما أشرنا إلى تبادل المعرفة بين أستاذين؛ كالشافعي وأحمد في الفقه والحديث، فقد ذُكِر أنَّ الفارابي كان يجتمع بأبي بكر بن السَّرَّاج فيقرأ عليه صناعة النحو، وابن السراج يقرأ عليه صناعة المنطق[9].
وإذا كان الفارابي يعدُّ الشارح الأكبر لأرسطو المعلِّم الأول عند الفلاسفة العرب وكثير من المستشرقين، فإنه أيضًا أحد أهم الأبواب لنقل معارف اليونان من العرب إلى أوربا، يقول لطفي جمعة: “وقد بلغتنا كتب أرسطو منقولةً إلى اللغات الأوربية القديمة والحديثة على النَسق الذي اختاره الفارابي”، ثم ذكر لطفي جمعة النَسق والترتيب الذي وضعه الفارابي وسار عليه مَن بعده[10]. وهكذا فمِن اليونان إلى العرب، ومن العرب إلى الأوربيين، ومن الأوربيين إلى العرب… أليس هذا هو المقصود بحوار العلوم والمعارف؛ مضفورًا بحوار الحضارات والثقافات، الذي يخترق سُتر الزمان ويتجاوز جُدر المكان، ليصل رحم المعارف بالمعارف، وجهد الإنسان بالإنسان؟!
من ناحية أخرى، وصل ابنُ سينا (370هـ/ 980م – 428 هـ/ 1037م) علومَ الدين بالفلسفة وبالطبيعيات خاصة الطبَّ. فأكبَّ على درس الطبِّ على يد أستاذ مسيحي اسمه (عيسى بن يحيى)، مثلما فعل الفارابي، ومارس الطبَّ مشهورًا به في حدود السابعة عشرة من عمره، واعترف بأنه اعتمد كثيرًا -في منطقه- على مؤلفات الفارابي، كما اعتمد الفارابي على أرسطو، ثم إنَ أوربا ظلَّت قرونًا تعتمد على قانون ابن سينا في الطب[11].
حواريات معرفية متداخلة في حوارات ثقافات، لكنها اشتملت على الكثير من المشكلات؛ كإساءة الترجمة أو سوء الفهم، أو الخطأ في النقل، أو في الشرح، أو في التعليل للقول؛ مما جعلها تأخذ صورة شبكة اتصالات ونقل معقدة متشابكة، فيها القول والنقل، والاستدراك على الترجمة ثم الاستدراك على الاستدراك… وهكذا، بعضها أشبه بالدوائر المغلقة، والمتاهات، وبعضها أشبه بحلزون هابط ينزل بالحوار إلى تنابذات وتعصُّبات، أو يرجع بالمعرفة إلى الوراء، وبعضها أشبه بحلزون صاعد يرقى بالمعرفة ويفتح الطريق أمام تنوير العقول، وإنهاض المجتمعات.
ومع ما تقدَّم، فقد حاول بعض المعاصرين نسبة تطوُّر العلوم الإسلامية إلى مصادر خارج الحضارة الإسلامية، ما بين الفارسية، والبيزنطية، والرومانية، وبالأخص اليونانيون القدماء. يحقق د. عبد الرحمن بدوي كتابًا بعنوان (الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام)، ويقدِّم له بمقدمة تعبِّر عن هذا العنوان، قبل أن يلحقها بكتابين: كتاب “العهود اليونانية” المستخرجة من رموز كتاب “السياسة” لأفلاطون وما انضاف إليه -تأليف أحمد بن يوسف بن إبراهيم، وكتاب “السياسة في تدبير الرياسة” المعروف بـ”سر الأسرار” ألَفه أرسطوطاليس لتلميذه الملك الإسكندر وترجمه يوحنا بن البطريق[12].
وبدلًا من أن يثبت د. بدوي للفكر السياسي الإسلامي أصالته التي تتعلَّق بالشريعة وسَعتها، ومنهجيتها في استيعاب ما عليه الناس ما لم يخالف مقاصدها أو قيمها أو عقيدتها أو أحكامها… وبدلًا من أن يثبت الحوارية التي تشهد بها النماذج نفسها التي أشار إليها، نسبَ كتابًا أصيلًا مثل “الأحكام السلطانية للماوردي” لتأثير فارسيٍّ؛ بقرائن ضعيفة وحجج واهية؛ كنشر ابن المقفع وابن قتيبة والجاحظ آثارًا فارسية، متجاهلًا مضمون الماوردي الـمُفعم بالإسلامية وفقهها في كتابه الأحكام السلطانية، وفي قوانين الوزارة، وأدب القاضي. الأمر ذاته الذي سيتوارد عليه مستشرقون وعرب آخرون محدَثون تأثَّروا بهذه الرؤية[13].
وواضح كيف أن بدوي كان يهدف إلى تفضيل فكر على فكر، وبالتحديد تفضيل ما هو غربي على ما هو شرقي، لكنه للأسف لم يكتفِ بذلك حتى أقامها حربًا في التاريخ، لا حوارًا علميًّا ولا تعددية ولا تنوعية. يرى بدوي أن كتاب “العهود اليونانية” يمثل انحيازًا من كاتبه (أحمد بن يوسف) إلى “صف اليونانيين” في معركة العرب بين الفرس واليونانيين، والتي انحاز سابقوه فيها إلى الفرس، وأنه كتب هذا الكتاب ليبيِّن للفريق الآخر أن اليونانيين لهم في السياسة مؤلفات لا تقل أهميةً عن مؤلفات الفرس. هذا بينما نصَ صاحب الكتاب برفض التعصُّب والتحزُّب والحطِّ من أيٍّ من الأمم، ويرى الاستفادة من الجميع مما لديهم من إيجابيات؛ من الفرس: “حسن السيرة ورجاحة الآراء وملك الأهواء”، وكذلك من اليونانيين الذين يرى “محلهم من حسن السيرة وفضلهم على غيرهم في السياسة”. بينما يقول بدوي: “وواضح من هذ الكلام أنَ المعركة بين أنصار الفرس وأنصار اليونانيين كانت عنيفةً، وأنَ هذا الكتاب إذن ثمرة من ثمار ما أنبتت الشعوبية في العالم الإسلامي في آواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع”. ويكمل د. بدوي على المنوال نفسه: “وهو أمر يشبه بعض الشبه ما يثور في مصر في العصر الحالي من خصومات حول التعصُّب للثقافة اللاتينية، والثقافة السكسونية، والثقافة الجرمانية [يكتب هذا عام 1953]، وأخيرًا الثقافة السلافية، التي دخلت أخيرًا في معركة التنافس الثقافي الحضاري”[14]. لعله يقصد صراع الحرب الباردة بين الأمريكان والروس.
نخالف د. بدوي فيما ذهب إليه هنا، ونرى أنَّ الأمر لم يكن بهذه الصورة: صورة “المعركة العنيفة”، بقدر ما كان انفتاحًا واستعدادًا للاستفادة من الجميع. أمَّا الصراع الحقيقي فكان بين الثابت والوافد؛ وهو الممتد أو المتجدِّد هذه الأيام. يتحدث د. بدوي عن: معارك فكرية، وصراعات، وتعصُّبات، ومن ثم حشو وانتحالات وادِّعاءات لكتب؛ وذلك على سبيلين: نحْل الآخرين مؤلفات يؤلفها العرب، أو انتحال العرب لمؤلفات الآخرين… لكن يعتمد كثيرًا على الاحتمالات تحت عنوان (وليس بمستبعد أن يكون …)، (فلا يستبعد أن يكون…)[15].
لكن -بعد محاورة مع نفسه- يعود د. بدوي ليصل إلى تأكيد فرضيتنا: إنها الحوارية البحثية، التي تجمع بين الاستلهام من أفكار الآخرين، والقراءة والمطالعة لهم، والترجمة، والشرح، والمناقشة، وإعادة إنتاج المعرفة لأهداف جديدة، وبأساليب قريبة، وكذلك الوضع والتأليف، والإضافة والتجديد. إنَّ هذا أقرب إلى الإنصاف منه إلى القول بالانتحال، وإلى الحوار والتعاطي مع الآخر وعلومه، بدلًا من الانغلاق دونه، وإلى التعدُّدية والتنوُّع والدخول إلى المعرفة من أبواب متفرقة، دون تبعية أو ولَهٍ أو ولعٍ بثقافة معينة أو أكثر، على نحو ما ينبِّه ابن خلدون.
2- حوارية التهافت المعرفي والفرار من الضلال: تجديد الغزالي نظرية المعرفة
على خلاف ما يبدو من موقفَيْهما المتقابلَيْن من الفلسفة، جسَّد الإمامان الغزالي (450-505هـ) وابن رشد (520-595هـ) تجربة حوارية معرفية متكاملة أو واحدة. لكن المتدبِّر في تكوين كلٍّ منها، ومنتَجِهِ العلمي، والسياق الزماني والحضاري والثقافي والسياسي (الداخلي والخارجي) الذي أحاط بهما، يلاحظ أنَ هذه الحقبة -من نهايات القرن الخامس إلى نهايات القرن السادس الهجري- تُعدُّ حقبة المراجعة والنقد وحواراتهما. فالغزالي -الفقيه الأصولي الكلامي الكبير- الذي راجع نفسه ومسيرته المعرفية، بل نظرية المعرفة لديه برمَّتها، ودوَّن ذلك في المنقذ من الضلال كما سيأتي، كان في الحقيقة يراجع الثقافة العامة السائدة حوله، ومآلات تطور العلوم المؤثرة في الثقافة العامة؛ وخاصة الفلسفة. وكذلك ابن رشد -الفقيه الأصولي القاضي الفيلسوف الكبير- يرى أن العقل لا يضادَّ النقل، وأن الاتصال قويٌّ بين الفلسفة التي يسميها الحكمة وبين الشريعة، كما كتب (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال). وكما خشي الغزالي من أدعياء العقل من الفلاسفة والملحدين في الدين، أبدى ابنُ رشد تخوُّفَه من الاستغناء عن العقل، وخاصةً في ردِّه على (تهافت الفلاسفة) للغزالي بكتابه (تهافت التهافت)؛ الذي شدَّد فيه على ما رآه من إنكار الغزالي لقانون السببية؛ بينما العقل -عند ابن رشد- ما به يعرف الله تعالى معرفة حقيقية[16].
والاتصال والوصل اللذان يَبني عليهما ابن رشدٍ أطروحته في فصل المقال هما الأصل في الحضارة الإسلامية، كما ذكرنا من قبل. فالتوحيد يجمع بين المخلوقات برباط المخلوقية، ويُضفي عليها جميعًا من حكمة الخالق وتدبيره ورحمته سبحانه؛ ومن ثَمَ تتَصل الأشياء، والأحياء، والأحوال، والأحداث. لكنَ إدراك الإنسان لذلك قاصر ومقتصر على ما فيه حاجته ومصلحته وقدراته. وكما اشتمل تهافت الفلاسفة على حوار (نقدي)، فقد تضمَن تهافت التهافت طريقةً من طرق الحوار العلمي (التفنيدي) أو (النقضي)، الذي يشمل العرض والنقد أو النقض[17].
والإمام أبو حامد الغزالي هو حالة حوارية كاملة متكاملة. فهو يمثِّل الحوار النقدي الهجومي في إطار الفلسفة، فيما كان يقوم بالحوار البنَّاء الإيجابي في إطار العلوم الشرعية: أصول الدين، أصول الفقه، الفقه، التصوف، وإن حمل أيضًا في أصول الدين -عبر علم الكلام- على الفِرَق العديدة، لا سيما الباطنية. وكما يقول جميل صليبا وكامل عيَّاد، لم يَكْتَفِ الغزالي، مثل علماء الكلام، باقتباس بعض مسائل الفلاسفة، ولا محاولة نقد بعض آرائهم، بل قام يسعى لتهديم كل البناء الذي أنشأه الفلاسفة الإسلاميون على أساس الفلسفة اليونانية، فماذا فعل الغزالي لذلك؟ مهما اختلف معه أحد في المضمون أو النتائج، فقد اتَبع الغزالي طريقةً علمية منهجية؛ إذ كتب أولًا (مقاصد الفلاسفة) ليصف ويشرح فيه جميع نظرياتهم من الوجهة العامة، ثم كتب تاليًا (تهافت الفلاسفة) ليُظهر ضعف براهين هذه الفلسفة وفساد نتائجها؛ مستندًا في كل ذلك إلى نظرية خاصة له في المعرفة، تدل -كما يقول الباحثان- على دقة المشاهدة، وعمق النظر، وقوة التفكير[18].
ويُعَدُّ كتاب “المنقذ من الضلال” للإمام الغزالي من أبرز كتب الحوار المعرفي الداخلي أو مع النفس، وقد بدأه بصورة حوارية ثم حكائية يقول فيها: (أما بعدُ، فقد سألتني أيها الأخ في الدين، أن أبثَّ إليك غايةَ العلوم وأسرارها، وغائلة المذاهب وأغوارها، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق [وهذا المفهوم يشير إلى تحول الحوار إلى اضطراب وتفارق في نهاية القرن الخامس الهجري]، مع تباين المسالك والطرق، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد، إلى يفاع [المكان المرتفع] الاستفسار، وما استفدته أولًا من علم الكلام، وما اجتويته ثانيًا من طرق أهل التعليم القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام، وما ازدريته ثالثًا من طرق التفلسف، وما ارتضيته آخرًا من طريق التصوف، وما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الحق، من لباب الحق، وما صرفني عن نشر العلم ببغداد، مع كثرة الطلبة، وما دعاني إلى معاودته بنيسابور بعد طول المدة…)[19].
رتَّب الغزالي حجته العريضة (وهو الذي عُرف بحجة الإسلام) بأن أقام -في نفسه وفي كتبه- حوارًا كبيرًا بين أقطاب معرفية كبرى احترم كلًّا منها: علم الكلام، والفلسفة، والتصوف. فشرح كلًّا منها، وأعطى كلًّا منها حقَه في التعبير عن مضمونه، دون أن يقلِّد قولًا، أو يكرِّر حجة لأيٍّ من هذه الحقول المعرفية؛ فلم يخضع العقل ومدركاته لعقائد الدين إخضاعًا جامدًا، ولا تابع الفلاسفة في حصر طريق الإيمان في قوانين العقل الفلسفية، ولم ينصرف كالصوفيين إلى ناحية الكشف والنظر الباطني أو الإشراق وحسب، إنما أقرَّ أولًا بما هو مسلَّم به؛ مثل أن علوم الحساب والهندسة والفلك والطبيعيات هي “علوم حقيقية لا شكَّ في صحة براهينها، وفائدة استنتاجاتها”، ثم ذهب إلى مساحات الاختلاف الكبيرة وسلَّط عليها ضوء الحوارية النقدية، والحجة والحجة المضادَّة، حتى تبيَّن له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر[20].
حرَّر الغزالي الحوارية العميقة التي كانت جاريةً بين مفاهيم العلم وأصول المعرفة العلمية، في الحقول المختلفة. فحرَّر مفاهيم الزمان والمكان بين المادي والمعنوي، والطبيعيات والاجتماعيات أو الإنسانيات، كذلك حلَّل مفهوم (السببية) المرتبطة بها المشاهدات والمقترنات في الطب والفلك، وفي الصناعات والحرف، مفرِّقًا بين “عند” و”بسبب”، فيما يتضمَّن أو يشبه نظرية “الاقتران” و”الكسب” عند الأشعري. وكما أشرنا، ردَّ عليه مِن بَعْدُ ابنُ رشد -في تهافت التهافت- بأنَّ إنكار السببية إنكار للعقل وإبطال للعلم، وللدين نفسه[21].
أجرى الغزالي حوارًا رائقًا بين العقليات والمحسوسات غايةً في الدلالة على حالة الشَّك حين تعتري الإنسان في إدراكه، وحين تُصاب نظرية المعرفة لديه في مقتل؛ ما بين الثقة بمصادر المعرفة وأدواتها، وعدمها: “فقالت المحسوسات بمَ تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات، وقد كنت واثقًا بي، فجاء حاكمُ العقل فكذَّبني، ولولا حاكمُ العقل لكنتَ تستمرُّ على تصديقي؟ فلعل وراء إدراك العقل حاكمًا آخر، إذا تجلَّى كذَّب العقل في حُكمه، كما تجلَّى حاكمُ العقل فكذَّب الحسَّ في حُكمه”[22]؟ ومن ثم كانت حوارات الغزالي من نوعية الهجوم والدفاع لكن من غير صخب الصراع؛ كانت هدمًا هادئًا، وبناءً وإحياءً راسخًا… فأَسقطَ ما آلت إليه الفلسفة، وأحيا حقيقة المتصوفة، ولزم العلم، وأعمل العقل، واتَبع الدين، من غير غلوٍّ ولا تفريط. لقد شعر بأنَّ هذه الطرق الفكرية التي سمحت بها الحضارة الإسلامية قد استوفت دَورها، من زمن، وأصبحت بعد ذلك عالةً على العقل المسلم وعلى وجدان الأمة، وخاصة الوجدان الديني والعقل الإيماني؛ فصار يدعو للحذر منها، لا لذاتها؛ ولكن لما آلت إليه وما تسبَّبت فيه.
وتشير تجربة الإمام الغزالي في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري إلى شعوره بتراكم معرفي احتشد بإشكاليات صارت تُثقل العقل المسلم، بينما خَفَّ منه ومِن حوله الجانب الروحي؛ ما صرفه إلى العزلة والمجاهدة وتقديم رياضات التصوف على منهجيات التعرُّف، فضلًا عن حجاجيات التفلسف. لكن، بين التفلسف والتصوف ظلَّ يجري خطُّ المعرفة والتعرُّف؛ وهو العلم.
راجع الغزالي نظرية المعرفة في عهده بين أربع فِرَق سمَّاها “أصناف الطالبين”؛ وهم: المتكلِّمون؛ أهل الرأي والنظر، والباطنية؛ أصحاب التعلُّم من الإمام المعصوم، والفلاسفة؛ أهل المنطق والبرهان، وأخيرًا الصوفية الذين يدَّعون أنهم خواص الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة. وراجعَ الغزالي علوم كل فرقة، فوجد علم الكلام صار خَوْضًا في (استخراج مناقضات الخصوم ومؤاخذتهم بلوازم مسلَّماتهم)؛ أي جدلًا. ووجد أنَّ الفلسفة انتهت إلى (خداع وتلبيس، وتحريف وتخييل)[23]. ولكنه أشار إلى أنَّ الفلاسفة كانوا يجمعون تحت إطارهم “الفلسفي” أكثر العلوم: الطبيعيات: الحيوان، والنبات، والتشريح، والمواد. ثم أشار إلى “أقسام علومهم” وأنها ستَّة: رياضية، ومنطقية، وإلهية، وطبيعية، وسياسية، وأخلاقية. والسياسات: جميع كلامهم فيها يرجع إلى (الحِكَمِ المصلحية المتعلِّقة بالأمور الدنيوية (والإيالة) السلطانية، إنما أخذوها من كتب الله المنزَّلة على الأنبياء، ومن الحكم المأثورة عن سلف الأنبياء. وأما الخلقية: وربطها بالصوفية وهم المتألهون المواظبون على ذِكر الله تعالى ومخالفة الهوى[24].
ومن ناحية أخرى، كتب الغزالي إحياء علوم الدين لكي يحفِّز العلم، ويبثَّ روح الإيمان والعمل في العلوم التي رآها أصابها الجفاف والذبول وربما الموت؛ مما كان له كبير الأثر في علماء عصره، واعتبره البعض نفخة روح في الأمة، أظهرت جيلَ صلاح الدين الذي أعاد القدس بعد أن سلبها الصليبيون وباعها الخائنون والخانعون[25]. لكنَّ التدقيق يكشف أنَّ من أبرز الاستجابات للإحياء بعث روح الاجتهاد لدى طلبة العلم، وتدريبهم عليه، وعلى الانتقال من الاقتصاد في الفقه على قدر التقليد إلى الاجتهاد من أجل الاستيعاب والتجديد. ولعلَّ هذا ما قام به ابن رشد الحفيد في كتابه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد)[26]. وقد جاء هذا الكتاب (بداية المجتهد) ليشير إلى الحقل المعرفي المنهجي الأساس في علوم الأمة، والذي سرى في كافة الحوارات المعرفية؛ مُنظِّمًا للعقول، ومُرتِّبًا للحجج والأدلة والاستدلالات؛ وهو علم أصول الفقه الذي ننتقل إليه في الفصل التالي. لكن قبل ذلك نشير إلى صورة شجرة العلوم الإسلامية إبَّان نضوجها في منتصف التاريخ الإسلامي.
3- شجرة علوم الحضارة إبَّان النضوج: حوارية التصنيف
هكذا رأينا ما فعله التفاعل مع حقل معرفي أجنبي على العرب -مثل “الفلسفة”- وتحركها من حوارية الرفض إلى القبول ثم إلى دورة أخرى من حوارية الانفصال والاتصال… رحلة حوار وسجال جديرة بالتأمل والتقدير، وملاحظة كيف تم اختراع “علم الكلام” من هذا السجال، وكيف تم إدخال “المنطق” في علوم التفسير والشرح وأصول الفقه والاستنباط الفقهي، رغم المعارضات. ومع هذا، فقد ظلت المعرفية الإسلامية تدور حول علوم الدين -وفي قلبها علم الفقه- دورات كاملة، دورات أنضجت في طريقها ثمرات شجرة كبيرة من علوم الدين وعلوم الإنسان والمجتمع، بل العلوم الطبيعية والحيوية أيضًا.
فالفقه هو أول العلوم الاجتماعية والإنسانية في الإسلام، جمعت مادته بين الشرعي (الأحكام والقيم والمقاصد والأركان والشروط والقواعد والضوابط التي تؤخذ من نص الوحي)، والوضعي (الشروط والأسباب والموانع والعقود والإرادات وعوارضها وغيرها التي تعرف من شواهد الواقع). وقد قام للفقه علمه المنهجي الذي صار منهج العقل الإسلامي العام؛ وهو علم أصول الفقه، وهو مجمع أنهر معرفية ثلاثة كبرى: العقيدة أو الكلام، والشريعة أو الفقه، والبيان أو اللغة العربية. وبدوران الجميع حول الوحي (النص ومعانيه)، بمنهجية أصول الفقه (مبانيه ومعامله ومفاعلاته المضمونية)، انتقل العقل المعرفي الإسلامي من قواعد القرآن والسُّنة وكليَّاتهما، إلى التقعيد العلمي والمعرفي (الاجتهادي) في سائر العلوم الإسلامية.
من ناحية أخرى، دارت المباحث العلمية في أكثر هذه العلوم بين أربع عمليات منهجية: التأصيل (الرِّواية، الدِّراية)، والتأويل (التفسير، الشرح)، والتحليل (عبر اللغة وعلومها الكثيرة، وفقه النفس والواقع)، والتفعيل (بالفقه / التقنين أو التشريع، قص السيرة، التأريخ، الدعوة، التربية والسلوك، السياسة، القضاء، الإفتاء، إدارة الأسواق، القيادة العسكرية أو فنون الحرب، فنون التجارة والاقتصاد، الأدب وفنونه الحياتية من الشعر والخطابة والغناء…). هذا، كما شهدت المعرفية الإسلامية عمليات تطوير وإبداع علمي؛ في مثل: علوم المصطلح، خاصة مصطلح الحديث ودلالته على فكرة “الوضع المعرفي”؛ أي الاصطلاح على أسماء وتسميات لم تَرِد من الوحي وإنْ تطورت في إطاره. وكذلك شهد الأداء المعرفي عملياتِ تنظيرٍ علمي عبر التعريفات، والتقسيمات، والتقعيد، وصياغة الأحكام الكلية، كما فعل علماء الأصول في علمهم هذا من لدن الشافعي، وكما فعل الجويني في الغياثي في السياسة الشرعية، وكما هي أكثر كتابات الغزالي وابن تيمية، وكذلك ابن خلدون. وفي مضمار هذا، تحرَكت الشجرة الفرعية لعلوم اللغة والآداب من البساطة إلى التعقيد، والتفريع، والتدقيق، والتنميق.
من مجموع ذلك، تشكَّلت منظومة العلوم الاجتماعية بين فقه الأحكام وفقه الواقع، عبر حواريات متعددة المستويات والأبعاد؛ في صورة: شجرة حقول رئيسية وفرعية، ومناهج بحث ونظر، وحواريات معرفية وواقعية مستمرة بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات التي برعت من قبل في السياسة والحكمة النفسية والاجتماعية. ويمكن إيجاز هذه الصورة أو المنظومة على النحو الآتي:
- ظهرت الكتابة السياسية من قلب كتاب الفقه العام أبوابًا متداخلة، حتى وصلت إلى مرحلة التأليف المتخصص على أيدي أئمة أمثال: شهاب الدين ابن أبي الربيع، وأبي الحسن الماوردي، ونظام الملك الحسن بن علي الطوسي، وإمام الحرمين الجويني، والإمام الغزالي، وأبي بكر الطرطوشي، وتقي الدين ابن تيمية، وابن قيِّم الجوزية، وصولًا إلى ابن خلدون ومدرسته. قدَّمت هذه الكتابات الأقرب إلى التخصُّص (إفراد الموضوع بتأليف مخصوص) تأطيراتٍ وتطويراتٍ مهمَّةً في أنظمة الحكم والإدارة العامة والعلاقة بين الدولة والمجتمع، وغيرها. ويعدُّ ما افتتحه الشيباني (محمد بن الحسن) في كتابه “السِّيَر الكبير”، وأملاه السرخسي شمس الأئمة، تقعيدًا مبكِّرًا للقانون الدولي وأصول العلاقات الدولية إسلاميًّا خالصًا بعيدًا عن القانون الروماني[27]؛ الأمر الذي سيبني عليه علماء الأتراك مِن بعدُ -إبَّان عظمة الدولة العثمانية- كتاباتهم عن “نظام العالم”[28].
- وكذلك الأمر في عالم الاقتصاد والأسواق؛ بَدْءًا من كتاب “الخراج” لأبي يوسف وكتب الخراج التي تلته، وصولًا إلى رسالة “الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلِّسين فيها” لأبي الفضل جعفر الدمشقي، إلى كتب الحسبة العديدة والمتنوعة التي طبَقت مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجال العام، وكتابات المقريزي في السياسات المالية والنقدية، كما في إغاثة الأمة[29].
- وتكاثرت كتب الاجتماع على يد الأئمة من المحدِّثين، مثل: عِشرة النساء للنسائي، وكتب العيال وغيرها لابن أبي الدنيا، وقضايا الحب والترفيه كما كتب فيها ابن الجوزي وابن حزم؛ وصولًا إلى ما كان يمثِّل كتب تربية وثقافة جنسية، مثل ما كتبه السيوطي في “كشف الوشاح عن فوائد النكاح”[30]. وسوف يتطرَّق الفصل الثالث من هذا الباب لتفصيلات أساسية وصل إليها المسلمون في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية.
- لكن، من علوم الشريعة وعلوم العمران تفرَّعت الشجرة إلى علوم الطبيعة والأكوان.فمن النقاشات الفلسفية تجلَّتفلسفة العلوم الطبيعية ابتناءً على عقيدة الخلق والتدبير الإلهيَّين، هدايةً إلى منهجية النظر في الآيات والتدبُّر واستنباط الحقائق. وأكَّدت النبوة -كما تقدَّمت الإشارة- أن ثمة أمرًا يسمَّى أمر دنياكم؛ حين قال النبي للصحابة في شأن الزرع وخبرته: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» (أخرجه مسلم)؛ ومن ثَمَّ تأكَّد دَور الخبرة والتجربة في الصناعات والزراعات وما إليه.
- ومن هنا، وعبر الحوار الثقافي مع الأمم الأخرى، تطوَّرت العلوم الطبيعية تطورات كبرى، وتشكَّلت شجرتها من علوم عديدة، منها: الفيزياء بما فيها من مباحث: الضوء، الديناميكا وآلات الحركة، ومباحث أخرى تطورت على يد المسلمين، كالحسن بن الهيثم الذي صاغ منهجًا للتفكير العلمي التجريبي الحر؛ عبر البحث، والتجريب، والاكتشافات، والتنظير العلمي وصياغة النظريات، والاختراعات في آلات الإبصار والعدسات وآلات الحركة والنقل وحمل الأشياء، وبناء السدود المائية والقناطر[31].
- وكذلك علوم الطب والتشريح الحيواني، والصيدلة، والأدوية، والنباتات. يقول د. إبراهيم مدكور تحت عنوان “الطب العربي”: “أخذ هذا الطب وأعطى؛ أخذ عن طب اليونان، وعن بعض البحوث الطبية في فارس والهند، وأضاف إليها ما أضاف وأضحى طبًّا عربيًّا خالصًا. أعطى الثقافات المعاصرة له من سريانية وعبرانية ولاتينية، وأفادت منه ما أفادت عمرًا طويلًا. فقد ظهر في القرن الثامن الميلادي، وامتدَّ إلى التاريخ المعاصر، ودُرِّس في بعض المعاهد الأوربية إلى القرن السابع عشر، وكان عماد الدراسات الطبية في بعض المعاهد العربية [لعلها: الغربية] إلى أخريات القرن التاسع عشر، ولا يزال يعوَّل عليه حتى الآن في باكستان. ويلاحظ كامل حسين بحق أنه فيما بين القرن الثامن والقرن الخامس عشر الميلادي، لم يعرف طبٌّ في العالم إلا الطب العربي”[32].
- وتطوَّرت مباحث الكيمياء، وبرز فيها كواكب متتالية من لدن أبي بكر الرازي، الذي نقل المجال الطبيَّ من طب جالينوس إلى تطويرات تُنسب إلى الحضارة الإسلامية كما يعبِّر عنها ابنُ أبي أصيبعة وغيره. وكذلك فعل جابر بن حيان في عالم الكيمياء ومعاملها وتجاربها. وحفَ بهم الفقه وعلم الكلام من أجل مقاومة الخرافة التي ترتبط بالكيمياء، والانتصار للبحث العلمي الإيماني (مسألة السيمياء بين العقيدة والشريعة والأخلاق العلمية). وما ينبغي التأكيد عليه أنه لا الفقه ولا الفقيه -الذي هو قلب المعرفية الإسلامية- حارب أيًّا من الفلكي أو الفيزيائي أو الكيميائي، وما يُذكر من حرب الفقيه على الكيميائي إنما كان دفاعًا عن الكيمياء العلمية وضد سيمياء الخرافة والمتلاعبين بعقول الناس وعقيدتهم، الناهبين أموالهم؛ باسم تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفسية[33].
- وقد بلغ المسلمون في الفلك مبلغًا كبيرًا بفعل تكافل التخصصات، وظهرت اختراعات خاصة بهم من مثل: البوصلة والأَصْطُرْلاب، واكتشاف مجموعات نجمية وتطوير المدركات الكونية المفتوحة قبل أن تعرف أوربا شيئًا عن ذلك بقرون. وجاء بعده البيروني فقدَم نموذجًا مبهرًا في مواصلة حوار العلوم والمعارف مما يَحسُن إبرازه في فقرة خاصة.
- وتطورت -في حوار مع هذه المنظومة من العلوم الطبيعية والحيوية- علومُ الرياضيات، ومباحثها: الجبر، والهندسة، وحساب المثلثات، ومعها الفلك والهيئة، ونبغ فيها أمثال محمد بن موسى الخوارزمي (ت:232ه)؛ وهو الذي أدخل الأرقام الهندية إلى العرب، ويقال هو مَن اخترع “الصفر”، وأنشأ إنشاءً علم الجبر Algebra في كتابه (حساب الجبر والمقابلة)، ومنه إلى أوربا إبَان نهضتها، ومن اسمه عُرفت الخوارزميات (اللوغاريتمات)، وعمل بفترة شبابه في دار الحكمة (House of Wisdom) تحت خلافة الخليفة العباسي المأمون؛ إذ كان الخوارزمي ورفاقه -من بني موسى بن شاكر مثلًا الذين سبق ذكرهم- من علماء دار الحكمة التي كان لها الأثر الكبير في ازدهار علمه. واشتُهرت دار الحكمة آنذاك بترجمة الأطروحات والكتب العلمية والفلسفية، وبالأخص الكتب اليونانية الأصل ونشرها، وقد درس الخوارزمي ورفاقه في دار الحكمة علم الجبر، والهندسة، والفلك. وأهدى الخوارزمي أُطروحتين في علم الجبر والفلك من تأليفه للخليفة المأمون الذي اهتمَّ كثيرًا بالعلم والعلماء. وطوَّر الساعة الشمسية التي تنقَّلت بين سائر البلدان، وصارت عالمية. وفي علم الجبر استوعب الخوارزمي تراث الأمم السابقة والعتيقة، مثل: البابليين، والهلينستيين والعبرانيين، فضلًا عن الهندوس. ومن باب الحوار بين العلوم إلى درجة بناء شبكة علاقات معرفية متكاملة، فوصل الخوارزمي الحساب بالجبر، والجبر بحساب المثلثات، والأخير بالفلك والجداول والمواقيت الفلكية، ثم بالجغرافيا، ثم وصل ذلك كله بالفقه الإسلامي وقضاياه في العبادات والمعاملات؛ مثل: حساب مواقيت الشهور للصيام والحج ومواقيت الصلوات، ومعرفة اتجاه القبلة من بعيد وفي المواقع المختلفة، وحساب الفرائض أي المواريث… وهكذا[34].
- وثمة خوارزمي آخر اسمه محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي (ت: 387 هـ/ 997 م)، غير مشهور كالأول وإن جاء في القرن التالي له. وضع كتابًا موسوعيًّا صغيرًا بعنوان (مفاتيح العلوم) شرح فيه خمسة عشر حقلًا معرفيًّا معروفة في زمانه، وقسمه قسمين؛ شمل الأول: الفقه، الكلام، النحو، الكتابة (الدواوين)، الشعر والعروض، الأخبار، وشمل الثاني: الفلسفة، المنطق، الطب، الأرتيماطيقي (الحساب)، الهندسة، علم النجوم، الموسيقى، الحيل، الكيمياء. وقسَمَ كلَ حقل منها إلى عدد من الفصول التي تستوعب -في نظره- موضوعات هذا العلم، وخاصة أهم مصطلحاته. مثلًا في حقل الكتابة: (الباب الرابع: في الكتابة. وهو ثمانية فصول: الفصل الأول: في أسماء الذكور والدفاتر والأعمال الفصل، الثاني: في مواضعات كتاب ديوان الخراج، الفصل الثالث: في مواضعات كتاب ديوان الخزن. الفصل الرابع: في ألفاظ تستعمل في ديوان البريد، الفصل الخامس: في مواضعات كتاب ديوان الجيش، الفصل السادس: في ألفاظ تُستعمل في ديوان الضياع والنفقات، الفصل السابع: في ألفاظ تستعمل في ديوان الماء. الفصل الثامن في مواضعات كتاب الرسائل”[35].
ويعد كتاب مفاتيح العلوم إشارة مبكرة إلى قضية تصنيف العلوم وبناء شجرتها وتصفيفها، ودليلًا على نضوج فكرة التخصص، مع التواصل بين العلوم والمعارف. وقد كانت هذه حوارية أخرى تداخل فيها تصنيف العلوم مع تعارف الثقافات. ويمكن توضيح هذه الجزئية بالنظر في تجربة عالِم من علماء القرن الخامس الهجري؛ هو أبو الريحان البيروني.
4- حوارية موسوعية المعارف والثقافات: البيروني نموذجًا
في الرياضيات أيضًا نبغ أبو الريحان البيروني (ت: 440هـ/1048م)، الفارسي المولد، الذي يعدُّ أنموذجًا لممارسة حوار العلوم والثقافات بشكل كبير عابر للتخصصات المعرفية، ومستوعب للخلافات العقيدية، وفي الشرق الهندي، على غير السائد في التفاعل مع ميراث الفرس واليونان. فقد زار الهند أثناء الفتوح مع الغزنويين، ثم تردَّد عليها وأقام فيها زمنًا، وتعلَّم السنسكريتية؛ لغةَ العلم والفلسفة في الهند، ونقل من هذه اللغة إلى العربية كتابَي “باتنجل” (أو جوكاسوشرا)، و”سانك”، اللذين يصوران الفكر الهندي[36]. وبعد أن استوعب ثقافة الهند كتب عنها وعن ثقافتها ودياناتها وفلسفاتها ومجتمعها في كتابه (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة)، وطبَّق عليها المنهجية التي سينشدها ويشيِّدها ابن خلدون من بعدُ في تحقيق الأخبار بالعقل والبراهين قبل القول بأنها مقبولة أو مرذولة، كما يدل عنوان كتابه، الذي “يعدُّ من أوثق المصادر في تاريخ الثقافة الهندية؛ فيه تاريخ وجغرافيا، وصف لعادات وتقاليد، أدب ولغة، دين وفلسفة، علم وفن، ونصب قسط كبير منه على الفلك والتنجيم”[37].
ومما يذكر للبيروني وغيره في الحوار المعرفي والثقافي فكرةُ التعريب؛ أي الاحتفاظ باللفظ الأجنبي إذا كان أبلغَ في الدلالة. وبرزت فيه أخلاق الإسلام في الحوار؛ من الصدق والأمانة في النقل، مهما كان الاختلاف مع المنقول؛ كعقائد البراهمة والبوذية، ثم الإنصاف في الحكم وعدم التعصُّب أو التحامل.
ومن ناحية أخرى، تدل جهوده في الرياضيات والفلك وغيرها على عقل علمي ناضج قياسًا على أصول المنهجية العلمية المعروفة؛ “فهو مولع بالمشاهدة والملاحظة، يبحث عن الوقائع ويحرص الحرص كله على تمحيصها وتسجيلها. يجتهد ما وسعه الجهدُ في الوصول إلى المصادر الأولى، ولا يقنع بالسماع، ويردِّد العبارة المشهورة: “ليس الخبر كالعيان”. يحكِّم عقله فيما يسمع ويرى، فيرفض الأقاصيص والخرافات، يختار الأدق والأوثق، وإن كان في عرضه للديانات الهندية يُؤْثِر المنهج الوضعي على النقدي: يقارن ويوازن، فيربط الثقافة الهندية بالثقافتين العربية واليونانية… يقول د. إبراهيم مدكور: “ولِلُغةِ الأرقام وزن خاص في نظره، ويلجأ إليها ويستعين بها ما أمكن، وكأنما يريد أن يعبر عن كل شيء بالرقم حتى في الدراسات الاجتماعية والإنسانية”[38].
ويصف د. مدكور موسوعية البيروني التي جمعت بين الثقافة الدينية الإسلامية -باعتبارها أساسَ التكوين المعرفي ساعتها- والثقافة الفلسفية الواسعة التي شاعت في زمنه (عاصر ابن سينا)، وكذلك علم الكلام وفلسفة التصوف، والتاريخ خاصة تاريخ الثقافات، فهو مؤرخ كبير يشهد له كتاباه “الآثار الباقية عن القرون الخالية”، و”تحقيق ما للهند…” المشار إليه. ومما يجدر ذكره أن البيروني اعتمد منهج / أسلوب المقارنة بين الفلسفات والمعارف بصورة واسعة؛ بين معارف وثقافات: الهند، فارس، اليونان، فضلًا عن الثقافة العربية الإسلامية، وكذا الديانتين المسيحية واليهودية، وبين المذاهب الفكرية كذلك، ويجري بينها حوارات التأثير والتأثر[39].
وأخيرًا، فإنَ قراءة سِيَرَ أعلام علماء هذه الحضارة، وتجلِّي موسوعيتهم، وجمع الواحد منهم بين البراعة في حقول معرفية عديدة، ومعرفته بالعديد من لغات العلم غير العربية، على تنوع أجناسهم وبيئاتهم الجغرافية بين قارات العالم القديم ومعظم بلدانه؛ لَمِمَّا يكشف ويؤكِّد تأصُّل الحوارية المعرفية والحضارية في هذه الحضارة.
وهكذا اتَّصلت واجتمعت وانتظمت في شجرة واحدة: علوم الدين والإنسان والمجتمع والكون، قبل أن تتراجع هذه المسيرة وتتفكك شجرتها وتخفُت حواراتها. لقد تراجع ذلك مع تراجع قوة المعرفة الدينية الوسيعة والعميقة، وتراجع عزيمة البحث والنظر، وتراجع حركة الحضارة وقيم السياسة ونظم الاقتصاد، وبالأخص تراجع نُظم التربية العلمية والثقافة المعرفية.
وبعدُ، فإن الحوارية تواصل لا انقطاع، والحوارية اجتهاد لا تقليد ولا تبعية، والحوارية تواضع علمي لا ترفُّع فيه ولا استعلاء، والحوارية تسامحٌ وقَبولٌ وأخذٌ ورَدٌّ، والحوارية تأييد وتفنيد، ونقد وبناء… وهكذا.
قائمة المراجع
* هذا المقال جزء من البحث الثاني الفائز بجائزة قطر العالمية لحوار الحضارات- الدورة الرابعة. انظر: مدحت ماهر الليثي، حوار المعارف والثقافات وبناء العلوم الاجتماعية: من الخبرة الحضارية إلى تجاوز الأزمة المعاصرة، (جامعة قطر: مطابع الدوحة الحديثة، 2024).
[1] محمد لطفي جمعة، تاريخ فلاسفة الإسلام: دراسة شاملة عن حياتهم وأعمالهم ونقد تحليلي عن آرائهم الفلسفية، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط2، 2008، ص33-34.
[2] لطفي جمعة، المرجع نفسه، ص6، وراجع: إبراهيم مدكور، في الفكر الإسلامي، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، صص136-137.
[3] هو الذي تزوج المأمون ابنته بوران وصار وزيرًا للمأمون بعد وفاة أخيه الفضل بن سهل الملقب بـ”ذي الرياستين” سنة 202هـ، واستمر الحسن في الوزارة حتى سنة 205هـ تقريبًا، وتوفي سنة 236هـ.
[4] محمد لطفي جمعة، تاريخ فلاسفة الإسلام، مرجع سابق، صص8-10.
[5] لطفي جمعة، المرجع نفسه، صص10-11.
[6] لطفي جمعة، المرجع نفسه، صص11-13.
[7] لطفي جمعة، المرجع نفسه، صص14-15.
[8] لطفي جمعة، المرجع نفسه، ص2.
[9] المرجع نفسه ص15.
[10] المرجع نفسه، ص16.
[11] لطفي جمعة، المرجع السابق، ص54.
[12] عبد الرحمن بدوي، الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام، القاهرة: مركز عبد الرحمن بدوي (تحقيق وتقديم) للإبداع، ط1، 2011، ص72.
[13] من أمثال د. محمد عابد الجابري في مجموعته (العقل العربي)؛ سواء في العقل السياسي العربي، أو العقل الأخلاقي العربي، محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط4، 2000.
[14] عبد الرحمن بدوي، مرجع سابق، ص7-8.
[15] المرجع نفسه، ص22.
[16] انظر: أبو حامد الغزالي: تهافت الفلاسفة، تحقيق: سليمان دنيا، القاهرة: دار المعارف بمصر، ط4، 1966. ابن رشد، تهافت التهافت: انتصارًا للروح العلمية وتأسيسًا لأخلاقيات الحوار، تقديم وشروح: محمد عابد الجابري، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، وراجع المدخل العام الذي كتبه د. الجابري لترى كيف تتمدد الحوارات الصراعية من القديم إلى الحديث، وتوظف لتصفية حسابات معرفية بطرق أيديولوجية مستحكمة، صص15-56.
[17] وكذلك فعل ابن تيمية في كثير من أعماله؛ ومنها نقضه المنطق، ونقده كتاب الرسالة للقشيري في كتابه الاستقامة. وفي المقابل استمر النوع الآخر من الكتابة العلمية؛ وهو ما عُرف بالشروح والحواشي على المتون؛ وهو تتبُّع الكاتب لمَتنٍ كتبه كاتب آخر بالشرح والاستدلال له والتعليق عليه، وكثر ذلك في الحضارة الإسلامية، ويعتبر نوعًا من الحوار المعرفي الرابط بين الأجيال المتعاقبة، والواصل بين القديم والجديد بالاستحضار والتجديد، مع مراعاة نقل العلم القديم للعوام والطلبة المحدثين. ومنه مثلًا كتاب “مدارج السالكين” الشهير لابن القيم (750هـ)؛ فهو شرح من سلفي أثري على كتاب “منازل السائرين” للإمام الصوفي أبي إسماعيل الأنصاري الهروي (ت:481). ذلك فضلًا عن الشروح الفقهية واللغوية التي لا حصر لها، وغيرها.
[18] أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال، حققه وقدم له: جميل صليبا، كامل عياد، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت: د.ت. مقدمة صليبا وعياد.
[19] الغزالي، المرجع نفسه، صص77- 78.
[20] الغزالي، المرجع نفسه، مقدمة صليبا وعياد، ص16.
[21] الغزالي، المرجع نفسه، مقدمة صليبا وعياد، ص ص19- 20.
[22] المرجع نفسه، ص86.
[23] المرجع نفسه، ص95.
[24] الغزالي، المرجع نفسه.
[25] ماجد الكيلاني، هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس، هيرندن-فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1994، ص ص 107-197.
[26] انظر: ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق: ماجد الحموي، بيروت: دار ابن حزم، 2016، 4 مجلدات.
[27] راجع: حامد عبد الله ربيع، مدخل في دراسة التراث السياسي الإسلامي، تقديم: سيف الدين عبد الفتاح، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007، جزءان. وانظر: نصر محمد عارف، في مصادر التراث السياسي الإسلامي: دراسة في إشكالية التعميم قبل الاستقراء والتأصيل، تقديم: منى أبو الفضل، القاهرة، هيرندن-فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1994. و: مدحت ماهر الليثي، فقه الواقع في التراث السياسي الإسلامي: نماذج فقهية وفلسفية واجتماعية، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2015.
[28] انظر: نجم الدين بيرقدار، الدولة العثمانية: حضارة وقانون، بيروت: الدار العربية للموسوعات، 1435هـ/2014م.
[29] انظر: أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي، الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها، اعتنى به: محمود الأرناءوط، بيروت: دار صادر، 1999. تقي الدين المقريزي، إغاثة الأمة بكشف الغمة، تحقيق: كرم حلمي فرحات، القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1427هـ/2007م.
[30] جلال الدين السيوطي، الوشاح عن فوائد النكاح، تحقيق: طلعت حسن، دمشق: دار الكتاب العربي، د.ت. وهو كتاب في التربية الجنسية ذكر في مطلعه كثرة المؤلفات حتى عصره في هذا المجال، وأنه هو نفسه كتب فيه أكثر من كتاب.
[31] عن الحسن ودوره في البحث العلمي وصياغة الإجراءات الأساسية له، انظر: أحمد سعيد الدمرداش، الحسن بن الهيثم، القاهرة: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، 1969. ودراسة د. عبد الحميد صبرة عن ابن الهيثم في مقدمة كتاب المناظر، وأيضًا في مقدمة كتاب كمال الدين الفارسي في تنقيح المناظر.
[32] إبراهيم مدكور، في الفكر الإسلامي، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008، ص133.
[33] انظر: علي جمعان الشكيل، الكيمياء في الحضارة الإسلامية، القاهرة: دار الشروق، 1409هـ/1989م، صص113-133.
[34] انظر مقدمة علي مصطفى مشرفة ومحمد مرسي أحمد لكتاب: الخوارزمي، كتاب الجبر والمقابلة، القاهرة-الجامعة المصرية: مطبعة بول باربيه، 1937، صص1-14. وانظر: إبراهيم مدكور، مرجع سابق.
[35] محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي، مفاتيح العلوم، تحقيق: محمد كمال الدين الأدهمي، القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2020، (الطبعة الأصلية 1930)، ص43. ويلقب أحيانًا بالطبري، وبالطبرخازمي، وعمل مع السامانيين في بخارى.
[36] إبراهيم مدكور، في الفكر الإسلامي، مرجع سابق، ص93.
[37] مدكور، المرجع السابق، ص94.
[38] مدكور، المرجع السابق، 94.
[39] مدكور، المرجع السابق، صص95-101.








