نازحون ولاجئون: حياة السودانيين من مدخل إنساني

مقدمة:
أدّى اندلاع الصراع المسلّح في السودان منذ أبريل 2023، في ظل تعثّر العملية السياسية وتصاعد التنافس بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، إلى انهيارٍ سريع في بنية الدولة الأمنية والخدمية، ما دفع البلاد إلى واحدةٍ من أعقد الأزمات الإنسانية عالميًا. فقد وجد المدنيون أنفسهم في قلب العمليات العسكرية، وتحوّلت المناطق الحضرية، إلى ساحات قتال مباشرة، الأمر الذي تسبب في سقوط آلاف القتلى والجرحى وتدمير واسع للبنية التحتية المدنية. وقد ترافق ذلك مع استهداف المرافق الصحية وارتفاع حاد في أسعار الغذاء والوقود والسلع الأساسية، ما أدى إلى تآكل القدرة المعيشية للأسر وتسارع موجات النزوح واللجوء. ويعكس هذا التحول انتقال الأزمة السودانية من صراعٍ سياسي -عسكري إلى أزمةٍ مجتمعية شاملة أعادت تشكيل أنماط الحياة اليومية للسكان، حيث أصبح البحث عن الأمان والغذاء والخدمات الأساسية أولوية تتقدم على جميع الاعتبارات الأخرى[1].
وفق تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد النازحين السودانيين داخليًا نحو 10.1 مليون شخص حتى نهاية مارس 2026، وذلك مقارنةً مع نحو 3.5 مليون نازح عام 2022، أي قبل اندلاع الموجة الأخيرة من الصراع. ومنذ عام 2024، اعتبرت المفوضية أن السودان أصبح الدولة التي تضم أكبر عدد من النازحين داخليًا عالميًا. بالتوازي، فر أكثر من 4 ملايين شخص إلى الدول المجاورة منذ بدء النزاع، كما اضطر نحو 270 ألف لاجئ وطالب لجوء -من أصل نحو 890 ألف لاجئ وطالب لجوء، معظمهم من جنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا وجمهورية إفريقيا الوسطى- للنزوح نزوحًا ثانويًا[2].
ولا تقتصر الأزمة على الأرقام، بل تتجسد في تحولاتٍ عميقة في الحياة اليومية للسودانيين، تشمل فقدان المأوى، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتنامي هشاشة الفئات الأكثر ضعفًا، خاصةً الأطفال والنساء وكبار السن، في ظل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومقتل المدنيين جراء القصف العشوائي، واستهداف البنية التحتية المدنية كالمستشفيات، وتعرض سكان المناطق المتضررة من النزاع للاعتقال التعسفي والاحتجاز والابتزاز والعنف الجنسي، وذلك بالتوازي مع تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي بشكلٍ مطرد، حيث ارتفاع التضخم، وتراجع قيمة العملة، والنقص الحاد في السلع الأساسية[3].
إن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أزمة بنيوية تُهدد بقاء المجتمع نفسه. كما أن الاتهامات الدولية بارتكاب عمليات قتل ممنهجة وانتهاكات واسعة بحق المدنيين تُشير إلى تحول العنف إلى أداةٍ لإعادة تشكيل السيطرة الجغرافية والاجتماعية، الأمر الذي ساهم في تسريع موجات النزوح الجماعي[4].
ومن هنا، تنبع أهمية دراسة النزوح واللجوء السوداني من مدخلٍ إنساني لا يُركز فقط على الإحصاءات، بل على تجربة الإنسان نفسه بوصفه فاعلا اجتماعيًا يعيش الصدمة والاقتلاع وإعادة بناء الحياة في ظروفٍ قسرية، وذلك في ظل تزايد المعالجات الكمية حول النزوح واللجوء، مقابل نقص المقاربات الإنسانية النوعية، مع الحاجة إلى فهم التجربة المعيشية للاجئين وليس فقط ديناميات الصراع، لا سيما مع التأثيرات المباشرة على دول الجوار، خصوصًا مصر وتشاد وجنوب السودان.
ومن ثم، تحاول الدراسة الإجابة عن سؤالٍ رئيسي: كيف أعادت تجربة النزوح واللجوء تشكيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للسودانيين في ظل الأزمة الإنسانية الراهنة؟ ويرتبط بذلك مجموعة من الأسئلة الفرعية منها: كيف تعكس ظاهرة النزوح السوداني انهيار مقومات الحياة في المجتمع المحلي؟ كيف بددت الحرب مقومات الأمن الإنساني للمجتمع السوداني؟ ماذا عن أوضاع اللاجئين في دول الجوار؟ ما مؤشرات تقاعس المجتمع الدولي أمام الأزمة الإنسانية السودانية؟
أولًا- الصراع السوداني وأسباب النزوح: انهيار مقومات الحياة وجرائم الإبادة الجماعية
أدّى اندلاع الصراع المسلح في السودان منذ أبريل 2023 إلى نشوء واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية المعاصرة، حيث تصاعدت أعمال العنف بصورةٍ واسعة النطاق وأثّرت مباشرةً على السكان المدنيين. وقد أسهم انهيار الأمن والخدمات الأساسية وتوسع رقعة الاشتباكات في دفع ملايين السودانيين إلى النزوح القسري داخل البلاد وخارجها، ما حوّل الأزمة إلى حالة نزوح جماعي غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث[5].
يُشير هذا التحرك الجماعي للسكان إلى شدة الأزمة واستهداف المدنيين، بما يعكس هشاشة النظام الاجتماعي والاقتصادي، وغياب الآليات الكافية لحماية السكان. وقد أفرزت الصراعات المتواصلة ديناميكيات جديدة للهجرة، حيث أصبحت مواجهة الاحتياجات الإنسانية العاجلة مسألة يومية لملايين السودانيين[6].
لم تعد الحرب في السودان تُفهم باعتبارها نزاعًا سياسيًا أو عسكريًا محدودًا بين أطرافٍ متنافسة، بل تحولت إلى أزمةٍ بنيوية شاملة أعادت تشكيل الحياة اليومية للسودانيين على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. فقد أدى استمرار القتال إلى انهيارٍ تدريجي في مؤسسات الدولة الخدمية وتعطل قطاعات الإنتاج، الأمر الذي دفع ملايين المدنيين إلى مغادرة مناطقهم ليس فقط هربًا من العنف المباشر، بل أيضًا نتيجة فقدان شروط الحياة الأساسية. وهو ما يعني أن النزوح في الحالة السودانية لم يكن نتيجة الخطر الأمني وحده، بل نتاج تفاعل مركّب بين العنف المسلح والانهيار الاقتصادي وتفكك منظومة الخدمات العامة.
وقد أدى توقف النشاط الزراعي وانقطاع سلاسل الإمداد إلى ارتفاعٍ غير مسبوق في أسعار الغذاء وفقدان آلاف الأسر مصادر دخلها، بما حوّل الأزمة الاقتصادية إلى عامل طرد سكاني واسع النطاق. ويكشف ذلك عن انتقال الصراع من كونه أزمة أمنية إلى أزمة معيشية شاملة تدفع السكان إلى النزوح القسري بحثًا عن الحد الأدنى من الاستقرار الغذائي، وهو ما يدل على أن الأمن الغذائي أصبح أحد المحددات الرئيسية لحركة السكان داخل السودان وخارجه -كما سنرى[7].
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل إلى ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، إذ تُشير نتائج لجنة تقصّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن الحرب في السودان إلى تصاعد غير مسبوق في مستوى الانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين، خاصةً في إقليم دارفور، حيث خلص التحقيق إلى أن الأفعال التي ارتُكبت في مدينة الفاشر تحمل سمات قد ترقى إلى الإبادة الجماعية. وقد وثّق التقرير حصارًا استمر نحو ثمانية عشر شهرًا فرض ظروفًا معيشية قاسية على السكان عبر الحرمان المتعمد من الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية، الأمر الذي أدى إلى انهيار مقومات الحياة الأساسية ودفع أعداد كبيرة من المدنيين إلى النزوح القسري بحثًا عن الأمان.
كما أشار التحقيق إلى وجود نمط ممنهج من الاستهداف القائم على الهوية العرقية والانتماء الاجتماعي والسياسي المفترض، مترافقًا مع عمليات قتل جماعي وعنف جنسي واسع النطاق واعتقالات تعسفية واختفاء قسري. وقد استهدفت هذه الانتهاكات بشكلٍ خاص مجتمعات غير عربية، بما في ذلك نساء وفتيات تعرضن للاغتصاب والعنف القائم على النوع الاجتماعي، ما يعكس استخدام العنف كأداةٍ لإرهاب السكان وإجبارهم على الفرار، وهو ما ساهم مباشرةً في تضخم موجات النزوح الداخلي واللجوء إلى الدول المجاورة.
ويبرز التقرير أن ما شهدته الفاشر يُمثل تصعيدًا لأنماطٍ سابقة من العنف في دارفور، ولكن بدرجةٍ أعلى من التنظيم والاتساع، حيث وثّقت اللجنة ثلاثة أيام وُصفت بأنها فترة “رعب مطلق” قُتل خلالها آلاف المدنيين. وأسهمت هذه الأحداث في تفكيك البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية، وأدت إلى فقدان مصادر الدخل والخدمات الأساسية، ما جعل النزوح خيارًا قسريًّا للبقاء على قيد الحياة وليس مجرد استجابة مؤقتة للصراع.
وحذرت اللجنة الأممية من استمرار خطر ارتكاب فظائع جماعية في ظل غياب المساءلة الدولية الفعالة، مؤكدةً أن المجتمع الدولي أخفق في اتخاذ إجراءات كافية لحماية المدنيين رغم وجود مؤشرات مبكرة وتحذيرات متكررة منذ عام 2024. كما دعت إلى فرض حظر على توريد الأسلحة وفرض عقوبات على الجهات المتورطة وضمان التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، باعتبار أن غياب الردع يُسهم في إطالة أمد النزاع وتفاقم الأزمة الإنسانية[8].
وتعكس هذه التطورات الأثر العميق للحرب على حياة السودانيين، حيث تحولت مناطق واسعة إلى بيئاتٍ غير صالحة للحياة نتيجة العنف والحصار وانهيار الخدمات، ما أدى إلى واحدةٍ من أكبر أزمات النزوح في العالم حاليًا، وأعاد تشكيل أنماط الاستقرار السكاني عبر موجات نزوح داخلي ولجوء خارجي واسعة النطاق، تحمل تبعات اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد على الأفراد والأسر والمجتمعات المضيفة.
في هذا السياق، مثل النزوح الداخلي أبرز تجليات الأزمة السودانية المعاصرة، إذ شهدت البلاد موجات تهجير واسعة امتدادًا لتاريخٍ طويل من الصراعات منذ أزمة دارفور عام 2003. فبحلول نهاية 2022 كان هناك نحو 3.7 مليون نازح داخليًا، لكن الحرب الحالية رفعت العدد بصورةٍ غير مسبوقة، حيث فرّ الملايين من منازلهم منذ أبريل 2023، بينهم ملايين الأطفال. وقد واجهت المجتمعات المضيفة ضغطًا شديدًا على الموارد المحدودة أصلًا، مع ملاحظة أن النزوح لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل تحوّل إلى حالة هشاشة معيشية مركّبة؛ إذ تعاني الأسر من نقص المأوى والغذاء والرعاية الصحية والمياه النظيفة نتيجة تدمير القطاعات الزراعية والخدمية.
وبعد عامٍ واحد فقط من اندلاع الصراع الحالي، أشارت التقديرات إلى أن السودان أصبح يضم واحدًا من كل ثمانية نازحين داخليًا في العالم، ما يعكس حجم التحول الذي أصاب المجتمع السوداني من الاستقرار النسبي إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية[9]، وتُشير الأرقام في الوقت الراهن لما يُقارب 10.1 مليون نازح داخليًا[10].
يتخلل واقع النزوح الداخلي حالة من عدم الاستقرار المزمن، حيث يعيش المدنيون بين مخاطر أمنية مستمرة وانهيار شبه كامل للخدمات الأساسية. فحتى في المناطق التي شهدت عودة محدودة لبعض السكان، مثل أجزاء من الخرطوم، لا تزال الأخطار قائمة نتيجة انتشار الذخائر غير المنفجرة وغياب البنية الخدمية. كما أدى الحصار الذي فُرض على مدن مثل كادوقلي والدلنج -حتى أسابيع قليلة ماضية- إلى عزل السكان عن الغذاء والرعاية الصحية والأسواق، وهو ما يُشير إلى استخدام القيود الميدانية كعامل مضاعف للأزمة الإنسانية. وتستقبل مناطق أخرى موجات نزوح جديدة، مثل وصول آلاف النازحين من شمال دارفور إلى الولاية الشمالية، معظمهم من كبار السن والمرضى، في دلالةٍ على تحول النزوح إلى عملية استنزاف مستمرة للقدرات المجتمعية المحلية.
ولا يقتصر أثر النزوح على فقدان السكن، بل يمتد إلى تفكك الروابط الاجتماعية وفقدان الوثائق الرسمية والممتلكات، وهو ما يُعمّق الشعور بعدم اليقين ويُعيد تشكيل العلاقات الأسرية والاجتماعية. فقد أدى طول أمد الحرب إلى انفصال العائلات وتشتتها داخل السودان وخارجه، بما يعكس تحولات نفسية واجتماعية عميقة تتجاوز الأثر المادي المباشر للنزاع[11].
نتيجة للحرب تحولت مدن كانت تُمثل مراكز اقتصادية واجتماعية إلى مناطق شبه خالية، بينما أصبحت طرق النزوح ومخيماته جزءًا من المشهد اليومي، في دلالةٍ واضحة على عمق التحول الذي أصاب البنية المجتمعية السودانية. وتعكس أوضاع مخيمات النزوح الداخلي مستويات مرتفعة من الهشاشة الإنسانية، الأمر الذي يُضاعف مخاطر انتشار الأمراض وسوء التغذية، خاصةً بين الأطفال وكبار السن. وهو ما يعني أن النزوح لم يؤد فقط إلى فقدان المأوى، بل خلق بيئات معيشية جديدة تُعيد إنتاج الفقر والمرض بصورةٍ أكثر حدة، بما قد يُرسخ أنماطًا طويلة الأمد من التهميش الاجتماعي إذا استمر الصراع.
كما أدى النزوح الجماعي إلى تفكيك الشبكات الاجتماعية التقليدية التي كانت تُشكل آليات دعم غير رسمية داخل المجتمع السوداني، وهو ما يدل على أن آثار الحرب تتجاوز الخسائر المادية لتصل إلى إعادة تشكيل أنماط التضامن المجتمعي[12].
تُشير التقديرات إلى أن النساء والأطفال يُشكلون الغالبية العظمى من النازحين، وهو ما يدل على أن العنف والتفكك الاجتماعي يترك أثرًا متفاوتًا على مختلف الفئات السكانية، ويزيد من الحاجة إلى دعم موجه لحماية المجموعات الضعيفة. كما أظهرت البيانات تزايد الفقر الغذائي، وصعوبة الوصول إلى التعليم للأطفال، وهو ما يؤثر على مستقبل الأجيال القادمة ويُعزز دائرة التهميش -كما سنرى. هذا بما يعكس أبعادًا اجتماعية ونفسية تحتاج إلى تدخلاتٍ شاملة[13].
وفي ظل حالة العوز، يُجبر النازحون على تبني استراتيجيات تأقلم قسرية ومؤذية، مثل تقليص استهلاك الغذاء أو الانخراط في أنشطة عالية المخاطر، بما يزيد تعرضهم للاستغلال والاتجار بالبشر. ويعكس ذلك انتقال النزوح من حالةٍ طارئة مؤقتة إلى نمط معيشة طويل الأمد قائم على الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، حيث يؤدي فقدان الأراضي الزراعية وتعطل الأسواق إلى تآكل تدريجي لقدرات المجتمعات المحلية على التعافي الذاتي[14].
ثانيًا- أبعاد انعدام الأمن الإنساني بين النازحين السودانيين
تكشف بيانات خطة العمل الإنسانية لليونيسف في السودان لعام 2026 عن أزمةٍ إنسانية متعددة الأبعاد، حيث يتفاقم انعدام الأمن الإنساني بمختلف أبعاده بدءً من انعدام الأمن الغذائي، فانهيار النظام الصحي، وأزمات التعليم والمياه، وانعدام الحماية في ظل استمرار النزاع؛ فهي دلالات واضحة على تأثير الحرب العميق على الحياة اليومية للأسر والحماية الأساسية للأطفال والنساء، مما يستدعي استجابات عاجلة ومنسقة على مستوى متعدد القطاعات.
بحلول عام 2026، وصل الوضع الإنساني في السودان إلى مستوياتٍ حادة من سوء الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية، حيث تُظهر بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في ندائهاHumanitarian Action for Children 2026 أن نحو 33.7 مليون شخص في حاجةٍ ماسَّة إلى دعمٍ إنساني، من بينهم 17.3 مليون طفل يُعانون من تأثيرات الصراع المتشابكة. وتشير هذه التقديرات إلى أن ما يقارب نصف سكان السودان سيظل عاجزًا عن تلبية ضروريات البقاء الأساسية دون تدخل إنساني واسع النطاق.
تعكس هذه الأرقام لعام 2026 استمرار تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان، ففي الوقت الذي كشفت فيه الأرقام السابقة عن حاجة 33.7 مليون شخص للدعم الإنساني، كانت التقديرات الإنسانية لعام 2025 تُشير إلى أن نحو 30 مليون شخص في السودان كانوا بحاجةٍ إلى هذه المساعدات، وهو ارتفاع يؤكد تعقد أبعاد الأزمة التي تجمع بين انعدام الأمن الغذائي وانتشار الأمراض والصدمات المناخية المتفاقمة. وتُعد النساء والفتيات من الفئات الأكثر هشاشة، حيث ارتفعت مخاطر التعرض للعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي في سياق النزاع[15]. تلك المؤشرات المتراجعة للأمن الإنساني نتناولها فيما يلي:
تفشي انعدام الأمن الغذائي
تُشير المعطيات الإنسانية إلى أن الأمن الغذائي يُمثل البعد الأكثر حدة في الأزمة الحالية، إذ أدى تدمير الإنتاج الزراعي وتعطل التدفقات التجارية إلى انخفاضٍ حاد في توفر الغذاء وإمكانية الوصول إليه. وهو ما يعني أن المجاعة في السودان ليست نتيجة نقص الموارد فحسب، بل نتاج مباشر لتفاعلات الحرب مع الاقتصاد المحلي وأنظمة السوق. وفي الوقت ذاته، يواجه الأطفال تداعيات مزدوجة تتمثل في سوء التغذية وتفكك البيئات التعليمية، الأمر الذي يُشير إلى آثار طويلة الأمد على رأس المال البشري السوداني. كما يؤدي نقص الخدمات الصحية والغذائية داخل المخيمات والمناطق المحاصرة إلى ارتفاع معدلات الأمراض وسوء التغذية، بما يعكس تحول الاحتياجات الإنسانية من الإغاثة الطارئة إلى مسألة بقاء يومي للسكان المدنيين[16].
في مجال التغذية، يُعاني الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات من مستوياتٍ شديدة من سوء التغذية، إذ من المتوقع أن يُصاب 825 ألف طفل بمرض الهزال الحاد (Severe Wasting) في عام 2026. وتشير بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي إلى أن سوء التغذية الحاد ينتشر بمعدلات تتجاوز 30٪ في أجزاءٍ من دارفور وكردفان، وهو ما يتجاوز مستويات المجاعة وفق المعايير الدولية. ويعكس ذلك تآكلًا حادًا في الأمن الغذائي، ليس فقط بسبب النزاع، بل أيضًا نتيجة انهيار الزراعة، ونقص المياه، وفقدان سلاسل الإمداد[17]. وبرزت مدينة الفاشر مثالًا حادًا للأزمة، إذ ظل أكثر من 260 ألف مدني محاصرين لشهورٍ طويلة في ظروف شبه انهيار كامل للخدمات الصحية والغذائية[18].
في عام 2026، يواجه نحو 4.2 ملايين طفل وامرأة حامل ومرضع سوء تغذية حاد، وهو ما يعكس انتقال الأزمة من مرحلة انعدام الأمن الغذائي إلى مرحلة الخطر الصحي المباشر، إذ لم يعد الجوع نتيجة عرضية للنزاع بل أحد ملامحه البنيوية. وتكشف أوضاع المخيمات، خاصةً في ولايات كردفان ودارفور، عن نمطٍ متكرر من الاعتماد على مخزونات غذائية محدودة أو مساعدات متقطعة، بما يدل على انهيار منظومات الإمداد المحلية وفقدان الأسر لقدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية بعد فقدان مصادر الدخل والنزوح القسري.
كما تكشف هذه المؤشرات عن تحمل النساء -خاصةً الأمهات- عبء إدارة الندرة الغذائية داخل الأسرة، في ظل غياب المعيل أو اضطراره للبحث عن مصادر رزق غير مستقرة خارج المخيمات. وهو ما يعني أن النساء أصبحن فاعلات أساسيات في استراتيجيات البقاء اليومية، بينما يتعرضن في الوقت ذاته لضغوطٍ نفسية واجتماعية مضاعفة نتيجة مسؤولية إعالة الأطفال في بيئاتٍ تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار. ويؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل أدوار الأسرة السودانية تحت ضغط النزوح، حيث تتحول الأمومة من دورٍ رعائي إلى مهمة بقاء يومية مرتبطة بإدارة الجوع والخوف وعدم اليقين.
ويتفاقم الوضع مع تراجع القدرة التشغيلية للمنظمات الإنسانية نتيجة نقص التمويل، إذ أعلن برنامج الأغذية العالمي عن خفض الحصص الغذائية بنسبة تصل إلى 70٪ في المناطق التي تواجه المجاعة و50٪ في المناطق المهددة بها، وهو ما يدل على فجوة متزايدة بين حجم الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة للاستجابة. ويُشير هذا التقليص إلى خطر دخول أعداد أكبر من الأسر في دوامة سوء التغذية المزمن، خاصةً بين الأطفال دون سن الخامسة الذين يُعدّون الفئة الأكثر هشاشة من الناحية البيولوجية والنمائية.
وهو ما يعكس تحوّل الأزمة الإنسانية إلى حالة ممتدة تهدد النمو الجسدي والمعرفي لجيلٍ كامل، الأمر الذي يشير إلى آثار طويلة الأمد قد تستمر حتى بعد توقف القتال، عبر ارتفاع معدلات الفقر الصحي والتعليمي وتراجع رأس المال البشري في المجتمع السوداني[19].
وعلى الرغم من وصول المساعدات الغذائية إلى نحو أربعة ملايين شخص شهريًا مع خطط للتوسع إلى سبعة ملايين، فإن اتساع رقعة الاحتياجات يجعل الاستجابة الإنسانية أقل من مستوى الأزمة[20].
ويُمثل نقص المياه النظيفة أزمة واسعة النطاق في السودان، إذ يفتقر نحو 28 مليون شخص إلى مياه آمنة للشرب والاستخدام المنزلي، الأمر الذي يزيد من انتشار الأمراض المنقولة عن طريق المياه ويُعمّق الأزمة الصحية القائمة. وتُظهر هذه الأرقام أن حوالي شخص من كل ثلاثة أشخاص في السودان يعيش دون إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية[21].
الوضع الصحي: تفشي الأمراض والأوبئة وتدني الخدمات
أفادت التقارير أن 70٪ من مرافق الصحة في البلاد أصبحت غير وظيفية، ما يعرض 3.4 مليون طفل دون سن الخامسة لخطر الأمراض القاتلة التي يمكن الوقاية منها. وتظل الكوليرا والكوليرا المرتبطة بسوء المياه والأمراض المنقولة عن طريق المياه من أبرز مشاكل الصحة العامة، مع أكثر من 113 ألف حالة مشتبه فيها و3 آلاف حالة وفاة منذ عام 2024. كما أن معدل انتشار الملاريا مرتفع بشكلٍ استثنائي، حيث يُقدّر السودان أنَّه يمثل حوالي 41٪ من الإصابات العالمية و49٪ من الوفيات بمرض الملاريا، بمعدل نحو 10 آلاف إصابة و21 وفاة يوميًّا[22].
يأتي ذلك تزامنًا مع تعرض القطاع الصحي لانهيارٍ واسع مع خروج العديد من المستشفيات عن الخدمة ونقص الأدوية والمعدات الطبية، الأمر الذي دفع السكان للاعتماد على مبادراتٍ تطوعية محدودة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات. وقد أدى نقص المياه النظيفة وسوء الظروف الصحية في مخيمات النزوح إلى انتشار الأمراض، بينما كانت النساء الحوامل والأطفال الأكثر عرضةً للمخاطر، وهو ما يعكس الطابع غير المتكافئ لتأثير الحرب على الفئات السكانية المختلفة[23].
العملية التعليمية: بين تسرب ملايين الطلاب والتشبث بالأمل
في المجال التعليمي، أدى تحويل المدارس إلى ملاجئ للنازحين أو تدميرها إلى توقف العملية التعليمية لملايين الأطفال، بما يُهدد جيلا كاملا بفقدان فرص التعلم. ولا يمثل هذا الانقطاع أزمة تعليمية فحسب، بل يحمل تداعيات اجتماعية وأمنية بعيدة المدى، إذ يزيد احتمالات عمالة الأطفال والتجنيد القسري والانحراف الاجتماعي بين النازحين، وهو ما يعني أن تعطّل التعليم يُشكل أحد أخطر الآثار الهيكلية للحرب على مستقبل السودان البشري[24]. ويؤدي تدمير المدارس والجامعات إلى انقطاع طويل الأمد في التعليم، الأمر الذي يُشير إلى نشوء “جيل أزمة” يواجه مستقبلا محدود الفرص[25].
وتكشف البيانات الأممية عن أزمةٍ هيكلية طويلة الأمد في رأس المال البشري السوداني، إذ أصبح أكثر من 14 مليون طفل من أصل 17 مليون طفل في سن الدراسة خارج النظام التعليمي نتيجة الحرب والنزوح وتدمير المدارس. ويعني ذلك أن السودان يواجه خطر “جيل ضائع” تعليميًّا، مع آثار مستقبلية محتملة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي[26].
وتكشف متابعة حالة المدارس في السودان عن الطبيعة المركبة للأزمة التعليمية، إذ لم يعد التحدي مقتصرًا على الوصول إلى التعليم، بل امتد ليشمل القدرة النفسية والجسدية على الاستمرار فيه وسط الصدمات العنيفة؛ فقد أدى الهجوم على المدارس إلى مقتل وإصابة معلمين وطلاب. وفي الوقت الذي تسرب فيه ملايين الطلاب من العملية التعليمية، استمر القليل جدًا رغم تعرضهم للإصابة جراء الحرب، في تجسيدٍ واضح لتداخل العنف العسكري مع الحياة التعليمية اليومية للأطفال.
وتبرز هذه الحالات كيف يتحول التعليم في سياقات النزاع إلى فعل مقاومة اجتماعية ورمز للاستمرار، حيث ربط البعض مواصلة الدراسة بوفاءٍ لذكرى الزملاء والمعلمين الذين قُتلوا. ويعكس ذلك تحول المدرسة من مجرد مؤسسة تعليمية إلى مساحة لإعادة بناء المعنى الجماعي بعد الصدمة، إذ لعبت برامج الدعم النفسي دورًا أساسيًا في إعادة دمج بعض الطلاب داخل البيئة الدراسية، رغم استمرار أعراض الخوف والذكريات الصادمة. وتشير شهادات الطلاب إلى مظاهر نموذجية لاضطراب ما بعد الصدمة، مثل تجنب أماكن القصف واسترجاع الذكريات المؤلمة، وهو ما يدل على أن آثار الحرب التعليمية ليست مادية فقط، بل نفسية طويلة الأمد.
وعلى الرغم من هذه الظروف، تُظهر استمرارية العملية التعليمية -ولو بحدها الأدنى- قدرة المجتمعات المحلية على التكيّف مع الحرب عبر حلولٍ مؤقتة، مثل تخصيص غرف خاصة للطالبات المصابات أثناء الامتحانات وتقديم دعم نفسي جماعي. ويشير ذلك إلى أن التعليم في السياق السوداني لم يعد مجرد خدمة عامة، بل أصبح أداة للصمود المجتمعي وإعادة إنتاج الأمل في ظل بيئة يغلب عليها العنف وعدم اليقين، حيث يُمثل الذهاب إلى المدرسة بحد ذاته إعلانًا رمزيًا عن رفض توقف الحياة رغم استمرار الحرب[27].
لذا، وعلى الرغم من اتساع نطاق النزوح الداخلي وتزايد الضغوط على المجتمعات المضيفة، برز التعليم بوصفه أحد أهم أدوات التعافي الاجتماعي والنفسي في السودان، وليس مجرد خدمة أساسية. ففي ولاية النيل الأبيض، التي تستضيف نحو 400 ألف لاجئ و460 ألف نازح داخليًا، شكّل إعادة افتتاح المدارس خطوة مركزية في استعادة مظاهر الحياة الطبيعية داخل المجتمعات المتأثرة بالنزاع. فقد تحولت المدارس التي كانت مغلقة ومتهالكة إلى فضاءاتٍ تعليمية نشطة استقبلت مئات الأطفال من النازحين والمجتمع المحلي، ما أتاح لأكثر من 700 فتاة استئناف تعليمهن بعد سنواتٍ من الانقطاع، وهو ما يعكس الدور المباشر للتعليم في إعادة بناء الإحساس بالأمان والاستقرار الأسري، خاصة لدى الفتيات.
ويكشف استئناف العملية التعليمية بعد أكثر من عامين ونصف من تعطّل الدراسة عن حجم الخسارة التعليمية التي خلفها النزاع، حيث اضطر العديد من الطلاب إلى إعادة تعلم مهارات أساسية فقدوها خلال فترة الانقطاع. وهو ما يعني أن آثار الحرب لم تقتصر على النزوح الجغرافي، بل امتدت إلى ما يمكن وصفه بـ “الفجوة المعرفية” بين الأجيال، بما قد يؤثر مستقبلًا في فرص العمل وإعادة الإعمار والتنمية البشرية. كما أن عودة المعلمين إلى العمل وفّرت بدورها شكلا من أشكال استعادة الكرامة المهنية والاستقرار الاقتصادي داخل المجتمعات المحلية، بما يدل على أن التعليم يُساهم في دعم البنية الاجتماعية ككل وليس الطلاب فقط.
وتبرز أهمية التعليم بشكل خاص بالنسبة للفتيات، إذ يُنظر إليه كوسيلة للحماية الاجتماعية وتعزيز الوعي بالحقوق في سياق تتزايد فيه مخاطر الهشاشة المرتبطة بالنزوح. فاستمرار الدراسة يمنح الفتيات مساحةً آمنة، ويحد من احتمالات التعرض للاستغلال أو زواج القاصرات. كما تعكس تجربة الطلاب النازحين، مثل حالات الفتيات اللواتي استأنفن الدراسة بعد الفرار من الخرطوم، أن العودة إلى المدرسة تُعيد بناء الإحساس بالمستقبل والأمل، بما يجعل التعليم أداةً نفسية للتعافي بقدر ما هو أداة معرفية.
دفع ذلك المنظمات الدولية، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم السودانية، إلى التركيز على إعادة تأهيل المدارس الحكومية بدلا من إنشاء أنظمة تعليمية موازية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا بأن الاستجابة الإنسانية الفعالة يجب أن تدعم المؤسسات الوطنية القائمة لتعزيز قدرتها على الصمود، وهو ما يدل على انتقال تدريجي من منطق الإغاثة المؤقتة إلى بناء القدرة المؤسسية طويلة الأمد.
ويعني ذلك أن المدرسة لم تعد مجرد موقع للتعليم، بل منصة لإعادة بناء العلاقات الاجتماعية بين اللاجئين والنازحين والمجتمعات المضيفة، حيث يتعلم الأطفال المناهج نفسها ويُكوّنون علاقات تتجاوز تصنيفات اللجوء والنزوح، وهو ما يدل على دور التعليم في تقليل التوترات الاجتماعية وتعزيز التماسك المجتمعي.
كما أن توفير الكتب والزي المدرسي وتحسين مرافق المياه والصرف الصحي داخل المدارس يساهم في خلق بيئات تعليمية آمنة وصحية، وهو ما يعكس فهمًا متزايدًا للعلاقة بين التعليم والصحة والحماية الإنسانية. أيضًا، إن تكامل جهود المفوضية في التعليم الثانوي مع تدخلات اليونيسف في التعليم الابتدائي أسهم في بناء مسار تعليمي متصل للأطفال، الأمر الذي يُعزز استمرارية التعلم ويحد من خطر التسرب المدرسي طويل الأمد، بما يدل على أن الاستثمار في التعليم أصبح جزءًا من استراتيجية التعافي الوطني وليس مجرد استجابة قطاعية منفصلة.
ورغم استمرار الصراع وتعطيله للتعليم في مناطق واسعة من البلاد، فإن إعادة تشغيل المدارس في المناطق الأكثر استقرارًا تُمثل نواةً لإعادة بناء الاستقرار المجتمعي تدريجيًا، إذ يرتبط حضور الأطفال إلى المدارس بعودة مظاهر الحياة اليومية الطبيعية. وهو ما يعني أن التعليم في السياق السوداني الراهن قد يُصبح مؤشرًا مبكرًا على التعافي الاجتماعي وإعادة بناء الأمل، كما يعكس إدراكًا متزايدًا لدى المجتمعات المتضررة بأن إعادة بناء السودان مستقبلًا تبدأ من استعادة حق الأطفال في التعلم[28].
أطفال السودان: اشتداد المعاناة في ظل التفكك الأسري القسري
أفرز النزاع السوداني نمطًا متصاعدًا من التفكك الأسري القسري، تجلّى بصورةٍ خاصة في تزايد أعداد الأطفال المنفصلين عن ذويهم داخل السودان وخارجه جراء النزوح واللجوء، حيث سُجّل نحو 42 ألف طفل غير مصحوب أو منفصل عن أسرته في السودان ودول الجوار بحلول عام 2026. ويعكس هذا الرقم تحول النزوح من مجرد انتقال جغرافي إلى أزمة حماية عميقة تمس البنية الاجتماعية للأسرة السودانية نفسها، إذ يفقد الأطفال شبكات الأمان التقليدية أثناء الفرار الجماعي من مناطق القتال، وهو ما يعني انتقالهم من دائرة الحماية الأسرية إلى فضاءٍ إنساني هش تحكمه المخاطر وعدم اليقين. وقد توزعت هذه الحالات بين نحو 5 آلاف طفل داخل السودان وقرابة 37 ألفًا عبر الحدود، مع تحمّل دول الجوار -وخاصةً تشاد، وإثيوبيا، ومصر- عبئًا متزايدًا في استضافة أطفال وصل كثير منهم دون أي وثائق أو روابط أسرية واضحة، بما يدل على الطابع الفوضوي والعنيف لمسارات النزوح.
وتكشف هذه الظاهرة عن أبعادٍ إنسانية مركّبة تتجاوز فقدان الرعاية المباشرة، إذ يُواجه الأطفال المنفصلون مخاطر الاستغلال والعنف والاتجار بالبشر، إضافة إلى احتمالات التجنيد القسري أو الانخراط في أعمالٍ هامشية للبقاء. وقد اضطرت المنظمات الدولية إلى توسيع برامج الحماية لتشمل نحو 329 ألف طفل عبر مساحات صديقة للطفل وآليات دعم نفسي واجتماعي، بينما خضع حوالي 21 ألف طفل لإجراءات “المصلحة الفضلى” لتحديد ترتيبات رعاية بديلة آمنة، وهو ما يشير إلى انتقال العمل الإنساني من الاستجابة الطارئة قصيرة المدى إلى إدارة طويلة الأمد لآثار اجتماعية ونفسية عميقة للحرب. ويعكس ذلك إدراكًا متزايدًا بأن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالبقاء الجسدي، بل بالحفاظ على التكوين النفسي والاجتماعي لجيلٍ كامل.
في موازاة ذلك، أدى انهيار البنية التعليمية والصحية -كما سبقت الإشارة- إلى تفاقم هشاشة الطفولة السودانية، حيث بات ملايين الأطفال خارج النظام التعليمي، الأمر الذي يدل على تشكّل فجوة تنموية قد تمتد آثارها لعقود، إذ يرتبط الانقطاع التعليمي بارتفاع معدلات عمالة الأطفال والزواج المبكر والتعرض لشبكات الاستغلال. كما أسهمت الصدمات النفسية الناتجة عن فقدان أفراد الأسرة والنزوح المتكرر والعيش في بيئات غير مستقرة في ظهور آثار نفسية واجتماعية طويلة المدى، بما يعكس تحوّل الحرب إلى تجربة تكوينية لجيل نشأ في سياق العنف وعدم الاستقرار[29].
وتتفاقم هذه التحديات في ظل فجوةٍ تمويلية حادة في الاستجابة الإنسانية بلغت نحو 78٪ من الاحتياجات المطلوبة، بينما تحتاج برامج حماية الطفل وحدها إلى ما يقارب 66 مليون دولار خلال عام 2026. ويعني هذا العجز أن منظومات الحماية القائمة تعمل دون موارد كافية مقارنةً بحجم الأزمة، بما يعكس اختلالا بين تسارع الاحتياجات الإنسانية وبطء الاستجابة الدولية. ونتيجة لذلك، يصبح الأطفال المنفصلون عن أسرهم أحد أبرز المؤشرات على التحول البنيوي للأزمة السودانية من نزاعٍ مسلح تقليدي إلى أزمةٍ إنسانية ممتدة تعيد تشكيل مسارات الحياة والتعليم والهوية الاجتماعية لجيل كامل يعيش الحرب بوصفها واقعًا يوميًا لا حدثًا عابرًا[30].
العنف الجنسي في مناطق الصراع
يُمثل العنف الجنسي أحد أكثر الأبعاد قسوةً وتعقيدًا في الأزمة السودانية، خاصةً داخل المخيمات، حيث تحوّل جسد المرأة إلى ساحةٍ مباشرة للصراع المسلح، بما يعكس استخدام العنف القائم على النوع الاجتماعي كأداة حرب لإخضاع المجتمعات المحلية وتفكيك بنيتها الاجتماعية. فمع دخول النزاع يومه الألف في عام 2026، تشير تقديرات منظمات حقوقية وعاملين ميدانيين إلى أن حالات اغتصاب تقع بمعدلٍ يُقارب حالة كل ساعة في إقليم دارفور، وهو ما يدل على طابع منهجي ومتكرر للعنف وليس مجرد انتهاكاتٍ فردية معزولة. ويكشف اتساع نطاق الضحايا ليشمل الأطفال والشابات وكبار السن عن انهيار منظومات الحماية المجتمعية والقانونية، الأمر الذي يشير إلى بيئة نزاع تُرفع فيها القيود الاجتماعية والمؤسساتية التي كانت تحدّ سابقًا من انتشار هذا النوع من الجرائم.
وقد حمَّلت تحقيقات الأمم المتحدة، قوات الدعم السريع مسؤولية غالبية حالات الاغتصاب، موضحة “أن مقاتلي هذه القوات دأبوا على استخدام العنف الجنسي لترويع المدنيين وقمع المعارضة”، رغم نفي الميليشيا ذلك.
وتتجاوز آثار العنف الجنسي البعد الأمني لتتحول إلى أزمةٍ صحية وإنسانية مركبة، إذ أفاد أطباء ميدانيون بأن نحو 65٪ من النساء اللواتي تعرضن للاعتداء أُصبن بأمراض منقولة جنسيًا، بما في ذلك أمراض خطيرة كالإيدز والزهري والتهاب الكبد الوبائي، وهو ما يعكس تداخلا مباشرًا بين العنف المسلح وانهيار النظام الصحي. فضعف الوصول إلى خدمات رعاية الأمومة والعلاج النفسي والطبي يجعل الاعتداء حدثًا ممتدًا زمنيًا، تتكرر آثاره عبر الحمل القسري، والمضاعفات الصحية، والوصمة الاجتماعية التي تدفع بعض الأمهات إلى التخلي عن أطفال وُلدوا نتيجة الاغتصاب، بما يدل على تحولات قسرية كذلك في العلاقات الأسرية وأنماط الأمومة تحت ضغط الحرب.
ويكشف هذا الواقع عن بعد عميق للأزمة الإنسانية، حيث تتحمل النساء عبئًا مزدوجًا: فهنّ ضحايا مباشرات للعنف من جهة، وركائز أساسية للاستجابة المجتمعية من جهةٍ أخرى. ففي ظل انهيار مؤسسات الدولة الصحية والقضائية، أصبحت شبكات النساء المحليات والعاملات في المجال الإنساني آليات بديلة للحماية والدعم، وهو ما يعكس انتقال وظائف الرعاية الاجتماعية من الدولة إلى المبادرات المجتمعية غير الرسمية. ويُشير ذلك إلى إعادة تشكيل أدوار النساء داخل المجتمع السوداني، حيث تتحول أدوارهن من إطارها التقليدي إلى أدوار إنقاذ مجتمعي تتضمن تقديم الدعم النفسي، وتوثيق الانتهاكات، وتأمين المساعدة للناجيات.
كما يعمِّق انتشار العنف الجنسي من الآثار النفسية طويلة الأمد للنزاع، خاصة لدى الأطفال الذين يشهدون الاعتداءات أو يولدون في سياقات عنف، بما يعزز احتمالات الصدمات النفسية المزمنة وتفكك الروابط الأسرية. وهو ما يعني أن الأزمة لا تهدد السلامة الجسدية فحسب، بل تُعيد تشكيل البنية الاجتماعية للأجيال القادمة عبر ترسيخ أنماط من الخوف وعدم الأمان وانعدام الثقة المجتمعية.
وفي هذا السياق، يُصبح العنف القائم على النوع مؤشرًا مركزيًا على طبيعة الحرب السودانية بوصفها صراعًا يمتد إلى المجال الاجتماعي والحميمي للأفراد، وليس مجرد مواجهة عسكرية. الأمر الذي يُشير إلى أن التعافي المستقبلي لن يتطلب فقط إعادة الإعمار المادي، بل أيضًا إعادة بناء منظومات العدالة والحماية الاجتماعية ومعالجة الآثار النفسية والصحية العميقة التي خلفها استخدام العنف الجنسي كسلاح ضمن ديناميات النزاع[31].
ومن أبرز الوقائع التي يمكن الإشارة إليها ما جاء في التقرير الذي أصدره مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، عن عمليات قتل واغتصاب وأنواع أخرى من العنف الجنسي والتعذيب واسعة النطاق ارتُكبت خلال الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين بدارفور في أبريل 2025، وقد أفاد التقرير بأنه قد تعرض ما لا يقل عن 104 شخصًا، من بينهم 75 امرأة و26 فتاة، لعنفٍ جنسي مروع، بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاسترقاق الجنسي، سواء أثناء الهجوم على المخيم أو على طول الطرق للخروج منه[32].
ثالثًا- اللاجئون خارج السودان: بين محدودية الموارد والعودة الهشة
مع اقتراب الحرب في السودان من عامها الرابع، تحوّل النزوح عبر الحدود إلى ظاهرة مستمرة وليست موجةً طارئة مؤقتة، وهو ما دفع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، للسعي إلى حشد 1.6 مليار دولار بالتعاون مع عشرات الشركاء لتقديم مساعدات إنسانية لنحو 5.9 مليون شخص في سبع دول مجاورة للسودان خلال 2026[33] (منهم نحو 4.5 مليون سوداني[34]). وتشير التقديرات إلى وصول نحو 470 ألف لاجئ جديد خلال عامٍ واحد فقط، ما يعكس استمرار عوامل الطرد داخل السودان، وليس مجرد تداعيات أولية للحرب. ويعكس استمرار إطلاق نداءات تمويل سنوية كبيرة بهذه القيمة تحول اللجوء السوداني إلى أزمةٍ إقليمية طويلة الأمد، وليس استجابة إنسانية مؤقتة[35]. كما أن فقدان مصادر الرزق وفرص العودة الآمنة يُرجح احتمال تحوُّل جزء من النزوح الحالي إلى لجوء ممتد زمنيًا، بما يحمله ذلك من آثار ديموغرافية واقتصادية على الدول المضيفة[36].
وتُعد مصر الوجهة الرئيسية للفارين من النزاع، إذ أصبحت الدولة المضيفة لأكبر عدد من اللاجئين السودانيين، مع تضاعف أعداد المسجلين تقريبًا أربع مرات منذ عام 2023[37]. وقد بلغ عدد اللاجئين السودانيين المسجلين أكثر من مليون نسمة، موزعين على نحو 440 ألف أسرة، حيث تم توفير مواعيد تسجيل لما يزيد عن مليون شخص منذ بداية الأزمة. ويُشكل النساء والأطفال حوالي 74.7٪ من هذه الفئة، فيما يُمثل الأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة نحو 19.6٪، وهو ما يعكس هشاشة التجربة الإنسانية لهذه المجموعة ويُبرز أهمية استراتيجيات الدعم النوعي. وقد سعت الأمم المتحدة، ممثلةً بالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إلى تعزيز الشمول الاجتماعي وتوسيع سعة التسجيل من خلال أدواتٍ رقمية، كما عملت على تعزيز التعاون مع السلطات المصرية لتيسير الوصول إلى الخدمات العامة والمبادرات التطوعية للعودة[38].
غير أن الضغط المتزايد على منظومة الحماية الإنسانية، بالتزامن مع تراجع التمويل الدولي، أدى إلى تقليص الخدمات الأساسية، بما في ذلك إغلاق اثنين من ثلاثة مراكز تسجيل تابعة للمفوضية، وهو ما انعكس مباشرةً على قدرة اللاجئين على الوصول إلى الحماية القانونية والخدمات الاجتماعية. إن تضاعف أعداد اللاجئين في مصر يعكس دورها كمركز استقرار نسبي إقليمي، لكنه في الوقت نفسه يوضح نقل عبء الأزمة من الدولة الأصل إلى الدول المضيفة. كما تراجع متوسط الدعم الشهري المخصص لكل لاجئ من 11 دولارًا عام 2022 إلى نحو 4 دولارات فقط في عام 2025، وهو مؤشر واضح على انتقال الأزمة من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى مرحلة إدارة الندرة، بما يكشف عن اتساع الفجوة بين الاحتياجات والتمويل وتأثيرها المباشر على مستوى الحماية والخدمات.
وفي دول الجوار الأخرى، تكشف الأوضاع الحدودية عن مستوياتٍ مرتفعة من الهشاشة؛ ففي شرق تشاد بقيت أكثر من 71 ألف أسرة لاجئة دون مأوى مناسب، بينما ينتظر نحو 234 ألف شخص فرص إعادة التوطين في ظروفٍ معيشية قاسية. كما أدى تعليق برامج التغذية وإغلاق مرافق صحية في بعض مخيمات اللجوء، مثل مخيم كيرياندونغو في أوغندا، إلى ارتفاع مخاطر انتشار الأمراض، ما يعكس العلاقة المباشرة بين نقص التمويل وتدهور الأوضاع الصحية للاجئين[39].
إن احتلال مصر المرتبة الأولى بين أكثر الدول استيعابًا للاجئين السودانيين بعد اقتراب الحرب من إتمام عامها الثالث يعكس قربها الجغرافي والروابط الاجتماعية والتاريخية التي تجمع البلدين، باعتبار القاهرة مكانًا أكثر ديمومة بالنسبة لتدفقات اللجوء السوداني التي كانت خريطته مغايرة قبل نحو عامين -أي بعد عامٍ واحد من الحرب- حين كانت التقديرات تشير لنحو مليوني لاجئ عبروا الحدود إلى دول الجوار، فقد كان من بينهم نحو 660 ألفًا في جنوب السودان، و579 ألفًا وصولوا إلى تشاد، وحوالي 500 ألف لاجئ إلى مصر[40].
تُظهر تجربة اللجوء السوداني في دول الجوار، وخاصةً مصر، امتداد الأزمة خارج الحدود الوطنية، حيث لم يعد النزوح مرحلة مؤقتة بل مسارًا حياتيًا طويل الأمد. فاستمرار القتال وتدهور الأوضاع الأمنية يدفع مزيدًا من السودانيين إلى البحث عن الاستقرار الخارجي، في ظل فقدان الأمل بالعودة السريعة. ويعكس تشتت الأسر وتباعدها جغرافيًا حالةً من “الشتات القسري”، حيث يعيش اللاجئون بين محاولات إعادة بناء حياتهم اليومية وبين ارتباط نفسي دائم بالوطن المفقود. وهو ما يدل على أن اللجوء لم يعد مجرد انتقال مكاني، بل تجربة اجتماعية ونفسية معقدة تعيد تعريف الهوية والانتماء لدى الأفراد[41].
ورغم ذلك، حذرت المنظمة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر (IFRC) في مارس 2026 من تفاقم الأزمة الإنسانية للسودانيين النازحين، حيث امتدت تداعيات الحرب إلى دول الجوار بما في ذلك تشاد، ومصر، وإثيوبيا، وجنوب السودان، وأوغندا، مما شكل ضغطًا هائلًا على البنى التحتية والموارد الهشة في هذه البلدان.
وتُشير المنظمة إلى أن العائلات تعيش في مخيماتٍ مكتظة، مثل مخيم زيرو في مدينة رنك بجنوب السودان، حيث يقطن حوالي ألف شخص في خيمٍ مؤقتة غير مجهزة لموسم الأمطار، وغالبية السكان ينامون على حصائر على الأرض منذ عام 2023، ويُعانون من نقص حاد في الغذاء والمياه. أما في تشاد، فتواجه المخيمات الحدودية ازدحامًا شديدًا، ويعيش العديد من النازحين تحت الأغطية البلاستيكية أو بناء ملاجئ بسيطة باستخدام ما تمكنوا من حمله من السودان، مع انخفاضٍ حاد في حصص الغذاء بسبب نقص التمويل.
وتؤكد أن الأطفال هم الأكثر عرضةً للخطر، إذ يواجه أكثر من 450 ألف طفل في جنوب السودان خطر سوء التغذية الحاد، بينما تنتشر أمراض مثل الحصبة والملاريا في تشاد وإثيوبيا، ويُكافح اللاجئون للوصول إلى المياه النظيفة بشكلٍ يومي. كذلك تُعاني نسبة كبيرة من الأطفال من عدم الالتحاق بالمدارس، خصوصًا في تشاد، حيث اثنان من كل ثلاثة أطفال مسجلين لا يتلقون التعليم.
أكدت المنظمة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر العمل على تقديم المساعدات الأساسية، بما في ذلك المياه النظيفة، وبناء المراحيض، والدعم النفسي، والمساعدات النقدية، بالإضافة إلى توفير مساحات آمنة للنساء والفتيات لتعزيز الحماية من العنف، ودعم النساء اقتصاديًا من خلال مشاريع صغيرة مثل صناعة وبيع المفارش التقليدية، وإنشاء نقاط خدمات إنسانية في تشاد لمساعدة الوافدين الجدد، وتقديم الإسعافات الأولية والدعم النفسي للأطفال، وحفر آبار لتحسين الوصول إلى المياه، ذلك بجانب تقديم الصليب الأحمر في إثيوبيا دعمًا ماليًا للنازحين العائدين لبدء مشاريع صغيرة في مجالات مثل التجارة والإلكترونيات والدواجن.
ورغم ذلك، أكدت المنظمة أنه مع بدء موسم الأمطار وارتفاع تكاليف اللوجستيات قد يزداد الوضع سوءًا ما لم يحصل دعم دولي عاجل، محذرةً من أن استمرار نقص التمويل وتأخر وصول المساعدات قد يؤدي إلى فقدان المزيد من الأرواح وزيادة معاناة اللاجئين والنازحين[42].
وتحاول خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين لعام 2026 الجمع بين الإغاثة الطارئة والحلول طويلة الأجل عبر دعم إدماج اللاجئين في الأنظمة الوطنية للدول المضيفة، وتوسيع الوصول إلى الوثائق والخدمات العامة، وتعزيز الاعتماد على الذات من خلال الشراكات التنموية. إلا أن استمرار الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والموارد المتاحة يُهدد فعالية هذه الجهود، خصوصًا في ظل غياب أفق سياسي واضح لإنهاء الصراع، الأمر الذي دفع أعدادًا متزايدة من اللاجئين إلى مواصلة الهجرة نحو مسارات أكثر خطورة، بما في ذلك تضاعف محاولات الوصول إلى أوروبا ثلاث مرات تقريبًا خلال العام الماضي بما يُمثل مؤشرًا على تراجع الأمل في الحلول القريبة أو في ظروف اللجوء الحالية، وليس فقط بحثًا عن فرصٍ اقتصادية[43].
وأمام هذا الواقع، تصاعد الحديث عن عودة اللاجئين والنازحين السودانيين، ورغم عودة نحو 2.6 مليون شخص إلى مناطقهم (عادوا من الخارج أو من أماكن النزوح الداخلي)، بما في ذلك أكثر من مليون عائد إلى الخرطوم خلال عام 2025، فإن هذه العودة توصف بأنها “هشة” بسبب الدمار الواسع للبنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية؛ إذ يجد العائدون أنفسهم في مدنٍ مدمّرة تفتقر إلى المياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم، ما يُحول العودة إلى شكل جديد من الهشاشة الإنسانية بدلًا من التعافي الفعلي. وتؤكد شهادات المسؤولين الأمميين أن انتشار الأمراض الوبائية مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك يعكس العلاقة المباشرة بين انهيار البنية الصحية وتفاقم المخاطر الإنسانية، حيث أصبحت إعادة الإعمار مرتبطة أولًا بإعادة الحد الأدنى من الخدمات الأساسية لضمان بقاء السكان.
وقد طالبت الوكالات الأممية المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات فورية تشمل وقف الأعمال العدائية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير تمويل عاجل ومرن، إضافةً إلى دعم حلول مستدامة للنازحين والعائدين والمجتمعات المضيفة. وتؤكد هذه الدعوات أن الاستجابة الإنسانية وحدها غير كافية دون معالجة الجذور السياسية للصراع، فرغم ظهور بعض مؤشرات العودة إلى المناطق الحضرية، فإن غياب الاستقرار والخدمات يحول دون تحولها إلى تعافٍ حقيقي. وهو ما يستدعي مراعاة هذه الحقائق عند فحص الموقف القانوني المتعلق ببطاقات الإقامة في دول الاستقبال قبل اتخاذ قرارات بالإعادة إلى الوطن، خاصةً أن السودان يبرز بوصفه نموذجًا لأزمة إنسانية مركّبة تتطلب استجابةً متزامنة إنسانية وسياسية وتنموية، حيث أصبح بقاء ملايين المدنيين مرتبطًا بمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل التحذيرات المتكررة إلى إجراءاتٍ عملية فورية[44].
رابعًا- الاستجابات الدولية: فجوات التمويل والتقاعس الدولي
تعكس بيانات الاستجابة الإنسانية في السودان اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة لمواجهتها، إذ بلغت الاحتياجات المالية المعدّلة لخطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 على سبيل المثال نحو 4.2 مليار دولار، في حين لم تتجاوز نسبة التغطية التمويلية 39.5٪، ما أفضى إلى فجوةٍ تمويلية تُقدَّر بحوالي 2.5 مليار دولار. وتشير هذه الأرقام إلى أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد حالة طوارئ قصيرة الأمد، بل تحولت إلى أزمةٍ إنسانية ممتدة تتجاوز قدرات الاستجابة الدولية الحالية.
ويُظهر توزيع المساعدات الدولية اعتماد الاستجابة بدرجةٍ كبيرة على عدد محدود من المانحين الرئيسيين، تتصدرهم الولايات المتحدة بفارق واضح بقيمة 223 مليون دولار، تليها المفوضية الأوروبية بنحو 49 مليون دولار، وألمانيا بقيمة 23 مليون دولار، وفرنسا بـ 22 مليون دولار، والمملكة المتحدة بـ 20 مليون دولار. ويكشف هذا التركّز في مصادر التمويل عن هشاشة الاستجابة الإنسانية أمام التحولات السياسية والاقتصادية الدولية، حيث يؤدي أي تراجع في التزامات المانحين إلى تأثيرات فورية على العمليات الإنسانية داخل السودان.
أما على مستوى القطاعات الممولة، فقد اتجهت الموارد بشكلٍ أساسي نحو المساعدات النقدية متعددة الأغراض، وبرامج دعم اللاجئين، إضافةً إلى قطاعات المياه والإصحاح والصحة، وهي مجالات ترتبط مباشرةً ببقاء السكان وقدرتهم على التكيّف مع ظروف النزوح الممتد. غير أن وجود حصة تمويل كبيرة ضمن بند “غير محدد” يعكس تحديات تنسيقية وتخطيطية في توجيه الموارد بدقة، وهو ما قد يحدّ من كفاءة الاستجابة في معالجة الاحتياجات المتخصصة، خصوصًا في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وانتشار الأمراض وتراجع إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية[45].
وفي الوقت نفسه، تكشف الاستجابة الإقليمية لأزمة اللاجئين السودانيين عن صعوبة مواكبة العمل الإنساني لتسارع تدفقات النزوح، إذ تستمر عمليات الفرار عبر الحدود أسبوعيًا نحو دول تعاني أصلا من هشاشة اقتصادية وضعف في الخدمات العامة حتى قبل اندلاع الصراع. ورغم ما أظهرته الحكومات والمجتمعات المضيفة من تضامن، فإن قدراتها الاستيعابية وصلت إلى حدودها القصوى، ما يجعل استمرار الدعم الدولي شرطًا أساسيًا للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإنساني.
وتسعى خطط الاستجابة الحالية للمنظمات الأممية إلى الانتقال التدريجي من الإغاثة الطارئة إلى مقاربات تنموية طويلة المدى، عبر الاستثمار في مخيمات أكثر استدامة وتعزيز اندماج اللاجئين اقتصاديًا واجتماعيًا. غير أن استمرار القيود التمويلية العالمية، بالتوازي مع غياب مسار سياسي واضح لإنهاء الحرب، يُهدد بتقويض كل من الاستجابة الطارئة والحلول متوسطة الأجل، ويُبقي ملايين اللاجئين في حالة عدم يقين ممتدة[46].
ورغم تدخل المنظمات الدولية والإقليمية، فإن حجم الاستجابة الإنسانية لا يزال دون مستوى الاحتياجات الفعلية، نتيجة تعقيدات الوضع الأمني وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع. ويكشف ذلك عن فجوة واضحة بين حجم الأزمة والقدرة الدولية على الاستجابة، ما يترك ملايين المدنيين في مواجهة مباشرة مع تداعيات الحرب.
كما تلقي التنافسات الجيوسياسية الإقليمية والدولية بظلالها على مسار الحلول الإنسانية والسياسية، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجية مع جهود الإغاثة، وهو ما يدل على أن الأزمة السودانية ليست فقط أزمة إنسانية بل أيضًا ساحة تفاعل سياسي دولي تؤثر في سرعة وفعالية الاستجابة[47].
أيضًا، أدت عمليات النهب وتدمير الممتلكات والبنية الإنسانية إلى تعطيل توزيع المساعدات، في حين أسهم التمويل غير الكافي في الحد من قدرة المنظمات الدولية على الاستجابة لحجم الاحتياجات المتزايدة. ويُهدد استمرار هذه العوامل بتحول الأزمة من حالة طوارئ إنسانية إلى أزمة تنموية طويلة الأمد يصعب التعافي منها حتى بعد توقف القتال[48].
وتوضح مواقف الدول المانحة أن أحد أبرز التحديات أمام الاستجابة الإنسانية يتمثل في العرقلة المنهجية لوصول المساعدات، سواء عبر القيود العسكرية أو العراقيل البيروقراطية المرتبطة بالتأشيرات وتصاريح الحركة، وهو ما يؤدي عمليًا إلى تأخير المساعدات المنقذة للحياة في أكثر المناطق احتياجًا. كما أن محدودية دخول المساعدات إلى دارفور منذ أشهر، رغم وجود سبعة ملايين شخص يُعانون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، تكشف فجوة كبيرة بين الالتزامات الدولية والقدرة الفعلية على التنفيذ الميداني.
وتُشير الدعوات الدولية إلى فتح المعابر الحدودية، خاصةً معبر آدري مع تشاد، وتسهيل المساعدات عبر خطوط النزاع، إلى إدراكٍ متزايد بأن الحل الإنساني لا يمكن فصله عن الترتيبات السياسية والعسكرية للصراع. غير أن استمرار التصعيد العسكري يُعقّد هذه الجهود، بما يعكس اعتماد الاستجابة الإنسانية على الإرادة السياسية لأطراف النزاع بقدر اعتمادها على التمويل الدولي[49].
كما تعيق صعوبة الوصول الإنساني ونقص الموارد إيصال المساعدات إلى العديد من المناطق المتضررة، بينما يشير تراجع الاهتمام الدولي مقارنة بأزمات عالمية أخرى إلى ما يمكن وصفه بـ “التهميش الإنساني” للأزمة السودانية. ويؤدي استمرار العمليات العسكرية، خصوصًا في مناطق كردفان ودارفور، إلى تعطيل الطرق الإنسانية وتهديد الممرات الرعوية والأسواق المحلية، بما يعكس ارتباط الأزمة الإنسانية مباشرةً باستمرار الصراع العسكري. كما أن توسع السيطرة العسكرية في بعض مناطق غرب السودان يُهدد بتصاعد النزاعات المحلية وظهور مطالب سياسية جديدة، وهو ما يُشير إلى احتمال تحول الأزمة الإنسانية إلى أزمة تفكك سياسي طويل الأمد ما لم يتم التوصل إلى تسوية شاملة مدعومة دوليًا[50].
وتُشير التقديرات إلى أن تجاوز الأزمة يتطلب خطة دولية متكاملة تشمل إعادة الإعمار ودعم الاقتصاد وبرامج المصالحة الوطنية، بما يعكس إدراكًا متزايدًا أن المعالجة الإنسانية قصيرة الأمد غير كافية دون معالجة جذور الصراع وبناء مؤسسات قادرة على التعافي[51].
خاتمة:
تكشف تجربة السودان بعد نحو 3 سنوات من الحرب عن تحول الصراع إلى حالة إنسانية ممتدة تُعيد تشكيل الحياة اليومية للسودانيين داخل البلاد وخارجها. فقد أدى النزوح الجماعي، وانهيار الخدمات، وتصاعد العنف، إلى تغييراتٍ عميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للمجتمع، حيث يعيش الملايين في حالة انتظار دائم بين البقاء المؤقت والأمل المؤجل بالعودة. ويعكس استمرار المعاناة وسط محدودية الاهتمام الدولي الحاجة الملحة إلى استجابة تتجاوز الإغاثة الطارئة نحو معالجة جذور الصراع، بما يضمن استعادة الاستقرار وحماية الكرامة الإنسانية للسودانيين.
وتُوضح التطورات أن الحرب لم تعد أزمةً أمنية فحسب، بل عملية تفكيك تدريجي لشروط الحياة الأساسية لملايين المدنيين. فالمجاعة، والنزوح الجماعي، وتعطّل الاقتصاد المحلي، وتراجع الحماية الإنسانية، جميعها تشير إلى تحوّل الصراع إلى أزمة بقاء يومي للسكان. كما يكشف التباين بين حجم الاحتياجات الإنسانية والقدرة على إيصال المساعدات عن حدود النظام الدولي في الاستجابة للأزمات الممتدة، وهو ما يجعل مستقبل السودان مرتبطًا ليس فقط بوقف القتال، بل بإعادة بناء منظومة إنسانية واقتصادية قادرة على استعادة الاستقرار الاجتماعي والكرامة الإنسانية للسودانيين.
كما تُظهر تجربة النازحين واللاجئين السودانيين حجم التحولات الإنسانية والاجتماعية الناجمة عن النزاع، بما يشمل الهشاشة الصحية والتعليمية، والتحديات الاقتصادية، والتغيرات النفسية التي يُعاني منها الأفراد، وخاصةً النساء والأطفال، بما يعكس ضرورة التنسيق الدولي المستمر مع السلطات الوطنية لتعزيز الشمول وحماية الفئات الأكثر ضعفًا، وهو ما يدل على ضرورة اتباع استراتيجيات متكاملة تجمع بين الاستجابة الفورية وبناء القدرات، لضمان حياة كريمة ومستقبل مستقر للمتأثرين بالأزمة السودانية.
وتشير الأزمة السودانية إلى تحول المعاناة الإنسانية إلى اختبارٍ حقيقي لفاعلية النظام الدولي الإنساني، إذ لم تعد معاناة الملايين مجرد أرقام إحصائية بل مؤشرًا على هشاشة منظومات الحماية العالمية في مواجهة النزاعات الممتدة. وبينما يمتلك السودان موارد بشرية وطبيعية كبيرة، فإن استمرار الحرب يُهدد بتحويل هذه الإمكانات إلى خسارة تاريخية طويلة الأمد، وهو ما يعني أن مستقبل البلاد بات مرتبطًا بقدرة المجتمع الدولي والسودانيين معًا على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنهائها جذريًّا.
وبصورةٍ عامة، تكشف مؤشرات التمويل عن معضلةٍ مركزية تواجه الأزمة السودانية، تتمثل في اتساع الاحتياجات الإنسانية بوتيرةٍ أسرع من نمو الدعم الدولي، ما يضع ملايين السودانيين أمام واقع من المساعدات غير الكافية، ويزيد من احتمالات استمرار النزوح وتفاقم الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في المدى المتوسط والطويل. رغم الجهود الإنسانية الدولية، لا تزال الاستجابة تواجه قيودًا كبيرة تتعلق بصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع النشط ونقص التمويل مقارنةً بحجم الاحتياجات المتزايدة. وقد شكّلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الأوروبية أبرز الجهات المانحة، مع توجيه التمويل نحو المساعدات النقدية متعددة الأغراض، والاستجابة للاجئين، وقطاعات المياه والصحة. ومع ذلك، تظل فجوة التمويل والتحديات اللوجستية من أبرز العوامل التي تحدّ من فعالية إيصال المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
قائمة المراجع
[1] أسماء البنا، المأساة الإنسانية في الحرب السودانية: المشاهد والدلالات، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 22/9/2024، متاح عبر الرابط التالي: https://urli.info/1myo8
[2] See:
- UNHCR – The UN Refugee Agency, Sudan, Retrieved 28/3/2026, available at: https://urli.info/1mwgt
- IFRC warns: Sudan crisis spills across borders as humanitarian crisis worsens, IFRC, 17/3/2026, available at: https://tinyurl.com/94k9mu4e
[3] UNHCR – The UN Refugee Agency, Sudan, Op. cit.
[4] ندى فاروق، السودان بعد ألف يوم من الحرب- أزمة إنسانية مأساوية وصمت دولي، دويتش فيللله، 22/1/2026، متاح عبر الرابط التالي: https://urli.info/1myL8
[5] The UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Sudan, Retrieved: 29/3/2026, available at: https://www.unocha.org/sudan
[6] UNHCR Egypt Monthly Operational Update (February 2026), UNHCR, 15/3/2026, available at: https://tinyurl.com/ms94wwnc
[7] د. محمد حسن إمام، السودان على حافة الضمير العالمي.. أكبر أزمة إنسانية تتشكل بصمت، الجزيرة نت، 22/3/2026، متاح عبر الرابط التالي: https://urli.info/1myef
[8] هل يتجاوب المجتمع الدولي مع نتائج تحقيق الأمم المتحدة لوقف حرب السودان؟، بي بي سي نيوز عربي، 19/2/2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4dkwdwbm
[9] أسماء البنا، المأساة الإنسانية في الحرب السودانية: المشاهد والدلالات، مرجع سبق ذكره.
[10]UNHCR – The UN Refugee Agency, Sudan, Op. cit.
[11] ندى فاروق، السودان بعد ألف يوم من الحرب- أزمة إنسانية مأساوية وصمت دولي، مرجع سبق ذكره.
[12] د. محمد حسن إمام، السودان على حافة الضمير العالمي.. أكبر أزمة إنسانية تتشكل بصمت، مرجع سبق ذكره.
[13] UNHCR Egypt Monthly Operational Update (February 2026), Op. cit.
[14] بيان مشترك من الجهات المانحة بشأن إيصال المساعدات الإنسانية في السودان، وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث والتنمية بالمملكة المتحدة، 18/10/2024، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/shew8p9b
[15]The UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Sudan, Op. cit.
[16] بيان مشترك من الجهات المانحة بشأن إيصال المساعدات الإنسانية في السودان، مرجع سبق ذكره.
[17] The UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Sudan, Op. cit.
[18] المفوضية ووكالات أممية أخرى تحث على العمل الفوري لمعالجة الأزمة الإنسانية المتصاعدة في السودان، المفوضية السامة للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، 24/10/2024، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4v7626pk
[19] محمد محمد عثمان، أكثر من 4 ملايين طفل وامرأة حامل يواجهون سوء التغذية الحاد في السودان، مرجع سبق ذكره.
[20] ندى فاروق، السودان بعد ألف يوم من الحرب- أزمة إنسانية مأساوية وصمت دولي، مرجع سبق ذكره.
[21] UNICEF, Sudan: Humanitarian Action for Children, 2026, pp 1,2, available at: https://tinyurl.com/36ae882r
[22] المفوضية ووكالات أممية أخرى تحث على العمل الفوري لمعالجة الأزمة الإنسانية المتصاعدة في السودان، مرجع سبق ذكره.
[23]The UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Sudan, Op. cit.
[24] د. محمد حسن إمام، السودان على حافة الضمير العالمي.. أكبر أزمة إنسانية تتشكل بصمت، مرجع سبق ذكره.
[25] ندى فاروق، السودان بعد ألف يوم من الحرب- أزمة إنسانية مأساوية وصمت دولي، مرجع سبق ذكره.
[26] المفوضية ووكالات أممية أخرى تحث على العمل الفوري لمعالجة الأزمة الإنسانية المتصاعدة في السودان، مرجع سبق ذكره.
[27]محمد محمد عثمان، “أدرس وفي رأسي شظية”، كيف واصلت شقيقتان سودانيتان دراستهما بعد قصف مدرستهما؟، بي بي سي نيوز عربي، 24/1/2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/3p6kh4cz
[28] التعليم يُساهم في تعافي المجتمعات في السودان، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 27/1/2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/mrtb6hmm
[29] مصطفى سعيد، شتات عابر للحدود، كيف فرّقت حرب السودان بين 42 ألف طفل وذويهم؟، بي بي سي نيوز عربي، 27/3/2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/mt3bnsw9
[30] مصطفى سعيد، المرجع السابق.
[31] كيت بوي، مع دخول الصراع يومه الألف، منظمات حقوقية تقول: “نساء سودانيات يُغتصبن كل ساعة في مناطق بدارفور”، بي بي سي نيوز عربي، 12/1/2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/jsvpapz7
[32] تقرير أممي: أنماط مروعة من الانتهاكات ارتكبت خلال الهجوم على مخيم زمزم في دارفور، الأمم المتحدة، 18 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/3zxe7t23
[33] د. محمد حسن إمام، السودان على حافة الضمير العالمي.. أكبر أزمة إنسانية تتشكل بصمت، مرجع سبق ذكره.
[34] IFRC warns: Sudan crisis spills across borders as humanitarian crisis worsens, Op. cit.
[35] مع اقتراب الحرب في السودان من عامها الرابع، المنظمات الإنسانية تناشد تقديم الدعم للاجئين، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 17/2/2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/58b5pcb3
[36] د. محمد حسن إمام، السودان على حافة الضمير العالمي.. أكبر أزمة إنسانية تتشكل بصمت، مرجع سبق ذكره.
[37] مع اقتراب الحرب في السودان من عامها الرابع، المنظمات الإنسانية تناشد تقديم الدعم للاجئين، مرجع سبق ذكره.
[38] UNHCR Egypt Monthly Operational Update (February 2026), Op. cit.
[39] مع اقتراب الحرب في السودان من عامها الرابع، المنظمات الإنسانية تناشد تقديم الدعم للاجئين، مرجع سبق ذكره.
[40] أسماء البنا، المأساة الإنسانية في الحرب السودانية: المشاهد والدلالات، مرجع سبق ذكره.
[41] ندى فاروق، السودان بعد ألف يوم من الحرب- أزمة إنسانية مأساوية وصمت دولي، مرجع سبق ذكره.
[42] IFRC warns: Sudan crisis spills across borders as humanitarian crisis worsens, Op. cit.
[43]مع اقتراب الحرب في السودان من عامها الرابع، المنظمات الإنسانية تناشد تقديم الدعم للاجئين، مرجع سبق ذكره.
[44] المفوضية ووكالات أممية أخرى تحث على العمل الفوري لمعالجة الأزمة الإنسانية المتصاعدة في السودان، مرجع سبق ذكره.
[45]The UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Sudan, Op. cit.
[46] مع اقتراب الحرب في السودان من عامها الرابع، المنظمات الإنسانية تناشد تقديم الدعم للاجئين، مرجع سبق ذكره.
[47] د. محمد حسن إمام، السودان على حافة الضمير العالمي.. أكبر أزمة إنسانية تتشكل بصمت، مرجع سبق ذكره.
[48] أسماء البنا، المأساة الإنسانية في الحرب السودانية: المشاهد والدلالات، مرجع سبق ذكره.
[49] بيان مشترك من الجهات المانحة بشأن إيصال المساعدات الإنسانية في السودان، مرجع سبق ذكره.
[50] ندى فاروق، السودان بعد ألف يوم من الحرب- أزمة إنسانية مأساوية وصمت دولي، مرجع سبق ذكره.
[51] د. محمد حسن إمام، السودان على حافة الضمير العالمي.. أكبر أزمة إنسانية تتشكل بصمت، مرجع سبق ذكره.



