تكوين الباحث والمتعلم في عصر الذكاء الاصطناعي: دراسة نقدية

مقدمة
ليس ثمة قضية تشغل العقل الإنساني في يومنا هذا مثل قضية “الذكاء الاصطناعي” وأدواره في الحياة البشرية، خاصةً بعد الطفرة التي أحدثها ظهور النماذج اللغوية الكبيرة “LLMs” منذ عام ٢٠٢٢، وما أظهرته من قدرات وإمكانيات فائقة وغير مسبوقة. بالطبع كان الذكاء الاصطناعي موجودًا قبل ذلك، لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي القديمة كانت مصممة لأداء مهام متخصصة ومحددة وبإمكانياتٍ محدودة نوعًا ما، وغالبًا ما كانت تعمل هذه الأنظمة في مجال واحد فقط. أما النماذج اللغوية الكبيرة، مثل GPT-4) – Claude -Gemini)، فهي نماذج لغوية تستخدم شبكات عصبية اصطناعية عملاقة؛ شبكات ضخمة مكونة من وحداتٍ مترابطة تشبه الخلايا العصبية، ويتم تدريبها باستخدام كمية هائلة من البيانات النصية. تمكنت هذه الأنظمة من توليد نصوص تشبه النصوص البشرية، ما حدا بالبعض أن ادعى أنها تمتلك وعي شبيه بالوعي البشري بشكلٍ أو بآخر[1].
أثارت هذه الطفرة التكنولوجية الهائلة والجديدة جدالًا واسعًا حول أدوار ووظائف وحدود الذكاء الاصطناعي، ومستقبل العقل البشري في ظل هذا الاختراع الجديد. وإن كان البعض قد جادل أن هذه التقنية الجديدة لا تختلف كثيرًا عن سابقاتها من الاختراعات البشرية؛ منذ اختراع الكتاب وحتى الكمبيوتر. فكل اختراع جديد يدفع الكثيرين إلى حالةٍ من التوجس والخوف والتحذير من آثاره على العقل البشري وإمكاناته ووظائفه (وخاصةً وظيفتي الانتباه والذاكرة). فالدوائر الإدراكية للدماغ قد أُعيدت برمجتها من قبل من خلال التفاعل مع محركات البحث، والهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. وأصبح العقل -الذي أُعيدت برمجته- يُفوض القيام بالمهام التي كانت تتولاها ذاكرته الداخلية إلى أجهزةٍ خارجية. كما أن سهولة وسرعة الوصول إلى الإنترنت والانفتاح الدائم والمستمر عليه أدى إلى تدهور قدرتنا العقلية على الانتباه الدائم، وقد تجلى هذا واضحًا في سيادة أنماط وأشكال من القلق والاضطراب والنسيان[2].
في هذا السياق، تأتي تلك الورقة للنظر في مسألة تأثير الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبرى تحديدًا على الباحث والمتعلم؛ فمع القدرات الجديدة التي وفرتها نماذج اللغة، وخاصةً القدرة على توليد النصوص والكتابة والتفكير البديل، لم يُصبح الأمر مجرد أداة يستخدمها الإنسان لتأدية الوظائف أو المساعدة في التعلم والبحث العلمي، بل أصبحنا أمام أداة يمكنها استبدال الإنسان في الكثير من الوظائف والمهام العقلية. وأمام هذا السؤال -سؤال التوظيف/ الاستبدال- والجدل الذي يُثيره بين فئةٍ ترى أنه لا غنى عن هذه الأداة بإمكاناتها الفائقة، وفئة تحذر من خطورتها على العقل البشري ومستقبله، تأتي هذه الورقة لبحث أبعاد الموضوع وتداعياته ولا سيما في سياق استهلاكي كما هو حال العالم العربي الذي يستهلك ما يقدمه الغرب ولا يُنتج تقريبًا.
تنطلق الورقة كذلك من إطارٍ نظري مؤسس على القاعدة المقاصدية القائلة بأن “فهم الوسائل لا يكتمل إلا بوضوح المقاصد” وأن “الأمور بمقاصدها”، وتعني هذه القاعدة أن إدراك حقيقة الظواهر الإنسانية والاجتماعية بصفةٍ عامة، وكذلك تقييم الممارسات والسياسات، يعتمد –في جانب مهم منه- على إدراك مقاصد هذه الظواهر[3]. كما أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، والمقاصد بدورها هي التي تضبط الوسائل وطرائق استخدامها وتفعليها. وهكذا، إذا نظرنا إلى أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها “وسائل”، فإن طرق استعمال هذه الوسائل وتشغيلها لا بد أن ترتبط بمقاصد شرعية ومشروعة من منظورٍ حضاري إسلامي. وبذلك، تتجاوز نظرتنا للذكاء الاصطناعي الثنائية الحادة بين من يدعو لتجنبه بالمرة، ومن يدعو للانكباب عليه انكبابًا أعمى.
وأخيرًا، تنطلق الورقة من منظورٍ حضاري نقدي للذكاء الاصطناعي وآثاره على الباحثين وعملية البحث العلمي وإنتاج المعرفة، وهي نظرة تُقر أولًا بأن كل اختراعٍ بشري جديد يمكن الاستفادة منه وتوظيفه، لكن ذلك لا يحدث إلا على أساسٍ من الاستيعاب الناقد والواعي، مع العمل على تبيئة وتوطين هذا الوافد الجديد في السياق الحضاري الذي ينتمي إليه الباحث والمتعلم. ولهذا؛ فإن الورقة تركز بشكلٍ أكبر على جوانب التناول النقدي لمشكلات هذا الوافد الجديد، وتُشير إلى أن استخداماته وتشغيله قد تناولتها دراسات أخرى مكتوبة ومحتويات مرئية ومسموعة وأفاضت فيها بما يشتمل على كافة جوانب الاستخدام والتوظيف تقريبًا[4].
أولًا- الذكاء الاصطناعي والتعليم الأساسي: المبدأ والمقصد
لا يُولد الإنسان مزودًا بمجمل أنماط السلوك التي يحتاجها لكي يعيش؛ وإنما يكتسب عبر الخبرة والتعلم مجموعةً هائلة من الاستجابات والعادات، والمهارات، والمعارف، والقيم. ولذلك؛ فإن جزءًا كبيرًا مما نعده “سلوكًا إنسانيًا” هو في الحقيقة حصيلة عمليات التعلم المستمرة. وللتعلم طرائق قددا، وأساليب ونظريات شتى[5]، كما أن مراحل العملية التعليمية وأساليبها تطورت عبر الأزمان واتخذت مسارات وأشكال متطورة بتطور التقنيات التي يخترعها العقل البشري. وفي هذا الإطار، تبدو ملاحظة مدحت الليثي حول هذه القضية ملائمة في هذا المقام، إذ يقول: “ينخرط أكثر المعنيين بالتربية والتعليم في طرقهما الكثيرة ومحاولات تطويرها الدؤوبة، ويتوقف قليلون عند مقاصدها ومحاولة تأصيلها وتوصيلها برؤية إنسانية شاملة. وربما يرجع ذلك إلى وطأة منظومة التعليم النظامي السائدة عالميًا، وإلى الدفق الغزير من طرق واتجاهات التربية المطورة أو المُغيَّرة كل يوم. ولكن كثيرًا من المؤشرات تدعو إلى ضرورة مراجعة أكثر جذريةً وهدوءً، وإلى البحث عن نهجٍ تربوي وتعليمي جديد”[6].
الأمر إذن أن وسائل التعليم وطرائقه ونظرياته عديدة ومتنوعة، كما أن الدعوة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في عملية التعليم قديمة أيضًا، ترجع إلى ظهور أجهزة الحاسب الآلي والدمج الذي حدث بين علم النفس المعرفي والعلوم العصبية، والسعي نحو الاستفادة منها جميعًا في تطوير النظم التعليمية. إذ تأسست قاعدة في ذلك الوقت مفادها أن: علم النفس المعرفي والذكاء الاصطناعي يرتبطان بنوعٍ من العلاقة التكافلية، لأن كل منهما يستفيد من التطور الذي يحدث في الآخر. وكان المبرر والدافع الرئيس لهذا هو أن الذكاء الاصطناعي سيساعدنا في تحسين وتطوير المعرفة الإنسانية عن طريق تطوير القدرات الإنسانية المتمثلة في: الإدراك، والتذكر، واللغة، والتفكير[7].
ومع التطورات الراهنة في أدوات الذكاء الاصطناعي، وخاصةً النماذج اللغوية الكبرى، تزايدت الدعوات والمبادرات الرامية لمزيدٍ من الاعتماد والإدماج للذكاء الاصطناعي في التعليم، وتحدد أغلب الكتابات في هذا الموضوع عدة أوجه لتوظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم، هي[8]:
١- التخطيط للتعليم: يستخدم الذكاءٍ الاصطناعي تقنيات تحليل البيانات الضخمة لتحديد الأنماط المتكررة أو الشائعة والتي يتم في ضوئها اتخاذ قرارات تصحيحية، على سبيل المثال تشير نتائج تحليل بيانات الطلاب إلى أن نسبة الرسوب في الرياضيات مرتفعة مقارنةً بباقي المواد الدراسية، وعلى هذا يتم التفكير في تطوير طريقة تقديم المنهج وأيضًا تدريب المعلمين على طرق التدريس التفاعلية التي تحتفظ بانتباه المتعلمين وتحافظ على اندماجهم في التعلم. يضاف إلى ذلك أحد الاستخدامات شديدة الأهمية للبيانات الضخمة، وهي دراسة اتجاهات سوق العمل والتنبؤ بالمهن التي ستزدهر أو تختفي في المستقبل. وذلك من خلال تحليل شامل للبيانات المتعلقة بالتكنولوجيا، والاقتصاد، والديموغرافيا، وأنماط الاستهلاك، حيث يمكن عبر النماذج التنبؤية استشراف المهارات المطلوبة في سوق العمل، وتوجيه التعليم نحوها. يمكن مثلًا الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل LinkedIn وGlassdoor، والتي تعتمد على تحليل ملايين البيانات الوظيفية، مما يمكننا من التنبؤ بالمهارات التي يزداد الطلب عليها في سوق العمل، مثل: تحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي نفسه، والأمن السيبراني.. وغيرها.
٢- وضع وتطوير المناهج التعليمية: تستخدم الدول ذات القدرات التقنية العالية منصات الذكاء الاصطناعي مثل Content Technologies, Inc/ CTI والتي تقوم بتوليد كتب دراسية رقمية مخصصة حسب التخصص والمرحلة بل والطالب، بحيث يتم تصميم كتاب مختلف لكل مجموعة من الطلاب بناءً على بيانات احتياجاتهم التعليمية. بمعنى أنه إذا كان هناك طالبان يدرسان المادة نفسها، ولكن معلوماتهما السابقة مختلفة، يتم توليد أو وضع كتاب رقمي لكلٍ منهما على حدة بناءً على الفجوة المعرفية بين ما درسوه وما سيدرسونه في تلك المادة. وبالمثل، نجد العديد من المؤسسات التعليمية، مثل جامعة أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي تستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي للتخطيط للتعليم الشخصي، حيث يتم رسم خارطة تعلم «شخصية» لكل طالب، تتنبأ بالسياقات التي تُناسب مستواه وتحدد له خطة دراسية تزيد من احتمالية نجاحه الأكاديمي، كما يتم ربط ذلك بمهارات سوق العمل وما يرغب في تعلمه من أجل ذلك.
٣- استخدامات التدريس: ومن أمثلة ذلك المساعدات الذكية للمعلم والطالب (AI Tutors &Chatbots)، وهي روبوتات محادثة مدعومة بالذكاء الاصطناعي للإجابة عن أسئلة الطلاب على مدار ٢٤ ساعة، مما يُقلل الضغط على المعلم ويوفر وقتًا أكبر للأنشطة الصفية.
ويمكن الاستفادة من أنظمة الذكاء الاصطناعي المدمجة مع الواقع الافتراضي (VR) لعمل محاكاة للتجارب الكيميائية أو العمليات الجراحية، مما يمكن الطلاب من التجريب العملي دون مخاطر أو تكلفة عالية. ونجد في الفصول قليلة الكثافة بعض البرامج التي تعتمد على التعرف على الوجه أو تحليل المشاعر، مثل Emotion AI، تستطيع رصد مدى انتباه الطالب أو تفاعله أثناء الشرح، وترسل إشارات للمعلم إذا انخفض مستوى التركيز العام، مما يساعده في تعديل أسلوب التدريس لحظيًا.
تبدو هذه التطورات والإمكانات وما تُتيحه من فرص لتطوير التعليم مبهرة للكثيرين. ولكن عند النظر إلى واقع التعليم في العالم العربي (مع مراعاة الاختلافات بين الدول، فدول مثل الإمارات والسعودية وقطر مثلًا لديهما إمكانات مالية وتقنية لا تتوفر لدولٍ أخرى) وما تُسمى بدول الجنوب العالمي، نجد أن أغلب هذه الدول لا تمتلك تلك القدرات التقنية في مدارسها ونظمها التعليمية. فوفقًا لتقريرٍ أصدرته اليونسكو: فإن “الحواسيب والأجهزة الرقمية لا تُستخدم على نطاقٍ واسع في الصفوف الدراسية، إلا في البلدان الأكثر تقدمًا تكنولوجيًا. وأن استخدام التكنولوجيا في الصفوف ليس عامًا، ولن يصبح كذلك قريبًا، بالإضافة إلى أن الأدلة حول تأثيرها متباينة وغير حاسمة”[9]. من ناحيةٍ أخرى، فإن هذا الطرح يُبرز تخوفًا هامًا من أمرين:
الأول- أن يُحدث توظيف الذكاء الاصطناعي فجوةً داخل بلدان العالم العربي أو حتى دول الجنوب العالمي، سواء كانت فجوة بين الريف والحضر، أو فجوة طبقية بين طبقات تستطيع الوصول إلى مدارس ذات مستويات مادية وتكنولوجية متقدمة، وطبقات أخرى لا تجد أمامها سوى المدارس العامة التي تفتقر إلى الإمكانيات التقنية. وهو ما يعني أن الذكاء الاصطناعي في هذه الحالة سيُعمق حالة اللامساواة في الفرص التعليمية، ومن ثم فرص العمل داخل البلد الواحد.
الثاني- أن يُوظف الذكاء الاصطناعي في النظام التعليمي القائم على سوءاته دون إعادة نظر في عملية الإصلاح التعليمي بالكلية، وما تقتضيه من تقصيد التعليم ليتصل بمقاصد حقيقية وجادة تُحقق قيم العمران في الأرض والاستقلال الحضاري واكتساب عوامل القوة العلمية والفكرية. وفي هذا الإطار، نذهب مع مدحت الليثي إلى أن المبدأ في التعامل مع التقنية الحديثة والمعاصرة ينبغي أن ينطلق من كونها: “تقع بين العطاء الرباني والعمراني في جهة، والأزّ الشيطاني والإفسادي في الجهة الأخرى، وأنه بالقيم المغروسة في النفس والمجتمع، يتجه الفرد والمجتمع إلى العطاء الرباني والعمراني ويتجنبان الجانب الشيطاني والإفسادي”[10].
يُضاف إلى هذا أنه بالنظر إلى حال البلدان العربية حاليًا، نجد أننا نواجه تحد معرفي عميق يتمثل في هشاشة المحتوى الرقمي العربي المتاح للاستخدام ضمن تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فعلى الرغم من تنامي الاهتمام الرسمي بهذه التطبيقات والتقنيات، إلا أن معظم المبادرات ذات الصلة تتجاهل مدى كفاية البنية المعرفية لتطوير نماذج لغوية محلية فعالة. ويعود ذلك إلى الفقر الكمي والكيفي في المحتوى العربي القابل للمعالجة الآلية، وهو ما يعوق تطوير تطبيقات فعالة في مجال معالجة اللغة الطبيعية، وهي التطبيقات الضرورية لتصميم منصات ذكاء اصطناعي عربية[11].
وبهذا، فإن الأخذ بالذكاء الاصطناعي في تطوير النظام التعليمي وخاصةً التعليم الأساسي، ينبغي أن يتأسس على استراتيجية وطنية كبرى تهدف إلى توفير متطلبات التوظيف وإصلاح المنظومة التعليمية من ناحية. ومن ناحية أخرى، لا بد أن يتسق هذا التوظيف مع منظومة القيم الحضارية للأمة “التوحيد، والتزكية، والعمران”؛ بمعنى أن يتأسس على مبدأ إصلاح المنظومة التعليمية بحيث يُحقق التعليم أهدافه في عمارة الأرض وإصلاح الخلق، وكذا لا بد أن ترتبط الوسائل ووظائفها بالمقاصد وأهدافها، ذلك حتى لا يتحول التعامل مع هذه التقنية إلى شكلٍ من التجميل والتزيين لمنظومة عاطلة لا تؤدي وظائفها. يُضاف إلى هذا ضرورة الحيطة والإدراك المسؤول للآثار التي قد تتركها هذه التقنية على عقول الطلاب والمتعلمين، بحيث إن الاستخدام والتوظيف ينبغي أن يكون من أجل تنمية القدرات العقلية والفكرية والأخلاقية للطالب وليس لاستبدال هذه القدرات أو مسخها.
ثانيًا- الباحث والبحث العلمي: بين الأداتية والرسالية
بالانتقال إلى مستوى التعليم الجامعي وما يتصل به من عملية تكوين الباحث، فلا بد أولًا من التمييز بين التخصصات العلمية ودور الذكاء الاصطناعي فيها. فالتخصصات العلمية التكنولوجية من قبيل “الهندسة، والاتصالات، والبرمجة، والحاسبات…إلخ” يختلف منطق التعامل بأدوات الذكاء الاصطناعي فيها عن التخصصات الإنسانية والاجتماعية التي ينصب موضوعها الرئيس على الإنسان والمجتمع. فالنوع الأول من التخصصات يقوم في أصله على تعلم توظيف الآلة والتقنية لخدمة متطلبات السوق أو الاحتياجات الإنسانية عمومًا من حيث التوفير والتسهيل. أما التخصصات التي ينصب موضوعها على الظاهرة الإنسانية (الأفراد، والجماعات)، فإن توظيف الآلة والتقنية فيها يتطلب منهجًا مختلفًا، فاستعمال الآلة والتقنية والنموذج اللغوي للنظر في مشكلات الإنسان هي مسألة شائكة تحتاج نظرةً ناقدة واعية.
تُركز الورقة بالأساس على تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية في التحليل، على اعتبار أن دخول الذكاء الاصطناعي فيها أكثر إشكالًا من العلوم التقنية أو الهندسية. فالعلوم الاجتماعية والإنسانية ترتبط بأبعاد إنسانية وسياقات ثقافية وحضارية أكثر خصوصيةً من العلوم الأخرى. كما أن هذه العلوم في العالم العربي تتنازعها مشكلات مختلفة عن العلوم التقنية والهندسية والطبية، فهي غالبًا ما تُعاني أزمة انفصال عن الواقع وأزمة فاعلية في حل مشكلات المجتمع، لأسبابٍ عديدة منها؛ عدم اهتمام الحكومات وأنظمة الحكم بهذه التخصصات وما يمكن أن تقدمه من حلول وتصورات وأفكار، ومنها كذلك حالة الانفصام بين مناهج وموضوعات هذه التخصصات (المستوردة غالبًا) والواقع العربي والإسلامي.
وفي هذا السياق، نتعرض لمسألة الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي وتكوين الباحثين من خلال بُعدين: البعد الأول يرتبط بالجامعة باعتبارها المؤسسة الحاضنة لعمليات البحث وإعداد الباحث، ويتعلق البعد الثاني بالباحث ووظائفه. وبالنظر إلى الواقع، نجد أن الشركات الكبرى في مجال التقنية صارت، هي وليس الجامعات، الفاعل الرئيس في تطوير أبحاث الذكاء الاصطناعي، بفعل قدرتها على استقطاب الباحثين المتميزين، وقدرتها على تأسيس المختبرات البحثية الضخمة؛ الأمر الذي أدى إلى انزياح مركز الثقل البحثي من الجامعات والمؤسسات التعليمية إلى القطاع الخاص. وتُثير هذه العلاقة بين الجامعة والشركة إشكاليات جوهرية؛ إذ إن توظيف الجامعات لتقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن أطر خاضعة للسوق لا يُضعف فقط من دورها الأكاديمي، وإنما يؤدي إلى تآكل الثقة العامة في الجامعة كمؤسسةٍ تسعى إلى المعرفة بغض النظر عن مردودها الربحي. كما أن تسليع المعرفة يحصر دور الجامعة في إنتاج “المادة الخام” القابلة للبيع، وليس في تكوين الوعي وبناء الاستقلال الحضاري[12]. ومن ثم، فهذه قضية لا بد أن تُحل أولًا قبل التطرق إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي.
أما بخصوص الباحث، فإن تكوينه وإعداده هي رحلة طويلة تبدأ من تلقيه مبادئ العلم، وطرائق ومناهج البحث فيه، والمشكلات التي يهتم بها هذا العلم وأجندة قضاياه وموضوعاته. ثم يتعلم الباحث أن عملية البحث العلمي هي عملية منظمة ومنهجية، تتأسس على مجموعةٍ من الخطوات العقلية والنظرية والإمبريقية “المنهج العلمي”؛ تبدأ من الملاحظة ووضع الفروض وصياغة المشكلة صياغة علمية وتحديد المنهج الملائم لحل هذه المشكلة، وتنتهي بالتوصل إلى نتائج ينبغي اختبارها في الواقع والنظر في مدى ملاءمتها له. وتحوط عملية البحث العلمي جوانب مؤسسية وقيمية، فالبحث العلمي لا بد أن يتم في سياق مؤسسة علمية معتبرة، وبإشراف أستاذ أو مشرف وموجه، ولا بد كذلك أن يتصل بالواقع واحتياجاته ومتطلباته.
يبرز هنا سؤال مهم: ما الذي يمكن أن يؤديه الذكاء الاصطناعي التوليدي (وخاصةً النماذج اللغوية الكبرى) في عملية البحث حتى نستطيع تحديد الموقف السليم من دوره في البحث العلمي؟ إن ما يُميز الذكاء الاصطناعي التوليدي الجديد هو أنه لا يسعى فقط إلى ميكنة العقل، بل إلى عقلنة الماكينة؛ أي أنه يتجاوز محاكاة الظواهر السلوكية إلى محاكاة العمليات الذهنية نفسها، من خلال نماذج تتعلم، وتستنتج، وتُعدل بنيتها من خلال التفاعل مع البيانات[13]. ومن خلال إمكانيات من قبيل: تعلم الآلة، والتعليم العميق Deep Learning، ومحاكاة العقل البشري، والاطلاع على كمٍ هائل من البيانات والنصوص، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوم بخطواتٍ عديدة من الخطوات التي يقوم بها الباحث في عملية البحث، بل إنه من الممكن أن يُعد أبحاثًا علمية كاملة. وهذا ما دفع البعض إلى التحذير من خطأ مقارنة الذكاء الاصطناعي بسوابقه من الاختراعات التكنولوجية، فما يستطيع الذكاء فعله جديد وغير مسبوق، ويحتاج إلى وعي نقدي بطبيعة التحديات التي يفرضها علينا.
تتعلق إذن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والباحث ببعدين أساسيين: البعد الأولي قيمي يرتبط بقيم البحث العلمي ووظائفه ورسالته، ويتصل البعد الثاني بالأداة البشرية التي يستخدمها الباحث في صنعته وهي العقل، وكيف يؤثر استخدام الذكاء الاصطناعي على العقل البشري. بالنسبة إلى البعد الأول، فالملاحظ من المتابعة الأولية لردود الأفعال في الأوساط الأكاديمية والبحثية، هي اتجاه قطاع كبير من الباحثين بقوة للاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي وخاصةً النماذج اللغوية الكبرى في إعداد الأبحاث والدراسات[14]. يُغذي هذا الاتجاه قيم الإنجاز، والسرعة، والكم الغزير، ربما على حساب قيم أخرى أكثر أهمية مثل الجودة والإتقان. ويفرض هذا الوضع تساؤلات مهمة حول فائدة الإغراق الناتج عن غزارة الإنتاج، فالمقال المشار إليه في الهامش السابق يرصد حالة الأستاذ نيكولاس بولسون أستاذ الإحصاء في كلية بوث لإدارة الأعمال بجامعة شيكاغو، الذي ارتبط اسمه بأكثر من ٢٠٠ ورقة بحثية خلال تسعة أشهر فقط، إضافة إلى ١٤ كتابًا خلال عام ٢٠٢٦. وهو أمر جديد غير مسبوق بهذا الشكل، ويدفع الكثيرين للتساؤل عن عملية إنتاج المعرفة وأدوارها ووظائفها من حيث الأصل، وهل القيمة تكمن في الكم والعدد أم في الكيف والنوع؟!
لا جدال كذلك أن الذكاء الاصطناعي وتطويره يرتبط بمجموعة قيم حداثية، أبرزها: السرعة، والإنجاز، والتقدم اللاغائي واللانهائي. وهي قيم قد تتناقض مع سياقاتٍ حضارية وثقافية أخرى تعطي للتأمل والتمهل والإتقان، بل والبطء قيمةً أعلى[15]. ومن منظورٍ حضاري إسلامي، فإن البحث العلمي يرتبط برسالية الباحث ووظائفه الاستخلافية والعمرانية في الأرض. ومن معاني الرسالة (مع العلم أن الرسالة هو المسمى الذي يُطلق على أطروحات الماجستير والدكتوراه في الجامعات) البيان والتوجيه والبلاغ والأمانة، كما أنها ارتبطت في تاريخنا العلمي والثقافي أيضًا بالخطاب الفكري أو الجهد العلمي الذي يكون هدفه الإسهام في حل مشكلةٍ -أو أكثر- من مشكلات المجتمع في لحظةٍ تاريخية معينة؛ إما بطرح فكر جديد، أو تقديم اجتهاد غير مسبوق، أو بالكشف عن مجهول، أو بلفت النظر إلى أمرٍ مهم انصرف عنه الناس، أو منسي؛ فيذكرهم به، وتكون “الرسالة” عندئذٍ بمثابة بيان حالة، أو دليل عمل، أو هما معًا[16].
ويُنبهنا إبراهيم البيومي غانم من هذا المنظور الحضاري أن الرسالة العلمية لا ينبغي أن تنحصر في إطار درجات الترقي الوظيفي، بل هي رحلة كفاحية تبدأ من النظر في الواقع الذي ينتمي إليه البحث والتفتيش عما به من مشكلات، والنظر في كيفية حلها أو تقديم تصور لحلها. وهذه الرحلة تتطلب عمليات معرفية من قبيل: القراءة المتنوعة، وتوسيع مجال المعرفة، وتعميق الإدراك والوعي بمشكلات الواقع في إطارها الاجتماعي والثقافي والحضاري. كما أن هذه الرحلة تؤدي إلى التعرف على دائرة من الأساتذة والعلماء والزملاء من أصحاب الاهتمامات المعرفية المتنوعة. وهذا التعرف لا بد أن يتحول إلى تفاعلٍ وعمل يُفيد العمل البحثي والرسالة التي يقوم عليها الباحث[17]. إن ما يُشير إليه إبراهيم غانم هذا هو الأساس الذي تنبني عليه الجماعة العلمية، والتي تمثل بدورها عصب الإنتاج المعرفي والعلمي النافع، وهي مسألة تبدو في انحسارٍ عند أجيالٍ تعودت ونشأت على التحاور والتشاور مع الآلة أو النموذج اللغوي. فهل يعمق الذكاء الاصطناعي بهذا الشكل قيم الفردانية والانكفاء على الذات؟ وهل يتحول المبدأ الناظم للعمل البحثي في العلوم الاجتماعية من الحوار مع الواقع ومشكلاته إلى حوارٍ مع نموذج لغوي “آلة”؟ هل يُرسخ الذكاء الاصطناعي نموذج الباحث الأداتي مقابل تراجع الباحث الرسالي؟
ثالثًا- الذكاء الاصطناعي والعقل: أي تأثير؟
سبق وأوضحنا أن عملية البحث العلمي؛ عملية عقلية مهارية، تقوم على اكتساب معارف ومهارات معينة، تبدأ من القراءة والبحث والتنقيب وتصل إلى أسس وقواعد كتابة الأبحاث والأطروحات العلمية. إن عمليات بلورة الأطروحة النظرية وإعداد الإطار النظري وتساؤلات الدراسة والمداخل المنهاجية المناسبة لحل المشكلة، وصولًا إلى كتابة البحث والانتهاء إلى مناقشته أو تحكيمه، كلها عمليات تحتاج إلى تدريبٍ وتطوير يأخذ منحنى متصاعد، ووقت زمني طويل بعض الشيء. كما أنها كلها عمليات ومهارات تحتاج إلى قدرٍ كبير من الانتباه والنشاط العقلي والممارسة حتى يستطيع الباحث صقلها وتطويرها.
ولذلك؛ يفرض الذكاء الاصطناعي الجديد على العقل تحديات جديدة، خاصةً مع قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على توليد النصوص ومعالجة المشكلات واقتراح الحلول، ومع ارتباط هذه القدرات ببيئة بحثية وتعليمية ضعيفة، وارتباط الدرجات العلمية (الماجستير، والدكتوراه) عند الكثيرين ببعض القيم غير الأصيلة ولا العلمية؛ مثل الوجاهة الاجتماعية أو الترقي الوظيفي وما شابه. فإن هذا يُنبئ بوضعٍ قد تتقلص وتتكلس فيه القدرات العقلية وعمليات تكوين الباحث التي تطلب جهدًا ووقتًا، وخاصةً في إطار السهولة والسرعة التي توفرها أدوات الذكاء الاصطناعي، كما قد نرى حالة من تكاثر “الإنتاج المعرفي” الزائف وغير المفيد المرتبط بقيم غير علمية أو عمرانية.
في هذا الإطار، نتطرق أولًا إلى مسألة تأثر العقل بالذكاء الاصطناعي، ثم نتناول مسألة البحث والإنتاج المعرفي. لقد بدأ علم الأعصاب مبكرًا جهودًا معرفية للنظر في مدى تأثير التقنيات الرقمية على وظائف العقل، وفي هذا السياق مثلًا ترى سوزان جرينفيلد أن العقل البشري قد تغير كثيرًا بفعل الاعتماد المفرط على التقنية، ومن الآثار التي رصدتها في ذلك[18]:
١-استبدال نمط التفكير الخطي التقليدي القائم على الانتقال من الأسباب/ المقدمات إلى النتائج، إلى نمطٍ من التفكير العشوائي؛ فبيئة الإنترنت تعتمد على النصوص الفائقة (Hypertexts) والروابط المتشعبة، مما يدفع الدماغ إلى القفز السريع والعشوائي بين المعلومات. هذا النمط يُحول العقل من حالة “الفكر العميق المتسلسل” إلى مجرد “نظام معالجة وتفاعل سريع مع المعلومات” يتنقل بين المحفزات دون التعمق في مضمونها.
٢- تشتيت الانتباه وإرهاق الذاكرة العاملة: ذلك أن وجود الروابط الفائقة (Links) أثناء القراءة يفرض على الدماغ اتخاذ قرارات دقيقة ومستمرة (مثل: هل أنقر على هذا الرابط، أم أستمر في القراءة؟). وفي هذه النقطة أيضًا، يرى أستاذ علم الاجتماع فرانك فرويدي أن حالة التشتت وعدم الانتباه أصبحت مرضًا سائدًا في مراحل التعليم المختلفة في الغرب؛ فالاعتماد المفرط على التكنولوجيا أدى بالشباب إلى: “إهمال نشاطهم العقلي، أو بمعنى أدق أُصيبوا بكسلٍ عقلي، وهو ما دفع الكثير من المعلمين إلى تبني منهج يستوعب ممارسات القراءة الافتراضية لدى مستخدمي التكنولوجيا الرقمية؛ وهذا النمط أصبح واضحًا الآن في التعليم العالي؛ حيث افتُرض أن طلاب الجامعات لم يعد من المتوقع أن يقرأوا النصوص الطويلة والصعبة، أو الانتباه إلى المحاضرات الجادة، ما أدى إلى تكييف المواد الدراسية مع عقلية نقص الانتباه بسبب التأثيرات التكنولوجية الرقمية”[19].
٣- تراجع الفهم والاستيعاب: تؤدي هذه القرارات الدقيقة والمستمرة إلى إرهاق الذاكرة العاملة (Working Memory) وزيادة الحمل المعرفي (Cognitive Load)؛ مما يُقلل بشكلٍ ملحوظ من القدرة على الاستيعاب والتفكير النقدي واستخلاص المعاني العميقة مقارنةً بقراءة النص المطبوع الثابت.
٤- أصبحت عقولنا تميل إلى الاستغناء عن الاحتفاظ بالحقائق والمعارف بالذاكرة العقلية الداخلية، واستبدال ذلك بتذكر “مكان وكيفية العثور عليها” على الإنترنت.
٥- تحول الإنترنت إلى امتداد أو بديل للذاكرة البشرية (Transactive Memory): ورغم أن هذا يتيح الوصول السريع لكم هائل من البيانات، إلا أنه يُضعف قدرة العقل على بناء شبكات معرفية داخلية مستقلة ومترابطة، والتي تُشكل أساس الحكمة والتبصر الشخصي.
ومن ثم، فإن التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي لا يُغيران فقط “ما نعرفه”، بل يُعيدان تشكيل “كيفية تفكيرنا” ومعالجتنا للمعلومات. ذلك أن التكيف المستمر للدماغ مع بيئة فائقة السرعة ومشتتة للانتباه قد يمنحنا سرعةً فائقة في معالجة البيانات وإيجاد الإجابات السريعة، ولكنه يُضحي في المقابل بالتفكير النقدي العميق، والذاكرة المستقلة، والقدرة على تأمل المفاهيم المعقدة.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفف العبء العقلي عن الإنسان، لكنه في الوقت نفسه قد يُضعف بعض القدرات العقلية التي يحتاجها الإنسان لكي يتعامل بنفسه مع الضغوط والمشكلات.
وفي هذا تُميز دراسة حديثة بين مفهومين لدور الذكاء الاصطناعي[20]:
- التفريغ/ الإسناد المعرفي Cognitive Offloading: بمعنى أن ننقل بعض العمليات العقلية إلى أداةٍ خارجية لتقليل الجهد الذهني.
- الحمل المعرفي الزائد Cognitive Overload: أي أن يؤدي الاعتماد على الأدوات الخارجية إلى إغراق الإنسان بالمعلومات أو الاعتماد السلبي، بحيث تصبح العملية في النهاية عبئًا جديدًا.
ومن ثم، فالمشكلة ليست في أن الذكاء الاصطناعي «يُستخدم» بدلا من الإنسان، وإنما في نوع العلاقة التي تنشأ بين الإنسان والنظام الذكي: هل يساعد الإنسان على تنمية قدراته، أم يبدأ تدريجيًا في القيام بهذه القدرات نيابةً عنه؟ وهنا، تُفرق الدراسة بين الأدوات التقليدية المساعدة التي استخدمها الإنسان لتوسيع قدراته العقلية، ومنها: المذكرات لتوسيع الذاكرة- التقويم لتنظيم الوقت- الآلة الحاسبة لتقليل الجهد الحسابي -الكتب لتخزين المعرفة -الحديث مع الآخرين للمساعدة في فهم المشكلات، وهذا هو التفريغ/ الإسناد المعرفي. لكن الذكاء الاصطناعي يُضيف شيئًا جديدًا؛ فهو لا يكتفي بتخزين المعلومات، وإنما يستطيع: تحليلها -اكتشاف الأنماط والعلاقات والارتباطات -تفسيرها -تقديم تنبؤات -اقتراح حلول -إعطاء توصيات شخصية، بل وأحيانًا تفسير الحالة النفسية للمستخدم. لذلك ترى الدراسة أن الذكاء الاصطناعي لا يعمل كأداةٍ محايدة خارج العقل، بل يمكنه أن يُعيد تشكيل البيئة التي تتم فيها عملية التفكير نفسها، وكذا العقل نفسه.
ومن هنا، تبدو المشكلة الأكثر تعقيدًا، فالإنسان عندما يستخدم أداةً خارجية باستمرار قد يتوقف عن ممارسة الوظيفة التي كانت الأداة تساعده فيها. ومن ذلك مثلًا: أنتصبح الأداة التي تساعدك على التفكير تفكر بدلًا عنك، أو تتوقف عن تطوير ذاكرتك اعتمادًا على أن الأداة تساعدك على التذكر، أوتبدأ في قبول تفسير الأداة لمشاعرك بدلًا من فحصها بنفسك. وهنا ينتقل الإنسان من الـ Cognitive Offloading أي الإسناد والمساعدة المعرفية، إلى الـCognitive Dependence أي الاعتماد/ الاتكال المعرفي على الأداة[21]. يبرز هنا اعتراض معاكس، إذ يرى كثيرون أن الإنسان قادر على تحجيم دور الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في إطار المساعدة بدلًا من الاعتماد الكلي. غير أن عالمة الأعصاب البريطانية سوزان جرينفيلد تُنبهنا إلى أن الاعتماد على الحس السليم لم يكن دائمًا مبدأ ناجحًا في التعامل مع هذه الأمور، فالخبرة الإنسانية تقول بأننا أفرطنا في الاعتماد على التقنيات السابقة على الذكاء الاصطناعي، وأن إدمان الهواتف المحمولة والإنترنت ووسائل التواصل أصبحت حالة عامة في كافة المجتمعات الإنسانية[22].
يدفعنا هذا الاعتماد السلبي بدوره إلى ما يُطلق عليه البعض “الكسل العقلي” أو “الكسل المعرفي”. إذ تشير بعض الدراسات إلى أن الاعتماد السلبي/ المفرط على الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى[23]:
١- تراجع اللياقة الذهنية: فالاعتماد المكثف والسطحي على الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى تراجع مهارات التفكير النقدي.
٢- ضمور القدرات العقلية: ذلك أن العقل يُشبه العضلة التي تتطلب الممارسة والتمرين المستمر؛ وعند تحويل وظائف التحليل والتفكير والربط إلى الآلة بدلاً من استخدامها كمحفز، يفقد العقل قدرته على معالجة المشكلات الشائكة بشكلٍ مستقل ومقتدر.
٣- الوقوع في إغراء الإجابات الجاهزة: يقدم الذكاء الاصطناعي إجابات سريعة ومصوغة بشكلٍ جذاب مما يجعل الطالب أو الباحث يتجاوز مرحلة “التفكير العميق”، ويتولد لديه شعور زائف بالفهم دون استيعابٍ حقيقي للمفاهيم الضمنية والبنى المعرفية أو ما يسمى بما وراء النظرية Meta-Theory.
تذهب بعض الدراسات إلى أبعد من هذا، وترى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي الجديد يدفع نحو تقزيم العقل للأطفال والناشئة، بما يعني أنه يُمثل خطرًا مباشرًا على قضية “التكوين العلمي” للباحث والمتعلم. تدعي ريبيكا وينثروب مديرة مركز التعليم العالمي في معهد بروكينجز أنه عندما يستخدم الناشئة أدوات الذكاء الاصطناعي لحل المشكلات أو صياغة الأفكار قبل أن تتكون لديهم الأساسيات، فإنهم لا يستغنون عن مهارة يمتلكونها، بل يتجاوزون مرحلة بنائها وتطويرها بالكامل. ومن هنا، تُعرف الكاتبة هذا الخطر بـ “التقزم المعرفي” (إعاقة النمو الذهني الطبيعي). وهي في هذا النقد تنطلق من منظور “النمو المعرفي” الذي يرى بأن عملية النمو المعرفي تتطلب مهارات حيوية مثل الفهم، والتذكر، وتشكيل المفاهيم، وحل المشكلات، والتفكير النقدي، والتأمل. كما يتطلب اكتساب المهارات الذهنية العليا ممارسة عملية موجهة تتخللها الصعوبة والمحاولة، وحينما تُقدم الآلة إجابات فورية جاهزة، يُحرم الباحث والمتعلم من هذه الفرص التدريبية الأساسية لنضج العقل وعمليات التفكير[24].
هذا الرأي يجد دعمًا وسندًا في دراسةٍ أخرى، ترى بدورها أن الأدوات الذكية التي صُممت في الأصل لتوسيع القدرات الذهنية وزيادة الكفاءة، تؤدي بالتوازي وفي نفس الوقت إلى تآكل وإضعاف نفس الوظائف الإدراكية لدى الإنسان عند اعتمادها كبديل للمجهود الذهني. ولا يحدث هذا التراجع بشكلٍ مفاجئ، بل يتشكل عبر ما يُعرف بـ “الانجراف والتفويض التدريجي” (Delegation Drift)؛ حيث تتحول مسؤولية الفرد من الفهم والتأمل والتفكير التركيبي إلى مجرد توجيه الأوامر (Prompting) والتحقق السطحي. وتُميز الدراسة بين مسارين في التفاعل مع الذكاء الاصطناعي متوازيين ويتحددان بنمط الاستخدام[25]:
- مسار النمو المعرفي (Cognitive Growth)، ويتحقق عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي كشريكٍ تفاعلي ومحفز عبر الحوار والتفكير الإبداعي المشترك ومراجعة الفرضيات، مما يقوي المهارات فوق -المعرفية (Metacognition) لدى الإنسان.
- مسار الضمور المعرفي (Cognitive Atrophy)، وينشأ نتيجة الاعتماد المفرط والانحياز للأتمتة (Automation Bias)، مما يفقد الفرد مهارات التحليل والاستدلال الداخلي.
وبناءً على هذا، يمكن القول إن المخاطر التي يتخوف منها الكثيرون حول تأثير الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية على العقل البشري وعلى عملية التعلم والتعليم وتكوين الباحثين، هي مخاوف جادة ولها أسبابها. ولا بد من إبراز هذه المخاوف والتحفظات أمام طوفان الإقبال على الذكاء الاصطناعي والثقة المفرطة والعمياء التي يضعها البعض في هذا الوافد الجديد. وخاصةً في سياقنا الحضاري العربي، الذي يستهلك ولا يُنتج، ومن ثم لا يفرض قيمه وشروطه على الأداة المستخدمة، وبالتالي فهو أحوج للتعامل النقدي الحذر مع هذه الأدوات.
رابعًا- إنتاج المعرفة في ظل الذكاء الاصطناعي التوليدي: أي مستقبل؟
مع التسليم بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح ظاهرةً شاملة تُعيد تشكيل قطاعات واسعة من الحياة الإنسانية؛ فقد امتدت تطبيقاته إلى الطب والتعليم والاقتصاد والإدارة والإعلام والحرب والأمن والقضاء والخدمات، مع قدرته على إنتاج نصوص وصور ومحتوى معرفي يشبه بدرجات متفاوتة ما ينتجه الإنسان. يفرض علينا هذا الواقع تساؤلات مهمة من قبيل: ما نوع المعرفة التي يفترضها الذكاء الاصطناعي؟ وما التصور الذي يحمله عن الإنسان، والعقل، والمعرفة؟ ومن يحدد الأهداف التي يعمل الذكاء الاصطناعي على تحقيقها؟ وما المصالح والقيم والأيديولوجيات التي تدخل في تصميمه وتطبيقه[26]؟
يعمل الذكاء الاصطناعي داخل شبكة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية تضم البشر والمؤسسات والشركات والدول والأسواق، والبيانات، والمعرفة، والسلطة، ولذلك لا يمكن فهمه بمعزل عن هذه الشبكة. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة نستخدمها؛ بل يمكن أن يصبح سلطة معرفية واجتماعية عندما تبدأ مخرجاته في التأثير في الطريقة التي نعرف بها العالم، وفي القرارات التي نتخذها، وفي تصنيفنا للأشخاص والأشياء، وفي تحديد ما يبدو صحيحًا أو عقلانيًا أو مقبولًا. ومن ثم، لا يمكننا النظر إلى التكنولوجيا –وفي القلب منها الذكاء الاصطناعي- باعتبارها محايدة؛ فكل تكنولوجيا تُصمم داخل مجتمع معين، وفي ظل: مصالح معينة، وقيم معينة، وعلاقات قوة معينة، وتصورات محددة عن الإنسان والمجتمع، أهداف اقتصادية أو سياسية أو عسكرية. لذلك يمكن أن تحمل التكنولوجيا، حتى دون التصريح بذلك، بعض القيم التي يحملها المجتمع أو المؤسسة التي أنتجتها[27].
واتساقًا مع هذا، يجب ألا يُفهم الإلحاح المتزايد لتبني الذكاء الاصطناعي فقط بوصفه استجابة موضوعية لتطور تقني محايد، بل يجب أن يُنظر إليه بوصفه هندسة اجتماعية مقصودة (عبر تدخلات حكومية أو رأسمالية)، تستهدف إعادة تشكيل طرق التفكير، وطبيعة العلاقات الإنسانية وأسلوب فهم الذات والمجتمع. ومن هذا المنظور، يجب ألا يُنظر إلى تقانة الذكاء الاصطناعي فقط كتطور تكنولوجي محايد، وإنما كاستمرار لعلاقة معقدة بين المعرفة والمجتمع والسلطة، تتطلب مساءلة نقدية، خصوصًا عند استقدامها إلى البيئات العربية والإسلامية. فالمسألة لا تتعلق بمدى كفاءة هذه التقانة فحسب، وإنما أيضًا بطبيعة المشروع الحضاري الذي ستُدمج فيه، وما إذا كان هذا الدمج سيُعزز الاستقلال الحضاري، أم سيُعيد إنتاج التبعية تحت غطاء من الوضعية الرقمية[28].
في ظل هذه النظرة النقدية للعلاقة بين الذكاء الاصطناعي وإنتاج المعرفة، تساءلت بعض الأدبيات: ماذا سيحدث للغات والثقافات والمعارف التي لا تمتلك تمثيلًا رقميًا كافيًا عندما تصبح النماذج اللغوية الكبيرة مصدرًا أساسيًا للمعرفة؟ فإذا كنا أقررنا سلفًا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة للبحث عن المعرفة، بل أصبح قادرًا على إنتاجها، فإن هذه النقلة هي التي جعلت البعض يتساءل عن مستقبل «سلطة الخطاب» ومن يملك القدرة على صياغة المعرفة التي سيصل إليها الناس. وإذا كان البعض يفترض أن الخوارزميات يمكن أن تكون أكثر موضوعية من البشر لأنها تقوم على الحساب والبيانات، إلا أن آخرين يشككون في هذا الافتراض؛ فالخوارزميات بحسب الأدبيات التي تستند إليها، يمكن أن تعكس قيم مطوريها، حتى إذا لم يتعمد المطورون إدخال هذه القيم في التصميم. كما يمكن أن تنتقل الانحيازات الاجتماعية الموجودة في بيانات التدريب إلى مخرجات النموذج[29].
إذا أصبحت النماذج اللغوية الكبيرة وسيطًا رئيسيًا للوصول إلى المعرفة ومنتجًا أساسيًا لها، فإن الجهات التي تتحكم في هذه النماذج ستمتلك، بدرجةٍ ما، قدرة على التأثير في معارف المستقبل. وفي المقابل، ليس لدى الدول ضعيفة التمثيل بياناتيًّا الإمكانيات للمشاركة في بناء قدرات على هذا النطاق. فاحتكار هذه القدرات، مع تنامي دور النماذج اللغوية الكبيرة في المهمات والأعمال اليومية، يُشكل خطرًا على تحول المجتمعات الأضعف تمثيلا إلى مجرد مستهلك معرفي. كما أنه ينذر من ناحيةٍ أخرى بسيادة لغات معينة في إنتاج العلوم؛ هي اللغات الأكثر تمثيلًا في نماذج الذكاء الاصطناعي[30]. واللغة في العلم مسألة بالغة الخطورة والأهمية: فاللغة ليست مجرد وسيلة تقنية لنقل المعلومات، لكنها تحمل في بنيتها: الذاكرة، والثقافة، والتصورات، والأمثال، والتاريخ، وطرق فهم العالم والخبرات المحلية.
وعلى هذا، فإن ضعف حضور لغة ما في الذكاء الاصطناعي لا يعني فقط أن المستخدمين سيحصلون على إجابات أقل جودة بتلك اللغة، وإنما يمكن أن يعني تراجع حضور المعرفة التي تنتجها تلك الثقافة في المشهد المعرفي العالمي.
خاتمة: سؤال العمل؟
يفرض علينا العرض السابق لمشكلة البحث وتكوين الباحثين في إطار الذكاء الاصطناعي التوليدي الجديد ونماذجه اللغوية، أن نسأل: ما العمل؟ وهو سؤال من الصعوبة بمكان، نظرًا لتعقد المشكلة وتداخل سياقاتها (المحلي/ العالمي، المعرفي/ السياسي والاقتصادي، الذاتي/ الجماعي… إلخ). والنظر في الدراسات والأدبيات التي تعرضت للموضوع يُفصح عن تصورات لحلولٍ مرجوة، هي كلها من قبيل الدعوات لمن بيده السلطة والقادر على الفعل من مؤسسات وهيئات رسمية. وإن كنا لا ننكر أهمية هذه التصورات والاقتراحات، إلى أننا نراها غير كافية، ونقترح فيما يلي إضافة إليها تصورات لحلول قد تقي الباحثين سوءات الذكاء الاصطناعي:
١- مقترحات فردية وجماعية
أ) دور فاعل للجماعة العلمية: ترى الورقة أن الوثائق المؤسسية الناظمة لاستخدام وتوظيف الذكاء الاصطناعي، والتي سارعت بعض الجامعات والمؤسسات البحثية لإصدارها[31]، غير كافية في تنظيم التعامل مع هذا الوافد الجديد. لا بد أن تلعب الجماعات العلمية على مستوى الأقسام العلمية والحقول المعرفية دورًا جادًا ومسؤولًا في تكوين وإعداد الباحثين على المستويات العقلية، والمعرفية، والقيمية. وفي سياق الواقع الجديد المتكدس بالأوراق والأبحاث والدراسات المصنعة والمخلقة بالذكاء الاصطناعي، ستحتاج الجماعات العلمية إلى وضع معايير جديدة للتقييم والتقويم، وتحديد الغث من السمين. إن إناطة هذا الدور بالجماعة العلمية ليس خبط عشواء، وإنما لأن الجماعة العلمية تتأسس على هم علمي مشترك، وطرائق نظر ومناهج بحث مشتركة، وهي أقرب لتحقيق صيغ التوافق بين باحثيها على طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي، بشكلٍ ربما يكون أفضل من المؤسسات العلمية الكبرى التي تضع خطوط وإرشادات عامة.
ب) لا بد أن يوظف المعلمون أدوات التعليم التقليدية من القراءة والنقاش والسؤال والسماع ودعم أنشطة التفكير النقدي والتحليل في قاعة الدرس، ذلك بما يدفع المتعلم والطالب إلى موازنة طرق تلقيه للمعرفة. كما أن الأكاديميين لا بد أن يتجهوا لابتكار طرائق جديدة في أنشطة أعمال السنة الدراسية والاختبارات التي غالبًا ما تكون “تكليف بحثي” يمكن إعداده بأدوات الذكاء الاصطناعي بسهولة. وعليه، فلا بد من الاتجاه نحو الأنشطة الشفهية التي تدفع الطالب للتفكير والتأمل والتعبير عن أفكاره ومعلوماته بشكلٍ واضح وصحيح، أو ما شابه من أنشطة تحول دون اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي باستسهال واعتماد سلبي من الطالب.
ج) تعميق التعليم والتناول النقدي لأطروحات وخطابات الذكاء الاصطناعي، ليس بالرفض التام والتهويل المفرط من المخاطر، ولكن بغرس الروح النقدية لكل منتج مستورد يفدُ علينا بهذا الشكل. وفي هذا الإطار، ينبهنا شريف عبد الرحمن إلى أن: “البديل الحضاري يستدعي مراجعة نقدية لهذه الأطروحات، عبر إعادة تأكيد أن التعليم من حيث هو عملية اجتماعية وثقافية، لا يمكن اختزاله في الكفاءة الإنتاجية وحدها، بل إنه يُشكل أداةً جوهرية لصون الاستقلال المعرفي وبناء الإنسان القادر على توجيه التقانة، لا الخضوع لها. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الاستغناء عن التعليم التقليدي، بل في تجديده وتأصيله، ضمن رؤيةٍ تكاملية توظف الذكاء الاصطناعي لتعزيز أنماط التعلم، وليس للحلول محلها”[32].
د) ربط عملية التعليم والتعلم وإنتاج المعرفة بالقيم الحضارية الكبرى، من قبيل: الإتقان، والأمانة، والعمران، والاستقلال الحضاري، ودفع الباحثين عبر هذه القيم لتبني قضايا وهموم الأمة واستعادة الرسالية المطلوبة في العمل البحثي. وهي قيم تُغرس في نفوس المتعلمين عبر مراحل التعليم المختلفة، وتؤتي ثمارها مع الوقت.
٢- مقترحات على مستوى المؤسسات والحكومات
أ) وضع استراتيجيات حكومية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي بما يحافظ على الخصوصية الثقافية والحضارية للدول والشعوب، ويحميها من الانسحاق أمام فارق القدرات والإمكانيات مع الدول والشركات الكبرى المنتجة والمطورة لأدوات الذكاء الاصطناعي. وقد اتجهت الكثير من الدول، على الرغم من الصعوبات اللوجستية والتقنية، إلى بناء نماذج لغوية ضخمة سيادية Sovereign LLMs خاصة بها باستخدام بنيتها التحتية والبيانات التي تمتلكها. ولا تقتصر جدوى بناء النماذج السيادية على حماية اللغة والثقافة، وإنما تجد الدول اليوم أنها تحتاجها لضمان الاستفادة من تطورات الذكاء الاصطناعي في احتياجاتها الأمنية، أو في المجالات التي تتطلب الوصول إلى بيانات ذات طابع حساس. فالشركات الكبرى التي تزوّد المستخدم بالنماذج الضخمة، تحصل على بيانات المستخدم عندما يتفاعل مع خوادمها وواجهاتها البرمجية. كما أن امتلاك السيادة على النماذج اللغوية يقي الدول من مغبات الاعتماد على الخارج في حالات التوترات الجيوسياسية أو العقوبات الاقتصادية أو المشكلات التقنية وغيرها، مما قد يُعطل الخدمات[33].ب) توفير مصادر تمويل بديلة: ذلك أن من التحديات الجوهرية في مسألة توظيف الذكاء الاصطناعي لصالح قضايا الأمة يكمن في ضرورة توافر البديل لمنظومات التمويل المسيطرة على البحث والتطوير في هذا المجال. فالتمويل الذي يُوفر من قبل الشركات الكبرى غالبًا ما يُحدّد مسبقًا أجندة البحث على نحوٍ يمنح الأولوية للتطبيقات التجارية القابلة للتسويق السريع مثل تحسين الإعلانات، وتضييق دوائر الاستهداف، وتعزيز خوارزميات التحليل الوصفي Profiling، بينما تُقصى أو تهمش مجالات معرفية حيوية لا تُدِر أرباحًا مباشرة، مثل تطوير أدوات تعليمية مفتوحة، أو دعم الصحة العامة، أو معالجة قضايا العدالة الاجتماعية.
هذا التمركز في أنماط التمويل يُثير مخاوف جادة بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي في العالم الإسلامي. ولذلك، فإن من أولويات التوظيف الحضاري الاستراتيجي بناء صناديق تمويل مستقلة، تعتمد على مصادر وقفية ومجتمعية، تدار بمعايير شفافة، لتوجيه البحث العلمي نحو أولويات المجتمع، لا أولويات الربح أو الضبط[34].
[1] ديفيد جيه تشالمرز، هل يمكن للنموذج اللغوي الكبير أن يكون واعيًا، ترجمة: مالك عساف، مجلة الثقافة العالمية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، العدد ٢٢٣، (٢٠٢٥)، ص ١٢٧.
[2] انظر: جو ستادولنيك، مشتتون إلى الأبد، ترجمة: متعب الشمري، مجلة الثقافة العالمية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، العدد ٢٢٤، (٢٠٢٦)، ص ١١٩.
[3] مدحت الليثي، المقاصد العامة العالمية: مدخل منهاجي لدراسة العلاقات الدولية من منظور حضاري، في: نادية مصطفى (تحرير)، نحو مدرسة حضارية في حقل العلاقات الدولية، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، ٢٠٢٣)، ص ٣٠٩.
[4] انظر مثلًا: نعيمة محمد الدميني وإلهام عباس، دور نماذج اللغة الكبيرة في دعم عمليات إدارة المعرفة: دراسة نظرية، مجلة دراسات المعلومات والتكنولوجيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز، السعودية، المجلد ١، العدد ٦، (٢٠٢٦)؛ مارتن رينكيما وآيزان تورسونباييفا، مستقبل عمل الأكاديميين في عصر الذكاء الاصطناعي، ترجمة: محمد صيام، مجلة استشراف للدراسات المستقبلية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد ٩، (٢٠٢٤).
[5] انظر مثلًا: مجموعة مؤلفين، نظريات التعلم، جزئين، ترجمة: علي حسين حجاج، سلسلة عالم المعرفة، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ١٩٨٣).
[6] مدحت الليثي، نحو دفعة جديدة للخروج بالتعليم من شرنقة الموروث الحداثي: طرح من منظور حضاري، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، ٦ مايو ٢٠٢٣، https://hadaracenter.com/new-phase-of-education
[7] انظر مثلًا: روبرت سولسو، علم النفس المعرفي، ترجمة: محمد نجيب الصبوة وآخرون، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية، ٢٠٠٠)، ص ٧٧٦.
[8] نهال لطفي، فرص وتحديات استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، مجلة الديمقراطية، العدد ١٠٠، (٢٠٢٥)، ص ص ١٤٤-١٤٦.
[9] فيرناندو ريميرز وآخرون، الذكاء الاصطناعي والتعليم في الجنوب العالمي: منظور نظمي، (تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “الألكسو”، ٢٠٢٦)، ص ١٧.
[10] مدحت الليثي، نحو دفعة جديدة.
[11] شريف عبد الرحمن سيف النصر، توجهات التوظيف الاستراتيجي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في الأمة: بين التحرر الحضاري والهندسة الاجتماعية، في: نادية محمود مصطفى (تحرير)، في الحالة الحضارية للعالم الإسلامي خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، سلسلة أمتي في العالم، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، ٢٠٢٦)، ص ١٨١.
[12] شريف عبد الرحمن، توجهات التوظيف الاستراتيجي، ص ١٨٤.
[13] شريف عبد الرحمن، توجهات التوظيف الاستراتيجي، ص ١٧٤.
[14] For example: Todd Wallack, Using AI, a professor wrote 200 papers this year. Researchers are alarmed, The Washington Post, 23 September 2026, accessed: 1 October 2026, https://2u.pw/gJAjPv
[15] انظر في هذا الموضوع: جوليان باجيني، كيف يفكر العالم؟ نظرة على تاريخ الفلسفة في العالم، ترجمة: أميرة نويرة، (الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، ٢٠٢١). وتحديدًا الجزء الرابع من الكتاب بعنوان “كيف يعيش العالم؟”.
[16] إبراهيم البيومي غانم، ما قبل البحث في الأوقاف والسياسة في مصر، في: نادية مصطفى وسيف عبد الفتاح (تحرير)، دورة المنهاجية الإسلامية في العلوم الاجتماعية: حقل العلوم السياسية نموذجًا، (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ مركز الحضارة للدراسات السياسية، ٢٠٠٢)، ص ١٤٢.
[17] إبراهيم البيومي غانم، ما قبل البحث، ص ١٤٣.
[18] انظر: سوزان غرينفيلد، تغير العقل: كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا، ترجمة: إيهاب عبد الرحيم علي، سلسلة عالم المعرفة، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ٢٠١٧)، الفصل الثامن عشر، التفكير بشكل مختلف.
[19] فرانك فرويدي، عصور التشتت، ترجمة: عبير النمر، مجلة الثقافة العالمية، العدد ٢٠٩، (٢٠٢٢)، ص ٧٩.
[20] Ginto Chirayath, K. Premamalini, and Jeena Joseph, Cognitive offloading or cognitive overload? How AI alters the mental architecture of coping, Frontiers in Psychology, (21 November 2025), accessed: 15 September 2026, https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2025.1699320/full
[21] Ginto Chirayath, K. Premamalini, and Jeena Joseph, Cognitive offloading
[22] سوزان غرينفيلد، تغير العقل، ص ١٩؛ وانظر أيضًا: تيودورا ستويكا، تمهل…هذا ما فتئ دماغك يتوسلك لتفعل، ترجمة: عدنان محرز، مجلة الثقافة العالمية، العدد ٢١٤، (٢٠٢٣).
[23] Liz Mineo, Is AI dulling our minds?, The Harvard Gazette, 13 November 2025, accessed: 15 September 2026, https://2u.pw/EEHWJM
وانظر أيضًا: محمد أجبلي، أزمة الكسل المعرفي وتآكل الكفاءة الذاتية: قراءة سيكولوجية في تحول آليات صياغة المعرفة لدى الطلاب بعصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، مجلة قراءات علمية، العدد ٥٩، (٢٠٢٦)، https://2u.pw/Pcy0EE
[24] Rebecca Winthrop, Is it time to measure cognitive stunting?, Brookings Institution, 19 May 2026, accessed: 20 September 2026, https://www.brookings.edu/articles/is-it-time-to-measure-cognitive-stunting/
[25] Igor Kabashkin, Cognitive Atrophy Paradox of AI–Human Interaction: From Cognitive Growth and Atrophy to Balance, Information Journal, Vol. 16, (19 November 2025), accessed: 20 September 2026, https://2u.pw/A7jPli
[26] خالد قطب، تفكيك الخلفيات الإبستيمولوجية والأيديولوجية لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي: مقاربة ناقدة، مجلة تبين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المجلد ١٣، العدد ٥٣، (٢٠٢٥)، ص ٩٧.
[27] خالد قطب، تفكيك الخلفيات الإبستيمولوجية والأيديولوجية.
[28] شريف عبد الرحمن سيف النصر، توجهات التوظيف الاستراتيجي، ص ص ١٧٢، ١٧٦.
[29] براء علي ديب وعمر المغربي وفادي زراقط، مستقبلات الذكاء الاصطناعي والثقافات الضعيفة التمثيل: كيف ستصوغ النماذج اللغوية الضخمة المشهد المعرفي في المستقبل، مجلة استشراف للدراسات المستقبلية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد ٩، (٢٠٢٤).
[30] براء علي ديب وعمر المغربي وفادي زراقط، مستقبلات الذكاء الاصطناعي، ص ١٢.
[31] انظر مثلًا: جامعة القاهرة، سياسة الاستخدام المسئول للذكاء الاصطناعي، الإصدار الأول، ٢٠٢٥، تاريخ الاطلاع: ١ أكتوبر ٢٠٢٦، https://cu.edu.eg/cu.ai/CU-AI-Policy-Arabic.pdf
[32] شريف عبد الرحمن، توجهات التوظيف الاستراتيجي، ص ١٨٦.
[33] براء علي ديب وعمر المغربي وفادي زراقط، مستقبلات الذكاء الاصطناعي، ص ٢٩.
[34] شريف عبد الرحمن، توجهات التوظيف الاستراتيجي، ص ١٨٤.



