عرض كتاب: “تعليم المقهورين” لــــ “باولو فريري”

تُعَدُّ مشكلة الاستبداد إحدى أكبر المشكلات في واقع أمَّتنا المعاصر، إذْ يُمارس التسلط والقهر في مستويات   عدَّة، بداية من رأس الحكم والسلطة، إلى المؤسسات المجتمعية والمرافق المختلفة: تعليمية واقتصادية وخدمية، وصولا إلى الأسرة.

فينشأ من ذلك قاهر يفرض رأيه بالقوة، ومقهور تابع لا رأي له، وإذا أراد أن يعبِّر عن نفسه، فيتمثَّل صورة القاهر وطريقتَه، ويقهر غيره ممن هو دونه، تقليدًا واتباعًا لصورة القاهر، وهي ظاهرة اجتماعية مشهورة يشار إليها بالتبعية، نظَّر لها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة في فصل عنونَ له (أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده).

ومن منظور دولي تتسلَّط الدولُ بعضُها على بعض وتفرض سيادتها وثقافتها وإرادتها حتى بدون تدخلات مباشرة، فيما يسمَّى بالغزو الثقافي. وتتشابه طرق المتسلطين وأدواتهم في السيطرة وتتنوع، كما تتنوع طرق التحرر منها، ومن أهم أدوات السيطرة التعليم ومناهجه وطرقه التربوية، فهو من روافد تكوين الوعي والثقافة وأكثرها تأثيرًا.

ومن المهم دراسة التجارب المختلفة -الناجح منها والمخفق- للمجتمعات التي تتشابه أحوالها وتتشارك مع نفس مشكلات أمتنا الحالية، ومن منظور إسلامي مدخله القريب هنا هو مدخل السُّنن.

ومن هذا الباب وقع الاختيار على تجربة لاتينية عانت من الظلم والاستبداد المحلي والدولي، وما ترتب عليه من مشكلات التبعية والغزو الثقافي.

نتناول منها عرضًا لكتاب “تعليم المقهورين” للكاتب البرازيلي باولو فريري، الذي حاول فيه التأصيل للمشكلات فلسفيًّا، وتقديم تصوُّرات قابلة للتنفيذ عمليًّا، من مجال تخصُّصه في التربية النقدية، ومن خلال خبرته كمعلم لسنوات طويلة.

وعملي هنا عبارة عن عرض لأفكار الكتاب كما أوردها الكاتب، تسهيلًا لمن أراد تناولها في دراسة أخرى مستقلة بالبحث والنقد.

توثيق الكتاب: باولو فريري، تعليم المقهورين، ترجمة: يوسف نور عوض، (بيروت: دار القلم، الطبعة الأولى، 1980).

نُشر سنة 1968 بالبرتغالية وترجمته مايرا راموس للإنجليزية ونشر سنة 1970، واعتبر هذا الكتاب من النصوص المؤسِّسة لعلم أصول التربية النقدي.

مجال الكتاب وموضوعه:

يعتبر الكتاب نصًّا تأسيسيًّا في أصول التربية النقدية، يدمج بين السياسة والفلسفة والتربية لاستكشاف العلاقة بين الظالم والمظلوم، ويدعو إلى نظام تعليمي تحرري يشجع على الوعي النقدي والمشاركة الفاعلة، ويدعو للحرية وتغيير العالم، ثم يضع تصورات وطريقًا لتحقيقها في إطار راديكالي ثوري.

تعريف بالكاتب:

وُلد المربي باولو فريري في 19 سبتمبر 1921 في شمال شرق البرازيل، ونشأ في بيئة فقيرة أثرت بعمق في رؤيته التربوية. عانى في طفولته من الفقر والجوع خلال الأزمة الاقتصادية العالمية، وهو ما جعله يدرك العلاقة الوثيقة بين الطبقة الاجتماعية والتعليم. بدأ حياته المهنية معلِّمًا للنحو وهو لا يزال في المدرسة الثانوية، ومنذ تلك الفترة ظهرت لديه ميول نحو التعليم الحواري، الذي يقوم على التفاعل مع المتعلمين وفهم احتياجاتهم. تزوَّج من إلزا كوسطا دي أوليفيرا، وكانت معلمةً أثّرت كثيرًا في حياته، وشجعته على تطوير أفكاره حول التعليم النقدي.

 تطور فكره التربوي:

في عام 1946 عُيِّنَ باولو فريري مديرًا للتعليم في مؤسسة “سِسي” (SESI)، وهناك بدأ يلاحظ التباعد بين التعليم النخبوي وواقع الطبقة العاملة. وأدرك أن التعليم الحقيقي يجب أن ينطلق من لغة الناس وتجربتهم اليومية، فبدأ بتطوير طريقته التي تعتمد على ما سمَّاه لاحقًا «الوعي النقدي» (Conscientização)، أي وعي الإنسان بواقعه الاجتماعي والسياسي ليصبح قادرًا على تغييره. وكان منهجه يقوم على التعليم بالحوار، لا التلقين. فالمعلم والمتعلم يتبادلان المعرفة معًا، و«قراءة الكلمة» يجب أن تترافق مع «قراءة العالم». وفي عام 1962، نجح مشروعه في تعليم 300 عامل زراعي القراءة والكتابة خلال 45 يومًا فقط، مما دفع الحكومة لتعميم التجربة، لكن الانقلاب العسكري عام 1964 أوقف المشروع وسجنه لمدة 70 يومًا.

 المنفى والانتشار العالمي:

بعد الإفراج عنه، عاش فريري في تشيلي خمس سنوات، وكتب أول كتبه: التعليم كممارسة للحرية (1967).

ثم نشر عام 1970 كتابه الأشهر «تربية المقهورين» (Pedagogy of the Oppressed) الذي أصبح أحد أهم المراجع في الفكر التربوي الحديث.

لاحقًا عمل في جنيف مستشارًا لمجلس الكنائس العالمي، وساعد العديد من الدول -خاصة في أفريقيا- على تطوير برامج التعليم الشعبي ومحو الأمية.

العودة إلى البرازيل:

عاد فريري إلى بلاده عام 1980 بعد 15 عامًا من المنفى، وانضم إلى حزب العمَّال البرازيلي، وأشرف على مشروعات لمحو أمية الكبار. وفي عام 1988 أصبح وزير التعليم في مدينة ساو باولو، وواصل تطوير سياسات التعليم الشعبي حتى وفاته. وأٌسِّسَ بعد ذلك «معهد باولو فريري» في ساو باولو عام 1991 للحفاظ على تراثه ونشر فكره في أكثر من 18 دولة.

 التكريم والإرث:

حصل فريري على عشرات الجوائز العالمية، منها جائزة اليونسكو للتعليم من أجل السلام (1986)، وجائزة الملك بودوان للتنمية الدولية.

وفاته:

توفي في 2 مايو 1997 عن عمر 75 عامًا، بعد حياةٍ كرَّسها للدفاع عن الإنسان وحقِّه في التعلُّم، والوعي، والحرية.

بدأ الكاتب كتابه بمقدمة ثم قسمه أربع فصول دون تفصيل ذكر عناوين فرعية تحتها إلا الفصل الرابع.

وتفصيلها كالآتي:

الفصل الأول: تعليم المقهورين.

الفصل الثاني: مفهوم التعليم البنكي ومفهوم التعليم الحواري.

الفصل الثالث: برنامج التعليم الحواري.

الفصل الرابع: نظرية القهر ونظرية الحوار الثوري.

الفصل الأول: تعليم المقهورين

تناول فيه مفهوم اللاأنسنة في مقابل الأنسنة، وعرفه أنه إخلال بقدرة الإنسان على أن يمارس وجودًا بشريًّا متكاملًا. وبين طرفي تلك الحالة القاهر والمقهور، وأن القاهر يحول دون ممارسة المقهور لدوره الإنساني الكامل، ومن ثم فعلى المقهورين أن يناضلوا من أجل الحصول على حريتهم الكاملة، وأشار أنهم في نضالهم عليهم أن يدافعوا عن إنسانيتهم وإنسانية قاهريهم في نفس الوقت، إذ القاهرون في حال نشوتهم وشعورهم بالقوة لا يمكنهم تحرير أنفسهم أو مقهوريهم، وأن أيَّ نوع من تخفيف سطوتهم على المقهورين هي نوع من الكرم الزائف الذي يستمرُّ معه الظلم، ويغلُّ أيدي الخائفين والمنبوذين المرتعشة، أما الكرم الحقيقي فهو الذي يجعل تلك الأيادي تمتد طويلا من أجل العمل الإنساني وتغيير الحياة.

ويرى الكاتب أن الحرية لا تتحقَّق بالصدفة إنما بالنضال الذي أساسه الحب نقيضًا لشعور الكراهية والعنف الذي يعتمل في قلوب القاهرين.

بعض المقهورين حلموا أن يكونوا رجلًا لكن صورة الرجل في مخيلتهم هي صورة القاهر لأن هذا هو المعنى المتجسِّد لمفهوم الإنسانية في تصوُّرهم، وطبيعة القهر تفرض عليهم مثل واقع معاناتهم الذي عاشوه، وأن يمارس نفس القسوة التي عاناها، فالخوف من الحرية يجعل المقهورين راغبين في انتحال أدوار القاهرين.

وبالتالي فلن يناضلوا من أجل الحرية ما داموا يخافون مخاطرها التي لا تهدِّد قاهريهم فحسْب بل تهدِّد زملاءهم في القهر أيضًا، ويجب أن يصبح ذلك هدفًا لجميع المقهورين.

والطريقة المقترحة في الكتاب تعتمد على تجلية القهر أمام المقهورين حتى يتسنَّى لهم النضال. ومجرد الإحساس بالواقع دون القدرة على نقده لا يؤدِّي إلى التغيير المطلوب، لأنه رؤية ذاتية غير موضوعية. والفعل لا يكون إنسانيًّا إلا إذا كان في ضوء بصيرة واعية.

والأمر بالنسبة للكاتب لا يقتصر على الشرح بل الدخول في حوار مع الجماهير لتبصيرها بدورها.

وفرق بين التعليم النظامي الذي لا يمكن تغييره إلا بالقوة السياسية، وبين البرامج التعليمية التي يقوم بها المقهورون في مرحلة تنظيم أنفسهم.

ويرى الكاتب أن تعليم المقهورين يمر بمرحلتين:

الأولى- يستجلي المقهورون فيها عالم القهر، ويلتزمون من خلال ممارساتهم بتغيير هذا الواقع.

الثانية- لا يصبح التعليم من أجل المقهورين وحدهم بل من أجل الرجال جميعًا لتحقيق حريتهم الدائمة.

كما يرى أن الثقة بالناس هي أساس التغيير الثوري، والذي يعتبر نفسه مالكًا لحق الحكمة الثورية هو في الحقيقة ممارس لنفس السلوك القديم.

ويفسِّر الكاتب سلوك تحقير الشعور الذاتي عند المقهورين والذي استبطنوه من كلام قاهريهم عنهم.

لذا يرى أن من الخطأ أن تعتمد القيادة الثورية على أسلوب الشعارات أو الأنظمة أو الاستغلال، فكلُّها من أدوات السيطرة والقهر، ولا يمكن أن تصبح بين عشيَّة وضُحاها من أدوات النضال، بل أسلوب الحوار هو الطريقة الملائمة لطبيعة وأهداف التغيير المطلوب.

الفصل الثاني: مفهوم التعليم البنكي ومفهوم التعليم الحواري

شرع الكاتب في هذا الفصل في نقد طريقة تعليم أسماها التعليم البنكي، حيث يُودِعُ المعلِّم المعلومات في عقول الطلاب التي هي بمثابة حسابات إيداع.

فالأسلوب بين حاكٍ ومستمع، حفظ وتكرار وإعادة، أسلوب فاقد للحياة، فهو عبارة عن تخزين المعلومات في العقل، بل يمكن القول إن العقل هو الذي تمَّ تخزينه إذ حرم من الإبداع والعمل والتساؤل.

ثم أرجع السبب في تعميم تلك الطريقة للعامل السياسي الذي يفضِّل عن عمد اختيار هذا النوع من التعليم باعتباره وسيلة لتغريب المجتمع واستعباده لخدمة أغراض السلطة والقاهرين.

والتعليم هنا بمثابة منحة يتفضَّل بها القاهرون العارفون على الجهلاء، فلا يُطرح مطلقًا أمام الدارسين لحقائق العالم من وجهة نظر نقدية، والإنسان المتعلِّم وفق هذا التعليم هو المتأقلم مع العالم الذي صنعه القاهرون والذي لا يعرفون له بديلًا.

ولذلك فكل الدروس القولية والقراءة المطلوبة وطرق تحصيل المعرفة والمسافة بين التعليم والمتعلِّم وأُسُسُ ترقية الطلاب وكلُّ التفصيلات الجاهزة تخدم هدفًا واحدًا هو تحييد قدرة الطلاب على التفكير.

بينما التعليم الذي يسْعى للحرية يركِّز على الإدراك أكثرَ من النقل، ولا يمكن له أن يستعمل التعليم البنكي،

بل يستعمل الحوار ويشارك التلاميذ في تهيئة المناخ الملائم لعملية التعلُّم، ويقوم بكشف الواقع وتعريته أمام الطلاب، ويعرض القضايا والمشكلات ويرفض وجود الإنسان بشكل منعزل عن العالم.

فأسلوب الفعل الذي يتخذه الإنسان في الحياة يعتمد على نظرته إلى العالم، ومنهج طرح المشكلات يستفز نزعة الفهم والتبصر بحقائق الوجود.

إن التعليم البنكي يفشل في جعل البشر مخلوقات تاريخية، بينما منهج طرح المشكلات يعتبر الإنسان كائنًا تاريخيًّا وهو نقطة البداية في أي تحرك.

ثم استعان فريري بالمفهوم البرغسوني لتقريب المثال والذي يعرف التعليم أنه عملية تحويل الكينونة إلى صيرورة. فالتعليم البنكي يؤكد الكينونة فحسب ويتبنى قدرية المصير، أمَّا منهج طرح المشكلات فيشغل نفسه بعملية ديناميكية تضرب بجذورها في الحاضر وتتجه نحو المستقبل بثورية.

وأكَّد الكاتب على أن تحقيق الإنسانية لا يمكن أن يكون عملًا فرديًّا يتمُّ في عُزلة فلا بدَّ من زمالة وتلاحُم، فليس هناك رجل يعتبر نفسه إنسانًا ويحرم الآخريين حقوقَهم الإنسانية، فالثورة إذن تحتِّم على القادة استخدام أسلوب الحوار من البداية.

الفصل الثالث: برنامج التعليم الحواري

أشار الكاتب في بداية هذا الفصل إلى أن قيمة الحوار في ذاته ترجع إلى”الكلمة”. وهي رؤية وفعل لا يغني أحدهما عن الآخر، فحين تتجرد عن هذين البعدين تصبح مجرد ثرثرة فارغة المحتوى. والكلمة الصادقة هي القادرة على تغيير العالم. وإصرار الرجل أن تكون كلمته وحدها الفاعلة يعني تجريدًا للآخرين من فرصتهم.

ثم تطرَّق الكاتب لقيمة العيش إنسانيًّا وأنه يعني معرفة العالم والعمل على تغييره، ويبدو من ذلك أن الحوار هو المواجهة الحقيقية بين الرجال من أجل تسمية العالم حولهم. وهو بذلك لا يمكن أن يكون فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فهو عمل إبداعي يحتِّم ألَّا يستخدمه الناس كوسيلة يستغلون بها الآخرين. فأول عمل يقوم به المستلَبون هو أن يستعيدوا حقَّهم في قول كلمتهم ويوقفوا استمرارية الاستلاب اللاإنساني.

ثم ذكر الكاتب بعض الصفات التي يجب أن تكتنف الحوار:

– الحب: الذي هو أساس الحوار بل نفسه، وضده السيطرة.

– التواضع: وهو ضد الغرور الذي يعتبر نفسه معه الحقيقة أو من الصفوة.

– الثقة في الرجال: وهي وليدة الصدق وبدونها لا تكون الأقوال مطابقة للأفعال.

– الأمل: فما دمت أُناضِلُ فيحقُّ لي الانتظار.

ثمَّ أشار إلى أن الصفة الحوارية للتعليم لا تبدأ عند لقاء المعلم التلميذ بل حين يسأل المعلِّم نفسَه عن القضية التي سيجعلها موضوعًا للحوار مع التلميذ، فذلك يعني الاهتمام السابق بموضوع التعليم.

وأرجع الكاتب فشلَ كثيرٍ من الخُطط السياسية والتعليمية إلى أنَّ واضعِيها خطَّطوها انطلاقًا من تصوُّراتهم الخاصة للواقع دون اعتبار لحقيقة الرجال الذين وُضعت الخطط في الأساس من أجلهم، فالمعلم الإنساني تكون الثورة بالنسبة له بالرجال ومعهم.

ثم شرع في بعض التوجيهات عند تفاعل الباحثين مع دراستهم لظروف وأحوال الناس في منطقة ما، فعليهم ألا يفرضوا أنفسهم على الناس، يسجلون كل شيء في ظروف مختلفة، ويحللون الأجزاء ككل شامل، وتتوسَّع نظرتهم لملامسة مركز التناقضات الثانوية، ثم يمكنهم تصميم البرامج التعليمية الصالحة في هذه المنطقة من خلال عكسه لتناقضات المنطقة.

ثم قدَّم شرحًا للبرنامج التصوُّري:

فأشار إلى أن أفضل أسلوب يُتَّبع هو الأسلوب الذي يستثير وعيَ الناس بأوضاعهم ويولد عندهم الإحساس بتغييرها. والبداية تكون بجمع المعلومات من الناس ثم تحليلها بواسطة الفريق، ثم يدرس الباحث المعلومات المجتمعة لديه، وبمجرَّد مناقشة كلِّ موضوع على حدة يبدأ الآخرون في تقديم اقتراحات في شكل مقالات مختصرة.

وخلال عملية تفصيل الموضوعات المجدية يبدأ الباحثون في إدراك ضرورة إدخال بعض الموضوعات التي لم يقترحها الناس خلال عملية البحث، ومن حق الطلبة والأساتذة أيضا اقتراح موضوعات سماها متحركة -كالمفهوم الأنثربولوجي للثقافة- تساعد على:

– ربط بين موضوعين في الوحدة البرامجية.

– توضيح العلاقة بين البرنامج العام ورؤية العالم.

ثم بعد ذلك تأتي مرحلة تحليل الموضوعات لاختيار الأسلوب الأنسب لعرضها:

– الطريقة البسيطة: الصور والمشافهة والوسائل السمعية.

– الطريقة المركبة: وسائل مختلفة.

ثم بعد التحليل يتمُّ الاتصال بأخصائيِّين خارجين ويمكَّن الناس من سؤالهم، ويمكَّن الأخصائيين من ربطهم بالناس (من خلال الفيديو المصور)، وأيضًا من ضمن البرنامج تعلم كيفية التعامل مع الكتب (نبذة عن الكاتب ثم موضوع كتابته)، والجرائد (افتتاحيات الجرائد / سبب المواقف المختلفة من المشكلة الواحدة)، هذا الأسلوب يساعد على تقوية ملكة النقد، كما يساعد على عدم التعامل مع الجرائد بسلبية.

وفي النهاية يستعد فريق المعلمين لتقديم الموضوعات للناس، وهي في الحقيقة موضوعاتهم هم، غير أنها تقدَّم لهم بطريقة منظَّمة ومجسَّمة؛ فهي أتت من الناس وتعود إليهم، ليس كمادة تخزن في عقولهم بل كمشكلات يتوجَّب عليهم حلها.

ويبدأ من البحث الموضوعي، وأهمه الأنثربولوجي للثقافة، فهي تعكس مدى وعيهم بالواقع الذي يتضمَّن كثيرًا من الموضوعات، وذلك يفتح الباب لمزيد مناقشة. ومن خلال خبرة الكاتب فإنه عندما يطرح الموضوع للجماعة كمشكلة تبدأ موضوعات أخرى في الظهور كالقومية مثلا.

الفصل الرابع: نظرية القهر ونظرية الحوار الثوري

هذا الفصل يتضمَّن تحليلًا لنظريات الفاعلية الثقافية المبنية على الحوار واللاحوار تأكيدًا وتوسُّعًا على السابق. وقد بدأه الكاتب بالتأكيد على أن الذين يريدون أن يجحدوا دور المقهورين فإنهم يهزمون الغايات التي يسعون إلى تحقيقها.

فمن الخطأ اعتبار القادة = مفكرين.

والمقهورين= عاملين منفذين للأوامر.

إن القادة الثوريِّين الذين لا يرغبون في التحاور:

إمَّا أنهم اكتسبوا صفات القاهرين ولم يعودوا ثوريين حقيقيين.

وإمَّا أسرى لرؤيتهم المذهبية الضيقة.

المذهبية = البيروقراطية = تقضي على الثورة.

وأشار إلى أن الوصول للسلطة ليس نهاية المطاف، فالحوار أمر ضروري مع الجماهير لكلِّ ثورة حقيقية وذلك ما يميزه عن الانقلاب، فالثوريُّون لا يخافون التحدُّث مع الناس عن آرائهم وإخفاقهم والمصائب.

وأكَّد الكاتب على أهمية العمل مع الوعي، وأنه لا يجري في مراحل بل يتحقَّقان في نفس المرحلة، لكن قد يؤكد التحليل أن بعض أنواع العمل يستحيل تنفيذها في الوقت الراهن. وأكد على أهمية الممارسة في حد ذاتها، فهي تنمي القدرة على الفهم. وعاد للمقارنة بين تفكير الصفوة المتسلطة وبين القادة الثوريين فبينتها في هذا الجدول:

تفكير الصفوة (السادة)تفكير الثوريين (الرفقاء)
قطبان: أحدهما يسيطرشركاء ورفقاء في العمل الثوري الباحث عن الحرية
تقتات من أكباد الأحياء الأمواتقدرهم أن يموتوا من أجل أن يبعثوا من جديد في حركة المقهورين
كرم زائفإنسانية دائمة / مع المقهورين
العلم والتكنولوجيا وسيلة لتحويل الناس لأشياءالعلم وسيلة لتحويل الرجال إلى بشر

الثوريون على الرغم من إدراكهم بوعيهم الثوري وأن لديهم رؤية تفوق التي عند الجماهير، إلا أنهم لا يفرضونها عليهم ولا يملؤون فراغ عقولهم بالشعارات، ويفضلون التحاور لتخصيب معرفة الناس وازدهارها من خلال المعرفة الناقدة؛ ليتحوَّل ذلك كلُّه إلى معرفة بالواقع المعاش.

استعمال الثوريِّين لطريقة القهر يؤدِّي إلى:

تدجين الناس = الثورة تصبح وهمًا.

إشعار الناس بالخوف حين يهزُّ القهر المستبطن في أعماقهم = الثورة مستحيلة.

بعض الثوريين من أصحاب النوايا الحسنة يقولون إن التعليم التحريري يبدأ بعد تولِّي السلطة، وهم بطبيعة الحال ينكرون الصفة التعليمية للثورة كإنجاز ثقافي يعد الناس لمرحلة الثورة الثقافية، ويخلطون بين هذا النوع من التثقيف وبين التعليم بعد تولِّي السلطة. فالثورة تتميز بطبيعتها التعليمية ومرحلة السلطة مرحلة من مراحل العمل الثوري، والعملية الثورية ديناميكية وهي تمكِّن القادة والجماهير معًا من تعلُّم أساليب الحوار وأساليب استخدام السلطة.

بناءً على ذلك بدأ الكاتب عرضًا مفصَّلا لنظريات العمل الحواري واللاحواري:

العمل اللاحواري:

١- الغزو:

لا يؤمن بأسلوب الحوار / هزيمة الآخر بكل الوسائل / يفرض أهدافه عليه / يجعله جزءًا من ممتلكاته الخاصة.

بمجرد تولُّد الموقف القهري فإن اللاحوار يصبح ضرورةً من أجل الحفاظ عليه، ويجْنح الغازي إلى تحطيم قدرة الرجال على تمييز العالم.

٢- فرق تسد:

ويتلخَّص في أنه ما دامت الأقلية في مجتمع القهر هي التي تخضع الأغلبية لسيطرتها فإن سبيل بقائها بالحكم رهن بقدرتها على تفريق كلمة المقهورين. وله وسائل شتى منها القهر البيروقراطي، والتضليل الثقافي الذي يوحي للناس أن القاهرين يقومون بمساعدتهم، وتضخيم قضايا جانبية يحجبون بها الناس عن رؤية الواقع في صورته الشاملة، وتقسيم المناطق إلى مجتمعات محلية دون دراسة عميقة لطبيعتها، بالإضافة لتقرير برامج تدريب القادة وهي من أخطر الوسائل فهؤلاء إمَّا أن يستخدموا ما تعلَّموه في تسليط القهر على زملائهم أو يعيشوا كالغرباء في مجتمعاتهم وتهدد مكانتهم القيادية السابقة.

٣- الاستغلال:

بهذه الوسيلة تحاول الطبقة المتسلطة أن تجعل كتلة الناس تتوافق مع أهدافها، وهو أيضا محاولة لتحييد الناس وصرفهم عن التفكير في الواقع.

ومن أساليبه جَرُّ الأفراد إلى نزعة تحقيق الإنجاز الفردي والمتسلِّطين يأخذون القادة الجماهيريِّين هدفًا لذلك ويؤول حالهم أن يكونوا وسطاء بين المتسلِّطين والمقهورين. ومشروعات الرفاهية الاجتماعية التي تستخدم في صرف الناس عن التفكير في أسباب مشكلاتهم الحقيقية.

٤- الغزو الثقافي:

وبه يفرض الغزاة تصوُّرهم الخاص للعالم، وبغضِّ النظر عن كونه متحضِّرًا أو همجيًّا، فهو يمثِّل صورةً من صور العنف، موجَّه ضد فئة من الناس من أجل إضاعة أصالتها وتهديدها بالزوال، وفي ظلِّ السيطرة تصبح المدارس من مستوى الحضانة إلى مستوى الجامعة فرَّاخات لغزاة المستقبل.

إن المجتمعات التي تمارس الازدواجية والتبعية للمجتمعات المتقدمة لا تستطيع التقدم لأنها مغزوة، ولا تستطيع اتخاذ القرار في مسائلها السياسية والاقتصادية والثقافية وإنما تترك أمر ذلك كله للمجتمعات الغازية، وكل ما تحرزه نوع من التطوير لصالح المجتمعات الغازية. فينبغي ألا نخلط بين التحديث والتقدم.

١- التعاون:

في نظرية العمل الحواري يلتقي الفاعلون في علاقة تعاونية من أجل تطوير العالم. ولا يعني ذلك أن ينتفي دور القادة الثوريين بل يعني أنه لا يحق لهم أن يمتلكوا الناس أو يوجِّهونهم بطريقة عمياء، ويضع القادة ثقتَهم في الناس لكن بغير سذاجة، فلا يثقوا في السلوك الازدواجي أو الاستبطان المغلِّف للقهر عند المقهورين، وعندها عليهم أن يهيئوا البيئة التعليمية لهم كي يساعدوهم على إدراك تلك المشكلة.

وذَكَرَ باولو فريري نماذج لمقصوده منها كلمات لجيفارا وحواره مع الفلاحين الذي من خلاله حدَّد نضالَه الثوري، وأرجع فريري ذلك لتواضع جيفارا وحبه للناس، وبذلك تحوَّل الالتحام إلى نوع من التعاون.

٢- الوحدة من أجل التحرير:

بينما يلجأ المتسلِّطون إلى سياسة “فرق تسد” من أجل إحكام القهر فإن دور القادة في نظرية العمل الحواري يحتِّم عليهم أن يعملوا على وحدة المقهورين من أجل تحقيق هدف التحرير.

وإذا كان دور المتسلِّطين سهلًا فليس الأمر كذلك عند القادة الثوريِّين فهم لا يستطيعون استخدام القوة، ولا يسيرون بغير الجماهير، وهذا ما يجعل عقبة التنظيم من أصعب العقبات التي تواجههم، فمن غير المعقول أن تسمح الصفوة المتسلِّطة للقادة الثوريِّين بتنظيم أنفسهم. والوحدة المقصودة هنا تحتاج لوعي طبقي، وتستوجب أن يدرك أفرادها إحساس القهر الذي يعانونه قبل أن ينخرطوا في عمل جماعي، هذا الاكتشاف يجعلهم يميزون أنفسهم أولا ثم ينقلهم لتمييز معان أخرى كالعالم والثقافة، فالمقصود ليس توحيد الجماهير عن طريق شعارات تجعلهم تجمُّعًا بشريًّا يؤدُّون دورًا ميكانيكيًّا دون أن يعي أهدافه. فوحدة المقهورين الحقيقية لا بد أن تتم على المستوى الإنساني وليس على مستوى الأشياء، في إطار من الوعي المتبادل.

٣- التنظيم:

التنظيم هو الرد الحاسم على نزعة الاستغلال في نظرية العمل اللاحواري، وهو تطور طبيعي للوحدة، فالتنظيم بالنسبة للصفوة المتسلِّطة يعني تنظيم مصالحها لذا تستخدم كلَّ إمكاناتها للسيطرة والتجريد، بينما التنظيم بالنسبة للقادة الثوريين يعني تنظيم أنفسهم مع الناس، وهو في حد ذاته ممارسة للحرية.

إذن هو عملية يبدأ من خلالها القادة الثوريون تعليم الناس معرفة العالم، وهو يتَّسم بالنزعة الحوارية حيث لا تسمع كلمة القادة وحدها بل كلمة الجماهير إلى جانبها. وهذا لا يعني بالطبع أن القادة يتركون الحبل على الغارب كي يتيحوا الفرصة لأعداء للثورة لقهر الناس، فنظرية العمل الحواري تعارض التسلُّط والتسيُّب وتؤكد الحزم والحرية.

ويجب ألا يفرق بين السلطة والحرية بل ينبغي معاملتهما في علاقة متصلة مع بعضهما البعض، ولا تتكرَّس السلطة بمجرد امتلاك الحكم، وإنما عندما يتجمَّع الناس حولها، ويفوِّضونها سلطاتها، أما مجرد تحول الحكم من فئة إلى فئة، أو فرض على الغالبية فإنه سرعان ما يتحول إلى نوع من التسلُّط.

السلطة الحقَّة في حقيقتها لا تتناقض مع الحرية، فهي في حقيقتها حرية تحوَّلت إلى سلطة. أمَّا التسلُّط لا يمكن له أن يبسط نفوذه إلا إذا أنكر على الناس حريتهم؛ إذن فالتنظيم في العمل الحواري يحتاج إلى السلطة حتى لا يكون تسلُّطًا، ويحتاج إلى الحرية حتى لا يكون فوضى.

(هكذا في النص المترجم لكن الأقرب للمعنى عكس الألفاظ فيكون التنظيم يحتاج إلى السلطة حتى لا يكون فوضى، ويحتاج إلى الحرية حتى لا يكون تسلُّطًا).

٤- التآلف الثقافي:

إذا كان المتسلِّطون يرفضون التغيير الذي يهدِّد سلطتَهم فإنهم يقبلون بعض الإصلاحات التي لا تهدِّد سلطتَهم في القهر، وبذلك يحقِّقون الامتلاك والتفرقة والاستغلال والغزو الثقافي، ففي نظرية الغزو الثقافي يستمد الممثلون نظريات أدوارهم من قيمهم وأيديولوجيَّاتهم الخاصة التي يغزون بها عالم المقهورين، أمَّا في نظرية التآلف الثقافي فإن الممثلين يأتون من عالم مختلف ويدخلون عالم الجماهير لا كغزاة أو معلمين أو مبشرين بل كمتعلمين مهمَّتهم تتركَّز في أن يعرفوا عن الناس.

في الغزو الثقافي لا اتصال مع الناس بل اكتفاء بالوسائل التقنية التي يفرضون بها أنفسهم على الناس الذين يقومون بدور المشاهد فحسب، أمَّا في التآلف الثقافي فإنهم يندمجون مع الناس ليصبحوا مشاركين لهم في العمل الذين يقومون به سويا تجاه العالم.

ويبدو من ذلك أن العمل الثقافي ضربٌ من العمل يواجه الثقافة ذاتها، بوصفه المقوِّم الذي يصون عناصرها، فهو وسيلة يتفوق بها الناس على ثقافة السيطرة، ومن هذا المفهوم فإن أي ثورة حقيقية هي في واقعها ثورة ثقافية. إن معرفة الثقافة المغربة يؤدِّي إلى تطوير ثقافة تحرر الإنسان من غربته، وبقدر ما يحسن مستوى فهم القادة للناس يكون أثرهم في تحسين مستوى الجماهير.

التآلُف الثقافي لا يرفض الاختلاف في وجهات للنظر لأنه مبنيٌّ على مثل هذا الاختلاف، ولكنه يرفض الغزو الثقافي الذي تمارسه فئة على فئة، ويؤيِّد الدعمَ الذي تقدِّمه فئةٌ إلى فئة. ولا يعني التآلف لمجرد أنه تآلف أنه مقصور على أهداف وانطباعات الجماهير عن العالم، فإذا كان الغزو الثقافي مرفوضًا من قبل القادة، فإن الاستسلام المجرَّد لتطلُّعات الناس مرفوض أيضًا. فمثلا في بعض الأحيان لا يتجاوز طموح الناس رغباتهم في زيادة مرتباتهم، وهنا يمكن ارتكاب خطأين: إما أن يقْصر القادة عملَهم على تحقيق هذا المطلب، وإما أن يتجاوزوه ويستعيضوا عنه بأمر آخر لم يشغل أذهان الناس في هذه المرحلة، ففي الحالة الأولى ينصاع القادة لرغبات الناس، وفي الحالة الثانية يمارسون الغزو الثقافي لعدم احترامهم لرغبات الجماهير. أمَّا الحل فيكمن في اعتراف القادة بهذا المطلب أولا ثم يطرحونه كمشكلة أمام الجماهير، وبذلك يطرحون موقفًا تاريخيًّا، يُعَدُّ طلبُ زيادة الأجور بُعْدًا من أبعاده، ويتَّضح بعد ذلك أن طلب زيادة الأجور ليس هو الحل وحده، بل ما لم يصبح العمَّال هم أصحاب العمل الحقيقيِّين فإن أيَّ وسيلة للإصلاح ستكون عديمة الجدوى. وبذلك ابتعدنا عن الحلول للمهدئة، وانشغلنا بالتطوير الحقيقي للواقع، الذي يؤدي إلى تطوير الرجال إنسانيًّا.

ختام الكتاب

بما أنه في نظرية العمل اللاحواري يخدم الغزوُ الثقافي أهدافَ الاستغلال التي تخدم  بدورها أهداف القهر والتسلُّط، فإن المقهورين من أجل أن يتحرَّروا يحتاجون أيضًا إلى نظرية في العمل التحريري، وبما أن القاهرين يتوسَّعون في نظرية العمل القهري دون الاستعانة بالمقهورين، فإن المقهورين لا يمكن لهم في ظل الانسحاق واستبطان القهر أن يؤلِّفوا نظريَّتهم في العمل التحرُّري ما لم يحتكُّوا بالقادة، لأنه به وبالمشاركة في العمل تتجسَّد أبعاد النظرية التي يحقِّقون بها حريَّتهم ويتمكَّنون من تغيير العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى