عرض كتاب: إمبراطورية الذكاء الاصطناعي: أحلام وكوابيس في شركة OpenAI لسام ألتمان

Karen Hao, Empire of AI: Dreams and Nightmares in Sam Altman’s OpenAI, (New York: Penguin Press, 2025)

مقدمة

شهد العالم ثورة تقنية غير مسبوقة، يتصدرها مسار الذكاء الاصطناعي، والذي يجري الترويج له باعتباره أداةً قادرة على حل الأزمات التي تواجه البشرية وتشكيل مستقبلها. في حين أن خلف هذه الواجهة تكمن شبكة مترابطة من المصالح التجارية، والتنافس الأيديولوجي، واحتكار السلطة، والتسابق إلى الهيمنة. وفي هذا السياق برز كتاب “إمبراطورية الذكاء الاصطناعي: أحلام وكوابيس في شركة OpenAI لسام ألتمان”[1]، للصحفية الاستقصائية “كارين هاو” تحليلًا نقديًّا يُفكك السردية السائدة حول الذكاء الاصطناعي.

تجاوزت “هاو” النظرة السطحية للذكاء الاصطناعي كمجرد ابتكار تكنولوجي محايد، لتقدمه تمثلًا لإمبراطورية رقمية استعمارية جديدة، تستنسخ الأنماط الاستعمارية القديمة، وتحولها إلى شكل جديد قائم على استخراج البيانات الهائلة والإبداعات البشرية دون موافقة أصحابها، بجانب استنزاف موارد الطاقة والمياه، واستغلال العمالة المهمشة في دول الجنوب العالمي، وذلك من أجل تعظيم ثروات ونفوذ نخبة محدودة من قادة شركات التقنية في وادي السيليكون بالولايات المتحدة.

وفي هذا العرض، جرى تقديم نظرة أو قراءة تحليلية وتقييمٍ موضوعيٍّ لأبرز ما طرحه الكتاب من أفكار، مع بيان أبرز ما تضمنته أجزاء الكتاب الأربعة، ومن ثم إسقاط ما تحمله إمبراطورية الذكاء الاصطناعي على واقع العالم العربي والإسلامي، بهدف طرح رؤية تمكِّن من تجنُّب الوقوع في تبعية الاستعمار الرقمي الجديد.

أولًا- التعريف بالكاتبة والكتاب

الكاتبة “كارين هاو” (Karen Hao) هي صحفية استقصائية أمريكية، تخصصت في التأثيرات المجتمعية والسياسية للذكاء الاصطناعي. كما عملت “هاو” في عدد من المنافذ الصحفية المرموقة، مثل مجلة MIT Technology Review، وصحيفة The Wall Street Journal، ومجلة The Atlantic. وامتلكت “هاو” إنتاجًا صحفيًّا واسعًا، فكان من أبرز مشاريعها: النشرة البريدية الأسبوعية The Algorithm، وسلسلة تحقيقات منصة فيسبوك والمحتوى المضلل في عام ٢٠٢١، بجانب عدد من البرامج الحوارية مثل المدونة الصوتية In Machines We Trust.

اعتمد الأسلوب الصحفي لـ”هاو” بشكل كبير على التحقيقات الميدانية العابرة للقارات، لتتبع الآثار الفعلية للتقانة على المجتمعات، والعمالة، والبيئة، دون الاكتفاء بالبيانات الرسمية للمديرين التنفيذيين في الشركات التقنية. وحصدت “هاو” عدد من الجوائز الصحفية والتكريمات، كان أبرزها: جائزة ASME NEXT Award من الجمعية الأمريكية لمحرري المجلات (المخصصة لتكريم الصحفيين والمحررين دون سن الثلاثين)، في عام ٢٠٢٢، وجائزة الإعلام الإنساني Humanist Media Award. كما نالت جائرة وايتنج Whiting Award، وجائزة هيلين بيرنشتاين، وجائزة دائرة نقاد الكتب الوطنية.

وتكْمن أهمية كتاب إمبراطورية الذكاء الاصطناعي في أنه يُسلط الضوء على الفجوة بين الخطاب الدعائي الذي تتبناه الشركات القائمة على تطوير الذكاء الاصطناعي والممارسات الواقعية لتلك الشركات، التي تركز على رأس المال وعملية تحول الكيانات غير الربحية إلى شركات احتكارية، بالإضافة إلى سبر الصراعات الداخلية بين الفاعلين في شركات الذكاء الاصطناعي والاتجاهات المتباينة داخل تلك الشركات، بين دعاة تهدئة وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي ونظرائهم من دعاة تسريع عملية التطوير، ومن ثم على التحولات الهيكلية في هذا القطاع، وذلك اعتمادًا على أكثر من ٣٠٠ مقابلة شخصية مع مئات من المصادر.

ثانيًا- منهجية الكتاب وأفكاره

استند كتاب إمبراطورية الذكاء الاصطناعي بالأساس إلى منهجية استقصائية متعددة المستويات، جمعت بين التقارير الاستقصائية التي اعتمدت على مصادر متعددة، إذ بُني الكتاب على تغطيات صحفية امتدت على سبع سنوات، لصالح منافذ صحفية كبرى، مثل: MIT Technology Review، وصحيفتي The Wall Street Journal. كما ضم التحليل حوالي ٣٠٠ مقابلة مع نحو ٢٦٠ شخصًا، بما شمل ١٥٠ مقابلة مع أكثر من ٩٠ من التنفيذيين، والموظفين، والمقاولين المرتبطين بشركة أوبن إيه آي (OpenAI)، بجانب ٤٠ مقابلة مع عاملين في شركات منافسة في قطاع التقانة، مثل: شركة مايكروسوفت Microsoft، وشركة أنثروبيك Anthropic، وشركة ميتا Meta، وشركة جوجل Google.

واقترنت تلك المنهجية الاستقصائية بتحقيقات ميدانية عبر خمس قارات، شملت تحقيقات حول عمال ترميز البيانات في كينيا، وكولومبيا، وفنزويلا، مبرزةً ظروف العمل غير المستقرة التي يعملون فيها، فضلًا عن النشطاء المحليين في ولاية أريزونا وتشيلي، والذين يجابهون استنزاف الموارد من قبل مراكز البيانات المستخدمة في تطوير الذكاء الاصطناعي.

كما جرى تقسيم الكتاب موضوعيًّا إلى أربعة أجزاء رئيسة، بجانب المقدمة والخاتمة، فيما وُظِفَت شركة OpenAI كمثال لبيان الهياكل الاقتصادية، والسياسية، والمادية الأوسع، التي صاحبت انفجار تقنيات الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي في الوقت الراهن. وانتقل عرض الكتاب من المخاوف، والأبعاد الشخصية، والأصول الأيديولوجية المحيطة بشخصيات بارزة في قطاع الذكاء الاصطناعي مثل سام ألتمان وإيلون ماسك، لتناول التحول من البحث العلمي المفتوح إلى التوسُّع التجاري، والرقابة المؤسَّسية، وسلاسل توريد عمالة البيانات، ومن ثَمَّ حلل الكتاب التكاليف المادية والبيئية للبِنى التحتية للحوسبة، وفي الختام فصَّل الكتاب الاختلالات الوظيفية الداخلية لهياكل الذكاء الاصطناعي، وضعف حوكمة شركات الذكاء الاصطناعي، ومن ثَمَّ النماذج المضادة لحوكمة الذكاء الاصطناعي.

تمحورت الفكرة الأساسية للكتاب في أن النموذج السائد للذكاء الاصطناعي التوليدي يجري توظيفه باعتباره “إمبراطورية رقمية جديدة”، إذ اعتُبر الذكاء الاصطناعي، شأنه في ذلك شأن الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية التاريخية، التي ضمت الأراضي، واستخرجت الموارد الطبيعية، واستغلت العمالة لإثراء النُخب، أداةً لاستخراج كميات ضخمة من البيانات البشرية والأعمال الإبداعية دون موافقة أصحابها، بجانب الطاقة والمياه، والاعتماد على سلاسل توريد عالمية لعمالة منخفضة الأجر. كما أشار الكتاب إلى أن هذه الإمبراطورية الجديدة تقوم على شعارات الحتمية والتقدُّم التقني، والمنافسة في سباق التسلُّح الدولي.

وطرحت “هاو” صيغة الإمبراطورية من ثنايا ثلاثة أعمدة، يُركز من خلالها قادة الشركات السلطةَ ورأسَ المال، تحت غطاء الإيثار، والتي تقوم على:

  • تركيز المواهب: من خلال تجميع العلماء حول مهمة كبرى، والتي تتمثَّل في تحقيق الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، وذلك لإفادة البشرية بشكل جمعي.
  • تركيز رأس المال وتحييد التنظيم: عبر جمع تمويلات هائلة، مع إبعاد الرقابة الحكومية والتدقيق العام، من خلال جعل السرعة ضرورة أمن قومي ضد المنافسين الجيوسياسيِّين، مثل الصين.
  • التوسيع المرن للمهمة: من خلال استخدام تعريفات غامضة للذكاء الاصطناعي العام والذكاء الاصطناعي النافع، مما يسمح للقادة التنفيذيين بتغيير الهياكل المؤسَّسية باستمرار، مثل الانتقال من نموذج المنظمة غير الربحية مفتوحة المصدر إلى نموذج الكيان محدود الربح، ومن ثَمَّ التسويق التجاري المتسارع للمنتجات، وفي النهاية التحول إلى شركة تجارية ربحية.

تمثَّلت الفكرة الرئيسية الثالثة التي تطرَّق لها الكتاب في “عقيدة التوسُّع”، باعتبارها القانون الأساسي لشركة OpenAI، إذ يعتمد الذكاء الاصطناعي الحديث على زيادة بيانات التدريب، والمُعلمات (Parameters)، والقدرات الحوسبية، بدلًا من الابتكارات المعمارية الأساسية. واعتبرت “هاو” أن ذلك المبدأ مسار يؤدِّي في نهايته إلى نموذج احتكار القِلَّة الذي لا تستطيع المنافسة فيه سوى الشركات التقنية الكبرى، وحرمان المختبرات الأكاديمية محدودة الموارد من نتائج الابتكار. كما يُنَحِّي هذا النموذج المسارات البحثية البديلة، مثل الذكاء الاصطناعي الرمزي العصبي أو النماذج الأصغر الموفِّرة للطاقة.

وعرجت “هاو” على فكرة سلاسل توريد البيانات الاستغلالية، إذ تقف خلف واجهات المحادثة لنماذج الذكاء الاصطناعي عمالة ذات أجر منخفض، تؤدِّي العمل الخفي (Ghost Work). وأشارت “هاو” إلى أن شركة OpenAI وشركاءها عمَّالًا في دول الجنوب العالمي، كالعمالة في كينيا التي تتقاضى ما بين ١٫٤٦ و٣٫٧٤ دولارًا في الساعة، لقراءة وتصنيف آلاف المقاطع النصية، التي تتضمن العنف، والإساءات، وخطاب الكراهية لتدريب مرشحات التعلم المعزز. كما تستغل هذه الصناعة الأزمات الاقتصادية المحلية في دول مثل كينيا وفنزويلا، للحفاظ على قوة عمل متدنية الكلفة وقابلة للاستبدال في مجال البيانات.

أوضح الكتاب أيضًا التكلفة المادية والبيئية المباشرة للتوسُّع في الذكاء الاصطناعي، عبر مسارين متوازيين: أولهما، استنزاف الموارد المعدنية، واستغلال الموارد المائية الشحيحة والمياه الجوفية في المناطق الصحراوية، مثل صحراء أتاكاما، لاستخراج وتكرير المعادن النادرة مثل الليثيوم والنحاس، اللازمين لتصنيع البطاريات ومكونات العتاد. أمَّا المسار الثاني فيتضمن إنشاء مراكز البيانات العملاقة بالقرب من شبكات الطاقة والبنى التحتية، مثل المنطقة الحضرية في العاصمة التشيلية سانتياجو، أو في ولايتي أريزونا وأيوا الأمريكيَّتين، إذ تستهلك هذه المراكز كميات كبيرة من المياه الصالحة للشرب لتبريد الخوادم، ما يضغط بشكل مباشر على شبكات مياه الشرب للمجتمعات المحلية.

وتناول الكتاب الانقسام الأيديولوجي بين الفاعلين الرئيسيين في قطاع الذكاء الاصطناعي، إذ اعتبر الكتاب ساحة الذكاء الاصطناعي مجالًا لمنافسة محتدمة بين “المتشائمين” (Doomers) الذين يبرزون التهديدات الوجودية النظرية بعيدة المدى لتقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل الذكاء الاصطناعي المارق، و”دعاة التسريع الفعال” (Boomers)، الذين يدعون إلى تسريع تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي دون قيود. ويعمل هذان المعسكران تحت قناعة مشتركة بأن الذكاء الاصطناعي العام أمر حتمي. إضافةً إلى ذلك، أبعد الضغط المؤسسي التركيز التشريعي عن الأضرار الحالية للذكاء الاصطناعي، مثل: انتهاك حقوق الطبع والنشر، واستغلال العمالة، والتدهور البيئي.

تطرَّقت “هاو” إلى النماذج البديلة لإمبراطورية الذكاء الاصطناعي، والتي تقوم على إعادة توزيع السُلطة، إذ أوردت عددًا من أطر العمل البديلة المبنية على التوافق، والتبادلية، وسيادة البيانات، مثل:

  • منظمة “تي هِكو ميديا” (Te Hiku Media) التابعة لشعب الماوري الأصلي في نيوزيلندا، والتي قامت بإنشاء نموذج عالي الدِّقَّة للتعرُّف على اللغة الأصلية لذلك الشعب، باستخدام مجموعة بيانات صغيرة ومتخصصة، ووحدات معالجة رسومية محلية، والتي تعمل تحت موافقة المجتمع وسيادة البيانات.
  • الأبحاث المستقلة، مثل أبحاث معهد أبحاث الذكاء الاصطناعي الموزع (DAIR)، الذي أسسته تيمنيت جيبرو، والذي يبتكر أبحاثًا متجذرة في المجتمعات وتقاوم التمركز المؤسَّسي.
  • محاور إعادة توزيع السلطة الثلاثة، إذ يتطلب استرداد السيطرة على البيانات إضفاء الطابع الديمقراطي على المعرفة من خلال الالتزام بشفافية البيانات والتدقيق المستقل، والموارد من خلال حماية العمالة، وحقوق البيانات، ووضوح سلاسل التوريد، والتأثير من خلال التثقيف العام لتبديد الهالة والدعاية المحيطة بالذكاء الاصطناعي.

وجرى تناول هذه الأفكار عبر أربعة أجزاء قسَّمت الكتاب، احتوى الجزء الأول على خمسة فصول: الحق الإلهي، والمركز العصبي، ومهمة التمدُّن، وأحلام الحداثة، ونطاق الطموح. بينما شمل الجزء الثاني أربعة فصول: الصعود، والعلم في الأسر، وفجر التجارة، ورأسمالية الكوارث. كما تناول الجزء الثالث: الآلهة والشياطين، والذروة، والأرض المنهوبة، والنَّبِيَّان، والخلاص. في حين تضمن الجزء الرابع أربعة فصول: المناورة، والتجسس والخداع، والحساب، ومعادلة الإمبراطورية. ومن ثم الخاتمة. ويُمكن بيان كل جزء من هذه الأجزاء على النحو التالي:

الجزء الأول

استكشف هذا الجزء صعود “سام ألتمان” وبروزه كشخصية مركزية في وادي السيليكون بالولايات المتحدة، كما سلط الضوء على علاقة “ألتمان” برجل الأعمال الأمريكي “إيلون ماسك”، خاصةً فيما يتعلق بالمخاوف المشتركة لهما بشأن المخاطر الوجودية للذكاء الاصطناعي، والتي أدَّت في النهاية إلى تأسيس شركة OpenAI. وأبرز هذا الجزء السمات الشخصية لرائد مجال التقنية الأمريكي “ألتمان”، باعتباره استراتيجيًّا بارعًا، وذا حجة مقنعة، وشخصية ماهرة في بناء الشبكات القوية. كما أورد هذا الجزء الانقسام العام بشأن شخصية “ألتمان”، ففي الوقت الذي يروج فيه “ألتمان” لسردية العلاقات العامة، التي تصوره كشخصية مدفوعة بحرص مزدوج على الابتكار السريع وخير الإنسانية، تورد الكاتبة شهادات من المحيطين به لنفي تلك الصورة، إذ تمثِّل هذه السردية، بحسبهم، غطاءً أيديولوجيًّا، وتكشف ممارساته خلف الأبواب المغلقة عن نمط متكرر من المناورة السياسية، وتسخير المؤسسة لخدمة نفوذه الشخصي، وتثبيت سلطته كقائد مطلق.

كما عرض هذا الجزء رؤية كلٍّ من “ماسك” و”ألتمان” للذكاء الاصطناعي باعتباره تهديدًا محتملًا للوجود البشري، وتأثر هذا الثنائي بأفكار الفيلسوف “نيك بوستروم” صاحب كتاب “الذكاء الفائق” الداعية إلى ضمان عمل نُظم الذكاء الاصطناعي وفقًا للقيم الإنسانية، بما عُرف بمفهوم “محاذاة الذكاء الاصطناعي”. وتناول هذا الجزء تشكل رؤية “ألتمان” للعالم من قِبل مؤسِّس شركة Y Combinator “بول جراهام”، الذي اختار “ألتمان” خليفة له في قيادة الشركة، وهو ما زرع في خَلَدِ “ألتمان” فكرة حتمية النمو الاقتصادي. كما تأثَّرت رؤية “ألتمان” كذلك برائد الأعمال الأمريكي “بيتر ثيل”، الذي قدَّم تمويلًا كبيرًا لـ”ألتمان”، وعلَّمه استراتيجية الاحتكار، التي مفادها أن الهيمنة في السوق والحواجز المرتفعة لدخوله أمر ضروري للاحتفاظ بالسلطة على المدى الطويل.

الجزء الثاني

استعرض هذا الجزء عملية تحوُّل شركة OpenAI تحت قيادة “ألتمان” من مسرع أبحاث ذي سمعة مرموقة إلى “إمبراطورية تنافسية” تركز على النمو والتسويق التجاري، إذ اعتمدت هذه الشركة استراتيجية التوسُّع السريع، والتي تجسَّدت في تطوير نموذج الذكاء الاصطناعي “GPT-3″، وهو ما خلق احتكاكًا داخليًّا بين المجموعات التي أعطت الأولوية للمنتج، والبحث، والسلامة.

أدَّت هذه التوتُّرات إلى مغادرة شخصيات رئيسية تركِّز على المخاطر الوجودية من شركة OpenAI، لتأسيس الشركة المنافسة Anthropic. وأشار هذا الجزء -كذلك- إلى أن السعي وراء نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة أدَّى إلى إثارة منافسة أوسع على مستوى الصناعة وأثار مخاوف جدِّية بشأن البصمة الكربونية، والتحيُّز الخوارزمي، والتداعيات الأخلاقية للتقنيات مغلقة المصدر. وقد رسم هذا الجزء صورةً لمسار تطوُّر الذكاء الاصطناعي عالي المخاطر في وادي السيليكون، والموازنة الصعبة بين الابتكار والسلامة العالمية.

وبشكلٍ عام وثق الجزء الثاني سباق التسويق، والتوسع التقني المتسارع لمجال الذكاء الاصطناعي، والصراعات الداخلية على السلطة، والرقابة المؤسسية، والديناميكيات العمالية العالمية المحيطة بصعود OpenAI ونماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة بين عامي ٢٠١٩ و٢٠٢٤.

الجزء الثالث

أوْضح هذا الجزء التطوُّر الداخلي لشركة OpenAI، مع تحولها من منظمة غير ربحية تركِّز على البحث إلى قوة تجارية. كما تناول الجزء صعود حركة “الإيثار الفعال” (Effective Altruism) التي أسْهمت في تشكيل اهتمام الصناعة بتهديدات الذكاء الاصطناعي على الوجود البشري، والتي أدَّت في نهاية المطاف إلى انقسام أيديولوجي بين المتشائمين ودعاة التسريع الفعَّال.

كما استعرض الجزء الانقسام بين القسم التطبيقي في الشركة، والذي دفع إلى إصدار نموذجي الذكاء الاصطناعي “DALL-E 2” و”GPT-4″، وقسم الأمان، الذي ركَّز على الأضرار المجتمعية المحتملة والزلَّات الأخلاقية. كما جرى تناول الضغوطات الشديدة من أجل الحصول على بيانات تدريب النماذج، وهو ما دفع الشركة إلى جمع لقطات من منصة YouTube، برغم المخاطر القانونية المحتملة.

أبرز هذا الجزء التباينات بين طموحات “ألتمان” التجارية والمهمة الأصلية لبناء ذكاء اصطناعي آمن ونافع. كما أظهر الإنجازات التقنية التي طرحتها الشركة من أجل جذب انتباه المشكِّكين فيها، مثل مؤسِّس شركة مايكروسوفت “بيل جيتس”، وهو ما دفع مايكروسوفت إلى دمج تقنيات OpenAI بشكل متزايد في البنية التحتية لها.

ويقدِّم هذا الجزء دراسة نقدية للتوسُّع السريع لصناعة الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على التطوُّر التجاري لشركة OpenAI، والانقسامات الأيديولوجية التي تحرك وادي السيليكون، والتأثيرات البيئية والاستعمارية للبنية التحتية للبيانات، والسيطرة التشريعية والتنظيمية في الولايات المتحدة، وانهيار الحوكمة الداخلية الذي مهَّد الطريق لأزمة القيادة في شركة OpenAI.

الجزء الرابع

وثَّق هذا الجزء أزمة القيادة داخل شركة OpenAI، خلال أواخر عام ٢٠٢٣، مع تنامي المخاوف لدى عدد من أعضاء الفريق التنفيذي (Executive Team) للشركة إزاء أسلوب إدارة “ألتمان”، إذ تناول هذا الجزء تداعيات الانقسامات بين أعضاء شركة OpenAI جرَّاء تلاعب “ألتمان”، وتجاوزه لبروتوكولات السلامة لصالح تسريع عملية تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وهو ما خلق بيئة غير مواتية، من خلال تقديم معلومات متناقضة لمختلف أصحاب المصلحة.

كشف هذا الجزء عن محاولة “ألتمان” تقويض استقلالية المجلس التنفيذي، وهو ما أفقد في النهاية المديرين المستقيلين ثقتَهم في شفافية الإدارة، كما أبرز التباينَ بين مهمَّة الشركة لتطوير ذكاء اصطناعي آمن وديناميكية الإدارة التي أطَّرتها الثقة المجزَّأة والاحتكاكات النفسية، ومن ثَمَّ بيان المداولات الداخلية في الشركة، والتي مهَّدت الطريق لمحاولات تغيير الإدارة.

وهكذا، مثَّلت الأجزاء الأربعة التي استعرضها كتاب إمبراطورية الذكاء الاصطناعي وما حوتْه من أفكار رئيسة تحليلًا متكاملًا يكشف كيف تحوَّلت الطموحات العلمية إلى بنية احتكارية تُعيد إنتاج النماذج الاستعمارية في العصر الرقمي، وذلك ببيان كيف بدأت شركة OpenAI مشروعًا تقنيًّا قام على تنافس للأفكار والطموحات بين نُخبة وادي السيليكون، إذ اتُّخِذَ الخوف من المخاطر الوجودية للذكاء الاصطناعي مبررًا لتجميع رأس المال وتركيز النفوذ. كما جرى تسليط الضوء على التحوُّل الهيكلي نحو التسويق التجاري وفرض قوانين التوسُّع المُفرط، وما رافق ذلك من تراجع شفافية البحث العلمي واستغلال العمالة في دول الجنوب مثل كينيا وفنزويلا.

كما كشف الكتاب التكلفة المادية والبيئية المباشرة لمراكز البيانات والقدرات الحسابية الضخمة على حساب الموارد الطبيعية للمجتمعات المحلية، إلى جانب توظيف النفوذ المؤسَّسي لتوجيه التشريعات وحصرها في معايير شكلية تكرِّس هيمنة الشركات الكبرى. وفي النهاية، يحلل الكتاب آليات تركيز السلطة والتعديل المستمرِّ لمهمَّة الشركات التقنية، من أجل استيعاب الأرباح، بجانب طرح أطرٍ بديلة تتجلَّى في سيادة البيانات والعدالة الاستخراجية لتلك البيانات.

وختامًا، خلصت الكاتبة إلى أن مسار الذكاء الاصطناعي ليس قدرًا محتومًا، بل هو حصيلة خيارات بشرية اتَّخذتها نُخبة ضيقة، وأن تفكيك هذه “الإمبراطورية” لا يعني رفض التقنية في حَدِّ ذاتِها، بل يتطلَّب إعادة توزيع القوة عبر المحاور الثلاثة: المعرفة، والموارد، والتأثير.

ثالثًا- كيف نستفيد من أفكار الكتاب في العالم العربي والإسلامي؟

طرح الكتاب عددًا من القضايا المرتبطة بالتهديدات المحتملة للذكاء الاصطناعي، منها: السيطرة غير الشرعية على البيانات من قبل شركات الذكاء الاصطناعي الغربية، والتكلفة البيئية المتفاقمة لمراكز البيانات المستخدمة في تطوير الذكاء الاصطناعي، والانحيازات الثقافية والأيديولوجية المرتبطة بنماذج الذكاء الاصطناعي التجارية الكبرى، بجانب استغلال سلاسل توريد العمالة في دول الجنوب العالمي من أجل تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

ويُمكن الاستفادة من أفكار الكتاب عبر العالم العربي والإسلامي، في تطوير نموذجه الخاص للذكاء الاصطناعي، من خلال اعتماد مبدأ سيادة البيانات، بدلاً من الاقتصار على استيراد النماذج التجارية الضخمة، فبإمكان المجتمعات والدول العربية والإسلامية تأسيس نماذج مخصصة ومحدودة الحجم تُبنى متماهية مع الخصوصية الثقافية والمجتمعية. كما نجد أنه من المستحسن أن يتمَّ تطوير تلك النماذج بناءً على حاجات المجتمع، من خلال توجيه قدرات الذكاء الاصطناعي لحل مشكلات قطاعية محدَّدة، كالزراعة وإدارة الموارد، بدلاً من الانخراط الشكلي في سباق بناء نماذج عامة مكلفة ومستهلكة للموارد.

يتعيَّن كذلك الإقرار بحدود الانحياز الثقافي، فتطوير نماذج محلية أو إقليمية لا يضمن خلوَّها المطلق من الانحيازات الثقافية، إذ تظلُّ كلُّ أداة تقنية محملة بانحيازات بياناتها وسياقات بنائها، مما يتطلَّب إخضاع أيِّ نموذج محلِّي للتدقيق المستقل والنقد المستمر. ويتوجَّب بناءً على ذلك دعم البحث المستقل، والتدقيق الحر، والشفافية، من خلال تشجيع المؤسسات البحثية على إجراء تقييمات مستقلة للنماذج والبيانات، لتجنُّب الارتهان للادِّعاءات التسويقية لشركات التقنية.

وفيما يتعلَّق بالتكلفة البيئية لتطوير الذكاء الاصطناعي، فإن الاحتياجات المتزايدة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي من الموارد الطبيعية، خاصةً المياه الشحيحة في هذه المنطقة من العالم، تُحتم على دولنا العربية البحث عن حلول بنية تحتية مستدامة، تحمي من إهدار تلك الموارد، مثل الاعتماد على تقنيات التبريد السائل، وإعادة استخدام المياه المعالجة في تبريد تلك المراكز، بجانب ربط مراكز البيانات بمحطات الطاقة المتجددة. كما يتوجَّب على الدول العربية والإسلامية تطبيق نماذج عمل تضمن حقوق العاملين في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، تجنُّبًا للاستغلال غير العادل للعمالة في هذا المجال، بجانب طرح الأطر التشريعية والمؤسسية الممكنة للعاملين بهذا القطاع والمؤدية إلى الارتقاء بمهاراتهم المهنية.

خاتمة

وختامًا، مَثَّلَ كتاب “إمبراطورية الذكاء الاصطناعي” طرحًا نقديًّا يسلِّط الضوءَ على الوجه الخفي لصناعة الذكاء الاصطناعي، إذ يستعرض عملية التحول التدريجي لتلك الصناعة من كونها طموحًا بشريًّا يسْعى للارتقاء بالحضارة الإنسانية إلى نموذج تجاري بحت خاضع للقوانين الرأسمالية التقليدية، القائمة على تحقيق أقصى استفادة بأقل قدر من التكلفة، حتى ولو على حساب العاملين في المجال، أو انتهاك خصوصية المستخدمين، أو فرض التحيزات الأيديولوجية عليهم.

وبرغم استمرارية التطور والتقدم في مجالات التقانة المختلفة، فإن نموذج “الاستعمار الرقمي” الذي طرحته “هاو” ليس مسارًا حتميًّا، ويمكن تجنُّبه باتِّخاذ القرارات السليمة وتجنُّب تغليب المصالح الاقتصادية والمادية البحتة على حساب الرفاه العام للبشرية، ومن ثم فإن الحلَّ الأمثل لتلك المعضلة يتبدَّى من خلال “أنسنة التقنية” بديلًا عن “رقمنة الإنسان” أو استبداله كليةً بالآلة والذكاء الاصطناعي. ومن هنا، يجد عالمنا الإسلامي والعربي نفسه مضطرًّا للدخول في معترك تطوير الذكاء الاصطناعي، حتى يجد مكانًا لنفسه في عالم المستقبل، ويكون له دوره في توجيه دفة التطوير، حتى لا تُفرض عليه قيم، ومسارات، وهيمنة رقمية لا تتَّسق مع هُويته، وحتى يكون فاعلًا نشطًا في عالم المستقبل، الذي سوف تكون عملته الأساسية هي البيانات والعلم، لا النفط والمال.


[1] Karen Hao, Empire of AI: Dreams and Nightmares in Sam Altman’s OpenAI, (New York: Penguin Press, 2025).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى