البينية في علم السياسة العربي.. من التوظيف الأداتي إلى التفعيل الحضاري

تقرير اللقاء الرابع (منتدى الحضارة)

هذا هو اللقاء الرابع بعد ثلاث حلقات متتالية:

وقد نُشرت تقارير هذه المنتديات واللقاءات بالكامل ومتاحة على موقع مركز الحضارة وقناة اليوتيوب لمن أراد الاستفادة منها.

اليوم نحن مع حلقة جديدة ومتميزة حول البينية في علم السياسة العربي: إشكالية المنهج وتوظيفه في البحوث، مع الأستاذ الدكتور سلمان بو نعمان، أستاذ للعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بمدينة فاس بالمغرب الشقيق. حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وهو رئيس مركز “معارف” للدراسات والأبحاث المغربية، ومدير تحرير مجلة “أواصر” (مجلة فكرية دولية واعدة). كما أنه عضو في مجالس وهيئات مختلفة، منها:

  • عضو المجلس العربي للعلوم الاجتماعية في لبنان.
  • عضو هيئة التحكيم العلمية لمؤسسة “عقول الثقافة” للنشر والتوزيع بالدار البيضاء.
  • مستشار علمي لمؤسسة الإدريسي الفكرية.

فضلًا عن محاضراته ولقاءاته المهمة، وللدكتور سلمان مؤلفات ودراسات بارزة، منها:

  1. كتاب صدر على مرحلتين عن التجربة اليابانية (يُبين اهتمام الدكتور بقضية النهضة)، حيث درس التجربة من مدخل البحث عن أسس النموذج النهضوي، وسماه في إصداره الثاني: النهضة اليابانية: كيف صالحت ما بين هويتها وحداثتها.
  2. كتب تتعلق بالمرحلة العربية الراهنة (مرحلة الثورات والنموذج الانتفاضي الربيعي)، مثل: فلسفة الثورات العربية، وكتاب أسئلة دولة الربيع العربي “وأعتقد أن هذين الكتابين مهمَّان جدًّا لشبابنا في مدرسة المنظور الحضاري للاطلاع عليهما.
  3. كتاب شارك فيه مع الدكتور ساري حنفي وجمع من الأساتذة حول “الدولة العربية بين القوة والضعف (ما بعد الانتفاضات العربية)“.
  4. كتاب مهم عن “أسئلة المنهج في العلوم الاجتماعية والإنسانية”.
  5. كتاب عن “النهضة اللغوية: خطاب التلفيق الفرنكفوني”، وفيه نقد مهمٌّ جدًّا لفكرة الاستعمار اللغوي الجديد.

من هذه العناوين تتضح مساحات اهتمام الدكتور سلمان، ففي القلب العلوم السياسية، ثم دائرة العلوم الاجتماعية، ثم دائرة العرب والعالم الإسلامي.

  • إشكالية المحاضرة وفرضيتها

قضية اليوم هي من صميم مستقبل العلوم السياسية في مجالنا العربي: قضية الدراسات البينية وحدود توظيفها، وشروط انتقالها من مجرد استحضار لتخصُّصات متعدِّدة، إلى بناء معرفة سياسية قادرة على فهم ظواهرنا المركبة، وصياغة أسئلتنا الخاصة، وإنتاج مفاهيم ونماذج تفسيرية تستجيب لتحوُّلات المجتمع والدولة والنظام الدولي.

قد يبدو الحديث عن “البينية” مألوفًا في البرامج الجامعية ومشروعات البحث، لكن شيوع المفهوم لا يعني تحقُّق مضمونه. فكثير من الأعمال تحمل صفة البينية لمجرد أنها تستحضر مراجع من التاريخ، والسوسيولوجيا، والاقتصاد، والفقه، وغيرها؛ لكن يظل “السؤال البحثي” محكومًا بمنطق تخصُّص واحد، وتظلُّ المفاهيم مُستعملة في دلالاتها الجاهزة، وتُترك المناهج متجاورة من غير أن تنتظم في بناء تفسيري جامع.

إذن،يتبلور السؤال المركزي للمحاضرة: كيف يمكن نقل الدراسات البينية في علم السياسة العربي من التوظيف الأداتي إلى مرحلة التوطين الحضاري المُنتج للمفاهيم والنماذج التفسيرية؟ وما هي الشروط المنهجية والبيداغوجية والمؤسساتية التي تجعل هذا الانتقال قابلًا للاختبار والتراكم؟

تنهض المحاضرة على فرضية مفادها أن “مأزق الدراسات البينية” في الجانب المعتبر من الإنتاج العربي (في العلوم السياسية والاجتماعية) يرتبط بضعف القدرة على تحويل الانفتاح على التخصصات المجاورة إلى مستوى اندماج معرفي ومنهجي مُنتج. فالمشكلة تتجاوز مجرد “عدد الحقول المستخدمة”، وتتصل بنوعية العلاقة التي تُبنى بينها، وبمدى قدرتها على إعادة تشكيل السؤال، وتحويل المفهوم، وتفسير الظاهرة، وإنتاج نموذج يدخل مجال المقارنة والاختبار.

تتأسَّس هذه الفرضية على قاعدة منهجية حاسمة أنه: لا ينفصل المفهوم أو النموذج التفسيري عن البيئة الثقافية والحضارية والمجال التداولي الذي تشكَّل داخله. فكلاهما يحمل في بنيته افتراضات عن الإنسان والمجتمع والسلطة، ومن ثم لا تستقيم مُساءلة المفهوم أو تقويم النموذج بمعزل عن تحليل مسار تشكُّله في سياقه الأصلي، وشروط انتقاله بين المجالات الحضارية؛ فالتوطين الحضاري يجمع بين الوعي بعدم حياد المفاهيم، والانضباط لمقتضيات البرهنة والاختبار، مما يحمي البحث من الاستلاب للبنى المعرفية الوافدة.

ولذلك، فمن المحتمل ألا يكون التعامل النقدي مع المفاهيم والنماذج الموروثة كافيًا. وعليه، فالتوطين الحضاري الذي تدافع عنه هذه المحاضرة لا يدعو إلى الانغلاق داخل الذات، ولا إلى استبدال مركزية معرفية غربية بمركزية محلية مضادَّة. إنه مسار يرُوم تحرير العقل السياسي العربي من موقع الاستهلاك والتبعية، وتأهيل هذا العقل للمشاركة المبدعة في إنتاج المعرفة الإنسانية من داخل خبرته التاريخية وأسئلته الواقعية ومصادره وموارده المفهومية.

نستحضر هنا قضايا مثل: الدولة، الشرعية، الدين، والحروب المعاصرة، باعتبارها ظواهر تستحق التفكير. خُذْ مثلًا الدولة؛ هي تجمع في بنيتها القانون، والمؤسسة، والقوة، والمصلحة، لكنها تحتوي أيضًا الذاكرة، والرموز الثقافية، والهوية، والاقتصاد، والاجتماع. لا يمكن فهم الدولة من خلال دستورها وأجهزتها الرسمية فحسب؛ لأنها تعيش أيضًا في تصورات الناس، وذاكرتهم التاريخية، وطبيعة علاقتهم بالسلطة، وفي صور العدل والظلم المتداولة في المجتمع، وموقعها في النظام الدولي، وإرثها التاريخي والحضاري.

وقِسْ على ذلك مفهوم الدين؛ كيف يحضر في السياسة بأشكال متعدِّدة؟ فهو مرجع للقيم، ومورد للشرعية، ومكون للهوية، وشبكة للتضامن، ومجال للتنظيم المؤسسي، وأداة يمكن أن تستخدمها السلطة أو المعارضة أو المجتمع. يمكن أن نستحضر دراسات “كازانوفا” الذي رأى أن التحديث لا يقود دائمًا إلى خصخصة الدين، بل عادت التقاليد الدينية إلى المجال العام في مجتمعات حديثة. كما نستحضر نقاشات “طلال أسد” حول مفهوم الديني والعلماني.

إن التشكُّلات المنتجة داخل هذه الظواهر تفرض على الباحث الانتقال من دراسة العناصر المعزولة إلى دراسة العلاقات التي تنتظم بينها، وكشف التفاعلات التي تحكمها. وهذا هو المعنى العميق للتفكير المركب عند “إدجار موران”، والذي يتجلى في إدراك الظاهرة في تشابك أجزائها، وفهم الجزء في علاقته بالكل، ومقاومة الاختزال الذي يفصل ما هو متَّصل في الواقع.

التعقيد هنا لا يعني الغموض أو تكديس النظريات، بل يعني بناء معرفة تحافظ على تعدد أبعاد الظاهرة دون أن تفقد الانضباط. ومن هنا تصبح الدراسات البينية ضرورة معرفية ومنهجية. غير أن هذه الضرورة قد تتحول إلى “شعار فضفاض” إذا غاب عنها صيغة الاندماج، ومعيار الاختيار، ووحدة التحليل، وآليات اختبار النتائج.

  • مآزق التوظيف الأداتي للبينية:

هناك خمسة مآزق تدَّعي البينية لكنها لا تفعِّلها بالمعنى العملي:

  1. مأزق التجاور المرجعي: تجمع مراجع من تخصُّصات متعدِّدة (التاريخ، السوسيولوجيا، الفقه، الفلسفة) دون أن تؤثر في صياغة السؤال المركزي أو الفرضيات. والبينية تتحقق حين يصبح التخصُّص المجاور شريكًا في بناء المشكلة، لا أن يكون مجرد لائحة إضافية في الببليوجرافيا.
  2. الاستعارة الاصطلاحية (الاستيراد الاستهلاكي): نقل مفاهيم (كالدولة، المجتمع المدني، العلمنة) باعتبارها مفاهيم كونية جاهزة للاستعمال في كل السياقات، وإسقاطها على ظواهر بعيدة عنها. (نستحضر هنا “سارتوري” الذي حذر من خطر تعميم المفاهيم على حالات شديدة الاختلاف).
  3. الانتقائية النظرية: اختيار الباحث لعناصر تخدم استنتاجاته دون استحضار البناء العام للنظرية أو شروطها (مثلًا: استخدام الهيمنة عند جرامشي، والحقل عند بورديو، والعصبية عند ابن خلدون في صفحة واحدة!). هذا التركيب الغني لغويًّا مع ضعف الهندسة النظرية والمنهجية لا يُفيد.
  4. الاستدعاء الشكلي للتراث (التأثيث والتزيين): استحضار التراث في مقدمة البحث كديكور ومصدر للاعتزاز، بينما يُنجز التحليل الفعلي بأدوات مستوردة لم تدخل في حوار مع المفاهيم التراثية. التوطين المنتج يضع التراث والعلوم الحديثة معًا داخل عملية نقدية وفق معيار القدرة التفسيرية.
  5. الفصل بين النظرية والمادة الميدانية: تقديم فصل نظري طويل مفصول تمامًا عن الدراسة التطبيقية التي تتحول إلى مجرد وصف للأحداث، دون تشغيل المفاهيم النظرية باعتبارها أسئلة ومؤشرات قابلة للرصد.
  6. تقييم مسار البينية الإسلامية: من أسلمة المعرفة إلى التوطين الحضاري ودور المنظور الحضاري

لقد ظهرت محاولات مثل “أسلمة المعرفة” و”التكامل المعرفي” لتجاوز الانفصال بين العلوم الشرعية والاجتماعية. لكن أسلمة المعرفة أثارت إشكالات، حيث بدا وكأن المعرفة الحديثة بناء مكتمل تُضاف إليه مرجعية إسلامية (وهو ما أسميه التنقيح القيمي للنظريات الغربية).

ثم جاء “التكامل المعرفي” ليطرح أسئلة مهمة (مثل كيفية تفاعل المعرفة القيمية مع التجريبية)، لكنه ظل عنوانًا واسعًا يحتمل معاني متعددة، وظهر تعثره في علم السياسة في محدودية الانتقال من التأصيل القيمي إلى إنتاج نماذج تفسيرية عملية. ولذلك أقول: التكامل المعرفي هو أفق، ولكن التوطين الحضاري هو عملية نقدية تجعل التشغيل المنهجي ممارسة بحثية، وهنا من المهم استحضار إسهام المنظور الحضاري الإسلامي.

وقد ظهر المنظور الحضاري (مع حامد ربيع، ومنى أبو الفضل، ونادية محمود مصطفى) ليحدث ثلاثة تحولات:

  1. اتساع موضوع العلم: لتشمل الظاهرة السياسية القيم والذاكرة والدين، إلى جانب المؤسسات والقوة.
  2. مصادر المعرفة: أصبحت الخبرات الإسلامية وغير الغربية مادة يُبنى عليها المفهوم.
  3. موقع الباحث: أصبح مطالبًا بالوعي بمرجعيته وموقعه الحضاري.

يُمثل المنظور الحضاري خطوة متقدِّمة قياسًا بالتكامل المعرفي، لأنه نقل قضية “وحدة المعرفة” إلى داخل حقل علمي محدد. ولكنه يواجه تحديًا في المسافة الفاصلة بين نقد النموذج الغربي وبناء البديل التفسيري القابل للتشغيل والمقارنة والمراجعة. وهذا لا يعني افتقاد المدرسة للمنهج، بل هي حاجة لإبراز مسار منهجي أكثر انتظامًا يوضِّح كيفية الانتقال من المرجعية الحضارية إلى بناء المفاهيم.

ولذا، تستمر عملية التوطين المنهجي، من المفهوم إلى النموذج، ومن بناء النموذج إلى صياغة المؤشِّرات والاختبارات. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن “المنظور الحضاري” يؤدِّي وظيفة “الوسيط” بين “التكامل المعرفي” و”التوطين المنهجي”:

  • التكامل المعرفي: يؤسس وحدة مصادر المعرفة وحقولها.
  • المنظور الحضاري: يعيد تعريف موضوع العلوم السياسية ووحدات تحليلها من داخل هذه الوحدة.
  • التوطين الحضاري: يعيد بناء المفاهيم والنماذج داخل المجال التاريخي والثقافي للظاهرة.
  • التشغيل المنهجي: يحول هذه المفاهيم إلى أدوات للبحث والاختبار.

ولكن يظلُّ التحدي الكبير في أن “البينية” قد تبقى مستوردة في مفاهيمها ونماذجها، أو تكتفي بجمع تخصصات حول بناء نظري تشكَّل داخل مجال حضاري آخر. لذلك، تحتاج البينية إلى “التوطين الحضاري”، الذي يبدأ بخطوات واضحة:

  1. تحليل نشأة المفهوم (أو النموذج) ومسار تحوله.
  2. الكشف عن خلفياته المعرفية والقيمية.
  3. فحص ما يتيحه من قدرة على فهم الظاهرة وما يحجبه من أبعادها.
  4. إعادة بنائه بالاحتفاظ بالعناصر المنتجة، وتعديل العناصر محدودة الملاءمة، واستبعاد ما يشوه الظاهرة (فغالبًا ما نجد استخدامًا مسقطًا لمفاهيم لا تعبر عن الخبرة التاريخية والاجتماعية والسياسية للمجال المدروس).

مثال على ذلك مفهوم الدولة: استحضار مفاهيم مثل “العدل” و”الشورى” و”العمران” إلى جانب “السيادة” و”المؤسسة” لا يحقِّق التوطين بمجرد الجمع بينها. بل يبدأ التوطين حين يعاد بناء مفهوم الدولة بما يكشف علاقتها بالأمة، والمجتمع، والمرجعية، والذاكرة، والعدل؛ وحين تنتظم هذه العناصر داخل نموذج يفسر اختلاف تجارب الدولة (فالتجربة المغربية ليست كالمصرية أو الشامية).

غير أن إعادة بناء المفهوم تظل ناقصة ما لم تنتقل إلى التشغيل المنهجي، ونقصد به: تحويل المفهوم المُعاد بناؤه إلى أداة فعلية للبحث، من خلال:

  • تحديد مكوِّناته والعلاقات المتوقَّعة بينها.
  • بناء الفرضيات وتعيين المؤشِّرات.
  • اختيار الحالات والبيانات التي تعزِّز التفسير أو تكشف حدودَه.

وقد حاولت في عملي المتواضع (أسئلة دولة الربيع العربي) تطوير نموذج لتجاوز التصنيفات الهوياتية المغلقة للدولة (في خطابات الإسلاميين والعلمانيين والقوميين)، فاقترحت نموذج الدولة العادلة، والفاعلة، والقادرة في مقابل نموذج المجتمع الحي والفاعل، ووضعت مؤشِّرات لتفكيكه وبنائه.

هذا المثال يكشف الفرق بين المستويات الثلاثة:

  1. استحضار مفاهيم متعدِّدة وتركيبها داخل تصور متماسك = توطين.
  2. تحويلها إلى فرضيات ومؤشرات وأمثلة = تشغيل منهجي.
  3. إدماج ذلك داخل التكوين الجامعي والبرامج البحثية = تفعيل حضاري.

أماأعلى درجة من التفعيل الحضاري فتتمثَّل في الإبداع المفهومي؛ حين ينتقل الباحث من إعادة بناء المفاهيم المتداولة إلى نحت وإبداع مفاهيم ونماذج جديدة تستوعب خبرة المجتمع وتدخل في التداول العلمي العالمي (يجمع فيها الباحث بين مجاله التداولي والمعرفة الإنسانية).

وأستحضر هنا الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن كمثال حي على عملية التوطين والتشغيل والإبداع الحضاري. فقد أبدع مفاهيم مثل: “التكوثر العقلي” و”الدهرانية”، وصولًا إلى إبداع “النظرية (أو الفلسفة) الائتمانية” التي طبقها وشغلها في فلسفة الدين، والأخلاق، والسياسة، والتربية. وهذا جهد فردي عظيم، ولكن الطموح هو تحويل هذا الجهد الفردي إلى جهد جماعي للأمة وجماعاتها العلمية.

وحتى لا يُفهم “التوطين” خطأً كانغلاق، أؤكد أن المنظور الحضاري في علم السياسة يقدم إطارًا تحليليًّا يدرس الظاهرة من خلال تفاعل المؤسسات مع القيم والرموز، ويستحضر خمسة أبعاد:

  1. البعد المؤسسي والمادي: (الدولة، القانون، الإدارة، الموارد، الاقتصاد).
  2. البعد الاجتماعي والعلائقي: (الأسرة، الجماعات، الطبقات، الشبكات).
  3. البعد القيمي الرمزي: (العدل، الحرية، الكرامة).
  4. البعد التاريخي الزمني: (الذاكرة، الخبرة الاستعمارية، مسارات بناء الدولة).
  5. البعد الدولي والجيوبوليتيكي (الجيو-حضاري): وهذا بُعد نغفل عنه غالبًا؛ فالدولة ليست مجرد شأن داخلي، بل لها موقع في نظام دولي معقد (سياسة دولية، علاقات تبعية واستقلال، تفاعلات إقليمية)، ويجب استحضار هذا الموقع. فالدولة العادلة يجب أن تكون أيضًا “قادرة” على حماية سياستها و”فاعلة” في النظام الدولي.
  6. منهجية التوطين الحضاري (الاختبارات السبعة)

لكي ينتقل التوطين من مستوى “الادِّعاء” إلى “الممارسة العلمية”، أقترح إخضاع المفاهيم لسبعة اختبارات:

  1. تحليل نشأة المفهوم ومسار تحوله: متى ظهر؟ ما المشكلة التي عالجها؟ وكيف تغير عبر الزمن؟ (مثال: دراسة الدولة في المجال العربي لا تستقيم دون استحضار متغير الاستعمار وأزمة نقل النظم القانونية التي فكَّكت البنى المحلية).
  2. الاختبار الدلالي والترجمي: الترجمة تختار معنى وتستبعد آخر. فمفاهيم كالسيادة أو الدولة، أو حتى مفهوم الـ “Governance” (الذي نترجمه في المغرب لـ “حكامة” وفي المشرق لـ “حوكمة” أو “حكماتية”)، تم نقله وتسييله دون اختبار لدلالته أو وعي بالديناميات المحلية.
  3. كشف الافتراضات الأنطولوجية والمعرفية: كل مفهوم سياسي يتضمَّن تصوُّرًا للإنسان والمجتمع (مثال: نظرية “الاختيار العقلاني” تفترض أن الفاعل يبحث عن ربح شخصي، بينما هناك سياقات تنظر للمجتمع كشبكات أسرية وقبلية وليست كأفراد متعاقدين).
  4. اختبار الملاءمة السياقية (المادة الميدانية): هل ينطبق المفهوم على سياقنا؟ (مثلًا: استخدام “المجتمع المدني” لدراسة واقعنا؛ هل لدينا فعلًا مجتمع مدني باستقلاليته ومسافته من الدولة كما ظهر في أوروبا، أم أن لدينا مجرد تجمُّعات للجمعيات؟ وما مصير الروابط الأهلية التي فكَّكها الاستعمار؟).
  5. إعادة البناء المفهومي: وفيه نطرح أسئلة: كيف نحتفظ بالعناصر المفسِّرة؟ ونعدِّل العناصر الجزئية؟ ونستبعد ما يشوِّه الحالة المدروسة؟ ونُضيف خبرتنا المحلِّيَّة؟ أستحضر هنا جهد الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي وظَّف نقد “مدرسة فرانكفورت” وأعاد بناء مفاهيمها ونماذجها لتناسب نقد المنظومة من منظورنا دون بهار، وأبدع نماذج كـ “الحلولية الكمونية” و”العلمانية الشاملة”.
  6. التشغيل وبناء المؤشرات: تحويل المفهوم لعلاقات، ومؤشرات، وبيانات. فمثلًا، “الشرعية” مفهوم مركَّب لا يجب اختزاله في (المطابقة للشريعة) أو (المطابقة للقانون) فقط، بل يمكن تفكيكه إلى: شرعية قانونية – تمثيلية – إنجاز – قيمية – تاريخية رمزية، ووضع مؤشِّرات مثل الثقة والمشاركة.
  7. المقارنة وقياس القيمة المضافة: وهو الاختبار الأخير لبيان مدى قدرة النموذج أو المفهوم المُعَدَّل على التفسير بشكل أفضل من النماذج الأخرى.

وبالعودة إلى الحديث عن القانون الحديث أو المرجعية الكونية، يتحوَّل “التشغيل” هنا إلى أداة بحثية للمقارنة وقياس “القيمة المضافة”. في البحوث البينية الحقيقية، يُسأل الباحث:

  • هل يُفسر النموذج المقترح وقائع وظواهر عجزت النماذج السابقة عن تفسيرها؟
  • هل يقدم آليات واضحة؟
  • هل يمكن تطبيقه على حالات متعدِّدة؟
  • هل تسمح نتائجه بالمراجعة؟ وما هي حدود صلاحياته؟
  • نموذج تطبيقي: “الفراشة الحضارية” (دراسة في النهضة اليابانية)

أريد أن أعطيكم نموذجًا تطبيقيًّا أراه جيدًا في عملية “التوطين” (وإن كنت لا أدعي اكتماله). لدي نموذجان يرتبطان بالدولة، ولكنني سأكتفي هنا بالحديث عن النموذج الثاني الذي أسميه: نموذج الفراشة الحضارية. (يمكنكم الاطلاع على النموذج الأول في كتابي الأخير عن “الدولة العادلة”).

يمكن توظيف الانتقال من “المنظور الحضاري” إلى “التوطين والتشغيل” من خلال دراسة تطبيقية لنموذج “الفراشة الحضارية”، الذي قدَّمته وطوَّرته في كتابي ودراستي الأخيرة عن النهضة اليابانية، وبخاصة مرحلة “توكوجاوا” (Tokugawa) الممتدَّة بين سنتي 1603 و 1868.

كان الهدف إعادة تفسير نشأة النهضة اليابانية وتكوين قدرة الدولة والمجتمع على التحوُّل. وتنبع أهمية هذا النموذج من كونه لم ينطلق من تطبيق نظرية “تحديث” جاهزة، بل نشأ من الاشتباك والتأمُّل مع سؤال تاريخي كبير: كيف استطاعت اليابان في النصف الثاني من القرن الـ19 أن تبني دولة حديثة وقوة علمية وعسكرية واقتصادية في مدة بدت قصيرة قياسًا بحجم التحوُّل؟

التفسيرات السائدة (المنبثقة من نظرية التحديث والمركزية الغربية) قالت إن الأمر ارتبط بـ”إصلاحات الميجي” عام 1868 والانفتاح على الغرب واستيراد العلوم والمؤسسات. لكن هذه القراءة تختزل النهضة في “قرار سياسي مفاجئ” وليد لحظة سياسية.

يكشف “نموذج الفراشة الحضارية” أن التحول الحديث في أواخر القرن الـ19 قام على تراكمات حضارية أعمق خلال عصر توكوجاوا (من أواخر القرن الـ16 إلى الـ19)، شملت:

  • استقرارًا سياسيًّا ممتدًّا لقرنين.
  • حفظًا للسيادة.
  • نموَّ المدن والأسواق.
  • انتشار التعليم والقراءة.
  • تطوُّر المعارف والصناعات.
  • صعود نخب وسيطة.
  • تكوُّن نظام أخلاقي وروحي أسْهم في بناء إنسان منظَّم ومسؤول. إذن، لم تكن النهضة اليابانية استيرادًا مفاجئًا للحداثة، بل كانت ثمرة “قدرة حضارية” تكوَّنت داخل المجتمع والدولة على امتداد زمن طويل.

من هنا نشأ مفهوم “الفراشة الحضارية” كنموذج تأويلي تفسيري مركَّب. يستعير النموذج من دورة حياة الفراشة صورةً لفهم منطق النهوض في الزمن الحضاري (دون أن تفترض الاستعارة خضوع الحضارات لقانون بيولوجي حتمي، بل لبيان العلاقات بين الاستقرار، والتراكم، والتحول، والظهور التاريخي).

ويشمل هذه النموذج مجموعة مراحل هي:

  1. البيضة (عصر توكوجاوا): حالة الإمكان الكامن والبيئة التي تحفظ شروط الحياة والتحول. تمثل النظام السياسي والاجتماعي الذي أسَّس الاستقرار وأنهى الحروب الأهلية. (عُزلة اليابان حينها لم تكن عُزلة انتحارية بل “عُزلة انتقائية حكيمة” ضبطت العلاقة مع الوافد واستوعبت المعارف).
  2. اليرقة (زمن التراكم): لحظة التراكم المادي والمعرفي والاجتماعي (انتشار المدارس، القراءة، توسُّع المدن، تطوُّر الحِرَفِ والطِّب، بروز النخب). هنا لم يكن التركيز على قوة الدولة العسكرية أو الاقتصادية فحسْب، بل على بناء “الإنسان” (بتوجيه من الكونفوشيوسية) والمؤسَّسات والعلاقات الاجتماعية.
  3. الشرنقة (إعادة التكوين): بنية التحوُّل الداخلي التي يُعاد داخلها صياغة التراكمات السابقة. فضاء تتحوَّل فيه المعارف إلى مؤسَّسات، والقيم إلى سلوك، والموارد إلى قُدرة فعليَّة.
  4. الفراشة (التحول / الانطلاق التاريخي): تخرج القدرة إلى المجال التاريخي في صورة دولة حديثة ومجتمع منتج ونظام متطوِّر (وهو ما يمثِّل لحظة “إصلاحات الميجي”).

إذن،تجمع الحركة التفسيرية للنموذج الحلقات المفكَّكة في تاريخ اليابان من منظور حضاري. الاستقرار قد يتحوَّل إلى جمود، والتراكم قد يتبدَّد، والانفتاح قد يصبح تبعيَّة؛ لذا يحتاج الانتقال إلى دولة حاضنة، ومجتمع حي، ونخب وسيطة، ومرجعية أخلاقية، وقدرة على توطين المعرفة. وقد أثبتُّ (في عمل تجاوز 800 صفحة) خطأ “نظريات التحديث الخطية” التي تقيس تقدُّم المجتمعات باقترابها من الغرب أو بتبنِّي العلمانية؛ مبيِّنًا أن الهُوية لا تتقابل دائمًا مع الحداثة، بل قد يوفِّر الدين والأخلاق حافزًا للتطوُّر.

النموذج ثمرة بحث “بيني” حقيقي:

  • التاريخ: يكشف زمن التراكم.
  • علم السياسة: يحلل الاستقرار والسلطة.
  • الاقتصاد السياسي: يدرس الأسواق والموارد.
  • علم الاجتماع: يتابع تكوين النخب والطبقات.
  • دراسات التعليم والقيم: تكشف انتشار المعرفة والمنظومة الروحية. وهنا لم تُجمع التخصُّصات بشكل متجاور، بل دُمجت في تفسيرٍ مركَّب لحركة النهضة، وفقًا للمعادلة التالية:

“الدولة تُنتج الاستقرار -> الاستقرار يمنح المجتمع زمن التراكم -> التعليم يبني الإنسان -> النخب توطن المعرفة -> القيم توجه السلوك -> الأسواق تحول المهارات لإنتاج -> تُعاد صياغة العناصر لحظة التحول”.

غيرنا وحدة التحليل من “لحظة الإصلاح السياسي” (كما في الدراسات الغربية) إلى دراسة “الزمن الحضاري الطويل” (ثلاثة قرون)، وانتقلنا بمركز التفسير من “الاستيراد الخارجي” إلى “تراكم القدرة الداخلية”. فنهضة الدولة لا تبدأ بإصلاح جهازها الإداري فحسب، بل بتكوُّن القدرة الحضارية داخل العلاقة بين الدولة، المجتمع، الإنسان، المعرفة، والقيم.

مداخلة د. عمار جيدل:

لديَّ بعض الاستشكالات ذات الطابع العلمي، أولها: الفرق بين الدراسات النظرية والتطبيقية (ولا أقصد بالدراسة التطبيقية بوصفها دراسة علمية، بل أقصد الناحية العملية التي تقبل القياس في واقع الحركة الاجتماعية). أي ما هي الوسائل الإجرائية للتحول من النظرية إلى “العمل”؟ فالكتابة في مسائل النظرية لا تبدو واضحة، إذ إن العمل حركة في شعاب الحياة له حضور في تفاصيل حياة الناس. ولهذا قال القدماء: “لا حَجْر على التصورات”. فالسؤال الجوهري: كيف يتم التحول من التصورات إلى التصرفات؟ كما نرحب ببيان ما يمكن استدراكه على الكتاب الجماعي “بناء المفاهيم: دراسة معرفية ونماذج تطبيقية” وكتاب “النظرية الاجتماعية المعاصرة” للدكتورة منى أبو الفضل.

مداخلة د. أحمد علي سالم:

هذه محاضرة مركَّبة جدًّا؛ تنتقل من نقد التوظيف الأداتي للأبحاث البينية إلى طرح متكامل. ولديَّ عددٌ من الملاحظات:

الملاحظة الأولى: حول مفهوم البحث البيني ومعاييره؛ لقد وضعت سقفًا عاليًا جدًّا لتعريف “البحث المعرفي البيني”، واستبعدت كل ما قد تشوبه شائبة من الاستخدام الأداتي. أنا معك في أن بعض الاستخدام الصوري للمنهج البيني يجب ألا يُحسب كنموذج جيد. لكن الشروط السبعة التي وضعتها هي لمعايير “البحث البيني النموذجي”. ربما يجب أن نقبل بمستويات أقل من ذلك لنشجِّع الباحثين على العمل البيني ولا نُدخل لديهم الرهبة من صعوبة توفُّر كلِّ هذه الشروط، حتى يتدرَّج الباحث.

الملاحظة الثانية: تتعلَّق بالبينيَّة لدى الباحث الفرد مقابل فريق البحث؛ حديثك دار حول ممارسة “الباحث الفرد” للبحث البيني (باستخدام مفاهيم من حقول مختلفة وبناء نماذج). ولكن، ماذا عن التفكير في بناء “فريق بحثي بيني”؟ بحيث يمثل التخصصاتِ الأخرى أبناءُ هذه التخصصات فعليًّا. فبدل أن يكون الباحثون جميعًا من تخصص واحد، يتم توسيع الفريق ليشمل متخصصين في مجالات مختلفة (على أن يجمعهم المنظور الحضاري).

الملاحظة الثالثة: تتَّصل بمفاهيم التوطين والاستقلال والتبعية؛ فقد يُفهم من مفاهيم “التوطين” و”الاستقلال” الحد من عالمية العمل البيني. لكن ربما المطلوب الآن ليس فقط التأكيد على الاستقلال، بل الانتقال إلى مرحلة الاشتباك” (بعد أن أنجزنا وأظهرنا الاستقلال). فنحن بحاجة لنموذج معرفي مُشتبك مع النموذج الغربي، فيه درجة من “التداخل” لا تنفي الاستقلال ولا تلغي خصوصية المنظور الحضاري.

الملاحظة الرابعة: ترتبط بالتحوُّل من المفاهيم إلى التشغيل؛ الدكتور سلمان يرى أن دراسة المفاهيم يعقبها وضع “النماذج التفسيرية” ثم التشغيل. لكن رؤيتي لما حدث فعليًّا في مركز الحضارة (والعمل المتميز الذي صدر حديثًا عن المركز تحت عنوان مشروع المداخل المنهاجية من منظور حضاري مُقارن هو الانتقال مباشرة من دراسة المفاهيم إلى “التشغيل” و”إجراء المفاهيم الأساسية” دون المرور بالضرورة بمسألة “بناء نماذج تفسيرية” على النمط الغربي (أو الوضعي). فهناك طرق أخرى لتحويل المفاهيم إلى عناصر تشغيل دون المرور ببناء النماذج التفسيرية.

الملاحظة الخامسة: بخصوص النموذج الياباني والتحديث؛ فهذا النموذج مثير للاهتمام جدًّا، خاصة بالمقارنة مع محاولة التحديث عند محمد علي في مصر (وهي مقارنة أثيرة لدى باحثي التاريخ). لقد أثبتَّ أن قرار التحديث لم يُبْنَ في فراغ، بل ترجع جذوره لفترات سابقة وتأسَّسَ على قيم. ولكن، أخشى ما أخشاه أن مفهوم “التحديث” نفسه لم يتغيَّر! فالتحديث الياباني (كما فهمتُه) كان هدفه أن تصبح اليابان مثل الغرب في النهاية لتستطيع الانتصار عليه. فالمسائل المتعلقة بالقيم اختفت تمامًا في التجربة اليابانية بعد مرحلة “الميجي” وبعد هزيمة اليابان، وما زلنا نتحدَّث عن أن اليابان اليوم هي امتداد لفترة إصلاحات الميجي.

مداخلة أ. رشيد خليلي:

لعل القيمة الأساسية للمحاضرة تكمن في أنها جعلت من “التفعيل الحضاري” أفقًا لتجديد علم السياسة العربي، بدل الاكتفاء باستيراد نماذج جاهزة من الدراسات البينيَّة.

غير أن هذا الطرح يثير في نظري سؤالًا فلسفيًّا سابقًا عليه أودُّ اقتراحَه للنقاش: إذا كنا متَّفقين على أن الانتقال من التوظيف الأداتي إلى “التفعيل الحضاري” يمثِّل خطوةً ضروريةً في تجديد المعرفة السياسية، فالسؤال هو: ما الأساس الفلسفي الذي يمنح هذا التفعيل الحضاري وحدته الداخلية واتساقه؟

أطرح هذا السؤال لأنني أعتقد أن البينية تظلُّ في جوهرها مشروعًا لإعادة تنظيم العلاقة بين العلوم. بينما يظل التصور الذي تقوم عليه هذه العلوم سؤالًا آخر لا تحسمُه البينيَّة ذاتُها. فقد نحقِّق تكاملًا بين علم السياسة والاجتماع والاقتصاد والقانون والفلسفة، لكن هذا التكامل قد يظلُّ يتحرَّك داخل “الإطار الفلسفي نفسه” الذي أنتج العلوم الحديثة (بكل ما تحمله من افتراضات حول الإنسان، والحرية، والشرعية).

ومن هنا، يبدو لي أن أزمة علم السياسة الغربي (والعربي خصوصًا) ليست مجرد أزمة “تجزئة معرفية”، بل هي أزمة في الصورة التي يحملها عن الإنسان والتي ينطلق منها لبناء هذه العلوم. فالعلوم لا تتجزَّأ اعتباطًا، بل تتجزَّأ لأن “تصوُّر الإنسان” نفسه أصبح مجزَّءًا؛ وحين يُختزل الإنسان إلى أبعاد منفصلة، تنقسم المعرفة بدورها إلى تخصُّصات.

ولا يتعلَّق الأمر هنا باستبدال مصطلح بآخر، بل بالانتقال من تصوُّر يجعل الإنسان “ذاتًا مستقلَّة” تؤسَّس علاقتها بالآخر انطلاقًا من “الإرادة”، إلى تصوُّر يجعله كائنًا “مؤتمنًا”؛ تُفهم حريته في ضوء مسؤوليته، وحقوقه في ضوء واجباته، وتُفهم “السياسة” في ضوء “الأمانة” قبل أن تُفهم في ضوء السلطة.

هذه النقلة لا تقدِّم بديلًا لبعض مفاهيم الفكر السياسي فحسْب، بل تفتح أفقًا جديدًا لفهم “التفعيل الحضاري”. فالمنظور الحضاري يُجيب أساسًا عن سؤال “الغاية” (كيف نجعل المعرفة السياسية في خدمة الإنسان والعمران)، أما المشروع الائتماني فيُجيب عن سؤال سابق: أي معرفة تخدم الحضارة؟ وأي تصور للإنسان ينبغي أن يؤسِّس هذه المعرفة؟

مداخلة أ. هشام جعفر:

أتصوَّر أنَّنا محتاجون للانتقال من “التكامل المعرفي” و”المنظور الحضاري” وحتى “التوطين” إلى موضوع الاشتباك. من غير اشتباك مع حركة الواقع (على مستوى المجتمع والدولة)، سنطرح أسئلة قد لا تكون هي المطلوبة. مثلًا، في النموذج الياباني تطرح سؤال التحديث والنهضة؛ ولكن في ظلِّ السياسات النيوليبرالية التي جوَّعت الناس ورسمت علاقات دولية جديدة، هل السؤال الآن مرتبط بالتحديث والنهضة؟ أم بسؤال التوزيع العادل للثروة والسلطة؟

نحتاج (وفق أطر فلسفية) أن نعيد صياغة الأسئلة؛ فبدون ذلك سنظلُّ ندورُ في نفس الأسئلة التي تجاوزَها الواقع. الغرب يسيطر علينا بدرجة أنه يفرض علينا الأسئلة والمفاهيم، ممَّا يصرف جهدَنا عن الموضوعات التي يجب أن ننشغل بها بشكلٍ أساسيٍّ.

النقطة الثانية: رغم تأكيدكم على الانفتاح والاستقلال الحضاري والمعرفي، إلا أن مداخل “التكامل والتوطين” تبني أحيانًا “حواجز” في نفسي تجعلني لا أستطيع التفاعل مع ما يجري في العالم. لو كنت منفتحًا، لما خُلقت هذه الحواجز بيني وبين العالم والإنسان. نحن اليوم إزاء ظواهر ونقلات نوعية جديدة تحتاج منا أن نفكر فيها من جذور الإطار الفلسفي، وندرك التطورات المتعلقة بمفاهيم السيادة، والدولة، والسياسة؛ لذا أعجبني طرحك عن “الدولة العادلة”، فهذا ما نحتاجه عند الحديث عن حركية الناس (ماذا تعني الكرامة الإنسانية أو العدالة في حركيتها الواقعية وليس فقط في الأطر الفلسفية).

مداخلة أ. خالد أوخراز:

من مظاهر أزمة علم السياسة في العالم العربي هو استمرار الفجوة بين الباحثين الأكاديميين من جهة، والمؤسسات السياسية والاقتصادية والإدارية من جهة أخرى. هذه الفجوة تحدُّ من الاحتكاك المباشر بآليات اشتغال الدولة وصناعة القرار. هذا الانفصال يؤدي إلى اتساع الفجوة بين المعرفة النظرية والممارسة الواقعية؛ فتصف الدراسات “اختصاصات المؤسسة قانونيًّا” دون الكشف عن “كيفية ممارستها فعليًّا” أو “الفوارق بين القرار المعلن والمنفَّذ”.

ضعف الوصول للمعلومات والمقابلات مع الفاعلين يحد من قدرة الباحث العربي على بناء تحليل دقيق، مما يضطره للاعتماد على مصادر عامة لا تعكس تعقيد الواقع السياسي (على عكس المراكز الغربية التي تجمع بين التنظير والممارسة). ونتيجة لذلك، يغلب على الإنتاج السياسي العربي الطابع “النظري والوصفي أو المعياري” (يتحدَّث عما ينبغي أن تكون عليه الدولة بدلًا من تحليل ما يجري فعليًّا)، ويضعف الحضور الميداني.

سؤالي: كيف يمكن حلُّ هذا المشكل؟ فبداية توطين وتفعيل البينية بين العلوم يبدأ من ردم الهُوَّةِ بين “الممارسة النظرية” في الجامعات وبين “الواقع” (الاشتباك مع الواقع).

مداخلة د. مدحت ماهر:

لديَّ نقطتان أودُّ مناقشتهما: الأولى: مفهوم “التوطين هذا المفهوم يشعرني بنوع من الارتباك، وكأنَّني سأبني “مستوطنة” أو “وطنًا”. الدكتورة يُمنى الخولي تستخدمه بمعنى أننا نحتاج لتوطين مفهوم العلم والمنهج الغربي مع العودة لتراثنا. أما حضرتك، فتبدأ من نقطة متقدمة (من أسلمة المعرفة إلى التكامل للمنظور الحضاري ثم إلى التوطين والتشغيل). ورغم تماسك الخريطة، إلا أنني لا أزال أرى أن مفهوم “بناء منظور حضاري في العلوم الاجتماعية“أوضح من مفهوم التوطين. وحتى لو كانت هناك ملاحظات حول اتساع مفهوم “الحضاري”، فنحن قد قدَّمنا تعريفًا واضحًا للحضارة والمنظور الحضاري في ندوات وكتب، حيث ننظر لـ”الحضاري” كمفهوم شامل للعلوم والظواهر (السياسي والثقافي والاجتماعي) يُعبر عن منتوج الأمة وأركانها المعرفية.

الثانية: السياسة كـ “علم” و “واقع هذه إشارة رائعة منكم. تاريخيًّا (قبل صدمتنا بالغرب)، كان هناك تراجع في الكتابة السياسية العربية (بعد السيوطي والسخاوي)، مع غيابٍ موازٍ للسياسة في الولايات (التي أصبحت أشبه بالإدارة)، واقتصرت الكتابة السياسية على المركز (كتابات عن نظام العالم). وبعد الاحتكاك بالغرب، دخلنا في “تبعية العلم والواقع” معًا. والآن نحن في محاولة للتحرُّر والانعتاق المعرفي والواقعي.

السؤال هو: كيف يرتبط المساران ويخدم أحدهما الآخر في وقت تعمَّق فيه الاستبداد والتبعية؟ أعتقد أننا (بعد الثورات وطوفان الأقصى) أمام فرصة تاريخية، حيث أصبح الموقف الجماهيري من الغرب ومن السياسات الغربية أكثر وعيًا ووضوحًا (خاصة بفضل وضوح شخصيات مثل ترامب).

لقد وضحت الكراهية للجماهير والأجيال الشابة (كما وضحت لأجيال ما قبل 2011 حين رأت أحداث 2001). حتى إن إيلون ماسك تلعثم مؤخَّرًا حين سُئل إن كان يُعادي الإسلام، وأجاب بتهرب وتلفيق. هذا يذكرني بأننا أمام فرصة للتفكير في خطوة أخرى لـ “التجديد المعرفي المشتبك مع الواقع السياسي والحضاري” (كما قال الأستاذ هشام جعفر). وأعتقد أن الخطوة القادمة هي الانتقال من “تكوين الفكر والمناظير والمفاهيم” (وكذلك تكوين الباحثين والأجيال) إلى “إعادة النظر في تكوين قيادات ونخب سياسية من نوع جديد” تستوعب ما جرى وتتجاوزه.

مداخلة د. حازم ماهر:

أنا قادم من حقل “القانون” (دراستي كانت عن تطبيق الشريعة). أودُّ أن أقول إنني استفدت من المدرستين: “أسلمة المعرفة” و”المنظور الحضاري” في البناء النظري والتأسيسي. أما “التشغيل” فمفترض أن يقوم به الباحثون كلٌّ في مجاله. وبصفتي متابعًا لمؤسسات الوقف والقانون الدستوري، أرى أن هذا الاستيراد يناقض تمامًا ما يطلبه الدكتور سلمان من التوطين والتشغيل المنهجي؛ فنحن نأتي بالمفهوم ونشغله بشكل سطحي (مثل مفاهيم المؤسسات الدستورية والسلطات العامة). هذه مشكلة معقَّدة، وأشكر المنظور الحضاري على دوره الكبير في معالجتها.

مداخلة أ. عبد الرحمن عيسى:

في نفسي شيء من المفهوم الموجود في العنوان: “علم السياسة العربي”. أعتقد أن علم السياسة في أي مكان لا يختلف عن أي مكان آخر، ولذلك أتحفَّظ على مصطلح “علم السياسة العربي”. لا أعرف إذا كان الأساتذة يشاطرونني الرأي.

تعقيب أ. د. نادية مصطفى:

سأبدأ من المداخلة الأخيرة للأستاذ عبد الرحمن حول “علم السياسة العربي”. أتفق معه في هذه الملاحظة (ودائمًا أقول ليس هناك “علم سياسة إسلامي” بل علم سياسة “من منظور إسلامي”). ولكن، من يستمع للمحاضرة يدرك كيف يمكن أن يصبح علم السياسة فاعلًا ومفيدًا لحلِّ مشاكل المنطقة العربية؛ وهذا بحاجة إلى منظور جديد، وتشغيل، وتفعيل (ما سماه دكتور سلمان “توطينًا”).

ومن واقع الاستماع إلى الأسئلة، خرجت من الحالة العلمية / الفكرية التي وضعتْني فيها المحاضرة إلى حالة أخرى. شعرت أن كلًّا منا يستمع إلى المحاضرة وفق منظاره، وخبرته، وما يأمله أو يهتم به؛ وهو ما يُسمى “تأويل النص”. البعض يهتم “بالعلم وتحولاته”، والبعض الآخر يركز على “الحركة والعالم وتحولاته”. فالذي يعمل منفردًا غير الذي يعمل في فريق بحثي، والذي يعمل في التنظير غير الذي يفكر في “التشغيل والتفعيل” من أجل التغيير الكلي.

شعرت من الأسئلة بوجود احتكاك بين المستوى الأكاديمي (الرؤى الكلية والتحولات المعرفية) وبين مستوى الممارسة. والسؤال هو: هل يجب أن نقفز إلى الحركة وتغيُّراتها وممارساتها مباشرة، فنطرح أسئلة جديدة تتلاءم مع هذه التحولات؟ أم يجب أن ننطلق من أساس فكري ورؤية وإطار نظري؟

نحن في سياقنا العربي الإسلامي ليس لدينا رفاهية الغرب الذي يحدث فيه التغيير وفق نماذج مختلفة. يجب أن نُصِرَّ على عدم إحداث تغيير على الأرض “دون رؤية وأطر تحركه”، وفي الوقت نفسه “لا نريد أن نظل منغلقين في أطر ورؤى نظرية بعيدة عن الواقع”. وأعتقد أن ما قدَّمه الدكتور سلمان تجاوز هذه الثنائية (العلم / الواقع، الفردي / الجماعي، الممارسة / النظري) على مستوى كلي، ووصل بها في النهاية إلى محطة ما أطلق عليه “التوطين”.

لقد قدم الدكتور سلمان أمرين أساسيَّين:

  1. انطلق من إشكالية أن فروع علم السياسة موجودة، لكننا نريد “علمًا مركَّبًا” يفيد التغيير في واقعنا، وشرح أزمات علم السياسة من رؤية نقدية حضارية.
  2. تتبَّع التطور الذي حدث في هذا الحقل خلال 50 عامًا (من “أسلمة المعرفة” إلى “التكامل المعرفي” إلى “المنظور الحضاري”)، وتحدث عن الأزمات البينية.

ثمَّ قدَّم “نموذجًا للبينيَّة” كما يتصوَّرها؛ ليس مجرد تجاور بين فقه وسياسة، أو اقتصاد وتاريخ، بل كيف نجمع هذه الروافد جميعًا، ونوجد العلاقات بين المؤسسات المادية، والعلائق الاجتماعية / الثقافية، والقيم الرمزية، والتحولات الجيوسياسية في مجملها؛ لنقدِّم رؤيةً حضاريةً نفهم بها قضايا الواقع ونشغِّلها. وقد قدَّم نموذجًا “غير غربي وغير عربي / مسلم” (النموذج الياباني) ليُبيِّن كيف يجمع هذا النموذج المعرفي بين القيم والواقع، والداخل والخارج، والمؤسسات والأفراد.

كماأستطيع أن أقول إننا يمكن أن نطبِّق هذا المنظور في فهم التحوُّلات العالمية والإقليمية الراهنة، الذي يجمع بين عوامل مادية، وتاريخية، وثقافية لتفسير ظاهرة “الهيمنة والمقاومة” في ظلِّ حرب إسرائيل وأمريكا (وما يُسمى بإعادة تشكيل الشرق الأوسط). وكان تعليقي عليه فقط أنه وضع “لحظة راهنة” دون جذور تاريخية. فهناك فرق كبير بين “النموذج لكيفية تشغيل منظور” وبين “دراسات الحالة”.

المحاضرة التي قدَّمتها هي في الحقيقة عبارة عن “مشروع وطموح” أكثر من كونها واقعًا متحقِّقًا ونهائيًّا. ولذلك لن أدَّعي أنني أمتلك أجوبة جاهزة وحاسمة، بل هي مجرد “إضاءات حول السؤال” (كما كان يقول روجيه جارودي)، هكذا تتطور النماذج عبر قابليتها للمراجعة والفحص والنقد.

  1. النماذج النظرية بنت الواقع وليست وليدة الأبراج العاجية

أريد أن أؤكد أن طبيعة هذه النماذج (التي قد تبدو تجريدية كما لاحظت الدكتورة نادية) قد تطورت في الحقيقة من هموم مرتبطة بالواقع. فالباحث لا يجلس في برج عاجي ليفكر نظريًّا؛ بل إن النماذج التي طوَّرْتُها (مثل: الدولة العادلة والفاعلة، فلسفة الثورات العربية، أسئلة دولة الربيع العربي) تطوَّرت من داخل حراك الواقع وأزماته وإكراهاته. بل على العكس، لو انتبه الفاعل والمناضل الحركي إلى ما يطرحه المفكرون والباحثون من إشكالات، لما وقعت الكثير من المشكلات العملية والواقعية. التحدي ألا نفكِّر بشكل انفعالي تحت ضغط الواقع؛ فالقوة الحقيقية تكْمن في أن “نفكر في كيف نفكر في الواقع”، وأن ندرس السياسة انطلاقًا من منظورات تجعلنا أكثر فهمًا وعمقًا. إذ إن الكثير من أعطاب الواقع تعود لهذا العطب النظري والتصوري؛ ومشكلة الخطابات الحركية أو الحماسية أنها تدَّعي المعرفة النهائية والمطلقة بجوهر السياسة وتعقيداتها.

  • الاستنبات والتشغيل الميداني للمفاهيم

إن النقاش الذي أسَّسته مدرسة المنظور الحضاري نجح لأنه انطلق من الجامعة والبحث الأكاديمي. والحل يكمن في “الممارسة البحثية المستمرة” المرتبطة بالواقع. فبدل أن نتحدث نظريًّا عن “قيمة العدل والشورى”، يجب أن نشتبك بهذه القيم من داخل حقل علم السياسة والنظرية السياسية لندرسَ بها الأحزاب، والسياسات، والظواهر المعقَّدة.

وإن كان مصطلح “التوطين” محل إزعاج، فأنا أقول “الاستنبات”؛ هكذا نستنبت مفاهيم نقدية مبدعة ونُشغلها في فهم الظواهر.

ومن الأمثلة العملية على هذا التشغيل البيني، أنني حضرت مؤخَّرًا مناقشة دكتوراه في كلية الشريعة بفاس حول “أصول تدبير الشأن الديني بالمغرب (دراسة في أسس السياسة الشرعية)”. وكانت لجنة المناقشة تضم أساتذة في العلوم السياسية، والعلاقات الدولية، والقانون الدستوري، وفقهاء في الشريعة. ولاحظت اختلاف لغة التخاطب بيننا وبين لغة الفقهاء، والاعتراضات التي أُنتجت، لأن الموضوع يدرس السياسة الدينية (مؤسسات – قوانين – فاعلين) من منظور علم السياسة وبناءً على أصول السياسة الشرعية. هذا الاختبار الميداني البيني هو الذي سيمكِّننا من التطوُّر. (ولدينا أيضًا تجارب مثل “ماستر الدبلوماسية الدينية” في كلية الشريعة، و”ماستر التميز في علم السياسة”).

  • التمييز المنهجي بين مستويات الفعل والتغيير

أخيرًا، أريد أن أضع تمييزات منهجية ضرورية للتأمُّل:

  • التمييز بين الباحث والأكاديمي، وبين الفاعل السياسي والمناضل: كثيرًا ما أقول لطلابي “أنت الآن تكتب كفاعل وليس كباحث”. الباحث لا بد أن يضع مسافة نقدية ويتحلَّى بالانعكاسية (أن ينقد ذاته قبل الآخرين).
  • التمييز بين الجماعة العلمية، والجماعة الإصلاحية الحركية.
  • التمييز بين التغيير السياسي، والتغيير الحضاري: وهذا من أكبر أعطاب العقل المسلم المعاصر. التمايُز لا يعني عدم التفاعل، ولكن الخلط بين مجالات تشتغل وفق قواعد مختلفة (وإن اتَّحدت مرجعيَّتها) يحُول دون الإفادة منها. فالتغيير السياسي مؤقَّت، وموضعي، ومستعجل؛ بينما التغيير الحضاري له منطق آخر يعتمد على التراكم والإحساس بالزمن.

ختامًا، أقول إن تطوير النماذج ليس عملية ميكانيكية سهلة، بل هو مسار من المعاناة، والاختبار، والتأمل، والمراجعة الذاتية المستمرة (ودونكم نموذج د. عبد الوهاب المسيري في موسوعته). هذه دعوة لنا جميعًا للمزيد من الاشتباك والتشبيك بين الباحثين والفرق البحثية لتقويم “التصرفات” على ضوء “التصورات”، وترشيد حركة العمل برؤية لا تعتمد على نظارات مشوَّهة.

د. سلمان بو نعمان

أستاذ العلوم السياسية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله،فاس، المغرب رئيس مركز معرف المستقبل للبحوث والدراسات، المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى