السودان في المشروع الإقليمي للإمارات العربية

يشغل السودان موقعًا محوريًا في الجغرافيا السياسية لإقليم القرن الإفريقي والبحر الأحمر، نظرًا لامتداده الجغرافي الواسع الذي يربط شمال إفريقيا بشرقها وعمقها الإفريقي، وإشرافه على أحد أهم الممرات البحرية العالمية عبر ساحله الطويل على البحر الأحمر. كما يمتلك السودان موارد استراتيجية مؤثرة، في مقدمتها الذهب والأراضي الزراعية الخصبة وموارد المياه، بما يجعله ساحة جذب دائمة للتنافس الإقليمي والدولي. هذا الموقع وتلك الموارد يمنحان السودان قيمةً مضاعفة في حسابات القوى الإقليمية الساعية إلى تأمين طرق التجارة والطاقة، وبناء مناطق نفوذ في إفريقيا، والتحكم في مداخل البحر الأحمر الذي أصبح خلال العقد الأخير مسرحًا متصاعد الأهمية في توازنات الأمن الإقليمي.

منذ عام 2011، ومع التحولات الكبرى التي أعقبت ثورات الربيع العربي، شهد الإقليم المحيط بالسودان -خاصةً القرن الإفريقي والبحر الأحمر- تصاعدًا ملحوظًا في التنافس بين قوى إقليمية متعددة، أبرزها دول الخليج وتركيا وإيران وإسرائيل، إلى جانب عودة الحضور الدولي عبر قواعد عسكرية ومشروعات موانئ واستثمارات استراتيجية. وقد أدى انهيار بعض الدول وضعف أخرى، وتزايد أهمية الممرات البحرية، إلى تحويل الإقليم إلى ساحةٍ مفتوحة لإعادة تشكيل النفوذ. وفي هذا السياق، اكتسب السودان أهميةً إضافية باعتباره نقطة ارتكاز جغرافية وسياسية تسمح بالوصول إلى العمق الإفريقي، والتأثير في توازنات البحر الأحمر، والتداخل مع أزمات دول الجوار مثل ليبيا وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان.[1]

ضمن هذا المشهد المتحول، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كفاعلٍ إقليمي صاعد يمتلك مشروعًا جيوسياسيًا نشطًا يتجاوز حدود السياسة الخارجية التقليدية القائمة على الاقتصاد والتجارة، ليتجه نحو بناء شبكات نفوذ أمنية وعسكرية واقتصادية عبر البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فقد عملت الإمارات منذ منتصف العقد الماضي على تأسيس موطئ قدم في الموانئ الاستراتيجية، وإقامة شراكات مع فاعلين محليين، وتوظيف أدوات مالية وعسكرية لدعم قوى متحالفة معها، وذلك في إطار سعيها إلى تأمين خطوط التجارة، وإقامة توازن مع المنافسين الإقليميين، وتوسيع حضورها في إفريقيا. ويظهر السودان في هذا السياق كأحد أهم محاور هذا المشروع، نظرًا لموقعه وموارده وتركيبته السياسية الهشة التي تُتيح إمكانية التأثير الخارجي.

وعليه، فإن هذا التقرير ينبني على فرضيةٍ مفادها أن السودان يُمثل حلقةً مركزية في المشروع الإقليمي الإماراتي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وأن أبوظبي سعت إلى ترسيخ نفوذها فيه عبر مزيجٍ من الأدوات العسكرية والاقتصادية والسياسية، خاصةً من خلال بناء علاقات وثيقة مع فاعلين مسلحين واقتصاديين داخل البلاد. ويُفترض أن هذا الدور لم يكن طارئًا مع اندلاع الحرب السودانية عام 2023، بل هو امتداد لمسارٍ تراكمي من الانخراط الإماراتي في السودان قبل الحرب، ثم تطور خلال الصراع ليُصبح أحد محددات موازين القوى داخله.

بهذه المقاربة، يسعى التقرير إلى تفسير موقع السودان في الاستراتيجية الإماراتية الأوسع، وإبراز انعكاسات ذلك على توازنات الإقليم ومستقبل الدولة السودانية، من خلال رسم خريطة لملامح المشروع الإقليمي للإمارات في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتتبع تطور الحضور الإماراتي في السودان وهذا الإقليم، وتحليل أدواته وأهدافه، لربطه بالسياق الإقليمي الأوسع. وبالتالي، ينقسم التقرير إلى المحاور الآتية: تطور المشروع الإقليمي الإماراتي في الإقليم، الأهمية الجيوسياسية للسودان في الاستراتيجية الإقليمية الإماراتية، موقع السودان في هذا المشروع قبل حرب 2023، ثم دراسة الدور الإماراتي في الحرب السودانية، وأخيرًا خاتمة تحليلية حول الوجود الإماراتي في السودان.

جدير بالإشارة، أن العدد 34 من هذه الفصلية (قضايا ونظرات) تضمن تقريرًا هامًّا بعنوان “التدخل الخليجي في الأزمة السودانية: الإمارات كطرفٍ في الصراع المسلح”، وقد تناول التقرير تحليل أبعاد الدور الإماراتي في الحرب السودانية، معتبرًا أن التدخل الخليجي لم يقتصر على الوساطة السياسية، بل اتخذ أشكالا عسكرية واقتصادية مباشرة وغير مباشرة. ورصد التقرير تطور العلاقة بين أبوظبي وقوات الدعم السريع، خاصةً في سياق المشاركة السودانية في حرب اليمن، ثم تحوّل دبي إلى مركزٍ رئيس لتصدير الذهب السوداني، بما عزز الروابط الاقتصادية بين الطرفين خارج الأطر الرسمية للدولة السودانية. كما خلص التقرير إلى أن التدخل الإماراتي لم يستند إلى تفويضٍ رسمي من الدولة السودانية، بل انخرط في ديناميات الصراع بما يجعله جزءًا من معادلة الحرب لا مجرد وسيط فيها، مع ما يترتب على ذلك من تداعياتٍ إقليمية وأمنية أوسع، خصوصًا على بيئة البحر الأحمر والأمن القومي لدول الجوار.[2]

هذا غير أن التقرير الحالي يسعى إلى تجاوز مستوى توصيف التدخل في سياق الحرب المباشر، إلى تحليل السودان بوصفه حلقة بنيوية في المشروع الإقليمي الإماراتي الأوسع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فبجانب رصد أدوات التدخل، يُحاول هذا التقرير تفكيك منطق الاستراتيجية الإماراتية ذاتها، وقراءة موقع السودان داخل شبكة الموانئ، وسلاسل الإمداد، والتحالفات العسكرية -الاقتصادية، بما يعني تسكين الحرب السودانية ضمن رؤية كلية وإطارٍ جيوسياسي أشمل يتجاوز حدود الداخل السوداني إلى تفاعلات الإقليم وموازين القوى فيه.

يتناول هذا الجزء دوافع الاهتمام الإماراتي بالقرن الإفريقي والبحر الأحمر، مع ربط هذا الاهتمام بالتحولات التي لحقت بالسياسة الخارجية الإماراتية في أعقاب الربيع العربي عام 2011 وما حمله من تغيرات.

1- الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر للإمارات

يُمثل إقليم البحر الأحمر والقرن الإفريقي أحد أهم المجالات الجيوسياسية في الاستراتيجية الإقليمية الإماراتية، نظرًا لكونه يضم أبرز الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، خاصةً عبر مضيق باب المندب الذي يربط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط. ومن هذا المنطلق، تنظر الإمارات إلى هذا الإقليم باعتباره امتدادًا طبيعيًا لأمنها الاقتصادي والتجاري، وركيزة أساسية في تعزيز موقعها كمركزٍ عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية. لذلك سعت أبوظبي إلى بناء حضور فاعل في هذا المجال عبر الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية وسلاسل الإمداد، بما يضمن لها دورًا مؤثرًا في إدارة حركة التجارة الدولية في تلك المنطقة الحيوية.

وفي هذا السياق، اكتسبت دول القرن الإفريقي أهميةً متزايدة في الاستراتيجية الإماراتية، ليس فقط بوصفها مواقع جغرافية مطلة على الممرات البحرية، بل أيضًا باعتبارها بوابات للنفاذ إلى عمق القارة الإفريقية. وقد تجسد ذلك في انخراط الإمارات في مشاريع تشغيل وتطوير الموانئ، حيث تحظى بعقودٍ إدارة وتطوير العديد منها وأبرزها: دوراليه بجيبوتي (2006)، وعدن (2008)، وعصب ومصوع بإريتريا (2015)، وبربرة وبوصاصو بأرض الصومال (2017)، بالإضافة للاستثمار بموانئ العين السخنة والإسكندرية بمصر[3]، إلى جانب حضورها في اليمن على الضفة المقابلة من البحر الأحمر. ويعكس هذا التوسع إدراكًا إماراتيًا لأهمية الربط بين الأمن البحري والنفوذ الاقتصادي، بحيث تصبح السيطرة على العقد اللوجستية والموانئ وسيلة لتعزيز الحضور الجيوسياسي في الإقليم.

غير أن هذا التمدد الإماراتي يجري ضمن خريطةٍ تنافسية معقدة تتداخل فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. فإلى جانب الإمارات، تنشط قوى مثل السعودية وتركيا وقطر وإيران في محاولة لتعزيز حضورها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، كلٌ وفق أدواته واستراتيجياته الخاصة. كما تُمثل مصر فاعلًا رئيسيًا في هذه المعادلة بحكم ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، إضافة إلى انخراط قوى دولية كبرى مثل الولايات المتحدة والصين، اللتين تسعيان إلى تأمين مصالحهما التجارية والعسكرية في هذه المنطقة الحيوية. وفي ظل هذه الخريطة التنافسية، يبرز السودان ذو أهمية مضاعفة، باعتباره أحد المفاصل الجغرافية التي تربط بين البحر الأحمر وعمق إفريقيا، ما يجعله ساحةً رئيسية لتقاطع هذه التنافسات. ومن ثم، فإن فهم تطور المشروع الإقليمي للإمارات في القرن الإفريقي والبحر الأحمر لا يكتمل دون إدراك طبيعة هذا التنافس، الذي يدفع مختلف الفاعلين إلى توظيف أدوات اقتصادية وعسكرية وسياسية لتعزيز مواقعهم، وهو ما يمكن أن يُفسر كثافة الانخراط الإماراتي في السودان بوصفه إحدى الحلقات المركزية في هذه المعادلة الإقليمية.

2- تحولات السياسة الخارجية الإماراتية بعد الربيع العرب

شهدت السياسة الخارجية الإماراتية بعد عام 2011 تحوّلًا نوعيًّا من مقاربة يغلب عليها الطابع الاقتصادي والاستثماري إلى استراتيجية جيوسياسية أكثر نشاطًا وتدخّلًا. فقد أفرزت تحولات “الربيع العربي” بيئةً إقليمية مضطربة، أعادت تعريف أولويات الأمن القومي الخليجي، ودفعت أبوظبي إلى تبنّي دور مباشر في إدارة توازنات الإقليم دون الاكتفاء بالانخراط الاقتصادي غير السياسي. أول هذه التحولات تمثل في الانتقال من الدبلوماسية التجارية إلى التموضع الاستراتيجي، فبينما ركزت الإمارات خلال العقد الأول من الألفية على توسيع حضورها عبر الاستثمار والموانئ، بدأت بعد 2011 في ربط هذه الاستثمارات بأبعادٍ أمنية وعسكرية، خصوصًا في مناطق البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وأصبحت الموانئ وسلاسل الإمداد جزءًا من بنية نفوذ متكاملة، لا مجرد مشاريع اقتصادية. ثانيًا، برزت مواجهة الإسلام السياسي كأحد محددات السلوك الخارجي الإماراتي. فقد اعتبرت صعود قوى ذات مرجعية إسلامية تهديدًا إقليميًا عابرًا للحدود، ما دفع أبوظبي إلى دعم أطراف مناوئة لتلك القوى في عدة ساحات، وتشكيل تحالفات إقليمية تقوم على احتواء هذا التيار. هذا البعد الأيديولوجي تداخل مع الحسابات الجيوسياسية، وأعاد رسم خريطة التحالفات في المنطقة بشكلٍ عام.

ثالثًا، عملت الإمارات على بناء شبكات نفوذ مرنة تعتمد على الشراكات مع فاعلين محليين ودولاتيين، بدلا من الاعتماد على الانتشار العسكري المباشر التقليدي واسع النطاق. تجلّى ذلك في تطوير علاقات مع حكومات وأطراف شبه رسمية -على رأسها قوات الدعم السريع في السودان-، وتوظيف أدوات اقتصادية وأمنية متكاملة لتعزيز الحضور طويل المدى في ممرات التجارة الحيوية[4]. هكذا برز القرن الإفريقي والبحر الأحمر كساحةٍ مركزية للمشروع الإقليمي الإماراتي، نظرًا لأهميتهما في تأمين طرق التجارة والطاقة، ولتقاطعهما مع ملفات الأمن الإقليمي في الخليج وشمال إفريقيا. ومن ثم، لم يكن الانخراط الإماراتي في هذه المنطقة استجابةً ظرفية، بل تعبيرًا عن تحولٍ بنيوي في تصور أبوظبي لدورها كقوةٍ إقليمية فاعلة تسعى إلى إدارة المجال الحيوي المحيط بها، وتأمين مصالحها عبر أدواتٍ جيوسياسية متشابكة.

3- أدوات المشروع الإماراتي في الإقليم

يعتمد المشروع الإقليمي الإماراتي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر على حزمة أدوات متكاملة تجمع بين البعد الأمني والاقتصادي والسياسي، بما يسمح ببناء نفوذ طويل المدى دون الانخراط في احتلالٍ مباشر أو انتشار عسكري تقليدي واسع.

شكّلت الموانئ نقطة ارتكازٍ أساسية في الاستراتيجية الإماراتية. فمن خلال مزيد من التركيز على الاستثمار في إدارة وتشغيل موانئ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، عملت أبوظبي على ترسيخ حضور لوجستي يربط بين الخليج العربي وشرق إفريقيا. ولم تعد هذه الموانئ مجرد مشاريع تجارية، بل تحولت إلى عقدٍ في شبكة نفوذ تؤمّن خطوط الملاحة وسلاسل الإمداد، وتمنح الإمارات قدرةً على التأثير في الممرات البحرية الحيوية. وفي بعض الحالات، تداخل البعد التجاري مع ترتيباتٍ أمنية وعسكرية عززت من الوظيفة الاستراتيجية لهذه النقاط الساحلية، كما اعتمدت الإمارات في هذا السياق نمطًا من الانخراط العسكري منخفض الكلفة نسبيًا، يقوم على تقديم دعم لوجستي أو تدريبي أو تسليحي لأطرافٍ محلية حليفة، بدلا من نشر قوات كبيرة بشكلٍ دائم. هذا الأسلوب يمنحها قدرةً على التأثير في موازين القوى الداخلية في دول الإقليم، مع تقليل الأعباء السياسية والقانونية المباشرة. كما يُتيح لها الحفاظ على هامش إنكار أو مرونة دبلوماسية في حال تغيّرت موازين القوى أو تعرضت سياساتها لانتقاداتٍ دولية.

 وتُعد الشركات الإماراتية -خاصةً العاملة في مجالات الموانئ، والطاقة، والتعدين، والزراعة- أداةً رئيسة في ترسيخ النفوذ. فالاستثمار الاقتصادي لا يُحقق عائدًا ماليًا فحسب، بل يبني شبكة مصالح متبادلة مع النخب الحاكمة والاقتصادية في دول الإقليم. وبمرور الوقت، تتحول هذه الاستثمارات إلى أدوات ضغطٍ وتأثير، تعزز الحضور السياسي وتربط استقرار بعض الأنظمة أو الفاعلين المحليين باستمرار الشراكة مع أبوظبي. إذ يميل المشروع الإماراتي إلى العمل عبر تحالفاتٍ مرنة -كما سبقت الإشارة- مع قوى محلية رسمية وغير رسمية، سواء كانت حكومات مركزية أو سلطات إقليمية أو فاعلين مسلحين. هذه الشراكات تُبنى غالبًا على تبادل المنافع: دعم سياسي أو اقتصادي أو أمني مقابل تسهيلات استراتيجية أو اصطفاف إقليمي. وتسمح هذه المقاربة للإمارات ببناء نفوذ متشعب يتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية، ويجعل حضورها جزءًا من البنية الداخلية لبعض الأزمات أو التوازنات في الإقليم[5].

جدير بالإشارة أن هذه الأدوات تتكامل لتشكّل نموذجًا إماراتيًا في إدارة النفوذ الإقليمي، يقوم على المزج بين الاقتصاد والأمن والسياسة، ويستند إلى شبكاتٍ مرنة أكثر من اعتماده على السيطرة المباشرة، وهو ما يفسر امتداد تأثيره في مسارح متعددة إفريقيًا. ففي أثيوبيا؛ وفي سياق التفاعلات المرتبطة بـ “سد النهضة”، برزت أبوظبي كفاعلٍ يوظّف مزيجًا من الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية لتعزيز حضوره. فقد قدمت الإمارات حزم دعم مالي واستثماري لإثيوبيا، خاصةً بعد عام 2018، شملت ودائع للبنك المركزي ومشروعات في البنية التحتية والطاقة، وهو ما ساهم في تثبيت علاقاتها مع النخبة الحاكمة ودعم الاستقرار الاقتصادي النسبي في البلاد[6].

 وفي الوقت ذاته، حاولت الإمارات لعب دور الوسيط في تخفيف التوترات الإقليمية المرتبطة بالسد، سواء بين إثيوبيا ودول الجوار (مصر والسودان) وإن اختلفت التقديرات حول مصداقية الوساطة، أو ضمن ترتيبات أوسع في القرن الإفريقي، مستفيدةً من علاقاتها مع أطرافٍ متعددة. ويعكس هذا الدور نمطًا إماراتيًا قائمًا على الجمع بين “الدعم الاقتصادي” و”الحضور الدبلوماسي”، بما يُتيح التأثير في ملفاتٍ حساسة دون الانخراط المباشر في الصراع. وتكشف هذه الحالة عن آليةٍ أوسع في السياسة الإماراتية تعتمد على بناء النفوذ عبر الاقتصاد -من خلال الاستثمارات والمساعدات- ثم توظيف هذا النفوذ سياسيًا في إدارة الأزمات الإقليمية أو التأثير في مساراتها. هذا ويتضح كيف يُمكن لهذه الأدوات أن تُستخدم في سياقاتٍ مختلفة، من الوساطة في النزاعات إلى تأمين المصالح الاستراتيجية، وهو ما يجعل النموذج الإثيوبي مثالًا مهمًا لفهم أدوات الإمارات في إفريقيا، والتي تتكامل لاحقًا -في حالاتٍ أخرى مثل السودان- مع أدوات أكثر صلابة تشمل الشبكات الأمنية والعلاقات مع الفاعلين المحليين بما في ذلك المسلحين منهم.

بهذا، -وبشيءٍ من الإيجاز- تشكلت ملامح المشروع الإقليمي للإمارات العربية في إقليم البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ومن هذا المنحى انخرطت أبوظبي في الحرب السودانية بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، ضمن رؤيةٍ واسعة تسعى خلالها للتأثير في مجريات ميزان القوى الإقليمي، وإبراز دور جيوسياسي مؤثر ليس فقط في السودان وإنما في الإقليم ككل.

تتحدد أهمية السودان في الحسابات الاستراتيجية لدولة الإمارات العربية المتحدة انطلاقًا من تلاقي ثلاثة اعتباراتٍ مركزية: موقعه البحري المطل على البحر الأحمر، وامتداده في العمق الإفريقي، وامتلاكه موارد طبيعية ذات قيمةٍ استراتيجية، وعلى رأسها الذهب والأراضي الزراعية. وتكتسب هذه المحددات وزنًا مضاعفًا في ضوء التحول الذي شهدته السياسة الخارجية الإماراتية خلال العقد الأخير -على نحو ما أُشير- باتجاه بناء شبكة نفوذ ممتدة عبر البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ترتكز على الموانئ، وسلاسل الإمداد، والشراكات مع فاعلين محليين.

1- البحر الأحمر والممرات البحرية: السودان كحلقةٍ في أمن التجارة الإماراتي

يُمثل البحر الأحمر أحد أهم المسارات البحرية المرتبطة مباشرةً بالمصالح الاقتصادية الإماراتية، بوصفه امتدادًا طبيعيًا لحركة التجارة المنطلقة من الخليج العربي باتجاه أوروبا والبحر المتوسط. ومع تنامي الدور الإماراتي في إدارة الموانئ والاستثمار في البنية التحتية البحرية عبر الإقليم، أصبح تأمين هذا المسار جزءًا من مفهوم أوسع للأمن الاقتصادي والاستراتيجي لأبوظبي. في هذا السياق، يكتسب السودان أهميةً خاصة بفضل ساحله الطويل على البحر الأحمر، وموقعه المتوسط بين قناة السويس شمالًا ومضيق باب المندب جنوبًا. فالحضور أو التأثير في السودان يمنح الإمارات قدرةً على ترسيخ موقعها ضمن شبكة الموانئ والنقاط اللوجستية الممتدة من الخليج إلى القرن الإفريقي.

 كما أن هذه الموانئ، مثل ميناء بورتسودان وميناء أبو عمامة الذي وقعت الإمارات عقد إنشائه بتكلفة 6 مليار دولار[7]، يُشكلان نقطة عبور محتملة ليس فقط للتجارة السودانية، بل أيضًا لحركة إقليمية أوسع يمكن توظيفها ضمن مشاريعٍ لوجستية واستثمارية تخدم المصالح الإماراتية في المنطقة. ولا تنفصل هذه الأهمية البحرية عن البعد الأمني؛ إذ إن البحر الأحمر أصبح خلال السنوات الأخيرة ساحة تنافس عسكري وقاعدي بين قوى إقليمية ودولية. ومن ثم، فإن وجود شريك أو نفوذ مستقر في السودان يعزز من قدرة الإمارات على التكيف مع التحولات الأمنية في هذا الحيز البحري، ويمنحها هامش مناورة في مواجهة أي تهديداتٍ محتملة لخطوط الملاحة.[8]

2- العمق الإفريقي: السودان كبوابة للتمدد في القرن الإفريقي

إلى جانب بعده البحري، يُشكل السودان بوابةً طبيعية للنفاذ إلى القرن الإفريقي ووسط القارة. فالدولة السودانية تقع عند تقاطع جغرافي يربط بين شمال إفريقيا وشرقها والساحل الإفريقي، ما يمنحها موقعًا فريدًا في شبكات التجارة البرية، وحركة الموارد، وتدفقات السلاح والهجرة. بالنسبة للإمارات، التي عززت حضورها خلال العقد الماضي في دول القرن الإفريقي عبر استثمارات في الموانئ، وشراكات أمنية، وعلاقات سياسية مع نخب حاكمة، فإن السودان يُمثل حلقة وصل تكميلية في هذه الشبكة. فهو يُتيح الربط بين مسار البحر الأحمر ومسار الساحل والصحراء، كما يفتح مجالًا للتأثير في توازنات دول الجوار مثل إثيوبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان. كما أن السودان، بحكم تداخله مع أزماتٍ إقليمية متعددة، يوفر للإمارات فرصةً للتموضع كفاعلٍ وسيط أو داعم في ترتيبات سياسية وأمنية عابرة للحدود. هذا الدور المحتمل لا ينفصل عن رؤية أوسع تسعى إلى ترسيخ الإمارات كقوةٍ إقليمية قادرة على إدارة شبكات نفوذ مرنة، تعتمد على الشراكات مع فاعلين محليين أكثر من اعتمادها على الانتشار العسكري المباشر واسع النطاق.[9]

3-الموارد الاستراتيجية: الذهب والأراضي الزراعية

تُمثل الموارد الطبيعية أحد أبرز دوافع الاهتمام الإماراتي بالسودان. فالذهب أصبح خلال السنوات الأخيرة عنصرًا محوريًا في الاقتصاد السوداني، وموردًا رئيسًا للعملات الصعبة. وبالنظر إلى موقع الإمارات كمركزٍ عالمي لتجارة الذهب، فإن الارتباط بسلاسل إنتاج وتصدير الذهب السوداني يكتسب أهميةً اقتصادية واضحة، كما يُوفر قناة نفوذ غير مباشرة داخل بنية الاقتصاد السوداني[10]. إلى جانب الذهب، تمتلك السودان مساحاتٍ زراعية واسعة وموارد مائية تؤهله ليكون أحد أهم مصادر الأمن الغذائي في المنطقة. وقد دفعت التحولات العالمية في أسواق الغذاء إلى زيادة اهتمام الدول الخليجية، ومنها الإمارات، بالاستثمار في الأراضي الزراعية خارج حدودها. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى السودان بوصفه مخزونًا استراتيجيًا يمكن توظيفه ضمن رؤية بعيدة المدى للأمن الغذائي الإماراتي، سواء عبر استثماراتٍ مباشرة أو شراكاتٍ طويلة الأمد[11]. غير أن تداخل هذه الموارد مع هشاشة الدولة السودانية والصراعات الداخلية يجعلها أيضًا مدخلًا للتأثير السياسي. فالتحكم في مسارات الذهب أو الأراضي الزراعية، أو بناء شراكات مع قوى محلية تسيطر على مناطق الإنتاج، يفتح المجال أمام صياغة أنماط نفوذ مركّبة تجمع بين ثلاثية الاقتصادي والأمني والسياسي.

ثلاثية الاعتبارات هذه (الموقع – العمق – الموارد) توضح الأهمية الاستراتيجية للسودان في مشروع الإمارات الإقليمي، ويجعل هذا التلاقي مع السودان أكثر من مجرد ساحة اهتمام عابر؛ بل حلقة مركزية في شبكة النفوذ الإماراتية الممتدة عبر البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وركيزة يمكن عبرها تعزيز الأمن الاقتصادي، وتوسيع الحضور الإقليمي، وإعادة تشكيل موازين القوى وتنفيذ أجندات محددة في أحد أكثر أقاليم العالم حساسية وتحولًا.

يتوقف هذا المحور على تطور علاقات الإمارات مع السودان في ضوء التحول في توجهات نظام البشير، وكذلك السياقات التي أدت إلى توثيق الصلات بين الإمارات وقوات الدعم السريع.

العلاقة مع نظام عمر البشير

اتسمت العلاقة بين السودان ودولة الإمارات العربية المتحدة خلال عهد عمر البشير بطابعٍ براجماتي متدرّج، انتقلت فيه من الحذر والتباعد النسبي في تسعينيات القرن العشرين إلى تقارب سياسي وأمني واضح في العقد الأخير من حكمه. ففي المراحل الأولى، ظل السودان محسوبًا على محاور إقليمية لم تكن منسجمة بالكامل مع توجهات أبوظبي، غير أن التحولات الإقليمية، وتزايد الضغوط الاقتصادية على الخرطوم، مهّدت لإعادة تموضع تدريجية في علاقاته الخليجية. مع تصاعد أزمات السودان الاقتصادية وتراجع عائدات النفط بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، أصبح الانفتاح على دول الخليج خيارًا اقتصاديًا ملحًا للنظام. في هذا السياق، برزت الإمارات بوصفها شريكًا ماليًا وتجاريًا مهمًا، خاصةً في مجالات الاستثمار الزراعي والتبادل التجاري وتحويلات العمالة. ومع مرور الوقت، تطورت العلاقة من تعاون اقتصادي محدود إلى تنسيق سياسي وأمني أوثق، لا سيما في ضوء التحولات التي شهدها الإقليم بعد عام 2011.

شكل عام 2015 نقطة انعطاف مفصلية في موقع السودان داخل الاستراتيجية الإماراتية. فقد أعادت الخرطوم تموضعها الإقليمي بشكلٍ واضح، مبتعدةً عن بعض تحالفاتها السابقة، ومتجهةً نحو محور خليجي تقوده الرياض وأبوظبي. جاء هذا التحول في سياق سعي النظام السوداني إلى فك عزلته الإقليمية والدولية، وتأمين دعم اقتصادي عاجل، في وقتٍ كانت فيه البلاد تواجه أزمة عملة وديون متراكمة. بالنسبة للإمارات، مثّل هذا التحول فرصةً استراتيجية لضم السودان إلى شبكة نفوذها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي[12].

وكانت مشاركة السودان في التحالف العسكري في اليمن إحدى أبرز تجليات هذا التحول. فقد أرسلت الخرطوم آلاف الجنود للقتال ضمن التحالف الذي ضم السعودية والإمارات، وهو ما عزز التنسيق العسكري بين الجانبين. مثّلت هذه المشاركة مكسبًا سياسيًا للنظام السوداني؛ إذ أعادت دمجه في محيطه العربي، كما وفرت له دعمًا ماليًا واستثماريًا. في المقابل، استفادت الإمارات من القدرات البشرية السودانية التي بلغت 30 ألف جندي في العمليات البرية، خاصةً في المناطق الساحلية الجنوبية وحراسة القواعد الإماراتية جنوب اليمن[13]. كما أسهمت المهام المشتركة في اليمن في تعميق العلاقات بين قياداتٍ عسكرية وأمنية من الطرفين، ما أوجد قنوات اتصال مباشرة تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية. وقد انعكس ذلك لاحقًا في طبيعة العلاقات مع بعض الفاعلين العسكريين داخل السودان.

قبل اندلاع حرب 2023، كان السودان قد تحول من دولةٍ هامشية في الحسابات الإماراتية إلى شريكٍ استراتيجي ضمن شبكة نفوذ تمتد عبر البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فقد جمع بين الموقع البحري، والموارد الطبيعية، والقدرات العسكرية التي تم توظيفها في سياقاتٍ إقليمية. كما وفرت العلاقة مع نظام البشير مدخلًا لإعادة صياغة موقع السودان داخل هذه الشبكة؛ غير أن هذا الاندماج لم يكن قائمًا على مؤسسات دولة مستقرة، بل على ترتيباتٍ سياسية وأمنية مرتبطة بطبيعة النظام الحاكم وتوازناته الداخلية. ومع سقوط البشير عام 2019، دخلت العلاقة مرحلة إعادة تعريف، غير أن الأسس التي وُضعت بين عامي 2015 و2019 ظلت مؤثرة في تشكيل موقع السودان داخل الاستراتيجية الإماراتية حتى اندلاع الحرب الأخيرة.

صعود قوات الدعم السريع كشريك إماراتي

شكّل صعود قوات الدعم السريع أحد أهم التحولات في معادلة العلاقة بين السودان والإمارات العربية المتحدة خلال السنوات التي سبقت حرب 2023. فمع تراجع مركزية الدولة السودانية وتنامي أدوار الفاعلين العسكريين شبه النظاميين، برزت قوات الدعم السريع بوصفها قوة ميدانية ذات نفوذ سياسي واقتصادي متزايد، ما جعلها طرفًا جاذبًا في حسابات الفاعلين الإقليميين.

تعود جذور التقارب غير المباشر إلى سياق المشاركة السودانية في حرب اليمن -كما أشرنا-، حيث لعبت قوات الدعم السريع دورًا بارزًا في العمليات البرية ضمن التحالف الذي شاركت فيه أبوظبي. هذا التقارب بجانب أنه أسفر عن الانخراط والتفاعل المباشرً بين قيادات الدعم السريع وشركاء خليجيين، فإنه أسهم في بناء قنوات اتصال عسكرية وأمنية خارج الأطر التقليدية للمؤسسة العسكرية السودانية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القنوات إلى رصيدٍ سياسي مكّن القوة الصاعدة من تعزيز موقعها داخليًا وخارجيًا. كما تزامن ذلك مع مرحلةٍ انتقالية مضطربة داخل السودان بعد 2019، اتسمت بازدواجية السلطة بين المكونين المدني والعسكري، وتنافس داخلي على مصادر القوة والنفوذ. في هذا السياق، اكتسبت العلاقات الخارجية المستقلة نسبيًا لبعض الفاعلين العسكريين أهميةً مضاعفة، باعتبارها مصدرًا للدعم والشرعية والموارد.

أحد أهم محددات العلاقة تمثل في قطاع الذهب، الذي أصبح موردًا استراتيجيًا في الاقتصاد السوداني خلال العقد الأخير. فقد سيطرت شبكات مرتبطة بقوات الدعم السريع على جزءٍ مهم من مناطق إنتاج الذهب، خاصةً في إقليم دارفور. وفي ظل ضعف الرقابة المؤسسية وتآكل دور البنك المركزي، تزايدت صادرات الذهب عبر قنوات تجارية خارج الإطار الرسمي. برزت دبي كمركزٍ إقليمي وعالمي لتجارة الذهب، ما أوجد مسارًا اقتصاديًا مباشرًا بين المنتجين السودانيين والسوق الإماراتية. حيث تشير بيانات البنك المركزي السوداني أن الإمارات استوردت حوالي 90٪ من صادرات السودان الرسمية من الذهب في النصف الأول من عام 2025، وقد أفاد تحقيق لمنظمة “ذا سنتري” بقيام شركات مقرها دبي بغسل الذهب السوداني غير المشروع لصالح تمويل الدعم السريع[14]، هذا الترابط لم يكن مجرد نشاط تجاري اعتيادي، بل شكّل ركيزةً مالية مهمة دعمت استقلالية قوات الدعم السريع نسبيًا عن الدولة، ووفرت لها موارد نقدية كبيرة. كما خلق شبكة مصالح عابرة للحدود تربط بين الفاعلين الاقتصاديين في الجانبين.

إلى جانب البعد الاقتصادي المياشر، أًثيرت في سياقات متعددة اتهامات تتعلق بوجود قنوات دعم غير مباشرة لقوات الدعم السريع[15]، سواء عبر تسهيلات مالية أو لوجستية. ورغم تعقيد المشهد وتضارب الروايات، فإن المؤكد أن القوة الصاعدة استفادت من انفتاحها الإقليمي في تنويع مصادر تمويلها وتسليحها، مستغلةً هشاشة الدولة السودانية وتعدد مراكز القرار فيها. هذا النمط من العلاقات يعكس نموذجًا أوسع في إدارة النفوذ الإقليمي، يقوم على بناء شراكات مع فاعلين محليين يمتلكون قوة ميدانية وموارد ذاتية، بما يضمن استمرار التأثير حتى في حال تغيرت الحكومات أو انهارت الترتيبات السياسية الرسمية. وفي الحالة السودانية، أدى ذلك إلى تعميق التشابك بين الاقتصاد غير الرسمي، والتحالفات العسكرية، والمصالح الإقليمية.

نتطرق في هذا الموضع إلى أبرز مسارات الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في غمار الحرب الأهلية الأخيرة وما دار حولها من جدل، في محاولةٍ للربط مع الأهداف الإماراتية من وراء هذا التدخل في الشأن السوداني.

  1. مساحات الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع

يُعد الدور الإماراتي في الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أحد أكثر القضايا إثارةً للجدل في التحليلات الإقليمية. فقد اتهمت الحكومة السودانية وعدد من التقارير الدولية أبوظبي بتقديم أشكال مختلفة من الدعم لقوات الدعم السريع، تشمل الدعم المالي، وتسهيل وصول الأسلحة، وتوفير شبكات لوجستية، إضافة إلى دعم سياسي وإعلامي غير مباشر. في المقابل، نفت الإمارات مرارًا هذه الاتهامات، وأكدت أنها تدعم فقط الجهود الدبلوماسية والإنسانية لإنهاء الحرب. ويكشف تحليل هذه الأبعاد وتتبع التفاصيل والمؤشرات عن أن القضية لا تتعلق فقط بدعمٍ عسكري مباشر، بل بشبكةٍ معقدة من العلاقات الاقتصادية واللوجستية والسياسية التي تشكلت قبل الحرب واستمرت خلالها.

حيث تُشير التحليلات إلى أن قوات الدعم السريع دخلت الحرب وهي تمتلك شبكة مالية واسعة مكنتها من تمويل العمليات العسكرية لفتراتٍ طويلة دون الاعتماد الكامل على الدولة السودانية. ويرتبط جزء مهم من هذه الموارد بعائدات تجارة الذهب التي سيطرت عليها الشبكات المرتبطة بالدعم السريع في دارفور وشمال السودان منذ منتصف العقد الماضي. وقد أصبحت دبي مركزًا رئيسًا لتصدير الذهب السوداني -كما سبق أن أشرنا-، وهو ما خلق علاقة اقتصادية مباشرة بين تجارة الذهب السودانية والأسواق الإماراتية. وتشير تقديرات إلى أن جزءًا كبيرًا من الذهب السوداني كان يُصدّر إلى الإمارات عبر قنوات رسمية وغير رسمية قبل الحرب[16]، ما وفر موارد مالية ضخمة للقوة شبه العسكرية. ذلك بما سمح لها بتمويل شراء السلاح، ودفع الرواتب، وتنظيم الحملات الإعلامية، وبناء علاقات مع جماعات مسلحة وسياسية. وقد ساهمت هذه الشبكات في منح قوات الدعم السريع استقلالًا ماليًا نسبيًا عن مؤسسات الدولة السودانية، وهو عامل حاسم في قدرتها على الاستمرار في القتال حتى الآن.

كذلك،من أكثر الاتهامات إثارةً للجدل في الحرب السودانية تلك المتعلقة بتوريد الأسلحة لقوات الدعم السريع. فقد كشفت تقارير عن استخدام أسلحة متقدمة في المعارك داخل الخرطوم ودارفور، من بينها قنابل موجهة ومدافع ميدانية صينية الصنع. ووفق تحقيق أجرته منظمة العفو الدولية عام 2025، فقد تم توثيق استخدام قنابل موجهة من طرازGB50A  ومدافع AH-4 في الهجمات التي نفذتها قوات الدعم السريع، وهي أسلحة يُعتقد أنها أُعيد تصديرها إلى السودان عبر الإمارات، ويُشير التحقيق إلى أن هذه الأسلحة ظهرت في صور ومقاطع فيديو من مواقع القتال في الخرطوم ودارفور، ما اُعتبر دليلًا على خرق حظر السلاح المفروض على إقليم دارفور منذ سنوات. كما أكد التقرير أن وجود هذه الأسلحة الحديثة يعكس وجود شبكة نقل وتسليح معقدة تتجاوز حدود السودان وتشمل أطرافًا إقليمية.[17]

في المقابل، رفضت الإمارات هذه الاتهامات بشكلٍ قاطع، وأكدت أنها لا تُزود أي طرف في الحرب السودانية بالسلاح. وأوضح مسؤولون إماراتيون أن هذه المزاعم لا تستند إلى أدلةٍ موثقة، وأن سياسة أبوظبي الرسمية تقوم على دعم وقف إطلاق النار والحل السياسي للصراع[18]. كما أشارت تقارير إعلامية إلى أن ضغوطًا سياسية في الولايات المتحدة دفعت إلى نقاشات حول وقف بعض صفقات السلاح مع الإمارات، بسبب مخاوف من احتمال استخدام هذه الأسلحة في السودان. وفي نهاية عام 2024، نقلت تقارير أن أبوظبي أكدت للإدارة الأمريكية أنها لن تقوم بنقل أسلحة إلى قوات الدعم السريع في المستقبل[19].

بجانب التمويل والتسليح، واجهت الإمارات اتهامات مباشرة من قيادات بارزة في الجيش السوداني فيما يتعلق بشبكات النقل والإمداد اللوجيستي لنقل السلاح والعتاد إلى مطارات أوغندا ثم إلى إفريقيا الوسطى ومنها إلى تشاد[20]، حيث اتهمت الحكومة السودانية الإمارات بدعم نقل مقاتلين أجانب للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، وهي اتهامات نفتها أبوظبي[21].

فضلًا عن الدعم السياسي والإعلامي من خلال تمويل الإمارات حملات إعلامية وأنشطة ضغط سياسي في الخارج، بهدف تحسين صورتها والتأثير في مواقف بعض الحكومات الغربية تجاه دورها في الصراع. وقد ساعدت هذه الاستراتيجية في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع أطرافٍ دولية مختلفة، رغم الاتهامات الواسعة بارتكاب انتهاكات خلال الحرب، وهو ما اعتبره البعض دعمًا غير مباشر لقوات الدعم السريع.

بهذا، تكشف دراسة أشكال الدعم المختلفة لقوات الدعم السريع خلال الحرب السودانية أن الدور الإماراتي -سواء كان مباشرًا أو غير مباشر- أصبح عنصرًا مركزيًا في تفسير ديناميات الصراع. فالعلاقة بين الإمارات وبعض الفاعلين العسكريين في السودان لم تتشكل خلال الحرب فقط، بل تعود جذورها إلى سنواتٍ سابقة، خاصةً في مجالات الذهب والتجارة والتعاون العسكري. وفي الوقت نفسه، يبقى تقييم هذا الدور محل جدال كبير بين الأطراف المختلفة. فبينما ترى الحكومة السودانية وعدد من التقارير الحقوقية أن الإمارات قدمت دعمًا أسهم في إطالة أمد الحرب، تؤكد أبوظبي أنها لم تُزود أي طرف بالسلاح وأن دورها يقتصر على دعم الجهود الدبلوماسية والإنسانية. ويعكس هذا الجدل تعقيد التفاعلات الإقليمية حول السودان، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية والجيوسياسية مع الصراعات الداخلية في واحدةٍ من أكثر الأزمات تعقيدًا في إفريقيا المعاصرة.

  • أهداف الإمارات من دعم قوات الدعم السريع

يمكن تفسير أهداف السياسة الإماراتية تجاه السودان، بما في ذلك دعم علاقات وثيقة مع قوات الدعم السريع، ضمن إطار أوسع يرتبط بإعادة تشكيل توازنات النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فالسودان يمثل موقعًا جيوسياسيًا مهمًا في شبكة الممرات البحرية والتجارية، وهو ما يدفع أبوظبي إلى السعي لضمان نفوذ مستمر فيه. وفي هذا السياق، تتمثل أحد الأهداف في موازنة نفوذ الجيش السوداني المرتبط تقليديًّا بعلاقاتٍ قوية مع مصر، بما يمنع احتكار طرف واحد للسلطة ويضمن تعددية مراكز القوة بما يضمن مصالح الإمارات.

كذلك، تسعى الإمارات إلى الحفاظ على شبكة نفوذها المتنامية في القرن الإفريقي من خلال بناء علاقات مع فاعلين محليين متعددي المستويات، بما يسمح لها بالحفاظ على تأثير سياسي واقتصادي في السودان بغض النظر عن مآلات الصراع، والمساهمة في تشكيل ترتيبات السلطة المستقبلية لضمان عدم وصول تيارات الإسلام السياسي للحكم مجددًا بما يتوافق مع مصالحها الأيديولوجية والإقليمية[22].

تُشير قراءة التفاعلات الإقليمية المرتبطة بالحرب السودانية أن السودان لم يعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل تحول إلى عقدةٍ جيوسياسية ضمن شبكةٍ أوسع من المصالح والتحركات الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فموقعه الجغرافي الذي يربط بين البحر الأحمر وشرق إفريقيا ومنطقة الساحل وشمال إفريقيا يمنحه أهميةً خاصة في الاستراتيجيات الإقليمية الساعية إلى توسيع النفوذ في هذه المناطق. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى السودان بوصفه حلقة وصل بين مسارح نفوذ متعددة تمتد من ليبيا وتشاد ومنطقة الساحل إلى دول القرن الإفريقي، حيث تتقاطع شبكات التجارة والموارد الطبيعية ومسارات النقل والتهريب، بما يجعل البلاد نقطة ارتكاز مهمة في التفاعلات الجيوسياسية الإقليمية.

وفي هذا السياق يندرج الحضور الإماراتي في السودان -الذي وصفه البعض بدور “دولة شبه إمبريالية”[23]– ضمن نمط أوسع من السياسة الخارجية الإماراتية في إفريقيا والشرق الأوسط، يقوم على توظيف مزيج من الأدوات الاقتصادية والأمنية والسياسية لتعزيز النفوذ الإقليمي. فقد عملت أبوظبي خلال العقدين الماضيين على توسيع حضورها في القارة الإفريقية عبر الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية والموارد الطبيعية، إلى جانب بناء شراكات أمنية وعلاقات مع فاعلين محليين، بما يمنحها قدرةً متزايدة على التأثير في التوازنات الإقليمية ومسارات التجارة في البحر الأحمر وشرق إفريقيا. وفي الحالة السودانية تحديدًا يتجسد هذا الحضور عبر تداخل المصالح الاقتصادية مع التحالفات المحلية في سياق بيئة سياسية هشة ومجزأة، حيث وفّرت العلاقة مع بعض الفاعلين العسكريين المحليين منفذًا للارتباط بشبكات تجارة الذهب السوداني، وفي الوقت نفسه الاعتماد على قوة محلية قادرة على حماية هذه المصالح في ظل ضعف الدولة وتعدد مراكز القوة داخلها.

غير أن قراءة هذه التفاعلات تكشف بعدًا أعمق يتجاوز حدود المنافسة الجيوسياسية المباشرة. فالسودان والبحر الأحمر والقرن الإفريقي يُمثلون تاريخيًا جزءًا من فضاءٍ حضاري واحد تشكّل عبر قرون من التفاعل التجاري والعلمي والبشري بين الجزيرة العربية وشرق إفريقيا، غير أن التحولات الجيوسياسية المعاصرة أعادت تشكيل هذا المجال وفق منطق التنافس على الممرات البحرية والموارد الطبيعية، وهو ما أدى إلى انتقال كثير من التفاعلات داخل المجال الحضاري الإسلامي نفسه من منطق التكامل والتعاون إلى منطق شبكات النفوذ والتحالفات الأمنية.

ومن زاويةٍ نقدية، يبرز في هذه الحالة سؤال منهجي يتعلق بطبيعة العلاقات بين دول هذا المجال الحضاري في المرحلة الراهنة؛ فبدل أن يتحول السودان بما يمتلكه من موقعٍ استراتيجي ومواردٍ طبيعية إلى عنصر في منظومة تكامل اقتصادي وأمني تخدم استقرار البحر الأحمر والقرن الإفريقي، أصبح ساحةً تتقاطع فيها شبكات المصالح والنفوذ الإقليمية. وهو ما قد يؤدي إلى تعميق هشاشة الدولة السودانية وإطالة أمد أزماتها السياسية، وليس الإسهام في معالجتها ضمن إطار تعاون إقليمي أوسع.

وبناءً على ذلك، فإن مستقبل التواجد الإماراتي في السودان سيظل مرتبطًا بمسارين متداخلين: الأول يتعلق بمآلات الصراع الداخلي وإمكانية استعادة الدولة السودانية لقدرٍ من التماسك المؤسسي والسيادة على مواردها ومجالها الجيوسياسي، والثاني يرتبط بطبيعة التوازنات الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فإذا استمر الإقليم في العمل وفق منطق التنافس على النفوذ والممرات الاستراتيجية، فمن المرجح أن يبقى السودان جزءًا من هذه المعادلة بوصفه ساحة لتقاطع المصالح. أما إذا اتجهت دول المنطقة نحو بناء صيغ جديدة من التعاون الإقليمي -وهو أمر غير مأمول في ظل المعطيات الحالية-، فإن السودان يمكن أن يتحول من مجالٍ للصراع إلى عنصر فاعل في منظومة تكامل اقتصادي وأمني تُعيد إحياء الدور التاريخي لهذا المجال الحضاري.


قائمة المراجع

[1] للمزيد، انظر: جيهان عبدالرحمن جاد، تفاعلات متزايدة: البحر الأحمر في استراتيجية المتنافسين بالقرن الأفريقي، مركز رع للدراسات الاستراتيجية، 12 أبريل 2025، تاريخ الاطلاع: 25 فبراير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://rcssegypt.com/20891

[2] عبده إبراهيم، سيف دويدار، التدخل الخليجي في الأزمة السودانية: الإمارات كطرف في الصراع المسلح، فصلية قضايا ونظرات، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، العدد 34، ص ص، 80 – 89.

[3]  أيمن شبانة، الإمارات وأمن البحر الأحمر.. التحديات وآليات التفعيل، مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، 3 مارس 2020، تاريخ الاطلاع: 27 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://urli.info/1mxX8

 [4] للمزيد: أيمن إبراهيم الدسوقي، تغير السياسة الخارجية الإماراتية في أعقاب الثورات العربية، مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، مج18، ع4، 2017.

 [5] نفوذ الإمارات في أفريقيا: شراكة اقتصادية أم أجندة سياسية؟، أمد للدراسات، 4 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع: 1 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://h1.nu/1q9oX

[6]  زينب مصطفى، الإمارات وسد النهضة.. من الحياد اللفظي إلى الدعم الفعلي لإثيوبيا، مصر 360، 15 أغسطس 2022، تاريخ الاطلاع: 26 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://urli.info/1rKda

[7]  محمد حميد، ثالوث الاستثمار والسلاح والولاءات.. ماذا تريد الإمارات من الهيمنة على البحر الأحمر؟، مصر 360، 2 مايو 2023، تاريخ الاطلاع: 1 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://urli.info/1lzj3

[8] Anmol Kumar, Power, Ports, and Gold: The Real Reasons Behind the UAE’s Role in Sudan, The Dialectics, 27 September 2025, Accessed: 1 March 2026, Link: https://h1.nu/1kSMw

[9] Mawadda Iskandar, UAE’s sub-imperial project: Erecting a covert empire across the Red Sea, The Cradle, 27 May 2025, Accessed: 1 March 2026, Link: https://h1.nu/1kSOF

[10] عاصم إسماعيل، كيف نجحت الإمارات في اقتناص كل ذهب السودان؟، العربي الجديد، 20 أكتوبر 2022، تاريخ الاطلاع: 2 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/Pe0SILUN

[11] Anmol Kumar, Ibid.

[12] Jean-Baptiste Gallopin, The Great Game of the UAE and Saudi Arabia in Sudan, Project on Middle East Political Science (POMEPS), 2022, Accessed: 5 March 2026, Link: https://h1.nu/1l1jv

[13] وقود الحرب.. ما الدور الذي لعبته القوات السودانية في اليمن؟، جريدة الأيام، 12 ديسمبر 2019، تاريخ الاطلاع: 5  مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://h1.nu/1q9rU

[14] Dominique Soguel, As Sudan’s agony deepens, scrutiny sharpens on UAE and gold, SWI, 5 Nov 2025, Accessed: 6 March 2026, Link: https://urli.info/1lzll

[15] ما الأدلة على مزاعم تسليح الإمارات للدعم السريع في السودان؟، بي بي سي، 11 أبريل 2025، تاريخ الاطلاع: 27 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://urli.info/1rKdF

[16] Dominique Soguel, Ibid

[17] Sudan: Advanced Chinese weaponry provided by UAE identified in breach of arms embargo – new investigation, Amnesty, 8 may 2025, Accessed: 7 March 2026, Link: https://h1.nu/1qpK2

[18] UAE denies sending weapons to Sudan’s RSF paramilitary, Aljazeera, Accessed: 7 March 2026, Link: https://aje.io/xonjsi

[19] Kazim Abdul, UAE ceases arms supply to Sudan’s RSF amid international pressure, Military Africa, 23 Dec 2025, Accessed: 7 March 2026, Link: https://h1.nu/1lh7X

[20] عبده إبراهيم، سيف دويدار، مرجع سابق، ص86.

[21] Sudan accuses the UAE of funding Colombian mercenaries to fight alongside the RSF in civil war. Associated Press, 5 Aug 2025, Accessed: 8 March 2026, Link: https://h1.nu/1qq4F

[22] للمزيد، انظر: جاسم الحريري، الدور الاماراتي في السودان: الاهداف، الوسائل، المستقبل، منصة دراسات الأمن والسلام، ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 23 فبراير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://h1.nu/1qq91

[23] See: Husam Mahjoub, The Emerging Sub-Imperial Role Of The United Arab Emirates In Africa, Tni, 4 February 2025, Accessed: 9 March 2026, Link: Https://Urli.Info/1lvyk

محمود عاشور مؤمن

باحث في العلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى