من سلامة البحث إلى سلامة الفاعل المعرفي: نحو تأصيل مقاصدي لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي

ملاحظة: تم استخدام الإنترنت في إعداد هذا البحث

مقدمة

تبدو هذه العبارة غريبة اليوم ذلك لأنه صار من غير المعتاد عدم استخدام شبكة الإنترنت في إعداد الأبحاث. لكن منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا كان الإنترنت يُنظر إليه بكثير من التحفظ في الحقل الأكاديمي خاصة في ما يتعلَّق بالنشر من خلاله، فكانت الثقافة العامة هي أن نشر الأبحاث العلمية على الإنترنت يحمل قيمة أقل من النشر في المصادر الورقية المطبوعة خاصة في ما يترتب على ذلك من ترقيات[1]. كان الوقت كفيلًا بتغيير المعادلة مع توسع المؤسسات التعليمية في استخدام الإنترنت واستقرار العرف الأكاديمي على معايير تقييم المصادر وآليات الاستشهاد وخلافه.

حدث هذا بالأمس القريب مع الإنترنت ويبدو أننا في خضم موجة مماثلة في عصر الذكاء الاصطناعي. ويبدو أنه تاريخيًّا كانت التقنيات الجديدة في بدايتها تثير أسئلة عن النزاهة والثقة، ثم تتحول لاحقًا إلى جزء طبيعي من البنية البحثية كما حدث في اختراع الآلة الحاسبة وبرامج الإحصاء قبل ظهور الإنترنت. ولكن هناك سؤال جوهري وهو: هل الذكاء الاصطناعي ما هو إلا تقنية حديثة تضاف إلى قائمة التقنيات التي تعمل كأدوات مساعدة للباحث للوصول للمعرفة، أم أنه يختلف لأن له قدرة على إنتاج وصياغة وتحليل وتركيب المعرفة ومن ثم يثير قضايا أخلاقية تختلف جذريًا عن تلك التي قد أثيرت من قبل؟ وما هي الرؤية الأخلاقية خلال سنوات قليلة قادمة إذا -أو عندما- يستقل الذكاء الاصطناعي بإنتاج المعرفة ويصبح الإنسان مستهلكًا لها؟

إذا كان تفويض بعض الوظائف الذهنية إلى وسيط تقني، كالآلة الحاسبة في خضم بحث أشمل أو الإنترنت كباحث عن المؤلفات، ليس أمرًا جديدًا في تاريخ المعرفة، فما حدود هذا التفويض إذا كانت الأداة في طريقها لتحلَّ محلَّ العقل البشري؟ وما هي مسؤولياتنا الأخلاقية في توصيف هذا “البعض” قبل أن يتحول إلى كل؟ وهذا يسوقنا إلى سؤال أعم وأهم وهو هل الهدف هو إنتاج المعرفة في حد ذاتها، أم صون الإنسان وعقله كخليفة للرب على أرضه؟

ينطلق هذا البحث المقتضب من أن جانبًا كبيرًا من النقاش حول أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي يتركز على سلامة المنتج البحثي من حيث دقته وصحة عزوه ومسؤولية الباحث عنه. غير أن قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء وظائف تدخل في صميم النشاط المعرفي للباحث تستدعي مستوى آخر من النظر الأخلاقي يتعلق بسلامة الفاعل المعرفي نفسه. من هنا يطرح البحث سؤاله الجوهري: متى يكون تفويض وظيفة معرفية للذكاء الاصطناعي تعزيزًا لعقل الباحث، ومتى يتحول إلى تفويض يهدد تكوُّن فاعليَّته المعرفية أو استمرارها؟ ويقترح البحث، من منظور مقاصدي، النظر في حفظ العقل بما يشمل حفظ الفاعلية المعرفية للباحث، والتمييز بين التفويض الذي يعزِّز قدرتَه والتفويض الذي قد ينتقص من استقلاله في الحكم والتحليل والتركيب. ويقوم هذا البحث على النظر في المفاهيم وبناء حكم معياري عليها، مبتدئًا بمقارنة تاريخية ببعض التقنيات والوسائط المعرفية السابقة للكشف عن أنماط التفويض التي نشأت تاريخيًّا بين الإنسان والأداة وحدودها، ثم تنتقل إلى تحليل ما يميز النماذج اللغوية من قدرة على الدخول في مراحل متعدِّدة من العملية المعرفية، بما يثير سؤال الانتقال من التفويض الوظيفي المحدود إلى التفويض المعرفي، لتنتهي إلى جعل هذا المقصد معيارًا للنظر في حدود الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي في البحث العلمي.

الشك الملازم للتقنية الحديثة

إذا تتبعنا التطورات التقنية التي عايشها الباحث عبر الزمن القريب نجد أن جلها لا تعدو أن تكون أدوات مساعدة يستعين بها الباحث فتسهل له أمرًا عادة ما يستغرق وقتًا ومجهودًا أكبر في إنجازه، مما يمنح الباحث القدرة على تطوير البحث بصورة أكثر فاعلية. هنا الباحث يكون هو قائد البحث والمفكر الذي يصوغ الفكرة وقد يستعين بهذه الأدوات، تمامًا كالجرَّاح الذي تمكَّن من الوصول لمواطن دقيقة داخل المريض مع إدخال المجهر الجراحي؛ إذ مكَّن الجرَّاح من رؤية تراكيب دقيقة والتعامل معها بدرجة لم تكن تُتيحها الرؤية المجردة. ولم يكن تقبُّل هذه التقنية فوريًّا؛ فعندما بدأ استخدام المجهر في الجراحات الدقيقة، علَّق أحد رؤساء أقسام جراحة الأوعية الدموية البارزين على أحد التطبيقات المبكرة بقوله: “هذا عمل جيد جدًّا، ولكن من السخف ببساطة إدخال مجهر إلى غرفة العمليات،” ويعلّق مؤلفو الدراسة على ذلك بأن “الجراحة المجهرية لم تحظَ بقبول عام في بدايتها”[2].

كذلك، الوسائط التقنية في البحث استُقبلت في بدايتها ببعض من الريبة والتريُّث، وهذه مرحلة تسبق السؤال عن الأخلاق العلمية للتعامل مع وسيط المعرفة الجديد، فبعد أن شكَّك الباحث في فاعلية أو نزاهة التقنية الجديدة قام باستخدامها ومن ثم تقنين ذلك ووضعها في إطار خدمي للعقل البشري.

فهذه الكتابة كوسيط خارجي بين العقل والنص قُوبلت بقلقٍ من الاتِّكال على المكتوب وضعف الحفظ. في كتابه تقييد العلم نص الخطيب البغدادي على أنه “ونُهي عن الاتكال على الكتاب، لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عُدم الكتاب قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان”[3]، كما نُقل عن الإمام التابعي ابن شهاب الزهري قوله “كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا ألا نمنعه أحدا من المسلمين”[4].

وكذا في الطباعة كان الخوف من مشكلة الدِّقَّةِ وصحَّة النسخة والِنسبة. ففي عهد الدولة العثمانية تمَّت إجازة مشروع إبراهيم متفرقة للطباعة طبقًا لفتوى شيخ الإسلام يني شهيرلي عبد الله أفندي سنة ١٧٢٧ وهو المشروع الذي اقتصر في بدايته على طباعة كتب من قبيل المعاجم والمنطق والتاريخ والفلك والجغرافيا، مستثنيًا كتب الفقه والتفسير والحديث والكلام وكان هذا مقرونًا بتعيين علماء لمراجعة المطبوعات وضبطها قبل تداولها[5]. ولا تصرِّح هذه الوثائق بسبب محدَّد لاستثناء العلوم الدينية، إلا أن ديبراتو[6] يرى أن تكرار هذا الاستثناء، بدءًا من مقترح متفرقة ووصولًا إلى الوثائق الرسمية، يشير إلى وجود تحفظات دينية فعلية تجاه الطباعة وحساسية خاصة إزاء إخضاع العلوم الدينية لهذه التقنية الجديدة، وإن لم تُفَصِّل الوثائق طبيعة تلك المخاوف. وفي الوقت نفسه، يكشف اشتراط المراجعة والتصحيح وتعيين العلماء لهذه المهمَّة عن وعيٍ مبكِّر بأهمية ضبط النص والحدِّ من انتقال الأخطاء في نسخه المتعدِّدة[7].

ومع خفوت الموقع الحضاري للعالم الإسلامي في إنتاج العلم والتقنية، لم يعد المسلمون في الغالب يواجهون التقنيات الجديدة في لحظة تشكُّلها، حيث يمكن مساءلة مشروعيَّتها وشروط إدماجها، بل أصبحوا يستقبلونها بعد أن تكون قد اكتسبت قدرًا كبيرًا من الاستقرار والانتشار، فيتحول السؤال من هل وكيف ينبغي أن تدخل هذه التقنية إلى مجال المعرفة؟ إلى كيف نلحق بها ونحسن استخدامها؟ ومن اللافت أن الأكاديميين الغربيين أنفسهم، حين كانوا في لحظة التماس الأولى مع الإنترنت والنشر الإلكتروني، طرحوا أسئلة قريبة من أسئلة المشروعية والثقة؛ فقد ظلَّ النشر الإلكتروني في منتصف التسعينيات موضع شك من حيث جديته ومكانته داخل النظام العلمي حتى إن بعض العلماء “كانوا يستشعرون في الوسائط الإلكترونية شيئًا غير راسخ وقابلًا للزوال؛ شيئًا شبحيًّا، سطحيًّا، غير حقيقي، ومن ثم غير جدير بالثقة”[8] كما “ظل كثير من الباحثين متشككين في جدوى الإنترنت فيما يتجاوز الترفيه وتوفير المعلومات العامة”[9].

وما بين الطباعة والإنترنت اختراعات تقنية أخرى كثيرة منها الآلة الحاسبة، وبرامج الإحصاء، ومحركات البحث، وقواعد البيانات، ويبدو أن التفاعل المبدئي للباحث معها كان أيضًا مليئًا بالشكِّ والريبة في فاعليَّتها ومتى أثبتت فاعليَّتها، برز سؤال التفويض: ما الذي يمكن تفويضه إلى هذه الأداة الوسيطة بما لا يفقد الباحث سلطته على المخرج البحثي.

وبمرور الوقت استقر التعامل مع هذه التقنيات على أعراف تضبط موقعها من العملية البحثية؛ فالأداة قد تختصر الوقت والجهد، وتعين الباحث في الحساب أو الاسترجاع أو المعالجة أو الترجمة، لكنها لا تصبح بذاتها مصدرًا للحقيقة، ولا تعفي الباحث من التحقق من مخرجاتها، ولا تقطع سلسلة الإسناد إلى المصدر الأصلي، ولا تنقل إليها المسؤولية عن النتيجة. ومن ثم استقر نوع من التفويض الوظيفي المحدود: يفوض الباحث إلى الأداة مهمة بعينها، مع احتفاظه بسلطة الاختيار والتفسير والتحقُّق، وبالمسؤولية النهائية عمَّا يخرج باسمه. وبعبارة أخرى، ظلَّت الأداة تعمل في خدمة العملية العقلية للباحث دون أن تستقلَّ عنه بالحكم المعرفي أو بتحديد معنى النتيجة. والمهم ليس أن كلَّ تقنية قُوبلت بالخوف، بل إن المجتمع العلمي رسم لاحقًا حدودًا لما يجوز تفويضه إليها. فهل يندرج الذكاء الاصطناعي ببساطة ضمن هذا التاريخ من التفويض الوظيفي، أم أنه يكسر العرف الذي استقرَّ عليه؟

الذكاء الاصطناعي: ليس كأي تقنية

سأتجاوز تعريف الذكاء الاصطناعي وطريقة عمله لأهل التخصص، ولكن في إطار هذا البحث دعونا ننظر إلى نماذج اللغة (LLM) المنبثقة عن الذكاء الاصطناعي باعتبارها “ببغاءً احتماليًّا” (Stochastic Parrot) – وهو مصطلح مشهور في مجال النماذج اللغوية – تدرَّب على كم هائل من النصوص؛ فهو لا يفهم ما يقول بالمعنى الذي يفهم به الإنسان لكنه بارع إلى حَدٍّ مذهل في التقاط الأنماط اللغوية وتوقُّع ما يرجَّح أن يأتي تاليًا، حتى تبدو مخرجاته أحيانًا كما لو أنها صادرة عن إنسان على قدر كبير من الفهم[10].

إذا كانت التقنيات السابق ذكرها تؤدِّي وظيفة محدَّدة ضمن عدد أكبر من الوظائف المنوط بها الباحث لتخريج بحث علمي عن سؤال بحثي محدد، فإن الذكاء الاصطناعي قادر على الدخول في سلسلة العمل المعرفي نفسها، فيستطيع أن يطرح السؤال ويبحث ليجد المصادر ذات الصلة، ثم يقرأ المصادر بعناية ويحلل محتوياتها ويستخرج منها ما يرتبط بالسؤال البحثي ويلخِّص ويُعيد صياغة هذه الأفكار ثم يركِّب المخرجات جنبًا إلي جنب ليبني حجة ثم استنتاجًا وأخيرًا يضبط النصَّ البحثي النهائي في أي صورة علمية مطلوبة. وهذا يعني أن الباحث قد يطلب من الذكاء الاصطناعي أن يكتب بحثًا عن آخر المستجدات في علم ما وينتظر النتيجة بلا أي تدخل في العملية. صحيح أننا نعيش مرحلة لا يزال فيها التطوير مستمرًّا ولا تخلو النتائج من العوار وتتطلَّب الكثير من التدخُّل البشري لضمان نتيجة مناسبة، لكن هناك احتمالية أن الأمر مسألة وقت لأن وتيرة التطوُّر سريعة جدًّا.

في ظاهر الأمر يقوم الباحث بتوجيه الذكاء الاصطناعي للمساعدة في بحث مسألة علمية وكتابة بحث علمي رصين يقدم مخرجات ذات قيمة، بينما في حقيقة الأمر فإن مستخدمًا مبتدئًا للحاسب الآلي أشار إلى ببغاء فنطق ببعض الكلمات؛ فالذكاء الاصطناعي قادر على أداء وظائف بحثية كان يعد أداؤها دليلًا على النشاط الفكري للباحث وتطور هذه التقنية يشير إلى مستقبل قد تستقل فيه بتطوير الأبحاث العلمية دون حاجة إلى تدخل بشري. وهذا يضعنا أمام قضية أشمل من مناقشة الأخلاق العلمية الواجب اتباعها حال استخدام الذكاء الاصطناعي اليوم وهي: هل سلامة المنتج العرفي هو المقصد أم أن سلامة وتطور الفاعل المعرفي – العقل البشري – هو غاية أسمى وأجل من نشر مئات الأبحاث الصحيحة أو حتى تطور حقل علمي بصورة غير مسبوقة؟

الأخلاق البحثية: لا جديد تحت الشمس

آداب وأخلاقيات البحث العلمي في التعامل مع الذكاء الاصطناعي لم تتغيَّر كثيرًا في أصلها عن تلك المتبعة مع الإنترنت ومن قبله المواد الورقية المطبوعة. في جميع الحالات يجب على الباحث الالتزام بأمانة النقل من حيث العزو الصحيح للمصدر، وعدم تحريف النقل، والتثبت من مصدر المعلومة، وعدم التحيُّز. فهذا الأصل نابع ومؤصَّل في الثقافة الإسلامية وبنيت عليه أصول الدين من قرآن وسنة بل وتشدَّد فيها علماء الإسلام ووصلوا فيه درجة من الإتقان لم يصل إليها علماء الغرب في أعلى نقطة في حضارتهم من حيث التثبُّت ليس فقط من سلسلة الرواة في الحديث مثلًا ولكن من أخلاق الراوي بل ومخالطته بما يكفى للتثبُّت ممن يشهد له الناس به من حسن الخلق ودقة النقل.

أمَّا لو دقَّقنا في طبيعة الذكاء الاصطناعي فنجد أنه يتجاوز كونه محركًا بحثيًّا يشير إلى مصدر، فقدرته على توليد النص تعقِّد المعايير الأخلاقية، فبدلًا من الإجمال في إلزام الباحث بالتزام العزو للمصدر يجب التفصيل في معنى كلمة “مصدر”. كما أسلفت، فالنماذج اللغوية تعتمد على كمٍّ ضخم من البيانات – تعادل ملايين الكتب – وماهرة جدًّا في تركيب الكلمات بناءً على الأنماط السابق ملاحظتها، وبالتالي عند سؤال النموذج اللغوي من الذكاء الاصطناعي عن سؤال بحثي سوف يعطي ردًّا يشبه الرد البشري فيقول مثلًا الجواب هو كذا وقد قال هذا المؤلف كذا وكذا؛ هل يصبح في هذه الحالة المصدر هو الذكاء الاصطناعي أم المؤلف الذي عزا له التطبيق، أم يجب الرجوع لكلام المؤلف نفسه للتثبت والعزو إليه كمصدر للمعلومة؟ الإجابة البسيطة والمباشرة هي وجوب العزو للمؤلف نفسه بعد الرجوع للمصدر المكتوب واعتبار ما أصدره الذكاء الاصطناعي فهم استرشادي للمصدر بناءً على طبيعة برمجة التطبيق وطريقة صياغة الباحث للسؤال وتاريخ محادثات الباحث مع التطبيق مع وجود الإفصاح عن أي استخدامات أخرى تتجاوز ذلك من حيث ضبط سياق النص، مراجعته لغويًّا، وما إلى ذلك[11].

فهنا يجب التفريق بين المصدر الأصلي – وهو في الغالب نص بشري – وأداة الوصول والباحث المسؤول. مهما بلغت قدرة النماذج اللغوية لا يجب أن تتعدَّى دورها كأداة وصول للنص الأصلي، وبالتالي ما تولده التقنية من نصوص لا تعتبر نصًّا أو مصدرًا للعزو أو الاستخدام المباشر إلا إذا كان مخرج نماذج الذكاء الاصطناعي هو نفسه موضوع الدراسة.

لذا لو نظرنا للذكاء الاصطناعي كأداة وسيطة تشبه الببغاء وتعاملْنا معه معاملة أقرب إلى المحرك البحثي الموجود على الإنترنت، لأصبحت المعايير الأخلاقية واضحة وقريبة ممَّا اعتاد عليه المجتمع البحثي؛ وهذا الأمر ينضبط إلى حد كبير في وقت كتابة هذا البحث لكثرة الأخطاء التي تقع فيها النماذج اللغوية والذكاء الاصطناعي بصورة عامة في ما يتعلق بالعزو لمصادر خاطئة أو حتى غير موجودة، وسوء فهم السياق، والوقوع في كثير من الهلوسات (hallucinations). فحتى يحافظ الباحث على جديته ومهنيته لا بدَّ عليه أن يتحقَّق من كلِّ مصدر ويراجع ما صدر عن النموذج اللغوي قبل إدراجه في بحثه، فسلامة البحث على المحك. غير أن سلامة المنتج البحثي حتى لو أمكن ضمانها تقنيًّا لا تلغي السؤال الأخلاقي؛ إذ يظل قائمًا سؤال أعمق يتعلق بالغاية من إنتاج المعرفة وبموقع الإنسان والعقل البشري من هذه العملية.

من سلامة البحث إلى سؤال الغاية

لكنك إذا كنت تقرأ هذا البحث عام ٢٠٣٠ أو ما بعدها بقليل ستجد أنني لم أضف جديدًا ولم أشفِ ظمأك لأن النماذج في يومك هذا قد تمَّ تطويرها لمستوى أفضل بكثير فقلت أو انعدمت الهلوسات وانضبطت المصادر وصح العزو واقترب النموذج من الحياديَّة في أطروحاته، فأصبح الحديث عن سلامة البحث قديمًا وغير مُجْدٍ.

وهنا يجب على البشرية جمعاء التوقُّف والسؤال: ما الهدف؟ ما هدف تطوير الذكاء الاصطناعي لدرجة تعادل وتسبق البشر في “التفكير” العلمي، ويتوقَّف الباحث ليسألَ نفسه: ما هي علاقتي بالذكاء الاصطناعي؟ أهي أداة في يدي أم أنني أنا أداة في ثناياها حيث تدربت على ملايين من المؤلفات التي أنتجها العقل البشري وعدد آخر ضخم من المحادثات مع باحثين؟ ويتوقَّف الحقل العلمي ككل ليسأل: ما هدف إنتاج المعرفة؟

والإجابة عن هذه الأسئلة تتجاوز المستوى الجزئي في تحليل أخلاقيَّات البحث العلمي عند استخدام أداة تقنيَّة جديدة، إلى المستوى الكلي الحضاري. فيُنظر في السياق الحضاري الذي وُلدت من رحمه هذه التقنية التماسًا لفهم الغاية منها. وهو سياق لا يسأل عن قيمة الشيء في ذاته، بل عمَّا يمكن أن يُنتجه وما يمكن أن يُخضِعه: السيطرة على الطبيعة، وإطالة عمر الإنسان، وتوسيع مدى اللذَّة والراحة، ثم تسليع ذلك كله في صورة سلع تُشترى وتُباع. وللمفارقة فإن هذه الحضارة تبْني في الآلة عقلانيةً عجزت عن تحقيقها في الإنسان نفسه؛ فاندفاعها إلى السيطرة المطلقة باسم العلم يعطِّل العقل عن النظر في الغايات، كما يعطِّله الانفعال والغضب فيُصدر المرء ما ينكره بعد حين، غير أن الغاضب يفيق فيندم.

تطوير منظومة الذكاء الاصطناعي تنطوي على أعمال وسياسات غير أخلاقية كثيرة، منها سرقات للملكية الفكرية بهدف تدريب النماذج على أكبر قدر من المؤلفات، إهلاك للبيئة عن طريق استهلاك عالٍ من الطاقة لخدمة قواعد البيانات[12]، وانتهاك الخصوصية للأفراد، وترسيخ العنصرية والتمييز[13]، واستغلال للعمالة في الدول الفقيرة لتصنيف البيانات بدون رقابة على ظروف العمل وحقوق العمال[14].

تقف الحضارة الغربية موقف العاجز تجاه رؤية الصورة الأوسع في أسباب خلق الإنسان ووظيفته على الأرض وما بعد الموت بينما تعطي الحضارة الإسلامية إجابات واضحة وأطرًا مكتملة لهذه القضايا وتُجيب على السؤال المعرفي. لو أطلقنا العنان للذكاء الاصطناعي حتى يزاحم -ومن ثم احتمالية أن يستبدل- الإنسان في إنتاج المعرفة؛ فإننا نكون قد أسقطنا أحد أهم مقاصد الشريعة الإسلامية وهي حماية العقل.

الرؤية الحضارية للذكاء الاصطناعي

نص الشارع على أهمية التفكُّر والتدبُّر، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١] وغيرها من الآيات والآثار التي تعلي من شأن العقل، ولكن تأتي آية لتحدَّه بصورة واضحة: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ.. أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم﴾ [الروم: ٧-٨]، وهذا يعني أن العقل البشري مهما بلغ لن يصل إلا لعلم جزءٍ من قشرة العلوم المرتبطة بالحياة الدنيا[15]، على عكس النموذج الغربي الذي يسْعى للسيطرة المطْلقة، ورغم ذلك يأمرنا الشارع في الآية التالية مباشرة بالتفكُّر في أنفسنا وهي أقرب شيءٍ لنا، ومنها الخروج للسماوات والأرض وقبل ذلك وبعده يعلمنا أن جُلَّ علم البشرية مجتمعة من آدم إلى قيام الساعة – بما فيها ملايين الكتب على نماذج الذكاء الاصطناعي – لها حَدٌّ مقدَّر لن يتخطَّاه بشر أو آله فقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].

حفظ العقل كمقصد شرعي عند العلماء ينصرف غالبًا إلى دفع ما يشوِّشه ويبطل فعله كتحريم السُّكْرِ، وهو حفظ من جانب العدم، بينما لو رجعنا لصياغة الإمام الشاطبي نجد أن حفظ المقاصد الضروريَّة يكون بأمرين: “أحدهما ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود. والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقَّع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم”[16]. فيظهر لنا أن تحريم السُّكْرِ يحفظ العقل من العدم، والعادات كالمأكل والمشرب تحفظ بِنْيَةَ العقل من جانب الوجود فيدخل في إقامة أركانه وتثبيت قواعده، كما أن المعاملات كالبيع والشراء تحفظ العقل بواسطة العادات، كما أقرَّ الشاطبي.

أمَّا لو اعتبرنا وجوب طلب العلم على الأمة فرض كفائي، ومنها قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] فإنه لا يتحقَّق إلا بباحثين سليمي الملكة النظرية فيصير حفظ تلك الملكة واجبًا بوجوب مقصودها. هكذا يمكن لنا توسيع فهمنا لحفظ العقل من حفظ بِنيته إلى حفظ عمله بواسطة التفكُّر جَرْيًا على نهج الشاطبي لتحقيق الفرض الكفائي للأمة؛ وإسقاط هذا الفرض على طالب العلم يجعل سلامة الفاعلية المعرفية عنده من ضرورات الدين الحنيف. ويرتبط واقع المسلمين الآن بالنظرة المقاصدية في هذا الإطار، فلو قَصَرْنَا طلبَ العلم على العلوم الشرعية بمفهومها العلماني الضيِّق الذي يفصل الكتاب والسُّنَّة عن تطوير العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية والتطبيقية وغيرها نكون قد ساهمنا في تراجع الأمة وتخلُّفها، أمَّا لو اتَّسع الفهم ليشمل حفظ الفاعلية المعرفية للباحث في العلوم النظرية والتطبيقية وجعل حفظها بحذاء حفظها عند متخصِّصِي علم الحديث والتفسير فتستنير الرؤية لترقى بالأمة للشهود الحضاري على الأمم.

يقول ابن عاشور في حديثه عن المصالح الضرورية التي تكون الأمةُ بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها: “ولستُ أعني باختلال نظام الأمة هلاكَها واضمحلالها، لأن هذا قد سلمت منه أعرق الأمم في الوثنية والهمجية، ولكنِّي أعني به أن تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام، بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها”[17]. إن الأمة التي يعجز علماؤها وباحثوها عن إعمال العقل ويقومون بتفويض التفكير لأداة تقنية نشأت في إطار حضاري وقيمي مخالف لمبادئها هي أمة منقادة للقوي كالأنعام ومولعة بالغالب، لا تملك من أمرها شيئًا، فيصبح من الضروري أن تعمل هذه الأمة مجتمعة ومنفردة على حفظ الفاعلية المعرفية لقادة فكرها[18].

سلامة البحث أم سلامة الباحث؟

المناقشات الغالبة في الأدبيات عن الأخلاقيات البحثية لم تجعل سلامة الفاعلية المعرفية للباحث محورًا مستقلًّا، بل ركَّزت بالأساس على سلامة المشاركين في البحث (Research subjects) وضمان سلامة العملية البحثية ومنتجها وبعض منها ركز على سلامة الباحث الجسدية والنفسية. فكثير من المؤلفات خاصة في العلوم الطبية والاجتماعية تُولِي اهتمامًا خاصًّا للضوابط والأخلاقيات المتعلِّقة بالتفاعل مع المشاركين في البحث وضمان سلامتهم النفسية والجسدية وخصوصية بياناتهم[19]؛ بينما يأتي الجزء الآخر من المؤلَّفات الغالبة في هذا الإطار ليركِّز على صدق الممارسة العلمية وموثوقيَّتها، وسلامة البيانات، وصحَّة العزو والتأليف، والشفافية والمساءلة، ومواجهة التلفيق والتحريف والانتحال[20].

تُظهر العديد من الدراسات التأثير السلبي المباشر على فاعلية الباحث المعرفية في إطار التعليم الجامعي، وقد أدَّى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي إلى تآكل قدرة الطلاب على بناء الحجج، وتراجع قدرتهم على نقد النصِّ، وانخراط سطحي مع النصوص والأفكار[21]. والواضح من هذه الدراسات هو أن التوسُّع في استخدام هذه التقنية تؤدِّي إلى انتقال عبء التفكير والنقد من العقل البشري إلى الآلة وهو انتقال يمسُّ بمقصد حفظ العقل الفاعل لأن العقل يُحفظ بإعمالِه وليس بإراحتِه.

رصد وقياس هذا التأثير السلبي في الأدبيات الغربية غير مرتبط بصورة أساسية بأخلاق البحث العلمي، فالفارق بين ما تقرِّره وما نقرِّره هنا فارقٌ كبير يتبيَّن من ثلاثة وجوه: أولها أن تلك الدراسات تقف عند حدِّ الوصف والقياس، فتخبرنا مثلًا أن هناك تراجعًا واقعًا في قدرة الباحث على التفكير النقدي عند الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، بينما المنظور المقاصدي يبني معيارًا يترتَّب عليه إلزام، فينقل المسألة من خبرٍ عن الواقع إلى تكليفٍ في العمل. ثانيها أن العقل في تلك الأدبيات هو أداة للإنتاج، فصيانته مرتبطة بالحفاظ على جودة المخرجات، أما في النظر المقاصدي فصيانة العقل هي مصلحة لذاتها والإخلال بها مفسدة بغض النظر عن سلامة المنتج البحثي. ثالثها أن مصدر الإلزام بصيانة العقل في إطار الفكر الغربي هو بالأساس نفعي مردُّه استمرار نفع الباحث وإنتاجيته، بينما مصدره في الشرع هو التكليف بالصيانة والحفظ كأمانة. وعليه فإن تلك الدراسات تجيب عن سؤال “هل وقع الضرر؟” ونجيب نحن عن سؤال “فما الذي يلزمنا تجاهه؟”.

فحين يصبح مفكرو الأمة من أكاديميين وباحثين، وهم أوْلى المسلمون بالتفكُّر وإعمال العقل، مسلوبي العقل منقادين لنموذج لغوي أو تطبيق ذكاء اصطناعي، يكون من أوجب الضرورات على الأمة الإسلامية تجييش قدراتها لمحاربة ذلك، بعد أن فشلت الأمة في قيادة التقنية في بادئ أمرها وإرساء قواعدها وإطارها القيمي. دور الأمة الإسلامية في هذا الإطار هو دور غير صدامي مع الحضارة الغربية لكنه منقذٌ للإنسانية من خطرٍ داهم، فالمسلمون لهم يد في تطوير هذه النماذج في الغرب كجزء من الشركات الكبرى وبراءات الاختراع. الذكاء الاصطناعي في حد ذاته نافع للإنسان وغير مخالف للشرع الحنيف، كما أقرَّ ذلك عددٌ من الجهات الإسلامية[22]، ولكن الإطار القيمي الذي نشأ فيه وطبيعة الفواعل التي تسهم في تطويره أدَّى إلى انحرافه تدريجيًّا ليصبح ذا ضرر حقيقي على العقل البشري.

إذا راجعنا الشريعة الإسلامية نجد أن هناك تأصيلًا راسخًا في أن النظر الأخلاقي لا يقف عند سلامة المنتج البحثي بل يتناول حال الباحث نفسه، حيث لا ينفصل العلم عن العالم ونيته، فنظرة الشرع شاملة تعتبر الفواعل والغايات والأدوات. ففي الحديث الشريف عن أول من تسعر بهم النار “… ورجل تعلم العلم والقرآن، فأتى به الله فعرَّفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلَّمت العلم وقرأت القرآن، وعلَّمته فيك، فقال: كذبت إنما أردت أن يقال: فلان عالم وفلان قارئ فأمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار”[23]؛ فسلامة العلم هنا لم تكن محل المساءلة ولكن سلامة نية الفاعل، أو الباحث بلغتنا، فالاعتبار هنا لنية الباحث وعدم اقتصار النظر على سلامة المنتج النهائي من العلم أو البحث.

إذا أقررنا أن سلامة البحث لا ينبغي أن تكون هي الهدف الأوحد، فينبغي أن ننتقل بالفكر من علاقة العقل بالذكاء الاصطناعي، ووجوب تقديم صحة الأول على قدرة الثاني، إلى آليات فاعلة لتدارك الخرق قبل أن يتَّسع علينا.

حفظ الفاعلية المعرفية للباحث

من هنا ننطلق لفهم أعمق للمعايير والأخلاق المطلوب اتباعها عند استخدام الذكاء الاصطناعي من قِبل الباحث، فهي تتجاوز حدود الأخلاق البحثية السابق ذكرها والتي تقترب من نظيراتها في حالة التعامل مع الإنترنت أو المصادر الورقية، إلى مقصد أسمى وهو حفظ الفاعلية المعرفيَّة للإنسان. فالنظر هنا متجاوز لسلامة البحث من جهة كونه مكتوبًا بدقة وموثقًا وينتقل للباحث نفسه وتكوينه في إطار رؤيتنا لأهمية البحث العلمي في تطوير العقل البشري.

لذا فالضابط الأخلاقي متدرِّج عكسيًّا مع تمكُّن الباحث، فتزيد التقييدات مع المبتدئ وتقلُّ مع المتمكِّن؛ غير أن هذا التدرُّج محكومٌ بشرطيْن لا ينفصل أحدهما عن الآخر: أولهما هو شرط الاكتساب، وهو أن ما يمنع الباحث من بناء ملكته ابتداء ممنوع عليه وإن جاز لغيره، وثانيهما هو شرط الاستبقاء، وضابطه أن الملَكة البحثية إذا اكتُسبت لم تكن رصيدًا دائمًا بل تضمر بترك إعمالها، فيبقى على الباحث مهما بلغ تمكُّنه حدٌّ أدنى لا ينزل عنه، وهو أن يظل قادرًا على مباشرة ما فوَّضه بنفسه لو رُفعت الأداة. فالشرط الأول يحكم المبتدئ، والثاني يحكم المتمكِّن، ومردُّهما جميعًا إلى أن العقل إنما يُحفظ بإعماله.

إن تفويض جزء كبير من العملية البحثية، بما فيها تكوين الأفكار للذكاء الاصطناعي من قِبل الباحث المبتدئ يؤدِّي إلى عدم اكتسابه الملَكة البحثيَّة من الأساس، وبالتالي تعطيل الفاعلية المعرفية لديه، ومن هنا نذهب إلى المنع شبه المطلق من استخدام التقنية. هذا الباحث المبتدئ يجب النظر إليه كطالب في الصف الأول الابتدائي يتعلَّم الحساب غير أن المعلِّم سمح له باستخدام الآلة الحاسبة فأيُّ معنى لإلزامه بالتفكير في الجمع والطرح وقد أتيحت له آلة تكفيه إياه؟ فتصبح عملية التعليم أمرًا عبثيًّا غير مُجْدٍ. أمَّا لو تدرَّجنا في استخدامه للآلة الحاسبة تماشيًا مع إتقانه للعمليات الحسابية المختلفة، نكون قد درَّبناه على تفويض ما أتقنه بالفعل وتصبح الآلة معينًا له على الترقِّي في التفكير في مسائل أكثر تعقيدًا وهكذا؛ فيصل للمرحلة الثانوية وقد سُمِحَ له باستخدام آلة حاسبة متقدِّمة تستطيع إجراء الرسومات البيانية بينما هو متقدِّم عنها في التفكير والإتقان. هنا نكون قد قمنا بحماية عقله وقدرته على التحليل والتفكير مع عدم رفض التقنية بصورة مطلقة.

وبتدرُّج الأمر حتى يصل إلى الباحث المتقن الذي في الأغلب يكون قد تجاوز مرحلة الدكتوراه وتمرَّس ذهنُه على التفكير والنقد، فاستخدامه الموسَّع للذكاء الاصطناعي يسمح له بالتوغُّل في أدبيَّات أكثر ومناقشة أفكاره بصورة أعمق. فيستطيع الاستئناس بالذكاء الاصطناعي في تجميع المصادر وتلخيصها مبدئيًّا لتكوين فكرة عن المصدر وبعد ذلك يرجع الباحث للمصدر لمراجعته والتأكُّد من صحة التلخيص واستخلاص المادة المطلوبة منه. كما يمكن للباحث مناقشة الأفكار ومقارنة وجهات النظر في مرحلة التفكير الأولي التي تسبق البحث، فبدلًا من الاطلاع على خمسة كتب أصيلة تشرح نظرية ما يمكن للباحث أن يفتح الخدمة الصوتية للنموذج اللغوي ويطلب منه ملخصًا ويناقشه فيه ليطور فكرة مبدئية عن موضوع البحث؛ كما يصح للباحث تقييم ومراجعة النص من حيث الصياغة بعد الانتهاء من الكتابة لتحديد الأخطاء وإصلاحها بشريًّا لتُوافق معايير النشر لدى جهة محدَّدة. وقبل ذلك وبعده ضرورة الالتزام بأخلاق البحث العلمي المذكورة أعلاه مع الإفصاح عن كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث من أجل شفافية تامة ومراقبة الباحث ملكته البحثية بصورة دقيقة، فإن بدا أن اتِّكالَه على التقنية معطِّلٌ لإتقانِه صنعتَه قلَّل منها بحسب الضرر.

وإجمالًا، فإن ربط الأخلاق البحثية في استخدام الذكاء الاصطناعي بالرؤية المقاصدية من زاوية حفظ العقل هو أمر يحتاج مجهودات كبيرة من علماء الأمة لتطوير رؤية حضارية ينبني عليها فعل تطوير هذه النماذج بما يحفظ للإنسان عقله وللبشرية مستقبلًا أخلاقيًّا.

نرى علماء المسلمين في مجال الذكاء الاصطناعي يبذلون قصارى الجهد لتطوير نماذج متدربة بشكل أكبر عن النصوص الشرعية، منها askansari.ai, usul.ai, islamify.ai. ولكن تظل هذه النماذج معتمدة بالأساس على البنية التحتية المطوَّرة بأيدي الشركات الأجنبية الكبرى الهادفة للربح وتفتقد للبعد الأخلاقي المقاصدي. لذلك فإن من الضروري، بمفهوم ابن عاشور المقاصدي، للأمة أن تشبك الأيدي وتضخَّ الاستثمارات في بنية تحتية للذكاء الاصطناعي تنطلق من ضرورة حفظ العقل البشري والفاعلية البحثية للعلماء وتمارس أخلاقيات افتقدتها الحضارة الغربية حتى تنقذ الإنسان من ما يصنع.

ملاحظة: تم استخدام الذكاء الاصطناعي في مناقشة بعض الأفكار والمصادر


[1] John M. Budd and Lynn Silipigni Connaway, University Faculty and Networked Information: Results of a Survey, Journal of the American Society for Information Science, Vol. 48, No. 9, (1997), pp. 843-852.

[2] Scott R. Hadley and John T. Capo, Digit replantation: The first 50 years, Bulletin of the Hospital for Joint Diseases, Vol. 73, No. 2, (2015), pp. 148-155.

[3] أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، تقييد العلم، تحقيق: يوسف العش، (القاهرة: دار إحياء السنة النبوية، الطبعة الثانية، ١٩٧٤)، ص ٥٨.

[4] أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، (الدمام: دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ/١٩٩٤م)، ج ١، ص ٣٣٣.

[5] See: Radu Dipratu, Ottoman Endorsements of Printing in 18th-Century Istanbul, in: Radu-Andrei Dipratu and Samuel Noble (eds.), Arabic-Type Books Printed in Wallachia, Istanbul, and Beyond: First Volume of Collected Works of the TYPARABIC Project, (Berlin: De Gruyter, 2024), pp. 49-68; Ayşe Başaran, Reconsidering the Role of Ulema and Scribal Actors in the Ottoman Transition from Manuscript to the Printed Medium, Dîvân: Disiplinlerarası Çalışmalar Dergisi, Vol. 28, No. 54, (2023), pp. 73-121.

[6] Radu Dipratu, Ottoman Endorsements of Printing.

[7] Ayşe Başaran, Reconsidering the Role; Radu Dipratu, Ottoman Endorsements of Printing.

[8] Robert Kling and Lisa Covi, Electronic Journals and Legitimate Media in the Systems of Scholarly Communication, The Information Society, Vol. 11, No. 4, (1995), p. 265.

[9] Michael Organ and C. McGurk, ‘Surfing the Internet’ and Academic Research: What Use for Historians?, Australian Academic & Research Libraries, Vol. 27, No. 1, (1996), p. 31.

[10] Emily M. Bender, Timnit Gebru, Angelina McMillan-Major, and Shmargaret Shmitchell, On the Dangers of Stochastic Parrots: Can Language Models Be Too Big?, in: Proceedings of the 2021 ACM Conference on Fairness, Accountability, and Transparency (FAccT ’21), Virtual Event, Canada, 3-10 March 2021, (New York: Association for Computing Machinery, 2021), pp. 610-623.

[11] وهو قريب مما انتهى إليه النقاش في منتدى الحضارة، إذ قُرَِّر أن هذه التقنية لا تُعيد النظر في الأخلاقيات جذريًّا بقدر ما تطرح كيفية الالتزام بالثوابت في الممارسة العلمية. انظر: عبد القادر عبد العالي، الذكاء الاصطناعي… الآثار والتفاعلات العلمية والعالمية، تقرير لقاء، منتدى الحضارة، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، ١٧ ديسمبر ٢٠٢٤، https://hadaracenter.com/ai-impacts

[12] برنامج الأمم المتحدة للبيئة، الذكاء الاصطناعي يسبِّب مشكلة بيئية: إليكم ما يمكن للعالم فعله حيال ذلك، ١٣ نوفمبر ٢٠٢٥، تاريخ الاطلاع: ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦، https://www.unep.org/ar/alakhbar-walqss/alqst/aldhka-alastnay-ysbwb-mshklt-byyyt-alykm-ma-ymkn-llalm-flh-hyal-dhlk

[13] Ehan, The Dark Side of AI: 7 Ethical Problems We’re Ignoring in 2026, Medium, 8 April 2026, accessed: 12 September 2026, https://medium.com/activated-thinker/the-dark-side-of-ai-7-ethical-problems-were-ignoring-in-2026-24d94812a15f

[14] Gian S., The Ghost Workers Behind Artificial Intelligence, Medium, 14 January 2026, accessed: 12 September 2026, https://medium.com/@giansorianoofficial/the-ghost-workers-behind-artificial-intelligence-3c6bddb5d842

[15] انظر: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تفسير سورة الروم، الآيتان ٧-٨، موقع التفاسير، تاريخ الاطلاع: ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦، https://www.altafsir.com/Tafasir.asp?LanguageId=1&UserProfile=0&tAyahNo=7&tDisplay=yes&tMadhNo=2&tSoraNo=30&tTafsirNo=14

[16] أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، الموافقات، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، تقديم: بكر بن عبد الله أبو زيد، (الخبر: دار ابن عفان، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ/١٩٩٧م)، ج ٢، ص ١٨، المكتبة الشاملة، https://shamela.ws/book/11435/676

[17] محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، (الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ٢٠٠٤)، ج ٣، ص ٢٣٢.

[18] للمزيد عن أهمية إعمال العقل المسلم في النظر في الكون انظر: عبد الحميد أحمد أبو سليمان، أزمة العقل المسلم، (هيرندن، فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ٢٠٠٩)؛ طه جابر العلواني، إصلاح الفكر الإسلامي: مدخل إلى نظام الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر، (هيرندن، فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ٢٠٠٩).

[19] من المؤلفات الأكثر شهرة في هذا الإطار: Ezekiel J. Emanuel, David Wendler, and Christine Grady, What Makes Clinical Research Ethical?, JAMA, Vol. 283, No. 20, (2000), pp. 2701-2711.

[20] John P. A. Ioannidis, Why Most Published Research Findings Are False, PLoS Medicine, Vol. 2, No. 8, (2005), Article e124.

[21] Changyue Li, Hang Cui, and Linda Serra Hagedorn, The Cognitive Impact of ChatGPT in Higher Education: A Systematic Review of Critical and Creative Thinking Outcomes, Computers and Education: Artificial Intelligence, Vol. 10, (June 2026), Article 100571؛ وانظر كذلك: Jinrui Tian and Ronghua Zhang, Learners’ AI Dependence and Critical Thinking: The Psychological Mechanism of Fatigue and the Social Buffering Role of AI Literacy, Acta Psychologica, Vol. 260, (October 2025), Article 105725.

[22] انظر: مجمع الفقه الإسلامي الدولي، قرار رقم ٢٥٨ (٣/٢٦) بشأن الذكاء الاصطناعي: أحكامه، وضوابطه، وأخلاقياته، الدورة السادسة والعشرون، الدوحة، قطر، ٤-٨ مايو ٢٠٢٥، https://iifa-aifi.org/ar/56025.html؛ نظير محمد عياد، حكم استخدام الذكاء الاصطناعي (AI) في كتابة المحتوى العلمي ثم نسبته إلى النفس، دار الإفتاء المصرية، فتوى رقم ٨٨٠١، ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٥، https://bit.ly/4hxnSYI

[23] مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، حديث رقم ١٩٠٥، نقلًا عن: الموسوعة الحديثية، الدرر السنية، https://dorar.net/hadith/sharh/78205

عبد الرحمن رشدان

باحث في العلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى