أثر الذكاء الاصطناعي على الفجوة بين الشمال والجنوب في إنتاج المعرفة

مقدمة
في خضمِّ تحولات وتطورات وتقلبات المعارف الإنسانية جاء الذكاء الاصطناعي ليحدث زلزالًا معرفيًّا في كافة مناحي الحياة المعاصرة. وطرح أسئلة فلسفية واجتماعية وسياسية ودينية معقدة ومتشابكة ومترابطة في آن واحد؛ فمنذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يشهد العالم تحولًا جذريًّا في طريقة إنتاج المعرفة وتداولها، بفعل الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف الميادين؛ العلمية والاقتصادية والثقافية والسياسية. فقد تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة مساعدة في التحليل والحوسبة إلى فاعل رئيسي في عمليات البحث العلمي والتعليم والابتكار، بل أصبح في كثير من الاحيان طرفًا شريكًا في إنتاج المعرفة ذاتها، عبر نماذج اللغة وأنظمة التعلم الآلي التي تنتج نصوصًا وتحليلات وتصورات كانت مقتصرة على العقل البشري وحده.
كما أن هذا التحول التقني الكبير لم يحدث في فراغ اجتماعي واقتصادي متكافئ، بل جاء في سياق عالمي يتَّسم أصالةً بتفاوت هيكلي عميق بين ما يُعرف بدول الشمال المتقدمة صناعيًّا وتقنيًّا، ودول الجنوب التي لا تزال تُعاني من ضعف البنية التحتية العلمية والتقنية ومحدودية الموارد المخصَّصة للبحث والتطوير. ومن هنا تبرز إشكالية مركزية تشغل الباحثين وصناع القرار على حد سواء؛ هي: هل يسهم الذكاء الاصطناعي في تضييق الفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب من خلال إتاحة أدوات متقدِّمة بتكلفة منخفضة نسبيًّا؟ أم أنه على النقيض من ذلك يعمِّق هذه الفجوة ويكرِّس هيمنة الشمال على مصادر المعرفة وأدوات إنتاجها؟
وتستمد هذه الإشكالية أهميتها من كون الذكاء الاصطناعي ليس تقنية محايدة تمامًا، فهو يعتمد في تطويره على موارد ثلاثة أساسية؛ هي البيانات الضخمة والقدرة الحاسوبية الفائقة ورأس المال البشري المتخصِّص، وهذه الموارد الثلاثة موزَّعة توزيعًا غير متكافئ بين دول العالم، بحيث تتركَّز غالبيَّتها في عدد محدود من الدول والشركات الكبرى في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وشرق آسيا. وبناء عليه فإن أيَّ حديث عن أثر الذكاء الاصطناعي في إنتاج المعرفة لا يمكن أن يغفل هذا البعد الجيوسياسي والاقتصادي الذي يحكم توزيع القدرة على تطوير هذه التقنية والإفادة منها.
ويتغيَّا هذا التقرير تقديم قراءة تحليلية نقدية لهذه الاشكالية، من خلال استعراض أبرز الأطر النظرية المفسِّرة للفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب، وتحليل مظاهر هذه الفجوة في عصر الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مكرِّسًا لهذه الفجوة أو مقلِّصًا لها، إضافة إلى استعراض بعض النماذج والمبادرات التي تحاول دول الجنوب من خلالها أن تجد لنفسها موطئ قدم في هذا المجال.
أولًا- الذكاء الاصطناعي والفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب: الأطر النظرية والمداخل التفسيرية
١-الذكاء الاصطناعي: من التعريف إلى التعرف
ترجع نشأة مصطلح الذكاء الاصطناعي إلى عام ١٩٥٦، عندما اجتمع باحثون من اتجاهات مختلفة في مؤتمر في دارتموث بتمويل من مؤسسة روكفلر، ودعم من شركة IBM الأمريكية[1]. حيث وضع العالم الأمريكي جون مكارثي مصطلح الذكاء الاصطناعي في هذا المؤتمر، ليعبر عن تكنولوجيا مأمولة قادرة على محاكاة التفكير البشري. وفي عام ١٩٦١ أدخلت شركة جنرال موتورز الأمريكية أول روبوت صناعي في التاريخ الخدمة رسميًّا. ثم ظهر لأول مرة برنامج حاسوبي لمعالجة اللغة الطبيعية -على منوال شات جي بي تي- يسمَّى إليزا ELIZA، ثم ما لبث أن حدثت القفزة التي هزَّت الأوساط العلمية؛ حيث نجح برنامج Deep Blue، التابع لشركة IBM عام ١٩٩٧ في هزيمة بطل العالم في الشطرنج جاري كاسباروف. وتلا ذلك في عام ٢٠١٢ تطبيق للشبكات العصبية وتدريبها على كميات هائلة من النصوص على شبكة الإنترنت، ودُشِّنت بداية من عام ٢٠٢٢، تطبيقات للذكاء الاصطناعي للدردشة ومحاكاة الصور والفيديوهات، مثل شات جي بي تي، وجورك، وجيمناي وغيرهم[2].
ويمكن التمييز في هذا السياق بين ثلاثة مكونات أساسية تشكل ما يمكن تسميته بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وهي أولًا البيانات الضخمة التي تشكل المادة الخام لتدريب النماذج، وثانيًا القدرة الحاسوبية المتمثلة في وحدات المعالجة الرسومية المتخصِّصة ومراكز البيانات الضخمة، وثالثًا الكفاءات البشرية المتخصِّصة في هندسة النماذج وتطويرها. وتوزيع هذه المكوِّنات الثلاثة بين دول العالم هو ما يحدِّد إلى حدٍّ كبير من يملك القدرة على إنتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن يظلُّ مستهلكًا لها فحسب[3].
ويشير مصطلح الذكاء الاصطناعي إلى مجموعة الأنظمة الحاسوبية القادرة على محاكاة وظائف معرفية كانت تعد حكرًا على العقل البشري، كالتعلم والاستدلال وحل المشكلات والإدراك اللغوي. وقد تطوَّر هذا المجال منذ منتصف القرن العشرين عبر مراحل متعدِّدة، من الأنظمة الخبيرة القائمة على قواعد منطقية صريحة، إلى أنظمة التعلُّم الآلي القائمة على تحليل كميات هائلة من البيانات، وصولًا إلى نماذج التعلُّم العميق ونماذج اللغة الكبيرة التي شكَّلت طفرةً نوعيَّةً في العقد الأخير، والتي أصبحت قادرة على إنتاج نصوص وصور وتحليلات تضاهي في جودتها وسبكها الإنتاج البشري[4]. وللذكاء الاصطناعي خصائص وسمات عدة، يجمع زمامها آلان بونيه في: التمثيل الرمزي والرقمي للمعرفة الإنسانية ليسهل معالجتها والاستفادة منها، وإمكانية التعامل مع البيانات المتضاربة وغير المكتملة، إضافة إلى القدرة على التعلم ومحاكاة سَنَنِ التفكير والسلوك الإنساني[5].
٢- مفهوم الفجوة بين الشمال والجنوب في إنتاج المعرفة
يعود مصطلح الشمال والجنوب في أدبيات التنمية إلى تصنيف اقتصادي سياسي يميز بين مجموعة الدول الصناعية المتقدِّمة التي تتركَّز غالبها جغرافيًّا في نصف الكرة الشمالي، ومجموعة الدول النامية والأقل نموًّا التي تتركَّز غالبيَّتها في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وقد استخدم هذا التصنيف تاريخيًّا للإشارة إلى التفاوت في مستويات الدخل والتصنيع[6]، ثم توسَّع لاحقًا ليشمل أبعادًا أخرى كالتفاوت الرقمي والتفاوت في الوصول إلى التعليم والصحة والمعرفة العلمية.
ويشير مفهوم إنتاج المعرفة إلى منظومة متكاملة من العمليات والممارسات التي تُعنى بتوليد المعارف الجديدة وتطويرها والتحقُّق من صحَّتها وتوثيقها ونشرها وتداولها داخل المؤسسات والمجتمعات العلمية والمعرفية. ولا يقتصر هذا الإنتاج على اكتشاف المعرفة فقط، بل يمتدُّ إلى تحديد الأسئلة والمشكلات البحثية، واختيار المناهج والأدوات الملائمة، وإنتاج البيانات وتحليلها، وتحويل النتائج إلى معرفة قابلة للتداول والتطبيق. ومن ثم، فإن إنتاج المعرفة هو في جوهره عملية اجتماعية ومؤسسية تتأثر بتفاوت الموارد والقدرات العلمية والتكنولوجية، ومدى توافر البنية التحتية البحثية والتمويل وقواعد البيانات وشبكات التعاون والمؤسسات الأكاديمية بين الشمال والجنوب، وتكتسب هذه العملية أهمية مضاعفة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ حيث يرتبط إنتاج المعرفة بامتلاك البيانات الضخمة والقدرة الحاسوبية والكوادر المتخصِّصة ومراكز البحث والاستثمارات والبرمجيات والبنية التحتية الرقمية، بما يجعل التفاوت في هذه الموارد تفاوتًا في القدرة على إنتاج المعرفة ذاتها، لا مجرد تفاوت في القدرة على استهلاك التقنيات والاستفادة منها[7].
وبناءً على ذلك، لا يُعَدُّ مفهوم إنتاج المعرفة في هذا الورقة باعتباره كمية الأبحاث أو الدراسات العلمية المنتجة فحسْب وإنَّما بكونه قدرةً متكاملةً على المشاركة في مختلف مراحل دورة المعرفة، بداية من تحديد المشكلات والأسئلة والموضوعات البحثية، مرورًا بجمع البيانات وإنتاج المعرفة وتحليلها، وصولًا إلى نشرها وتطبيقها والمشاركة في تحديد الاتجاهات والمعايير التي تحكم تطوُّرها وعلاقة الذكاء الاصطناعي بذلك. ومن هنا يصبح إنتاج المعرفة أحد المؤشرات الأساسية لفهم الفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب في عصر الذكاء الاصطناعي.
٣- الأطر النظرية والمداخل التفسيرية
في ظلال العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والتفاوت المعرفي بين الشمال والجنوب، تأتي العديد من الأطر النظرية لفهم هذه الفجوة وتفسير أسبابها وتوضيح تجلياتها، تبرز في مقدمتها نظرية التبعية التي تفسِّر العلاقة بين الشمال والجنوب باعتبارها علاقة تبعية اقتصادية وتقنية متجذرة تاريخيًّا في الحقبة الاستعمارية، حيث ظلَّ الجنوب مصدرًا للمواد الخام والأيدي العاملة الرخيصة، بينما احتكر الشمال عمليات التصنيع والابتكار والإنتاج المعرفي[8]. وتفيد هذه النظرية في تفسير استمرار هذا النمط من التبعية في العصر الرقمي، حيث يوفِّر الجنوب البيانات الخام والعمالة الرقمية الرخيصة اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بينما تحتفظ شركات الشمال بملكية هذه النماذج وبراءات اختراعها وعوائدها الاقتصادية.
كما يمكن الاستعانة بنظرية ما بعد الاستعمار ومفهومها الرئيس “الاستعمار المعرفي” الذي يشير إلى الهيمنة المعرفية التي تمارسها المرجعيات الفكرية والعلمية الغربية على أنماط إنتاج المعرفة عالميا، بحيث تصبح المعايير والأطر التحليلية المنبثقة عن السياق الغربي هي المعيار الكوني المعتمد، بينما تهمش أنماط المعرفة المحلية والتقليدية في الجنوب[9]. فلا يمكن فهم الفجوة المعرفية الراهنة بمعزل عن الجذور التاريخية الممتدَّة إلى الحقبة الاستعمارية، حين أسَّست القوى الاستعمارية نظمًا تعليمية في مستعمراتها موجَّهة أصالة لخدمة مصالحها الاقتصادية والسياسية، لا لتنمية قدرات محلية مستقلَّة على إنتاج المعرفة.
ثمَّة إطار نظري ثالث يمكن الاستناد إليه، وهو الاقتصاد السياسي للمعرفة الذي يركِّز على تحليل توزيع الموارد المادية والمؤسسية اللازمة لإنتاج المعرفة، كالتمويل البحثي والبنية التحتية للحوسبة والملكية الفكرية، ويفسر كيف تتحول هذه الموارد إلى أداة لتكريس مواقع القوة القائمة بدلًا من أن تكون وسيلة لتوزيع الفرص بشكل أكثر عدالة. وهنا تأتي نظرية النظام – العالم، التي طوَّرها عالم الاجتماع إيمانويل فالرشتاين، لتمثل إطارًا تحليليًّا معيَّنًا لفهم موقع دول الجنوب من عملية إنتاج المعرفة، وتنطلق هذه النظرية من تصوُّر للاقتصاد العالمي باعتباره نسقًا واحدًا مترابطًا تُقَسَّمُ الدول فيه إلى مركز وأطراف وشبه أطراف، وفق موقع كلٍّ منها في سلسلة الإنتاج والتبادل العالمي[10].
وبناءً على ذلك؛ فإن بنية النسق العالمي نفسها، القائمة على تراتُبية وظيفية بين المركز والأطراف، هي التي تُعيد إنتاج التفاوت بغضِّ النظر عن التقنية المستخدَمة في كلِّ حقبة، بحيث كانت المواد الخام في الحقبة الصناعية هي القطن والمعادن والنفط، وأصبحت المادة الخام في الحقبة الرقمية هي البيانات الشخصية والسلوكية لمليارات المستخدمين حول العالم، بينما ظلَّت الوظيفة الرئيسة لدول الجنوب مصدرًا للمادة الخام لدول الشمال دون تحوُّل جوهري.
وتعضِّد النظريةُ النقديةُ في العلاقات الدولية هذه الرؤية؛ حيث تنطلق من رفض تفسير الفجوة بين الشمال والجنوب باعتبارها مجرد اختلاف في معدَّلات النموِّ أو نقصًا في الموارد والمؤسسات داخل دول الجنوب، وتركِّز بدلًا من ذلك على علاقات القوة والهيمنة التي تنتج النظام الدولي وتُعيد إنتاجه. فوفقًا لهذا المنظور، لا تتحدَّد مكانة الدول في النظام العالمي بالقوة العسكرية أو الاقتصادية فقط، وإنما أيضًا بقدرتها على تحديد القواعد والمعايير والمفاهيم التي تُعرف من خلالها قضايا مثل التنمية والتقدُّم والمعرفة. وهنا تظهر أهمية أفكار روبرت كوكس التي تميز بين النظر إلى النظام الدولي كما هو، وبين التفكير النقدي في كيف أصبح هذا النظام على هذه الصورة ولصالح من يستمر، فالنظرية وفقًا للتعبير الشهير له؛ لغرض ما ولشيء ما[11]. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب باعتبارها نتيجة تاريخية لتراكم علاقات غير متكافئة تشكَّلت عبر الاستعمار والرأسمالية العالمية والمؤسَّسات الدولية وتقسيم العمل العالمي، ثم استمرَّت بأشكال أكثر حداثة وتقدُّمًا.
وعلى النقيض من ذلك؛ وفي رؤية تفاؤلية تنظر الليبرالية المؤسسية الجديدة إلى الفجوة بين الشمال والجنوب العالمي من خلال أهمية الأسواق المفتوحة، والتجارة الدولية، والاستثمار، والمؤسسات الدولية، والتعاون بين الدول في تحقيق التنمية وتعزيز الابتكار والمعرفة؛ ووفقًا لهذا المنظور، لا يُنظر إلى الفجوة باعتبارها نتيجة حتمية لعلاقات الهيمنة فقط، وإنما باعتبارها مشكلة يمكن تقليصها من خلال زيادة اندماج دول الجنوب في الاقتصاد العالمي والاستفادة من آليات السوق والتجارة والاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا[12]. حيث تؤكد الليبرالية الجديدة أن المؤسسات الدولية، مثل المؤسسات المالية ومنظمات التجارة والتنمية، يمكن أن تؤدِّي دورًا في وضع قواعد مشتركة وتشجيع التعاون وتوفير التمويل والخبرات للدول النامية، بما يساعدها على تحسين قدراتها الإنتاجية والاقتصادية والمعرفية.
وفي هذا السياق، ترى الليبرالية الجديدة الذكاء الاصطناعي موردًا جديدًا يمكن أن يساهم في تضييق الفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب من خلال رفع الإنتاجية، وتطوير التعليم والرعاية الصحية، وتحسين الخدمات الحكومية، ودعم الشركات الناشئة، وتسهيل الوصول إلى المعرفة والأسواق العالمية. كما يمكن للتعاون الدولي أن يسمح لدول الجنوب بالاستفادة من التكنولوجيا والخبرات التي طوَّرتها الدول والشركات الأكثر تقدُّمًا، بدلًا من اضطرار كلِّ دولة إلى بناء قدراتها من البداية. ومن ثم، فإنها ترى أن توسيع التعاون التكنولوجي، وتشجيع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتسهيل انتقال التكنولوجيا والمعرفة يمكن أن يحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة للتنمية وتقليل الفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب[13].
ثانيًا- الذكاء الاصطناعي وتعميق الفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب
قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي محورًا رئيسيًّا في الجدل حول الفجوة المعرفية بين دول الشمال والجنوب؛ كانت المؤشرات التقليدية للإنتاج العلمي تُظهر بوضوح حجم التفاوت القائم، بين دول الشمال والجنوب؛ فقد أظهرت إحصاءات اليونسكو أن أكثر من ثلثي الإنفاق العالمي على البحث والتطوير كان يتركَّز في عدد محدود من الدول الصناعية[14]، وقد أسْهمت هذه المؤشِّرات التاريخية في تشكيل بنية غير متكافئة سبقت فترة التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بحيث دخلت دول الجنوب إلى هذا العصر الجديد وهي مثقلة بإرث تراكمي من ضعف البنية البحثية والتمويل والكفاءات، الأمر الذي جعلها في موقع أضعف للاستفادة من الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي مقارنة بدول الشمال التي انطلقت من قاعدة علمية وتقنية أكثر رسوخًا.
١- تمركز صناعة الذكاء الاصطناعي في دول الشمال
يعتمد تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة على ثلاثة موارد أساسية متكاملة ومترابطة، هي: البيانات الضخمة اللازمة لتدريب النماذج، والقدرة الحاسوبية الفائقة المتمثلة في مراكز البيانات المزودة بوحدات معالجة رسومية متخصِّصة، والكفاءات البشرية المتخصصة في علوم البيانات وهندسة النماذج. وتتوزَّع هذه الموارد الثلاثة توزيعًا غير متكافئ بشكل صارخ بين دول العالم، حيث تتركز مراكز إنتاج الذكاء الاصطناعي في دول الشمال، حيث تستحوذ الولايات المتحدة الأمريكية بمفردها على أكثر من ٥٤٢٧ مركزًا لبيانات الذكاء الاصطناعي، بما يفوق عشرة أضعاف ما تمتلكه أي دولة أخرى غيرها. كما تظهر البيانات المتعلقة بالاستثمار في قطاع الذكاء الاصطناعي تمركزًا لافتًا في عدد محدود من الاقتصادات الكبرى، فتستحوذ الولايات المتحدة وحدها على النسبة الغالبة من الاستثمارات العالمية في هذا القطاع، إذ بلغت نحو ٢٨٥ مليار دولار لعام ٢٠٢٥[15]، بينما تظل حصة القارة الأفريقية وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط مجتمعة محدودة جدًّا مقارنة بحجم سكَّانها واحتياجاتها التنموية.
كما يظهر هذا التمركز في هيمنة عدد محدود من الشركات التقنية الغربية الكبرى على تطوير نماذج اللغة الضخمة ونشرها؛ على غرار أوبن إيه آي وإنفيديا وجوجل وأنثروبيك ومايكروسوفت وغيرهم؛ بحيث أصبحت هذه الشركات تتحكَّم فعليًّا في الأطر التقنية التي يتمُّ من خلالها إنتاج المعرفة رقميًّا على مستوى العالم، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول مدى استقلالية القرار المعرفي في الدول التي لا تملك بدائل محلية لهذه التقنيات.
ويترتَّب على هذا التمركز تبعات مباشرة على استقلال دول الجنوب في تطوير حلول محلية معتمدة على الذكاء الاصطناعي؛ إذ تضطر غالبية هذه الدول إلى الاعتماد على البنية التحتية السحابية المملوكة لشركات شمالية كبرى، مما يجعلها في موقع المستهلك التقني أكثر منه في موقع المنتج، ويضعها أيضًا تحت طائلة تبعية تقنية جديدة تتمثل في الاعتماد على واجهات برمجية وخدمات سحابية وتقنية مطورة في دول الشمال[16].
وهذا التمركز التقني ليس مجرد ميزة اقتصادية فحسْب؛ بل في جوهره هيمنة سياسية؛ فعندما أرادت الصين تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تعبِّر عن خصوصيَّتها، ومستقلة نسبيًّا عن التوجُّهات الغربية؛ جُوبهت بعقوبات أمريكية شديدة ساهمت في منع العديد من الشركات الصينية من الوصول إلى الرقائق الإلكترونية اللازمة لبناء هذه النماذج.
٢- التحيز الثقافي في نماذج الذكاء الاصطناعي
من أبرز مظاهر الهيمنة المعرفية التي تتبدَّى في تقنيات الذكاء الاصطناعي: الهيمنة اللغوية؛ إذ تهيمن اللغة الإنجليزية بشكل كبير وطاغ على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدِّمة، وأدوات معالجة اللغات الطبيعية المعقَّدة[17]. فعلى سبيل المثال في نموذج “جي بي تي ٣”، استحوذت اللغة الإنجليزية على ما نسبته ٩٢٪ من لغة كلمات تدريب النموذج، كما أن غالب النماذج الأخرى تقترب فيها نسبة تمثيل اللغة الإنجليزية من بيانات التدريب إلى هذه النسبة[18].
ولا يقتصر هذا التحيُّز على البُعد اللغوي وحده، بل يتخطَّاه ليشمل بُعْدًا ثقافيًّا وقيميًّا أعمق، إذ تعكس مخرجات هذه النماذج غالبًا افتراضات ثقافية واجتماعية منبثقة عن السياق الغربي الذي تدربت عليه، وقد يؤدِّي ذلك إلى تكريس تمثيلات وخطابات نمطية مغلوطة وخاطئة عن مجتمعات الجنوب، أو إلى تهميش أنماط المعرفة المحلية والتقليدية التي لا تجد لها حضورا كافيًا في البيانات التدريبية المتاحة رقميًّا.
وهناك عدَّة تجارب أثبتت ذلك عند التعامل مع هذه النماذج؛ فعلى سبيل المثال؛ قام باحثون عرب بسؤال نموذج “جروك ٣” -نموذج من إنتاج شركة” Space XAI” الأمريكية المملوكة للمليادير إيلون ماسك– عن كتابة قصة من خمسة أسطر عن شجاعة جندي في أرض المعركة. فتجلى في الإجابة الانحياز إلى السياق الغربي، حيث تطلب الأمر ثلاث محاولات للحصول على شخصية غير بيضاء، وأربع محاولات لإنتاج قصة خارج السياق الغربي بشقيه الأوروبي والأمريكي[19].
فمعظم نماذج اللغة الكبيرة الحالية تدرَّب على كميات هائلة من النصوص المتاحة على شبكة الإنترنت، بما يجعلها منحازة بشكل واضح إلى اللغة الانجليزية وعدد محدود من اللغات الأوروبية، بينما لا تزال اللغات المحلية في كثير من دول الجنوب، ومنها العديد من اللغات الأفريقية والآسيوية، ممثلة تمثيلًا ضئيلًا جدًّا في البيانات التدريبية. وقد أظهرت دراسات عديدة أن جودة أداء نماذج الذكاء الاصطناعي تتراجع بشكل ملحوظ عند التعامل مع لغات منخفضة الموارد الرقمية، مما يحد من قدرة الناطقين بهذه اللغات على الاستفادة الكاملة من هذه التقنيات في إنتاج المعرفة بلغتهم الأصلية[20].
وبهذا يكون الذكاء الاصطناعي ليس مجرد آلات وقدرات مادية فحسْب، بل هو في جوهره يحمل خصائص وسمات ثقافية ولغوية عدَّة تجعل دول الجنوب قلقةً من تبِعاته السلبية على مختلف المجالات المعرفية والعلمية والاجتماعية. إذ إن الذكاء الاصطناعي في تطوراته الحالية هو مشروع معرفي غربي بالأساس؛ إذ ارتبطت نشأته بالبيئة الغربية، وَغُذِّيَ لُغَوِيًّا وفلسفيًّا وتقنيًّا بالمعارف الغربية بروافدها الوضعية، التي تنشد السيطرة والهيمنة، والتحكُّم في سيرة الإنسان وصيرورته[21].
٣- الذكاء الاصطناعي وتعميق الفجوة التقنية بين الشمال والجنوب
يمثِّل ضعفُ البنية التحتية الرقمية في كثير من دول الجنوب عائقًا مباشرًا أمام الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء من حيث محدودية انتشار شبكات الإنترنت عالية السرعة، أو من حيث نقص مراكز البيانات المحلية القادرة على استضافة تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتشغيلها بكفاءة. وتترتَّب على هذا الوضع تبعات مضاعفة، إذ تضطر المؤسَّسات البحثية والشركات الناشئة في دول الجنوب إلى تحمُّل تكاليف إضافية للوصول إلى خدمات الحوسبة السحابية من مزوِّدين خارجيِّين، وهو ما يرفع تكلفة الابتكار المحلي ويحدُّ من قدرته التنافسية مقارنة بنظيره في دول الشمال؛ فعلى سبيل المثال لا تمتلك قارة أفريقيا إلا ٢٦٥ مركزًا للبيانات فقط؛ فيما لا يتجاوز نحو ١٪ من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في العالم[22].
كما حذَّرت منظمة العمل الدولية في تقرير لها في يوليو ٢٠٢٤، من أن التسارع المتنامي في وتيرة التطور التكنولوجي، وبخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، قد يُفضي إلى تعميق أوجه التفاوت الاقتصادي على الصعيد العالمي؛ إذ تستأثر الاقتصادات مرتفعة الدخل بالقسم الأكبر من مكاسب هذا التحول، في حين تظلُّ الدول النامية، في كثير من الأحيان، أسيرة دور المتلقِّي للتكنولوجيا أو المزود بخدمات منخفضة القيمة المضافة[23].
وفي هذا السياق، تشهد أسواق العمل في الدول النامية تنامي ظاهرة انتقال الكفاءات البشرية إلى الأسواق العالمية عبر منصات العمل الحر، حيث تقدم العمالة الماهرة خدماتها لشركات ومؤسسات في الاقتصادات المتقدِّمة من دون أن تقتضي مشاركتها انتقالًا جغرافيًّا فعليًّا. وتُعْزَى هذه الظاهرة، التي يمكن وصفها بالهجرة الافتراضية، إلى هشاشة البنية التكنولوجية المحلية وضآلة الفرص المتاحة أمام الكفاءات الوطنية. وعلى الرغم من إتاحتها سُبُلًا جديدة للاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي، فإنها قد تفضِي إلى انتقال محدود للمعرفة والخبرات، بما يحدُّ من تراكم القدرات التكنولوجية محليًّا، ويُضعف فرص تشكُّل منظومات وطنية للابتكار قادرة على تحقيق نموٍّ مستدام ومستقل.
كما تُعاني كثيرٌ من دول الجنوب من ظاهرة هجرة الكفاءات المتخصِّصة في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات نحو دول الشمال، بحثًا عن بيئة بحثية أكثر تطورًا وفرص عمل ذات أجور أعلى ومراكز بحثية أكثر تجهيزًا. وتؤدِّي هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتُها بنزيف العقول الرقمية، إلى إفراغ المؤسَّسات الأكاديمية والبحثية في الجنوب بقدرٍ كبيرٍ من كفاءاتها المتميزة، ممَّا يضعف قدرتها على بناء برامج بحثية مستدامة في هذا المجال الحيوي، ويجعلها أكثر اعتمادًا على الخبرات الأجنبية او على الكفاءات المهاجرة نفسها حين تعود للمساهمة في مشاريع محدودة عن بعد[24].
وتتفاقم هذه الظاهرة بفعل استراتيجيَّات الاستقطاب النشطة التي تتبنَّاها كُبرى الشركات التقنية العالمية، والتي تقدِّم عروضًا مالية وبحثية مُغرية للكفاءات الواعدة في دول الجنوب فور تخرُّجها أو حتى خلال مراحل دراستها العُليا، الأمر الذي يُحَوِّلُ جزءًا كبيرًا من الاستثمار التعليمي الذي أنفقتْه دول الجنوب على تكوين هذه الكفاءات، التي هي قطب رحى المنظومة التعليمية في دول الجنوب إلى عائد صاف لصالح اقتصادات الشمال[25].
٤- الذكاء الاصطناعي واستعمار البيانات
يشير مفهوم استعمار البيانات إلى الممارسات التي تقوم من خلالها شركات ومؤسسات في دول الشمال بجمع كميات هائلة من البيانات من مستخدمي دول الجنوب دون مقابل مجز وعادل، واستخدامها لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي تعود ملكيَّتها وعوائدُها الاقتصادية إلى تلك الشركات وحدها[26]. ويرى بعض الباحثين أن هذه الممارسة تُعيد إنتاج منطق الاستخراج الاستعماري التقليدي القائم على استخراج الموارد الخام من الجنوب ومعالجتها وتحويلها إلى سلع ذات قيمة مضافة عالية في الشمال، مع فارق أن المورد المستخرج هذه المرة هو البيانات الرقمية بدلًا من المواد الخام التقليدية؛ حيث تجسِّد الشركات الغربية مثل جوجل وأمازون ومايكروسفت وأوبن إيه آي هذه العملية[27].
ومن هذا المنطلق؛ يُجَسِّدُ الذكاءُ الاصطناعي أحدَ أبرز مظاهر استعمار البيانات في دول الجنوب؛ إذ تتحوَّل البيانات المتولِّدة عن السكَّان إلى مورد استراتيجي تستحوذ عليه الشركات التكنولوجية الكبرى. فبينما تُقدَّم تقنيات الذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات للتنمية والابتكار، تكشف ممارسات جمع البيانات وتحليلها عن علاقات غير متكافئة تُعيد إنتاج التبعية الرقمية؛ حيث يمتلك الشمال العالمي البنية التحتية والخوارزميات ورأس المال، بينما تتحوَّل مجتمعات الجنوب إلى مصدر للبيانات ومجال لتجريب التقنيات ومُستهلك لمنتجاتها. وبذلك لا يقتصر الاستعمار الرقمي على السيطرة على الموارد المادية، بل يمتدُّ إلى المورد المعرفي الجديد وهو البيانات، حيث تُستخرج من المجتمعات المحلية، وتُحول إلى معرفة وقيمة اقتصادية في مراكز القوة العالمية، ثم تعود إليها في صورة تقنيات وخدمات قد تعيد بدورها تشكيل سلوكها وقراراتها وحياتها اليومية.
وحتى عملية إنتاج المعرفة في شركات الذكاء الاصطناعي سَرَتْ فيها تجلِّيات الفجوة بين الشمال والجنوب؛ حيث تتركَّز عمليات البحث الرئيسة والعمليات المتقدِّمة للبحث والتطوير في دول الشمال؛ بينما تتمُّ الأعمال الروتينية وعمليات إدخال البيانات وتصنيفها في دول الجنوب الفقيرة، فعلى سبيل المثال شركة “أوبن إيه أي” الأمريكية يعمل فريق البحث الرئيسي لها في كاليفورنيا، بينما تُسند الأعمال الروتينية إلى موظفين لها في الهند وكينيا والفلبين وأوغندا[28].
٥- الذكاء الاصطناعي والفجوة في النشر العلمي والبرامج البحثية
لا تزال المجلات العلمية المتخصِّصة في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات تشهد هيمنة واضحة لباحثين منتمين إلى مؤسسات في دول الشمال، سواء من حيث عدد الأبحاث المنشورة أو من حيث تولِّي المواقع القيادية في هيئات التحرير واللجان العلمية للمؤتمرات الدولية الكبرى في هذا المجال، إضافة إلى التصنيف الدولي للمجلات المتخصِّصة. ويُعْزَى ذلك جزئيًّا إلى محدودية التمويل المخصَّص للبحث العلمي في دول الجنوب، وكذلك إلى الصعوبات اللغوية والمنهجية التي تواجه الباحثين غير الناطقين بالإنجليزية في النشر بالمجلات المرموقة، إضافة إلى محدودية فرص التواصل العلمي وبناء الشراكات البحثية الدولية[29].
كما تظهر بيانات التمويل البحثي العالمي أن برامج المنح الكبرى الموجهة للبحث في الذكاء الاصطناعي تتركَّز غالبًا في مؤسسات تمويل شمالية، وحين توجَّه بعض هذه البرامج نحو دعم مشاريع في الجنوب فإنها غالبًا ما تتمُّ عبر شراكات تقودها مؤسَّسات شمالية، بحيث يظلُّ دورُ الباحثين في الجنوب مقتصرًا على جمع البيانات المحلية وتنفيذ الجوانب الميدانية من المشروع، بينما تتولَّى المؤسَّسات الشمالية القيادة العلمية والتحليلية للمشروع.
كذلك تفرض دول الشمال هيمنتها على مسار البحث العلمي وتوجيهه لخدمة مصالحها، وفي المقابل يتمُّ تهميش الموضوعات البحثية التي تخدم البيئة الحضارية للجنوب وسياقاته المحلية[30]. ويزيد الأمر فداحة وإيغالًا في أسر التبعية المعرفية؛ أن الذكاء الاصطناعي جاء في مناخ يتسم أصالة بقابلية غالبية دول الجنوب للتبعية المعرفية الغربية من جراء جريانها غير المنضبط وراء التصنيفات الغربية بما يتعلَّق بالنشر العلمي والترقيات العلمية والبرامج البحثية بلا تروٍّ ولا تمحيص بما يمكن تسميته “بالنزعة الإسكوبسية” (Scopus-Centrism)[31]، ويأتي الذكاء الاصطناعي ليعمق من هذه التبعية؛ إذا بقيت معظم دول الجنوب على سياستها التعليمية والمعرفية الحالية الموغلة في تقليد النسق المعرفي الغربي وبخاصة في حقول العلوم الاجتماعية.
٦- الذكاء الاصطناعي والعنف المعرفي
حرصت القوى الكبرى الغربية على مدار تاريخها الطويل على التوسُّل بالعنف لإنتاج سرديات تكرِّس الهيمنة المعرفية الغربية على دول الجنوب[32]. وفي ظلِّ التطوُّر الحالي في تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي حرصت القوى الغربية أيضًا على استخدامه في هذا المضمار؛ ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث في غزة عقب أحداث طوفان الأقصى في أكتوبر ٢٠٢٣، من إبادة معرفية سابقَتْ ولاحقَتْ الإبادة الجسدية والمذابح الصهيونية التي شهدتْها أرض غزة الطاهرة.
حيث كشف توظيف الذكاء الاصطناعي في غزة عن انتقال العنف من ميدانه المادي إلى المجال المعرفي والرقمي؛ إذ استُخدمت تقنيات المراقبة وتحليل البيانات في تتبُّع الفلسطينيين وتصنيفهم، بما أحال سلوك الأفراد وبياناتهم إلى مؤشِّرات أمنية ساهمت في وصْمهم وتجريدهم من سياقاتهم الإنسانية. وتعزَّز ذلك عبر تعاون إسرائيل مع شركات تكنولوجية غربية، بما يجعل التكنولوجيا جزءًا من منظومة أوسع لا تراقب الأفراد فحسْب، بل تسْهم أيضًا في إنتاج سردية معرفية ظالمة لهم؛ في تجسيد حديث للعنف المعرفي الذي يجمع بين السيطرة على الإنسان والسيطرة على الحقيقة التي تُروى عنه[33].
وتتجلى هيمنة دول الشمال على إنتاج المعرفة في مجال البحث العلمي في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بوضوح على مستوى الأطر المؤسسية وصياغة التوجهات العلمية؛ ففي دراسة علمية أجراها عدة باحثين على نحو ٥٧٠٠ دراسة علمية في هذا المجال، جمعوها من قاعدة بيانات Web of Science”” منشورة في الفترة من عام (١٩٦٠ : ٢٠٢٤)، وتوصَّل الباحثون إلى أنه لا يوجد أي باحث من دول الجنوب ضمن الباحثين الأكثر استشهادًا من بين هذه الأبحاث، كما وجد الباحثون أيضاً أن هناك ٥٠ جامعة تستحوذ على العدد الأكبر من الأبحاث الأكثر استشهادًا البالغ عددها ٦٦ بحثًا من بين هذه الأبحاث، ويقع معظمها في دول الشمال.
وفيما يتعلق بتحليل الخطابات العلمية السائدة داخل حقل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي؛ اختار الباحثون نحو ١٠٠٠ بحث من ضمن العدد الإجمالي للأبحاث الأكثر صلة بمجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وبحثوا كيفية صياغة الخطابات العلمية السائدة في هذا الحقل عبر تحليل الكلمات المشتركة في ملخصات هذه الأبحاث؛ حيث اشترطوا تكرار الكلمة نحو ٣٠ مرة على الأقل؛ فبلغ العدد الإجمالي للكلمات التي تخطَّت هذا الشرط نحو ١٠٠ كلمة، ولم يجدوا في شبكات هذه الكلمات حضورًا قويًّا لقضايا الجنوب المتعلِّقة بحقل الذكاء الاصطناعي مثل؛ استعمار البيانات واللغات ذات التمثيل المحدود لبيانات الذكاء الاصطناعي، والسيادة الرقمية، واستغلال العمالة الرخيصة في دول الجنوب والتحيز المعرفي[34].
ولذلك فإن هيمنة الخبراء والشركات في دول الشمال على هذا المجال يعزِّز سلطتَهم وتحكُّمَهم في إنتاج سردية وأطر تنظيمية تعكس خطابات الشمال وتطلُّعاته ممَّا يعكس مزيدًا من الهيمنة على دول الجنوب في هذا المجال. وبخاصة في ظلِّ معاناة عددٍ كبيرٍ من دول الجنوب من غياب أو ضعف الأطر التشريعية والتنظيمية والأخلاقية الخاصة بالذكاء الاصطناعي وحماية البيانات؛ حيث تغيب نحو ١١٨ دولة حول العالم -معظمها في دول الجنوب- عن المنتديات الدولية الرئيسة لحوكمة الذكاء الاصطناعي؛ وهذا يعني أن معايير السلامة والشفافية والمساءلة تُصاغ بدونها؛ ممَّا يجعلها أكثر عرضةً للاستغلال من قبل شركات أجنبية تستفيد من هذا الفراغ التنظيمي لجمع البيانات وتشغيل تجارب تقنية بشروط أقلَّ صرامة ممَّا هو معمول به في دول الشمال ذات التشريعات الأكثر تطوُّرًا في هذا المجال[35].
فعن طريق أدوات الذكاء الاصطناعي بخوارزمياته النافذة في أعماق السلوك الإنساني، ووسائل الإعلام الغربية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي ما فتئت تنخر في وعي الإنسان وتشكِّل سلوكَه، وتتحكَّم فيما يعرض له، وفيما يُنتزع منه ويخفى عنه، دون أن يشعر بأنه خاضع للتوجيه ومُستَلب الفكر؛ إذ أضحت تقنيات الذكاء الاصطناعي أدوات هندسة للوعي لا مجرد تقنيات عرض أو تصنيف للبيانات فحسب، وهي بذلك تعكس هيمنة الشمال بما يملكه من سيطرة شبه كاملة على خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتقنيات تطوره، بما يؤثِّر سلبًا على إنتاج المعرفة في دول الجنوب، لأنه يستهدف عقول الجنوب في أساس تفكيرها وسلوكها وتوجهاتها.
٧- الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة
يرفع الذكاء الاصطناعي قيمة الأصول غير الملموسة -بيانات وخوارزميات ومهارات علمية متخصصة- ومن ثم يزيد من عائد تلك الدول التي تحوز هذه الأصول، وفي الوقت ذاته يكرِّس من تبعية الدول التي تفتقر إليها؛ فشركة ناشئة في دولة من دول الجنوب قد تمتلك فكرة ابتكارية؛ لكنها في حاجة إلى رأس مال، وحوسبة سحابية، ومهندسين متخصصين، وربما بيانات تتوافر خارج حدودها، وهنا قد ترحل القيمة المضافة تدريجيًّا من البيئة المحلية إلى الشركات الغربية الكبرى التي تمتلك البنية التحتية والمعرفة العلمية المتخصِّصة بشكل كبير.
ويظهر ذلك في حالات عديدة فعلى سبيل المثال؛ شركة إنستاديب InstaDeep التونسية التي طوَّرت تقنيات متقدِّمة في الذكاء الاصطناعي، استحوذت عليها شركة BioNTech الألمانية في عام ٢٠٢٣؛ فهذه العملية يمكن النظر إليها من زاوية إيجابية بوصفها نجاحًا عالميًّا لشركة نشأت في دول الجنوب، لكنها تُثير في الوقت ذاته سؤالًا أوسع حول مدى قدرة البيئات المحلية على الاحتفاظ بالملكية والموهبة والعائد المعرفي بعد تحوُّل شركاتها الواعدة إلى جزءٍ من منظومات عالمية تقودُها مؤسَّسات في دول الشمال.
ومن ثَمَّ فإن هيمنة الشركات الغربية الكبرى على الحوسبة السحابية والرقائق ومراكز البيانات تُعطيها مكانةً متميِّزة في تحديد اتجاهات الابتكار وقيمته وشروط الوصول إليه. وبذلك يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي لا يكرِّس الفجوة المعرفيَّة بين الشمال والجنوب لمجرَّد أن الشمال أكثر تقدُّمًا تقنيًّا فحسْب؛ بل لأنه يُعيد توزيع المقدرة على إنتاج المعرفة وامتلاكها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية على نحو ينحاز إلى من يملك رأس المال والبيانات؛ ولذلك فإن التحدِّي الحقيقي أمام دول الجنوب ليس مجرَّد اللحاق باستهلاك أدوات الذكاء الاصطناعي، بل الانتقال من موقع المستخدم والمستهلك للمعرفة الخوارزمية إلى موقع المنتج والمالك والمشارك في تحديد قواعد اقتصادها؛ وإلا فإن الثورة الذكية قد تتحوَّل من فرصة لتقليص الفجوة التنموية إلى آلية جديدة لإعادة إنتاجها.
وهنا أيضًا، يتقاطع اقتصاد الانتباه مع اقتصاد المعرفة في دائرة متكاملة؛ فمن يملك التكنولوجيا يجمع بيانات أكثر؛ ومن يملك البيانات يطوِّر خوارزميات أكثر كفاءة؛ والخوارزميات الأكثر كفاءة بدورها تستطيع جذب انتباه أكبر[36]؛ والانتباه يولِّد مزيدًا من البيانات والإيرادات؛ وهذه الإيرادات تمول مزيدًا من البحث والتطوير. وبذلك تتشكَّل حلقة تراكمية تجعل الشركات والدول التي دخلت مبكرًا إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي في موقع أقوى باستمرار. أما دول الجنوب فقد تجد نفسها في الطرف الآخر من هذه الحلقة؛ تنتج المستخدمين والبيانات والانتباه، لكنها لا تملك بالضرورة البنية التكنولوجية التي تحوِّل هذه الموارد إلى قيمة معرفية واقتصادية محلية. ومن ثم فالذكاء الاصطناعي لا يُعيد إنتاج الفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب من خلال السيطرة على المعرفة فحسب، بل من خلال السيطرة على آليَّات جذب الانتباه وتوجيهه وتحويله إلى بيانات وقيمة اقتصادية[37].
ثالثًا- الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لتقليص الفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب
على الرغم من المخاطر والتحديات المرتبطة بتوظيف الذكاء الاصطناعي، فإن هذه التكنولوجيا توفِّر في المقابل فرصًا حقيقية وواعدة أمام دول الجنوب، يمكن أن تسْهم في تقليص الفجوة المعرفية بينها وبين دول الشمال؛ فمع حسن التخطيط والاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتنمية رأس المال البشري، وتطوير أُطُرِ الحوكمة والسياسات الداعمة للابتكار، يتسنَّى لدول الجنوب توظيف الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز التعليم والبحث العلمي، وتحسين كفاءة الخدمات العامة، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتعزيز فرص الوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مصدرًا للمخاطر فحسب، بل إنه يحمل في طياته أيضًا إمكانات واقعية يمكن أن تسهم في الحد من هذه الفجوة؛ إذا أحسنت دول الجنوب استثمارها. ومن أبرز هذه الفرص:
١- خفض تكلفة الوصول إلى المعرفة ودعم الباحثين
يساعد الذكاء الاصطناعي في خفض تكلفة الوصول إلى المعرفة عبر تحويل كثير من العمليات التي كانت تحتاج إلى وقت وجهد كبير، وموارد مالية مرتفعة، إلى خدمات سريعة متاحة على نطاق واسع وفي متناول الأيدي بسهولة فائقة؛ فالأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي تُتيح للباحثين الوصول إلى كم هائل من الأدبيات والدراسات والبيانات، واستخلاص لُبِّها، والبحث داخل قواعد معرفية واسعة، فضلًا عن المساعدة في تحليل البيانات وصياغة الأسئلة والاستفسارات العلمية. وبذلك لا تكون الاستفادة من المعرفة المتقدِّمة رهينةً بالقدرة على تحمُّل تكاليف الاستشارات المتخصِّصة أو الاشتراك في عددٍ كبير من المصادر أو العمل ضمن فرق بحثية كبيرة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات التي تُعاني محدودية الموارد العلمية والمالية، وبخاصة في كثير من دول الجنوب الفقيرة؛ إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفض بعض الحواجز التي تُحول دون المشاركة الفاعلة في إنتاج المعرفة وتداولها[38].
ومن هذا المنظور، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسْهم في تضييق الفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب العالمي، لا بمجرد إتاحة المعلومات فحسب، وإنما بتمكين الباحثين والمؤسسات في الجنوب من تحويل المعرفة المتاحة إلى قدرة على التعلُّم والتحليل والإنتاج العلمي. فحين يصبح الوصول إلى الأدبيات العالمية، وفهمها بلغات مختلفة، ومعالجة البيانات، والاستفادة من أدوات البحث المتقدِّمة أقلَّ كلفة وأكثر سهولة، تتَّسع دائرة الفاعلين القادرين على إنتاج المعرفة والمشاركة في النقاش العلمي العالمي.
وقد يُتيح ذلك للجامعات ومراكز البحث في الجنوب توجيه مواردها المحدودة نحو بناء برامج بحثية أكثر ارتباطًا بأولويَّاتها المحلية، والاستفادة من المعرفة العالمية دون الارتهان الكامل لمؤسَّسات الشمال. ومع ذلك، فإن هذا الدور يظلُّ مشروطًا بعدالة الوصول إلى البنية التحتية الرقمية، وتوافر البيانات والنماذج بلغات الجنوب، وبناء قدرات بشرية قادرة على استخدام الذكاء الاصطناعي استخدامًا نقديًّا ومستقلًّا؛ وإلَّا فقد ينتهي الأمر إلى إعادة إنتاج الفجوة المعرفية في صورة رقمية جديدة.
ومن أبرز النماذج على ذلك البرازيل؛ إذ تُشير التجربة البرازيلية إلى تنامِي الدور المؤسَّسي للجامعات في توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي. ففي جامعة ساو باولو (USP) يعمل مركز الذكاء الاصطناعي والتعلُّم الآلي (CIAAM) على دعم التعاون بين المجموعات البحثية، وتوفير البنية الحاسوبية، وتطوير التدريب والمشروعات متعدِّدة التخصُّصات في الذكاء الاصطناعي. كما أنشأت جامعة كامبيناس (Unicamp) مركزًا مرجعيًا للذكاء الاصطناعي (Crefia) عام ٢٠٢٥[39]؛ ثم أطلقت في ٢٠٢٦ مرصدًا مؤسَّسِيًّا لرصد مبادرات الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث والابتكار؛ وتعكس هذه المبادرات اتجاهًا قويًّا نحو بناء قدرات بحثية وتعليمية محلية في الذكاء الاصطناعي داخل جامعات الجنوب.
٢- دعم الترجمة الآلية ونشر المعرفة المحلية
شهدت تقنيات الترجمة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي تطورًا نوعيًّا في السنوات الأخيرة، بحيث أصبحت قادرة على تقديم ترجمات أكثر دقَّة وسلاسة بين اللغات المختلفة، بما فيها بعض اللغات المحلية في دول الجنوب التي بدأت تدرج ضمن مجموعات بيانات التدريب. ويمكن لهذا التطور أن يسهم في اتجاهين متكاملين، أولهما تيسير وصول الباحثين والطلبة في الجنوب إلى المعرفة العلمية المنتجة باللغات الأجنبية، وثانيهما إتاحة الفرصة أمام الباحثين في الجنوب لنشر إنتاجهم المعرفي المحلي بلغات عالمية، ممَّا يزيد من فرص وصول هذا الإنتاج إلى جمهور أوسع ومن ثم اندماجه في المنظومة المعرفية العالمية[40].
كما يساعد الذكاء الاصطناعي الباحثين في تحليل البيانات، ومراجعة الأدبيات، وصياغة الأبحاث العلمية، حتى مع محدودية الموارد البحثية. وتمثل الهند نموذجًا متقدِّمًا في استخدام الذكاء الاصطناعي لتجاوز الحواجز اللغوية وترجمة المعرفة المحلية؛ فمن خلال مبادرة “بهاشيني” (BHASHINI) طوَّرت الحكومة منصة وطنية للذكاء الاصطناعي اللغوي تضم نماذج للترجمة الآلية، وتحويل الكلام إلى نص، وترجمة الوثائق، وتدعم حاليًّا عشرات اللهجات الهندية. وتستهدف المنصة إتاحة المحتوى العلمي باللغات المحلية بدل ارتباط الوصول إليه بإتقان الإنجليزية؛ كما يتضمن المشروع تعاونًا مع عديد من الجامعات الهندية لتطوير البيانات والنماذج اللغوية المحلية.
٣- دعم التعليم الرقمي
أسْهمت منصات التعليم المفتوح والمقررات الدراسية الرقمية المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في إتاحة فرص تعليمية متقدمة أمام شرائح واسعة من الطلبة والباحثين في دول الجنوب، الذين لم يكن بإمكانهم في السابق الالتحاق بمؤسسات تعليمية مرموقة بسبب محدودية الموارد المالية أو القيود الجغرافية. كما أتاحت أنظمة التعلُّم التكيُّفي القائمة على الذكاء الاصطناعي إمكانية تخصيص المحتوى التعليمي وفق مستوى كلِّ متعلِّم واحتياجاته، ممَّا يعزِّز فرص الاستفادة الفعلية من هذه المنصَّات ويرفع من جودة المخرجات التعليمية حتى في البيئات التي تُعاني من ضعف الموارد التقليدية كالقارة الأفريقية[41].
وفي هذا الصدد، تقدِّم الهند نموذجًا متقدِّمًا في إدماج الذكاء الاصطناعي داخل المقرَّرات الأكاديمية وبنية التعليم العالي. ففي عام ٢٠٢٦ شرعت الحكومة الهندية، بالتعاون مع قطاع التكنولوجيا، في إعادة تصميم مناهج علوم الحاسوب والتخصُّصات المرتبطة بها، بحيث تصبح مقررات الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًّا من النظام الأكاديمي، كما تعمل مبادرة IndiaAI على إنشاء مختبرات للذكاء الاصطناعي في الجامعات والمعاهد، وربطها بالبنية التحتية الرقمية الوطنية، إلى جانب منَح لطلاب البكالوريوس والدراسات العليا والدكتوراه لإجراء مشروعات بحثية في الذكاء الاصطناعي وبذلك تتجاوز التجربة الهندية استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساعدة في التعليم الرقمي إلى إدماجه في المناهج الأكاديمية وبناء قاعدة بشرية وبحثية محلية قادرة على إنتاج المعرفة[42].
وفي مارس من عام ٢٠٢٦، أطلقت جامعة كيب تاون بجنوب أفريقيا مبادرة (African Compute Initiative) لإنشاء واحدة من أكبر مجموعات وحدات معالجة الرسوميات المخصَّصة لأبحاث الذكاء الاصطناعي في مؤسسة للتعليم العالي بأفريقيا، بهدف تمكين الباحثين الأفارقة من تطوير وتدريب واختبار نماذج الذكاء الاصطناعي محليًا بدل الاقتصار على استهلاك النماذج والبنية التحتية الموجودة في دول الشمال؛ بما يتيح للجامعات ومؤسسات البحث العلمي الوصول إلى موارد الحوسبة وتحليل البيانات اللازمة للبحوث العلمية المتقدمة[43].
٤- تعزيز سياسات الحفاظ على لغات الجنوب
يسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز سياسات الحفاظ على لغات الجنوب من خلال توثيقها ورقمنة تراثها الشفهي والمكتوب، وتطوير أدوات لمعالجة اللغة والترجمة والتعرف إلى الكلام، بما يتيح إدماجها في التعليم والإعلام والفضاء الرقمي. ولا تقتصر أهميته على حفظ اللغات من الاندثار، بل تمتد إلى تجديد حضورها في حياة الأجيال الجديدة، ومنحها مجالًا أوسعَ للتطوُّر والاستمرار. ومن ثم، يغدو الذكاء الاصطناعي وسيلة فاعلة لصون التنوُّع اللغوي، إذ يُسخر لخدمة المجتمعات الناطقة بهذه اللغات واحترام خصوصيتها وحقوقها الثقافية.
وفي هذا السياق شهد العالم العربي اهتمامًا متزايدًا بالذكاء الاصطناعي على مستوى السياسات الرسمية، إذ أطلقت عدَّة دول عربية استراتيجيات وطنية طموحة للذكاء الاصطناعي -مثل مصر والسعودية والإمارات- مع استثمارات كبيرة في البنية التحتية الرقمية ومراكز البحوث المتخصِّصة، خاصة في دول الخليج العربي. غير أن هذا الاهتمام لا يزال متفاوتًا بشكل كبير بين دول المنطقة، كما أن اللغة العربية لا تزال ممثلة تمثيلًا محدودًا نسبيًّا في مجموعات البيانات المستخدمة لتدريب نماذج اللغة الكبيرة العالمية، حيث تقدر بنحو ٣٪ رغم العدد الكبير للناطقين بها.
وهو ما دفع بعض المؤسسات البحثية العربية إلى العمل على تطوير نماذج لغوية عربية متخصِّصة تعالج هذا القصور؛ حيث أطلقت قطر في عام ٢٠٢٤ مشروع “فنار” وهو نموذج ذكاء اصطناعي توليدي مدرب على ٣٠٠ مليار كلمة بالعربية[44]. وكذلك نموذج “كرنك” المصري الذي جرى إطلاقه في ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦، وهو نموذج لغوي يخدم المجتمع المصري والعربي ويعزز من حضور اللغة العربية في نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة[45]؛ وعلى غرراهما نموذجا “علام” السعودي، و”فالكون ٤٠ بي” الإماراتي. وفي هذا المضمار أيضًا أطلقت الهند نموذجها للذكاء الاصطناعي “بروجكت أندست” المختص باللغة الهندية ودُرب على نحو ٣٧ لهجة محلية هندية.
كذلك تجدر الإشارة إلى مبادرة ماساخاني”Masakhane” البحثية، وهي شبكة بحثية إفريقية تطوعية تضم باحثين من عدة دول إفريقية، دشنت في ٢٠١٩، وتضم أكثر من ١٥٠٠ باحث، تعمل على سد الفجوة اللغوية في نماذج معالجة اللغات الطبيعية عبر تطوير موارد لغوية مفتوحة المصدر للغات الإفريقية المحلية التي تبلغ نحو ٢٠٠٠ لغة، في نموذج يجسد إمكانية التعاون الجنوبي البيني لمعالجة قضايا يتجاهلها السوق التجاري العالمي للذكاء الاصطناعي نظرًا لمحدودية العائد الاقتصادي المتوقع من خدمة هذه اللغات مقارنة باللغات الأوسع انتشارًا[46].
٥- تعزيز المعرفة الطبية في دول الجنوب
يمثل القطاع الصحي أحد أكثر المجالات التي تظهر فيها الفائدة الملموسة لتقنيات الذكاء الاصطناعي في سياقات الجنوب، حيث تسهم أنظمة التشخيص المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تعويض النقص الحاد في أعداد الاطباء المتخصصين في مناطق نائية واسعة، عبر تمكين الكوادر الصحية المحلية من تشخيص أولي دقيق لأمراض كالسُّل والملاريا وبعض أنواع السرطان بالاستعانة بتطبيقات تحليل الصور الطبية. كما أسْهمت نماذج التنبُّؤ الوبائي القائمة على الذكاء الاصطناعي في تحسين قدرة النظم الصحية في بعض دول الجنوب على التنبُّؤ بمسار انتشار الأوبئة والاستعداد لها بفعالية أكبر، خاصة في السياقات التي تعاني من ضعف أنظمة الرصد الوبائي التقليدية[47].
وتمثل تجربة نموذج Mzansi Med GPT)) في جنوب أفريقيا نموذجًا دالًا على توظيف الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل أنماط إنتاج المعرفة داخل دول الجنوب؛ فهو مشروع تقوده جامعة ويسترن كيب بالشراكة مع جامعة ستيلينبوش، ويستهدف توظيف النماذج اللغوية في ترجمة وتوطين المعلومات والإرشادات الصحية إلى اللغات المحلية، بما يستجيب للتنوع اللغوي والثقافي في السياق الجنوب أفريقي. وتتجاوز أهمية المشروع الوظيفة التقنية للترجمة، إذ يسهم في تحويل المعرفة اللغوية والطبية المحلية إلى موارد رقمية قابلة للتطوير، وإدماج خبرات اللغويين والصيادلة والمستخدمين في عمليات بناء النموذج والتحقق من مخرجاته[48]. ومن ثم، فهو بذلك يقدم مثالًا على انتقال دول الجنوب من موقع المستهلك للتكنولوجيات والمعارف المنتجة في الشمال العالمي إلى موقع أكثر فاعلية في إنتاج المعرفة وتوطينها وإعادة تشكيلها وفق احتياجاتها وسياقاتها المحلية، بما يعزز إمكانات السيادة المعرفية والرقمية، ويحد من بعض مظاهر التبعية المعرفية، ويفتح في الوقت ذاته أفقًا لتبادل الخبرات والتقنيات بين دول الجنوب على أساس أكثر تكافؤًا.
غير أن الاستفادة الكاملة من هذه التطبيقات تظلُّ مشروطة بمعالجة تحديات جوهرية، أبرزها ضرورة تدريب هذه النماذج على بيانات طبية تعكس التركيبة الوراثية والبيئية الخاصة بسكان الجنوب، بدلا من الاعتماد الكبير على بيانات مستمدَّة من سياقات اجتماعية مختلفة قد لا تعكس بدقة خصوصيَّات هذه المجتمعات، إضافة إلى ضرورة توفير بنية تحتية رقمية صحية أساسية كسجلات المرضى الإلكترونية التي لا تزال غائبة في كثير من أنظمة الصحة العامة بدول الجنوب.
خاتمة
تأسيسًا على ما مَرَّ، يمكن القول إن علاقة الذكاء الاصطناعي بالفجوة المعرفية بين الشمال والجنوب علاقة مركَّبة ومتشابكة ومزدوجة الاتجاه، فهي من جهة تحمل في جعبتها مخاطر حقيقية لتعميق هذه الفجوة بفعل التمركز الشديد لموارد تطوير هذه التقنية في دول الشمال، ومن جهة أخرى تحمل فرصًا واعدة يمكن أن تسهم في تضييق هذه الفجوة؛ إذا أحسنت دول الجنوب استثمارها وبناء استراتيجيات وطنية وإقليمية طموحة في هذا المجال؛ فالخارج لا يتمكن من الداخل إلا بتمكين الداخل له؛ كما عبر عن ذلك المفكر الكبير مالك بن نبي. فاتجاه هذه العلاقة؛ سواء نحو تعميق الفجوة أو تقليصها ليس أمرا حتميًّا محكومًا بالتقنية نفسها، بقدر ما هو محكوم بالخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتبنَّاها دول الجنوب والمؤسَّسات الدولية المعنيَّة.
وعليه فإن مستقبل هذه العلاقة سيتحدَّد إلى حَدٍّ كبير بمدى قدرة دول الجنوب على تجاوز موقع المستهلك السلبي لتقنيات الذكاء الاصطناعي المستوردة، والانتقال إلى موقع الفاعل المنتج القادر على تطوير حلول محلية تعكس احتياجاته وسياقاته الثقافية والحضارية الخاصة، وهو ما يتطلب إرادة سياسية حقيقية واستثمارًا متواصلًا في رأس المال البشري والبنية التحتية العلمية، إضافة إلى تضافر الجهود الإقليمية والدولية لضمان توزيع أكثر عدالة لفوائد هذه الثورة التقنية بين مختلف أمم العالم. ومهما يكن من أمر؛ فالخيار الأكثر واقعية بالنسبة لدول الجنوب لا يكمن في الانتظار السلبي لتغير موازين القوى الدولية لصالحها، بل في المبادرة الذاتية لبناء قدراتها الخاصة وتعزيز تعاونها البيني، بالتوازي مع الضغط المستمر داخل المحافل الدولية من أجل قواعد أكثر إنصافًا لحوكمة الذكاء الاصطناعي عالميًّا. فالفجوة المعرفية، على اتِّساعها الراهن، ليست قدرًا محتومًا ستظلُّ دول الجنوب الفقيرة تُعاني من ويلاته، بل هي نتاج خيارات تاريخية وسياسية قابلة للمراجعة، والتاريخ نفسه يحفل بتجارب دول انتقلت من موقع التابع إلى موقع الفاعل في مجالات علمية وتقنية أخرى، وهو ما يجعل الآمال معقودة بإمكانية تكرار هذا المسار فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، شريطة توفُّر الإرادة والاستثمار والرؤية الاستراتيجية لدول الجنوب.
[1] غزة عبد الرازق، الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره من نماذج الحوسبية إلى التعلم الآلي، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ٢٠٢٤)، ص ٢٢.
[2] نور الشيخ، تحديات ومخاطر مراكز البيانات في نطاق الذكاء الاصطناعي، مجلة الديمقراطية، المجلد ٢٥، العدد ١٠٠، (٢٠٢٥)، ص ٦٩.
[3] Kate Crawford, Atlas of AI: Power, Politics, and the Planetary Costs of Artificial Intelligence, (Yale University Press, 2021), pp. 8-9.
[4] غزة عبد الرازق، الأسس المفاهيمية والتقنية، ص ص ٢٢-٢٥.
[5] آلان بونيه، الذكاء الاصطناعي: واقعه ومستقبله، ترجمة: علي صبري فرغلي، سلسلة عالم المعرفة، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ١٩٩٣)، ص ص ١٥-٢٢.
[6] غراهام إيفانز وجيفري نوينهام، قاموس بنغوين للعلاقات الدولية، ترجمة: مركز الخليج للأبحاث، (دبي: مركز الخليج للأبحاث، ٢٠٠٤)، ص ٥٢٣.
[7] Rong Ni, Yao Qu, and Jue Wang, Bridging or widening the gap? The role of AI in shaping global research performance, Journal of Chinese Political Science, (March 2026), pp. 3-4, https://doi.org/10.1007/s11366-026-09931-2
[8] مروة خليل مصطفى، التحليل البنيوي للعلاقات الدولية: مدرسة التبعية وتفسير دور الشركات متعددة الجنسيات كدراسة حالة، المجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية، المجلد ١٦، العدد ٢، (٢٠٢٥)، ص ٤٦٩١.
[9] نسيبة أشرف، الذكاء الاصطناعي والعلاقات الدولية: إطار مفاهيمي، مجلة السياسة الدولية، ملحق اتجاهات نظرية، المجلد ٥٨، العدد ٢٣١، (٢٠٢٣)، ص ٨.
[10] إيمانويل فالرشتاين، تحليل النظم الدولية، ترجمة: أكرم علي حمدان، (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، ٢٠١٥)، ص ص ٤٥-٤٩.
[11] مارك روبرت، الماركسية والنظرية النقدية، في: تيم دان وميليكا كوركي وستيف سميث (تحرير)، نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع، ترجمة: ديما الخضرا، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ٢٠١٦)، ص ص ٤٠٨-٤٠٩.
[12] مروة فكري، مدخل إلى العلاقات الدولية: أزمة العولمة وآفاق العالمية، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، ٢٠٢١)، ص ص ٧٣-٧٤.
[13] Zihan Chen, The Algorithmic Curtain: Geopolitical Polarisation and the Fragmentation of Global AI Governance, preprint, SSRN, September 2025, https://dx.doi.org/10.2139/ssrn.5544469
[14] Luc Soete et al., UNESCO Science Report: Towards 2030: Executive Summary, (Paris: UNESCO, November 2015), https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000235407, p. 12.
[15] S. Sajadieh et al., The AI Index 2026 Annual Report, (Stanford: AI Index Steering Committee, Institute for Human-Centered AI, Stanford University), https://2u.pw/9P9BJH
[16] وسيم جابر، الهيمنة المعرفية للخوارزميات: احتكار تعريف الحقيقة في السياق الرقمي الغربي المهيمن، مجلة أمم للدراسات الإنسانية والاجتماعية، المجلد ٣، العدد ١١، (٢٠٢٦)، ص ص ٣٥-٣٦.
[17] وسيم جابر، الهيمنة المعرفية للخوارزميات، ص ٤٤.
[18] Yuemei Xu et al., A survey on multilingual large language models: Corpora, alignment, and bias, Frontiers of Computer Science, Vol. 19, No. 11, (2025), p. 1.
[19] براء علي ديب وآخرون، مستقبلات الذكاء الاصطناعي والثقافات الضعيفة التمثيل: كيف ستصوغ النماذج اللغوية الضخمة المشهد المعرفي في المستقبل؟ مجلة استشراف، العدد ٩، (٢٠٢٤)، ص ١٧، https://istishraf.dohainstitute.org/ar/issue009/Pages/art01.aspx
[20] Haluk Geray and Şafak Etike, Resisting Neo-Colonialism: A Comparative Analysis of Chinese and American Large Language Models, Etkilesim, Vol. 9, No. 17, (2026), pp. 49-50.
[21] أميرة أبو سمرة، الحداثة والذكاء الاصطناعي: نقد سوسيولوجي دولي لنزع الآدمية، مجلة الفكر الإسلامي المعاصر، العدد ١١١، (٢٠٢٦)، ص ص ١٩٢-١٩٤.
[22] Abayomi O. Agbeyangi and Jose M. Lukose, Mapping the Artificial Intelligence Divide in Africa: Infrastructure, Accessibility and Capacity, preprint, arXiv, June 2026, https://doi.org/10.48550/arXiv.2606.30656, p. 5.
[23] Janine Berg, Mehdi Snene, and Lucia Velasco, Mind the AI Divide: Shaping a Global Perspective on the Future of Work, International Labour Organization, 26 July 2024, https://2u.pw/xXB24G
[24] Peter K. Yu, Bridging the Global Artificial Intelligence Divide, in: Daryl Lim (ed.), Inclusive Innovation in the Age of AI and Big Data, (New York: Oxford University Press, 2026), p. 336.
[25] Peter K. Yu, Global Artificial Intelligence Divide, p. 336.
[26] أحلام السعدي فرهود وآخرون، تخليق الهيمنة من البيانات الكبيرة بالتطبيق على العلاقات الدولية، المجلة العلمية للبحوث والدراسات التجارية، المجلد ٤٠، العدد ٢، (٢٠٢٦)، ص ص ٨١-٨٢.
[27] Yang Liu and WenLong Song, Navigating digital colonialism: Sovereignty models and development paths in the Global South, Social Sciences & Humanities Open, Vol. 13, (June 2026), p. 3.
[28] Enrique Ide and Eduard Talamas, The impact of AI on global knowledge work, Journal of Monetary Economics, Vol. 157, (December 2025), p. 3.
[29] Rong Ni, Yao Qu, and Jue Wang, Bridging or widening, pp. 19-20.
[30] Abdullah Hasan Safir et al., Distributive epistemic injustice in AI ethics: A co-productionist account of global north-south politics in knowledge production, in: Proceedings of the 2025 ACM Conference on Fairness, Accountability, and Transparency, Greece, June 2025, p. 2017.
[31] مفهوم يشير إلى مجموعة من التصورات والسياسات والممارسات التي تجعل المعرفة بمجرد إدراجها في قاعدة بيانات سكوبس أو نظائرها الغربية هي المعيار الوحيد أو الغالب على أنها معرفة جيدة ورصينة.
[32] خالد لرارة، التحيز الخوارزمي آلية رقمية لإدارة المعلومة، إنتاج سرديات بديلة وتوجيه الرأي العام، مجلة طبنة للدراسات العلمية الأكاديمية، المجلد ٨، العدد ٢، (٢٠٢٥)، ص ١٣٤٨.
[33] إسلام عبد الجبار، الذكاء الاصطناعي وإعادة فرض الهيمنة الاستعمارية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مجلة المستقبل العربي، المجلد ٤٨، العدد ٥٦٥، (٢٠٢٦)، ص ص ٢٠-٢٣.
[34] Abdullah Hasan Safir et al., Distributive epistemic injustice, pp. 2013, 2026-2027.
[35] Ensuring AI Benefits Everyone Is Key to Development in the Global South, UN Trade and Development (UNCTAD), 21 August 2026, https://2u.pw/o7D4z6
[36] عبد الله البريدي، الذكاء الاصطناعي يغتال الذاكرة وينحر الدهشة، مجلة الفيصل، العددان ٥٦٥-٥٦٦، (٢٠٢٣)، ص ١٨.
[37] وسيم جابر، الهيمنة المعرفية للخوارزميات، ص ٣٣.
[38] بن سعدون اليامين وقسوم سليم، الذكاء الاصطناعي وتجاوز البصمة الاستعمارية: نحو ذكاء اصطناعي مؤطَّر أخلاقيًّا، مجلة الناقد للدراسات السياسية، المجلد ١٠، العدد ١، (٢٠٢٦)، ص ص ١٣٥-١٣٦.
[39] Tote Nunes, Unicamp Launches Reference Center for Artificial Intelligence Technologies, Unicamp, 10 September 2025, https://n9.cl/5sljg
[40] بن سعدون اليامين وقسوم سليم، الذكاء الاصطناعي وتجاوز البصمة، ص ص ١٣٥-١٣٦.
[41] دعاء عبد النبي حامد، أفريقيا والذكاء الاصطناعي: من رهانات التحول الرقمي إلى مخاطر الاستعمار الجديد، مجلة قراءات أفريقية، العدد ٦٨، (٢٠٢٦)، ص ص ١٠٥-١٠٦.
[42] Government of India, Ministry of Electronics & Information Technology, Union Minister Shri Ashwini Vaishnaw Holds a High-Level Meeting with the Industry on Revamp of the AI Curriculum, Press Information Bureau, 28 May 2026, https://n9.cl/hh3zwc
[43] UCT to Lead Africa’s First Higher Education Dedicated AI Compute Initiative, University of Cape Town, 26 March 2026, https://n9.cl/1io3wh
[44] معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني يدشن مشروع “فنار” النموذج العربي للذكاء الاصطناعي، وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات القطرية، ١١ ديسمبر ٢٠٢٤، تاريخ الاطلاع: ١٠ أغسطس ٢٠٢٦، https://n9.cl/sygkz
[45] محمد عامر ومحمد البدري، وزير الاتصالات يعلن إطلاق “كرنك” أول نموذج لغوي مصري للذكاء الاصطناعي، مصراوي، ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦، تاريخ الاطلاع: ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦، https://2u.pw/3S4RRi
[46] للمزيد حول هذا المشروع، يرجى زيارة الموقع الرسمي: https://n9.cl/rkeh0y
[47] Saad Slimani et al., How artificial intelligence and human expertise will improve access to healthcare in the Global South, npj Digital Surgery, Vol. 1, No. 8, (2026), pp. 1-2, https://doi.org/10.1038/s44484-025-00004-0
[48] Cosette Greyling et al., A human in the loop evaluation of generative artificial intelligence for translating medicine instructions into low resourced South African languages, Discover Artificial Intelligence, Vol. 6, No. 1, (2026), https://doi.org/10.1007/s44163-026-01098-2, pp. 6-8.

