ساحات الإسناد في لبنان والعراق واليمن أمام المواجهة المباشرة

مقدمة:
دخلت المنطقة منذ يناير 2026 مرحلة تصعيد متسارع بين إيران ومحور المقاومة من جهةٍ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ أخرى، في ظل تعثر المسارات الدبلوماسية وتصاعد الخطاب العسكري المتبادل. وقد ترافقت هذه المرحلة مع مؤشراتٍ متزايدة على انتقال الاستراتيجية الإسرائيلية من سياسة الاحتواء والاستنزاف إلى استراتيجية الحسم وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بصورةٍ جذرية[1].
في هذا السياق، شكّلت الحرب التي اندلعت ضد إيران منذ 28 فبراير 2026 نقطة تحول استراتيجية غير مسبوقة، إذ تجاوزت المواجهة حدود الحرب بالوكالة والصراع غير المباشر إلى انخراطٍ أمريكي عسكري مباشر إلى جانب إسرائيل. وبذلك انتقلت الأزمة من مستوى الاشتباك الإقليمي المحدود إلى مستوى الحرب الإقليمية المفتوحة ذات التداعيات الدولية.
ومع اتساع نطاق العمليات العسكرية ضد إيران والبنية التحتية العسكرية والاستراتيجية للدولة الإيرانية، برز سؤال جوهري يتعلق بموقف مكونات “محور المقاومة” الممتدة في العراق ولبنان واليمن، ومدى استعدادها للانتقال من دور الإسناد المحدود إلى الانخراط المباشر في الحرب دفاعًا عن مركز المحور وقاعدته الرئيسية. وقد اكتسب هذا السؤال أهميةً مضاعفة لأن هذه القوى كانت قد اضطلعت، منذ عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، بأدوارٍ متفاوتة في معركة إسناد غزة، إلا أن استهداف إيران نفسها يضعها أمام اختبارٍ مختلف يتصل بمستقبل المحور وبنيته ووظيفته الاستراتيجية.
وعلى هذا الأساس، يُناقش التقرير مسارات تطور هذه المواجهة منذ اندلاعها وحتى منتصف يونيو 2026، وطبيعة التحول الذي طرأ على بنية محور المقاومة ووظائفه في ظل انتقال الصراع من الإسناد إلى المواجهة المباشرة. كما يسعى التقرير إلى الإجابة عن عددٍ من الأسئلة المحورية، من بينها: كيف تطورت شبكة الإسناد الإقليمي من أداة ضغطٍ وظيفية ضمن استراتيجية الردع الإيرانية إلى طرفٍ منخرط في معركة بقاء المحور ذاته؟ وكيف انتقلت إدارة الولايات المتحدة وإسرائيل للصراع من سياسة الاحتواء والاستنزاف إلى استراتيجية تفكيك تستهدف إعادة هندسة البيئة الإقليمية بما يتناسب مع الرؤية الإسرائيلية -الأمريكية؟ وما حدود التباين بين استجابات الفاعلين في العراق ولبنان واليمن من حيث درجات الانخراط؟ وما العوامل الداخلية والإقليمية التي تحكم هذا التباين؟ فضلا عن ذلك، يبحث التقرير مدى تماسك محور المقاومة وقدرته على إعادة إنتاج وظائفه في ظل التحديات التي يواجهها، وما قد ينعكس عن ذلك من سيناريوهات محتملة لمآلات الإقليم في المرحلة المقبلة.
أولًا- شبكة الردع الإقليمي: معركة البقاء واستراتيجيات التفكيك
يرصد هذا الجزء من التقرير التحولات في مكونات جبهات الإسناد في المحور الإيراني في ضوء التحديات المتتالية، خاصةً الاستراتيجيات الأمريكية والإسرائيلية لتفكيك المحور عبر تكثيف الضغوط سياسيًا وعسكريًا على مكوناته.
1- شبكة الردع الإقليمي: من معركة الإسناد إلى معركة بقاء المحور
قبل اندلاع المواجهة المباشرة، كانت ساحات الإسناد في العراق ولبنان واليمن قد تشكلت تدريجيًا داخل بيئةٍ إقليمية اتسمت بتعدد مراكز القوة وتداخل ساحات الصراع دون الوصول إلى نمط حرب إقليمية شاملة. وقد عملت هذه الساحات، خلال العقدين الأخيرين، كامتدادٍ وظيفي للنفوذ الإيراني في الإقليم، لكن ضمن صيغةٍ لا تقوم على المركزية الصارمة بقدر ما تقوم على التنسيق الاستراتيجي غير المباشر. ففي هذه المرحلة، تمتعت الفواعل المسلحة في هذه الساحات بهوامش متفاوتة من الاستقلال العملياتي، ما سمح لها بإدارة أولويات محلية وإقليمية في الوقت نفسه، مع الحفاظ على قدرٍ من الانسجام العام مع التوجهات الإيرانية[2].
أحدثت التحولات الإقليمية التي أعقبت عام 2011، ثم الأزمات الكبرى التي شهدتها المنطقة بين عامي 2014 و2016، إعادة تشكيل جوهرية في بنية محور المقاومة وفي طبيعة الدور الإيراني داخله، في سياق تطور تدريجي للعقيدة العسكرية الإيرانية ذاتها[3]. فهذه العقيدة، التي لا تقوم على نص مكتوب بقدر ما تستند إلى مزيجٍ مرن من مبادئ الردع غير المتكافئ، والحرب غير النظامية، والعمق الاستراتيجي، والتعبئة الأيديولوجية، وجدت نفسها أمام اختبارٍ إقليمي واسع فرضته الحروب الأهلية في سوريا والعراق، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية، والتدخل العسكري السعودي -الإماراتي في اليمن[4]. وقد شكّلت هذه التحولات تهديدًا مباشرًا لبنية الحلفاء الإقليميين لطهران، بما استدعى انتقالًا نوعيًا من نمط الدعم غير المباشر القائم على التمويل والتسليح والتدريب، إلى نمط أكثر تركيبًا يقوم على إدارة ميدانية للشبكات المسلحة وتنسيق وظائفها عبر أكثر من ساحةٍ في آنٍ واحد.
في هذا الإطار، برز لأول مرة منطق “التشبيك العملياتي” بين الجبهات المختلفة، حيث جرى نقل المقاتلين والخبرات والموارد بين العراق وسوريا واليمن ولبنان، وتوسيع نطاق الاستخدام العملياتي للفواعل المسلحة بما يتجاوز حدود كل ساحةٍ على حدة. ولم تعد العلاقة بين طهران وحلفائها تُدار بوصفها علاقات ثنائية منفصلة، بل تحولت إلى منظومةٍ شبكية مترابطة تُدار من خلال فيلق القدس، وتُفعّل وفق مبدأ “الدفاع المتقدم” الذي يعكس جوهر العقيدة الإيرانية الحديثة، والقائم على نقل التهديدات إلى خارج الحدود الإيرانية، وتحويل الجغرافيا الإقليمية إلى فضاء ردع ممتد. وبهذا المعنى، تبلور تدريجيًا نموذج عقائدي شبكي يمزج بين مركزية القرار الاستراتيجي في طهران ولامركزية التنفيذ لدى الفاعلين المحليين، بما يسمح بتعظيم النفوذ وتقليل كلفة المواجهة المباشرة[5].
وقد جرى توظيف هذا البناء الشبكي ضمن استراتيجية “التصعيد المنضبط” -الانتصار بالنقاط وليس بالضربة القاضية على حد توصيف حسن نصر الله- التي تُمثل امتدادًا عمليًا لمنطق الردع الإيراني، والقائم على رفع كلفة المواجهة على الخصوم عبر توزيع الضغط على أكثر من جبهة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على سقفٍ يمنع الانزلاق إلى حربٍ إقليمية شاملة. ورغم أن عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023 كشفت عن مستوى متقدم من “الإسناد المتبادل” بين ساحات لبنان والعراق واليمن وغزة، فإن هذا الإسناد ظل محكومًا بمنطق تكيّفي يأخذ في الاعتبار خصوصية كل ساحة وقيودها المحلية[6]. وبالتالي، دخل المحور مواجهة 2026 بوصفه بنية ردع شبكية متعددة الجبهات، قادرة على تنسيق الضغوط وتوزيعها، لكنها لم تكن قد تحولت بعد إلى تحالفٍ عسكري مركزي يخوض حربًا موحدة بقيادة واحدة.
في المرحلة السابقة على المواجهة المباشرة، عملت ساحات لبنان والعراق واليمن بوصفها امتدادات وظيفية ضمن شبكةٍ إقليمية متعددة المراكز، تتسم بقدرٍ من التنسيق الاستراتيجي غير المباشر، مقابل هوامش متفاوتة من الاستقلال العملياتي لكل جبهة[7]. غير أن هذا التوازن بدأ يتغير جذريًا مع انتقال الصراع في مطلع عام 2026 إلى مرحلة المواجهة المباشرة مع إيران، وهو ما مثّل نقطة تحول بنيوية في طبيعة النظام الإقليمي بأكمله. فلم تعد إيران طرفًا يُدير شبكة نفوذ ممتدة عبر وكلاء /حلفاء محليين فقط، بل أصبحت طرفًا في حربٍ مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بما أعاد تعريف موقع ساحات لبنان والعراق واليمن داخل معادلة الصراع. ففي هذه اللحظة، لم يعد الحديث يدور حول “إسناد جبهات أخرى”، بل حول بقاء المركز الذي ترتكز عليه هذه الشبكة ككل.
وفي المرحلة الراهنة من الحرب المباشرة، تشهد هذه الساحات عملية إعادة تموضع معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية والداخلية لكل ساحةٍ على حدة، فلم يعد الانخراط في العراق أو لبنان أو اليمن يُفهم فقط بوصفه استجابة لالتزاماتٍ أيديولوجية أو سياسية تجاه إيران، بل بات يُقاس أيضًا بمدى تأثيره المباشر على توازنات البقاء داخل كل دولة من هذه الدول. ففي العراق، يتداخل الفعل العسكري مع بنية الدولة متعددة المراكز، ما يخلق حالة ازدواج بين الشرعية الرسمية والقدرة المسلحة، ويجعل أي انخراطٍ أوسع في الحرب مرتبطًا بحسابات الاستقرار الداخلي بقدر ارتباطه باعتبارات الصراع الإقليمي[8].
أما في لبنان، فلم تعد الضغوط الواقعة على حزب الله تقتصر على البعد العسكري أو الأمني، بل باتت جزءًا من مسارٍ سياسي واستراتيجي أوسع تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل بهدف فصل الجبهة اللبنانية عن إيران ومحور المقاومة، وإعادة تعريف موقع الحزب داخل المعادلة اللبنانية باعتباره قضية داخلية. وفي هذا السياق، يجري توظيف المفاوضات والضغوط الدبلوماسية والاقتصادية، إلى جانب القرارات والإجراءات الحكومية اللبنانية، لدفع مسار تدريجي يستهدف عزل الحزب سياسيًا ونزع سلاحه داخل إطار الدولة وعزله عن محور المقاومة[9]. أما في اليمن، فإن البعد الجغرافي وطبيعة الصراع غير المتماثل يمنحان الحوثيين هامشًا أوسع للمناورة والاستمرار في ممارسة الضغط الإقليمي، إلا أن الجماعة تواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بأعباء الحكم والأزمة الاقتصادية وتزايد الضغوط العسكرية على بنيتها اللوجستية وخطوط إمدادها المرتبطة بإيران. ومن هذا المنطلق، لا تقتصر المقاربة الأمريكية على توجيه الضربات العسكرية، بل تمتد إلى محاولة استنزاف مصادر القوة التي تمنح الجماعة القدرة على الاستمرار، سواء عبر تعطيل شبكات الإمداد والتسليح أو عبر تقليص قدرتها على تحويل السيطرة المحلية والأزمات الاقتصادية إلى موارد دائمة للتجنيد والتعبئة[10].
وبذلك، فإن السؤال المركزي لم يعد يتعلق بقدرة هذه الساحات على تقديم الإسناد لإيران، بل بقدرة المنظومة التي أنتجت هذه الساحات أصلا على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها في ظل انتقال الصراع من منطق الحروب بالوكالة إلى منطق المواجهة الإقليمية المباشرة.
2- من الاحتواء إلى التفكيك: الاستراتيجية الأمريكية -الإسرائيلية في إعادة هندسة المجال الإقليمي (تقويض معادلات الردع السابقة)
تطورت إدارة الولايات المتحدة وإسرائيل للصراع مع محور المقاومة نحو نمط أكثر هجومية وتركيبية، يقوم على الدمج بين الضربات العسكرية المركزة، وإعادة تشكيل البيئة السياسية الداخلية في دول الساحات الثلاث، بما يسمح بتفكيك البنية التشغيلية للمحور بدلا من الاكتفاء باحتوائه. ويعكس هذا التحول انتقالا من سياسة “إدارة التهديد” إلى سياسة “إعادة هندسة المجال الإقليمي” عبر استهداف مراكز الثقل الثانوية (لبنان، والعراق، واليمن) بالتوازي مع الضغط على المركز الإيراني[11].
في لبنان، اتخذت الإدارة الأمريكية -الإسرائيلية للصراع مع حزب الله مسارًا مزدوجًا يجمع بين الاستنزاف العسكري وإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية الداخلية. فقد تدرّجت المواجهة العسكرية خلال العام الأخير إلى مستوى حرب مفتوحة شهدت تصعيدًا غير مسبوق في استهداف البنية القيادية والعسكرية للحزب، بما في ذلك اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، ثم لاحقًا اغتيال خليفته هاشم صفي الدين، إلى جانب استهداف قيادات عسكرية رفيعة في الهرم العملياتي للحزب. وقد رافق ذلك ضربات مكثفة طالت مئات الأهداف العسكرية والبنى التحتية المرتبطة بالحزب[12].
وانتهت هذه الجولة التصعيدية بالتوصل إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، عقب أكثر من عامٍ من المواجهات وشهرين من الحرب المفتوحة. غير أن هذا الاتفاق، وفق ما أكده الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، لم يُنهِ حالة الاستنزاف، إذ استمرت إسرائيل في خرق التفاهمات وتنفيذ ضربات وقصف متكرر داخل الأراضي اللبنانية -حتى اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير 2026 واستئناف حزب الله عملياته في 2 مارس 2026- مستهدفةً مواقع وعناصر وبنى مرتبطة به بذريعة منع إعادة التموضع وإعادة بناء القدرات. وفي المقابل، التزم حزب الله بسياسة ضبط النفس وعدم الرد خلال تلك المرحلة، بما رسّخ نمط استنزاف أحادي الاتجاه، تجلى -بحسب قاسم- في نحو 500 شهيد خلال خمسة عشر شهرًا وأكثر من عشرة آلاف خرق بري وبحري وجوي، ما عمّق طابع الاستنزاف دون أن يتحول إلى مواجهةٍ شاملة[13].
أما على المستوى السياسي، فقد سعت واشنطن إلى استثمار ما اعتبرته لحظة ضعف تاريخية يمر بها حزب الله من أجل إعادة ترسيخ سلطة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية. وفي هذا السياق، مارست ضغوطًا دبلوماسية متواصلة على بيروت، قادها المبعوث الأمريكي توم براك، انتهت بدفع الحكومة اللبنانية إلى تبني قرار غير مسبوق يقضي بوضع جميع الأسلحة تحت سلطة الدولة اللبنانية وتكليف الجيش بإعداد خطة تنفيذية لنزع السلاح على كامل الأراضي اللبنانية. وشكّل هذا القرار تحولا نوعيًا مقارنةً بالمقاربات السابقة التي اقتصرت عمليًا على جنوب نهر الليطاني، إذ انتقل النقاش إلى مسألة احتكار الدولة لاستخدام القوة على المستوى الوطني[14].
كما ربطت واشنطن بين التقدم في مسار نزع السلاح وبين حزمةٍ متكاملة من الحوافز والالتزامات المتبادلة، شملت استمرار الدعم العسكري للجيش اللبناني، وتنشيط مسارات إعادة الإعمار والمساعدات الدولية، والدفع نحو انسحابٍ إسرائيلي تدريجي من بعض المواقع التي ما زالت تحتلها في الجنوب، إلى جانب تقليص العمليات العسكرية الإسرائيلية كلما أحرزت الدولة اللبنانية تقدمًا ملموسًا في تنفيذ التزاماتها. وفي المقابل، جرى التلويح بإجراءاتٍ عقابية سياسية واقتصادية في حال تعثر عملية نزع السلاح أو فشل الدولة في فرض سلطتها على كامل أراضيها[15].
وبذلك لم يعد الهدف الأمريكي مقتصرًا على احتواء حزب الله عسكريًا أو الحد من قدراته العملياتية، بل امتد إلى إعادة صياغة التوازنات السياسية والأمنية اللبنانية من خلال تمكين مؤسسات الدولة وربط شرعيتها الداخلية والدعم الدولي المقدم لها بمدى نجاحها في احتكار القوة. وبهذا المعنى، سعت واشنطن إلى تحويل حزب الله تدريجيًا من ركيزةٍ إقليمية ضمن منظومة الإسناد التي تقودها إيران إلى ملفٍ داخلي لبناني يُدار في إطار سيادة الدولة وقواعد النظام السياسي اللبناني.
أما في العراق، فقد اتخذت إدارة الصراع مسارًا أكثر تعقيدًا بسبب تداخل الدولة مع الفاعلين المسلحين وتعدد مراكز القوة داخل النظام السياسي والأمني. فعلى المستوى العسكري، واصلت الولايات المتحدة استهداف مواقع وقادة مرتبطين بفصائل منضوية في الحشد الشعبي أو قريبة من محور المقاومة، خصوصًا تلك التي اتُّهمت بالمشاركة في عمليات الإسناد الإقليمي أو باستهداف القوات والمصالح الأمريكية. غير أن خصوصية الحالة العراقية تمثلت في أن الحكومة سعت في الوقت ذاته إلى احتواء انخراط الفصائل في الحرب ومنع توسع المواجهة، مع الحفاظ على شرعية الحشد الشعبي باعتباره مؤسسة رسمية تابعة للدولة. وقد تجسد هذا التوازن في سماح المجلس الوزاري للأمن الوطني لقوات الحشد الشعبي بالعمل وفق مبدأ “حق الرد والدفاع عن النفس” عقب استهداف بعض مقارها وقادتها، بالتوازي مع استمرار الجهود الحكومية لضبط إيقاع نشاط الفصائل ومنع انزلاق البلاد إلى حربٍ مفتوحة[16].
أما على المستوى السياسي، فقد سعت واشنطن إلى استثمار مرحلة إعادة تشكيل السلطة في بغداد لإعادة رسم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. ولم يقتصر الضغط الأمريكي على الجوانب الأمنية، بل امتد إلى استخدام أدوات مالية وسياسية هدفت إلى دفع الحكومة الجديدة نحو إظهار مسافة أوضح عن الجماعات المسلحة الموالية لطهران[17]. وفي هذا السياق، عارضت واشنطن صعود حكومة تُعد امتدادًا مباشرًا لنفوذ الفصائل، ولوّحت بعقوباتٍ وإجراءات مالية أشد، كما ربطت استئناف الدعم المالي والأمني باتخاذ خطوات عملية لفصل مؤسسات الدولة عن البنى المسلحة وتقليص نفوذها داخل أجهزة الحكم[18]. وبذلك، أصبح العراق ساحةً تتقاطع فيها مساعي الدولة للحفاظ على التوازن الداخلي والاستقرار مع الجهود الأمريكية الرامية إلى تقليص الوزن السياسي والأمني للفصائل المرتبطة بمحور المقاومة وإضعاف قدرتها على توظيف الساحة العراقية ضمن شبكة الإسناد الإقليمية التي تقودها إيران.
على المستوى العسكري، شهدت الساحة اليمنية تحولا لافتًا في نمط التدخل الأمريكي خلال مرحلة ما بعد 2023، خاصةً في ظل التصعيد المتسارع لهجمات الحوثيين في البحر الأحمر، والتي بدأت منذ أكتوبر 2023 وأدت إلى اضطراباتٍ غير مسبوقة في أمن الملاحة العالمية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن وإعادة توجيه مسارات التجارة الدولية[19]. وقد عكست هذه التطورات انتقال الحوثيين من فاعل محلي في حربٍ أهلية إلى فاعلٍ إقليمي مؤثر في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، مستفيدين من موقعهم على الساحل الغربي لليمن وقدرتهم المتنامية في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى جانب دعمٍ إيراني مباشر وغير مباشر مكّنهم من تطوير قدرات هجومية منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
في مواجهة هذا التصعيد، بدأت الولايات المتحدة خلال إدارة بايدن بإطلاق عملية “حارس الازدهار” في ديسمبر 2023[20]، وهي عملية بحرية متعددة الجنسيات هدفت إلى تأمين الملاحة الدولية في البحر الأحمر وحماية خطوط التجارة العالمية، قبل أن يترافق ذلك مع انتقالٍ تدريجي نحو استخدام القوة الجوية المباشرة بالتنسيق مع بريطانيا منذ يناير 2024، عبر ضرباتٍ استهدفت مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة والبنية القيادية للجماعة. ومع استمرار الهجمات واتساع نطاقها، تطور نمط التدخل الأمريكي إلى مقاربةٍ أكثر هجومية في مارس 2025 خلال إدارة ترامب، عبر إطلاق عملية “الفارس الخشن”، التي مثّلت تصعيدًا واسع النطاق استهدف البنية العسكرية واللوجستية والقيادية للحوثيين، في محاولةٍ للانتقال من سياسة حماية الملاحة إلى سياسة تعطيل القدرة الهجومية للجماعة بشكلٍ مباشر[21].
ورغم هذا التصعيد المتدرج بين إدارتي بايدن وترامب، استمرت هجمات الحوثيين بوتيرةٍ متغيرة لكنها فعَّالة، ما دفع لاحقًا إلى قبول مسار تهدئة جزئي تمثل في إعلان وقف إطلاق نار بوساطة دولية في مايو 2025، دون أن يشمل إسرائيل، وهو ما عكس حدود القدرة الأمريكية على فرض تسوية شاملة في هذا المسرح[22]. ويُظهر هذا المسار أن المقاربة الأمريكية انتقلت من إدارة “أمن الملاحة” في مرحلة بايدن إلى محاولة تقويض البنية الهجومية للحوثيين في مرحلة ترامب، دون الوصول إلى مستوى الحسم أو تفكيك القدرة العملياتية للجماعة.
وتُعزى محدودية هذا التأثير إلى ثلاثة عوامل رئيسية: أولها تشابك الساحة اليمنية مع الحرب في غزة، ما منح الحوثيين غطاءً سياسيًا وإعلاميًا عزز من شرعيتهم التعبوية؛ ثانيها كفاءة الجماعة في توظيف الحرب غير المتماثلة عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة الكلفة مقابل استنزاف خصومها؛ وثالثها القيود البنيوية في القرار الأمريكي، خاصةً التخوف من التورط في حربٍ برية طويلة الأمد، إلى جانب استنزاف الذخائر عالية الدقة وارتفاع الكلفة التشغيلية مقارنةً بالعائد الاستراتيجي[23].
وخلاصة الأمر، تتقاطع هذه السياسات، على المستوى الإقليمي الأوسع، في إطار استراتيجية موحدة تقوم على تفكيك الترابط بين ساحات المحور الثلاث، عبر منع انتقال الدعم اللوجستي أو العملياتي بينها، وتقليل قدرة التنسيق المتزامن في لحظات التصعيد. فبدلا من مواجهة كتلة إقليمية موحدة، تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على تحويل كل ساحة إلى ملفٍ مستقل يخضع لمنطق إدارة مختلف: عسكري في اليمن، سياسي -أمني في لبنان، ومركب سياسي -عسكري في العراق.
ويعكس هذا النمط من الإدارة تحوّلا في بنية الصراع، حيث لم يعد الهدف مجرد الرد على الهجمات أو احتوائها، بل إعادة تشكيل بيئة الفواعل نفسها عبر الضغط المتزامن على الجبهات الثلاث، بما يحد من قدرتها على العمل كوحدة عملياتية واحدة ضمن محور مقاومة متماسك.
ثانيًا- استجابات ساحات الإسناد للحرب الأمريكية -الإسرائيلية على إيران (تثبيت معادلات الردع)
مثّلت ساحات الإسناد في لبنان والعراق واليمن خلال السنوات الماضية امتدادًا استراتيجيًا للنفوذ الإيراني في الإقليم، لكنها كانت تتحرك غالبًا ضمن معادلة تسمح بدرجاتٍ متفاوتة من الاستقلال العملياتي مع الحفاظ على وحدة الرؤية العامة. أما في ظل استهداف إيران مباشرةً، فإن طبيعة الصراع تتغير جذريًا. فالمسألة لم تعد تتعلق بدعم حليفٍ إقليمي أو إسناد جبهة غزة، بل باتت ترتبط ببقاء المركز الذي تستند إليه هذه الشبكة الإقليمية بأكملها. ومن ثم، فإن أي إضعاف جوهري لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران لن ينعكس على مكانتها الإقليمية فقط، وإنما سيؤثر مباشرةً على القدرات السياسية والعسكرية واللوجستية لسائر أطراف المحور، الأمر الذي يدفع هذه القوى إلى التعامل مع الحرب باعتبارها معركة مصيرية تتجاوز الحسابات المحلية الضيقة.
غير أن استجابة أطراف المحور لهذه الحرب لا تبدو متجانسة أو موحدة بالقدر ذاته، إذ تختلف حسابات كل ساحة وفق موقعها الجغرافي وطبيعة بنيتها الداخلية ومستوى تعرضها للضغوط العسكرية والسياسية. ومن ثم، فإن فهم ديناميات هذه الحرب يقتضي تحليل أنماط التفاعل أو استجابات الفصائل المسلحة في كلٍ من العراق ولبنان واليمن، باعتبارها الساحات الرئيسة التي قد ينعكس عبرها أثر المواجهة على بنية محور المقاومة ومستقبله.
1- العراق: الساحة الأقرب إلى المواجهة المباشرة
تُمثل الساحة العراقية اليوم الحلقة الأكثر حساسيةً في معادلة المواجهة الأمريكية -الإسرائيلية مع إيران، بحكم موقعها الجغرافي الملاصق للحدود الإيرانية ومكانتها المركزية ضمن استراتيجية “الدفاع الأمامي” الإيرانية. فالعراق لا يُنظر إليه في التصور الأمني الإيراني بوصفه دولة مجاورة فحسب، بل باعتباره جزءًا من العمق الاستراتيجي الذي يُوفر لإيران مجالا متقدمًا لاحتواء التهديدات بعيدًا عن حدودها المباشرة. ومنذ عام 2003، أسهمت شبكات الفصائل الحليفة أو شبكة الوكلاء والبنى السياسية والأمنية المرتبطة بطهران في ترسيخ العراق كحلقةٍ محورية ضمن المجال الإقليمي الذي تعتمد عليه إيران في بناء الردع وإدارة الصراع مع خصومها[24].
كما يُشكل العراق أحد أهم مسارات الاتصال اللوجستي والبشري التي تربط إيران بحلفائها في بلاد الشام، ويُوفر مساحةً حيوية لتدفق الموارد والنفوذ عبر ما بات يُنظر إليه داخل الأدبيات الإيرانية بوصفه جزءًا من “العمق الشيعي” أو المجال الاستراتيجي الممتد خارج الحدود الوطنية. ولذلك؛ فإن أي استهدافٍ أمريكي أو إسرائيلي للبنية المرتبطة بإيران داخل العراق لا يُفهم في طهران باعتباره ضغطًا على حليفٍ إقليمي فقط، بل يُنظر إليه كمساسٍ مباشر بمنظومة الردع والدفاع التي بنتها الجمهورية الإسلامية خلال العقدين الماضيين[25].
وخلافًا لساحات الإسناد الأخرى، تتميز الحالة العراقية بوجود قوات أمريكية ومنشآت عسكرية ولوجستية واستخباراتية ودبلوماسية منتشرة داخل البلاد بالتوازي مع حضور فصائل مسلحة مرتبطة بمحور المقاومة ومندمجة بدرجاتٍ متفاوتة في البنية الأمنية والسياسية العراقية[26]. وقد جعل ذلك من العراق ساحة تماس مباشر بين النفوذ الأمريكي والنفوذ الإيراني، الأمر الذي أتاح للفصائل العراقية ممارسة ضغوط متكررة على المصالح والقواعد الأمريكية من داخل الساحة العراقية نفسها، قبل أن تمتد عمليات الفصائل في مرحلةٍ لاحقة لتطال ساحات إقليمية أخرى خاصةً في الخليج.
لقد كشفت الحرب عن تباينٍ حاد بين خطاب الحكومة العراقية وخطاب الفصائل المسلحة بشأن طبيعة الانخراط في المواجهة. فبينما تمسكت الحكومة بمبدأ النأي بالنفس ومنع تحويل العراق إلى ساحة للصراع، مؤكدةً أن قرار الحرب والسلم هو مسؤولية الدولة حصرًا، حيث شدد رئيس الوزراء على عدم السماح لأي جهة بتنفيذ عمليات من شأنها زج البلاد في المواجهة الإقليمية، كما جدد المجلس الوزاري للأمن الوطني التزامه بمنع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الخارجية وحماية البعثات الدبلوماسية والمنشآت الحيوية[27]. في المقابل، تبنت فصائل رئيسية خطابًا أكثر تصعيدًا؛ إذ أعلنت كتائب حزب الله استعدادها للمشاركة في أي حرب ضد إيران، ولوّحت عقب استهداف قاعدة جرف الصخر التابعة لها بالرد عبر مهاجمة القواعد الأمريكية، فيما أبلغت كتائب سيد الشهداء عناصرها بالاستعداد لحرب طويلة، وأكد المعاون العسكري لحركة النجباء عبد القادر الكربلائي جاهزية مقاتليه لدخول الحرب إلى جانب إيران[28]. كما تزامنت هذه المواقف مع رفض كتائب حزب الله أي نقاش بشأن تسليم سلاحها أو حصره بيد الدولة ما دام الوجود العسكري الأمريكي قائمًا، في حين أبدت فصائل أخرى، مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، مرونةً أكبر عبر الإعلان عن إخضاع بعض ألويتها لإشراف الدولة[29]. ويعكس هذا التباين وجود صراع ضمني بين مشروع حكومي يسعى إلى تكريس احتكار الدولة للقرار الأمني والعسكري، ورؤية فصائلية ترى أن استمرار التهديدات الإقليمية والوجود الأمريكي يُبرران الاحتفاظ بالسلاح والاستعداد للانخراط في معارك المحور خارج الحدود العراقية.
ومنذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير 2026، شهدت الساحة العراقية تصاعدًا ملحوظًا في النشاط العسكري للفصائل المسلحة الموالية لإيران. وتُشير تقديرات متعددة إلى تنفيذ أكثر من خمسمائة هجوم استهدفت مواقع داخل العراق، أو انطلقت من أراضيه ضد أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها[30]. وقد تبنت هذه العمليات في الغالب تشكيلات تعمل تحت مظلة “المقاومة الإسلامية في العراق”، مثل “سرايا أولياء الدم”، غير أن معظم التقديرات تنسبها فعليًا إلى فصائل رئيسية تمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية كبيرة، مثل كتائب حزب الله العراق، وكتائب سيد الشهداء، وحركة النجباء، وغيرها من الفصائل المرتبطة بالحشد الشعبي[31].
واتسمت الهجمات بتنوعٍ واضح في طبيعة الأهداف المستهدفة، إذ شملت القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية، خاصةً في غرب العراق وأربيل، إلى جانب المصالح الأمريكية داخل العراق وخارجه[32]. كما شهدت العمليات تطورًا نوعيًا تمثل في استهداف وسائل الدعم والإسناد العسكري، حيث أعلنت “المقاومة الإسلامية في العراق” إسقاط طائرة أمريكية للتزوّد بالوقود واستهداف أخرى، بما يعكس سعيها إلى تعطيل القدرات العملياتية للقوات الأمريكية[33]. ولم تقتصر الهجمات على الأهداف الأمريكية، بل امتدت إلى جماعات المعارضة الكردية الإيرانية وبعض عناصر الأجهزة الأمنية العراقية، بما فيها وحدات الاستخبارات ومكافحة الإرهاب[34]، الأمر الذي يعكس اتساع نطاق الاشتباك وتعدد أهدافه، ويجعل الساحة العراقية من أكثر ساحات المواجهة سخونة في إطار الحرب الأمريكية -الإسرائيلية على إيران.
في المقابل، وسعت الولايات المتحدة وإسرائيل من نطاق الرد العسكري داخل العراق، عبر سلسلةٍ من الضربات الجوية التي استهدفت مواقع وقيادات مرتبطة بالفصائل المسلحة المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي. ولم تقتصر هذه الضربات على استهداف البنية العملياتية للفصائل، بل شملت أيضًا منشآت يُشتبه في استخدامها لأغراضٍ لوجستية أو لتطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ، إضافةً إلى بعض مسارات الاتصال والإمداد التي تربط العراق بإيران[35]. ونتيجة لذلك، تحولت الأراضي العراقية تدريجيًا إلى ساحة اشتباك متبادل بين الولايات المتحدة والفصائل الموالية لطهران، بدلا من أن تظل مجرد قاعدة خلفية للدعم والإسناد.
ومع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، برزت مجددًا الفجوة بين أولويات الحكومة العراقية ورؤية الفصائل المسلحة للمرحلة التالية. فقد سارعت بغداد إلى الترحيب بالهدنة باعتبارها فرصة لخفض التوترات واستعادة الاستقرار، مؤكدةً دعمها لمسارات الحوار والدبلوماسية، فيما ركزت مؤسسات الدولة على احتواء التداعيات الاقتصادية والأمنية للحرب عبر استئناف حركة الطيران، وإعادة تنشيط صادرات النفط، ومعالجة الخسائر التي تكبدها الاقتصاد العراقي خلال أسابيع المواجهة. في المقابل، لم يُترجم وقف القتال إلى تراجع في خطاب الفصائل بشأن سلاحها ودورها العسكري؛ إذ جدد رئيس المجلس التنفيذي لحركة النجباء ناظم السعيدي التأكيد أن “سلاح المقاومة لن يُسلَّم”، رافضًا أي دعواتٍ مستقبلية لنزعه أو إخضاعه الكامل لسلطة الدولة[36]. ويُشير هذا الموقف إلى أن انتهاء الحرب لم ينهِ الإشكال البنيوي المتعلق بازدواجية القرار الأمني والعسكري في العراق، بل أعاد طرحه بصورةٍ أكثر إلحاحًا، خاصةً بعد أن أظهرت الحرب محدودية قدرة الحكومة على منع انخراط بعض الفصائل في المواجهة أو التحكم الكامل بمسارات التصعيد.
تكتسب هذه التطورات أهميةً إضافية بالنظر إلى الطبيعة الخاصة للفصائل المُنخرطة في المواجهة. فهذه الجماعات لا تعمل بوصفها ميليشيات مستقلة بالكامل، بل إن عددًا كبيرًا منها يندرج رسميًا ضمن هيئة الحشد الشعبي التي أصبحت جزءًا من المنظومة الأمنية العراقية منذ عام 2016[37]. وتضم الهيئة ما بين 60 و70 لواءً ويُقدَّر عدد منتسبيها بنحو 230 ألف عنصر، فيما تظل الفصائل الموالية لإيران هي الأكثر تأثيرًا على مستوى القيادة والقدرات العملياتية. كما تمتلك بعض هذه الفصائل بنيةً عسكرية متطورة نسبيًا تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ وشبكات الدعم اللوجستي والمالي العابرة للحدود.
من هنا، لا ترتبط حساسية الساحة العراقية فقط بكثافة النشاط العسكري الدائر فوقها، وإنما أيضًا بخصوصية العلاقة بين الفصائل المسلحة والدولة العراقية. فهذه الفصائل تتمتع بالشرعية القانونية والتمويل الحكومي من جهة، وبالارتباط السياسي والعسكري الوثيق بإيران من جهةٍ أخرى. وقد أوجد هذا الوضع معضلةً متفاقمة للحكومة العراقية التي تُحاول الحفاظ على خطاب الحياد والنأي بالنفس، بينما تتحول أراضيها تدريجيًّا إلى إحدى أهم ساحات المواجهة في الحرب الدائرة حول إيران. ويزداد هذا التعقيد اتساعًا بالنظر إلى أن التوتر بين واشنطن وبغداد لا يقتصر على البعد الأمني، بل يمتد إلى المجال السياسي أيضًا، حيث تعكس محطات سابقة حجم التأثير الأمريكي في توازنات السلطة العراقية، ومن ذلك ما أُثير بشأن تدخلات أمريكية في مسار تشكيل الحكومات واعتراضها على بعض الترشيحات البارزة داخل الإطار التنسيقي، بما في ذلك ما يتعلق بـنوري المالكي، وهو ما يبرز أن الساحة العراقية محكومة بتداخل مستمر بين الصراع الإقليمي وبنية النظام السياسي الداخلي[38].
لبنان: حزب الله بين ضرورات الرد ومخاطر الحرب الشاملة
يظل حزب الله الطرف الأكثر قدرةً عسكريًا ضمن محور المقاومة بعد إيران، كما يمتلك أكبر ترسانة صاروخية وأكثرها تنوعًا من حيث المدى والدقة، ما يمنحه موقعًا محوريًا في معادلة الردع الإقليمي مع إسرائيل[39]. ومع اندلاع الحرب الأمريكية -الإسرائيلية على إيران، اتجهت طهران إلى توسيع نطاق المواجهة بوصفه خيارًا استراتيجيًا لتعويض اختلال ميزان القوة، وهو ما أعاد تفعيل دور الحزب باعتباره من أهم أدوات الإسناد الإقليمي المباشر.
غير أن انخراط حزب الله في هذه الحرب يجري في سياقٍ شديد التعقيد مقارنةً بساحات محور المقاومة الأخرى. فعلى الرغم من مشاركته المحدودة نسبيًا في مرحلة “الإسناد” بعد “طوفان الأقصى”، فإن تلك المرحلة ترافقت مع ضغوطٍ عسكرية متواصلة استهدفت بنيته العملياتية. فبعد اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، واصلت إسرائيل تنفيذ مئات الضربات داخل لبنان بدعوى استهداف مواقع وبنى عسكرية تابعة للحزب ومنع إعادة بناء قدراته، بما أبقى الحزب تحت ضغط أمني وعسكري مستمر[40]. كما يأتي ذلك في ظل بيئةٍ لبنانية مثقلة بأزمةٍ اقتصادية ممتدة وانقسامات سياسية حادة، الأمر الذي يرفع الكلفة الداخلية لأي انخراطٍ واسع في حرب إقليمية مفتوحة.
ومنذ نهاية وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 وحتى مطلع عام 2026، تُشير تقديرات متعددة إلى أن إيران كثّفت دعمها للحزب، بما في ذلك إرسال عناصر من الحرس الثوري لتقديم الدعم الفني وإعادة ضبط بعض الهياكل القيادية التي تأثرت بالاغتيالات الإسرائيلية. وفي المقابل، واصل الحزب عمليات إعادة بناء قدراته العسكرية، سواء عبر إعادة تأهيل منظومات صاروخية تضررت سابقًا أو عبر شبكات التهريب والدعم اللوجستي من خلال سوريا، رغم التراجع المقدر في مخزونه الصاروخي مقارنةً بما قبل عام 2023[41].
ومع انتقال المواجهة إلى مرحلة الاستهداف المباشر لإيران، وجد حزب الله نفسه أمام اختبار مركّب تشابكت فيه ثلاثة رهانات: الحفاظ على دوره ضمن منظومة الردع الإقليمية المرتبطة بطهران، وتجنّب الانزلاق إلى حربٍ شاملة قد تُهدّد ما تبقّى من قدراته العسكرية المُثقَلة أصلا بسنوات الاستنزاف وتضرّر خطوط الإمداد عبر سوريا، وحماية موقعه السياسي الداخلي في مواجهة ضغوط رسمية متصاعدة. وللتعامل مع هذه الرهانات المتشابكة، تبنّى الحزب نمطًا من “المشاركة المحسوبة” يجمع بين مسارين متوازيين: عسكري يقوم على الحفاظ على وتيرةٍ منتظمة من الصواريخ والمسيّرات، وسياسي داخلي يرفع سقف الخطاب دون الانزلاق إلى مواجهةٍ مفتوحة. وقد تجلّى هذا النمط في بيان حزب الله الصادر في الثاني من مارس 2026، الذي أعلن فيه استهداف موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخي جنوب حيفا مرجعًا ذلك لكونه “ثأرًا للدم الزاكي” للإمام الخامنئي، و”دفاعًا عن لبنان وشعبه، وفي إطار الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة”[42].
وقد جاء هذا التأطير في سياق ما كشفه الأمين العام نعيم قاسم عقب ذلك بيومين من أن الحزب أُبلغ مسبقًا عبر الوسطاء بأن إسرائيل تعتزم شنّ عمليات ضده بصرف النظر عن موقفه من الحرب على إيران، إذ نقل قاسم أن الوسطاء أفادوا بأن “هذا أمر طبيعي ضد الحزب، وضد لبنان، وضد المقاومة”[43]، مما يعني أن الانخراط العسكري جاء في قراءة الحزب استباقًا لعدوانٍ محتوم لا استجابةً انفعالية، ويعكس هذا السلوك في مجمله محاولةً للحفاظ على الحد الأدنى من معادلة الردع الإقليمية وضمان القدرة على تحويل الصمود إلى رصيدٍ سياسي في مرحلة ما بعد الحرب.
إلى جانب ذلك، يتداخل البعد العسكري مع بُعدٍ سياسي داخلي شديد الحساسية. فالحزب لا يعمل فقط كفاعلٍ مسلح، بل كقوةٍ سياسية فاعلة داخل النظام اللبناني، وهو ما يُضاعف من كلفة أي تصعيد واسع أو مواجهة مفتوحة. وقد أظهرت التطورات السياسية في لبنان خلال هذه المرحلة اتساع الفجوة بين الدولة والحزب، مع تبنّي الرئاستين (رئاسة الحكومة، ورئاسة الدولة) خطابًا أكثر وضوحًا بشأن حصرية السلاح بيد الدولة، مدفوعًا بضغوطٍ دولية وإقليمية ربطت بين الاستقرار وإعادة الإعمار وبين معالجة ملف السلاح. غير أن الأمين العام للحزب نعيم قاسم دفع بحدة في كلمته بتاريخ 4 مارس 2026 بأن هذا الخطاب الرسمي لا يعكس دفاعًا عن السيادة بل يُشرعن العدوان، معتبرًا أن “قرارات 5 و7 آب التي اتخذتها الحكومة اللبنانية كانت خطيئةً كبرى أضعفت موقع الدولة اللبنانية وشرعنت حرية العدوان الإسرائيلي”، ومتهمًا الحكومة بأنها “تتماهى مع المطالب الإسرائيلية” بدلا من التصدي لإدانة العدوان[44].
وفي المقابل، تمسّك الحزب بسلاحه باعتباره جزءًا من “معادلة الردع والدفاع” في مواجهة إسرائيل، رافضًا أي مسار لنزعه خارج إطار تسوية سياسية وأمنية أشمل، إذ أكد قاسم أن “سلاح المقاومة ليس مورد سجال من أحد ولا مع أحد، هو حق مشروع إنسانيًا وقانونيًا ودوليًا، وبحسب اتفاق الطائف وبحسب كل الشرائع السماوية”، مُصنِّفًا المواجهة باعتبارها “دفاعًا وجوديًا” سيستمر “إلى تحقيق الأهداف”. وقد أفضى هذا التموضع المزدوج، بين خطاب الدولة الساعي إلى حصر السلاح وخطاب الحزب الرافض لأي تنازل قبل وقف العدوان وانسحاب إسرائيل، إلى جعل ملف السلاح أحد أبرز عناصر التوتر في المشهد اللبناني وأحد المحددات الرئيسية لمستقبل التوازنات الداخلية خلال المرحلة المقبلة[45].
ومع إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، برزت الجبهة اللبنانية بوصفها إحدى أكثر الساحات تعقيدًا في اختبار الهدنة، إذ سرعان ما تبيّن أن اتفاق التهدئة لم ينعكس بصورة مباشرة على مسار العمليات في جنوب لبنان. فبينما التزم حزب الله مبدئيًا بوقف الهجمات على شمال إسرائيل وعلى القوات الإسرائيلية داخل لبنان بموجب التفاهمات المرتبطة بوقف إطلاق النار[46]، استمرت إسرائيل في تنفيذ غاراتٍ واسعة على الجنوب اللبناني، مع تأكيدات رسمية إسرائيلية بأن التهدئة لا تشمل الساحة اللبنانية[47]. وقد رد حزب الله على هذه الخروقات في 9 أبريل 2026، عندما أعلن عن تنفيذ 50 بيان عسكري في ردٍ مباشر على ما وصفه بـ “خرق اتفاق وقف إطلاق النار”، مؤكدًا أن عملياته ستستمر ما دام “العدوان الإسرائيلي الأمريكي” مستمرًا[48].
وفي ظل هذه الأجواء، لم تصمد التهدئة طويلا، إذ شهدت الفترة بين 7 و9 يونيو 2026 تسارعًا ملحوظًا في الأحداث بدأ باستهداف إسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت عقب اتهام حزب الله بإطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل[49]. وقد عكست هذه الضربة سعيًا إسرائيليًا لتقويض معادلات الردع القائمة وإفشال مسار التفاهمات المتصلة بالمفاوضات الأمريكية -الإيرانية، عبر إعادة فرض منطق التصعيد الميداني كأداة ضغط على مسار التسوية. غير أن تطور الأحداث اللاحق أظهر أن إدارة التصعيد اتجهت إلى مسارٍ إقليمي أوسع، مع دخول إيران على خط المواجهة عبر إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار[50].
ومع تبادل الضربات بين طهران وتل أبيب في اليوم التالي، بدا أن مسار الأحداث تجاوز حدود الساحة اللبنانية ليعكس تفاعلات إقليمية ودولية متشابكة. وفي المقابل، تزامن ذلك مع ضربات أمريكية استهدفت مواقع إيرانية ردًا على إسقاط مروحية أمريكية، وردود إيرانية طالت قواعد ومواقع مرتبطة بالقوات الأمريكية في الخليج والأردن، ما أدى إلى اتساع رقعة الاشتباك وتعدد ساحاته بين أكثر من جبهةٍ إقليمية، قبل أن تتجه الأزمة نحو مسارٍ احتوائي مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء ضربات إضافية كانت مقررة ضد إيران، وتأكيده أن الأطراف باتت قريبة من التوصل إلى اتفاق إطار يضع حدًا للتصعيد، في حين واصلت طهران التعامل بحذرٍ مع هذه المؤشرات مؤكدة أن المفاوضات لم تبلغ بعد مرحلة الاتفاق النهائي[51].
على الصعيد الداخلي اللبناني لعبت البيئة الاجتماعية دورًا ضاغطًا متزايدًا، إذ تحمّلت القاعدة الشيعية الحاضنة للحزب العبء الأكبر من تداعيات الحرب، سواء عبر الخسائر البشرية أو التدمير الواسع الذي طال مدنًا وبلدات رئيسية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، فضلا عن موجات نزوحٍ واسعة دفعت مئات الآلاف إلى مناطق لبنانية مختلفة وخارج البلاد. ولم تقتصر آثار هذه التحولات على الأعباء المعيشية والاقتصادية، بل امتدت إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والطائفية وإثارة مخاوف متزايدة بشأن مستقبل إعادة الإعمار وإمكان عودة النازحين إلى مناطقهم[52].
وبذلك، لا يُفهم سلوك حزب الله بوصفه مجرد استجابة عسكرية للحرب الجارية، بل كعملية إدارة توازن معقدة بين ثلاثة مستويات متداخلة: الالتزامات الإقليمية تجاه إيران، ومتطلبات الردع مع إسرائيل، وحدود البيئة اللبنانية الداخلية. وفي هذا السياق، تبدو قدرة الحزب على الاستمرار مرتبطة بقدرته على تجنب التحول من “حرب محسوبة” إلى “حرب وجودية”، وهو ما يجعل موقعه في الحرب الحالية أكثر هشاشةً وتعقيدًا من أي مرحلةٍ سابقة.
3- اليمن: الحوثيون وتوسيع نطاق الحرب الإقليمية
تتميز جماعة الحوثي بخصوصية داخل منظومة محور المقاومة، تجعلها مختلفة نسبيًا عن كل من الحالتين اللبنانية والعراقية. فالجغرافيا اليمنية تمنح الجماعة موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، المتمثل في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو ما يحول الفاعل المحلي إلى عنصر مؤثر في معادلات التجارة الدولية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية[53].
ومع انتقال المواجهة إلى مستوى إقليمي أوسع عقب اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير 2026، لم ينخرط الحوثيون في القتال بصورةٍ فورية، بل حافظوا طوال الشهر الأول من الحرب على موقع المراقب الداعم سياسيًا وإعلاميًا دون فتح جبهة عملياتية مباشرة. وقد عكس هذا التأخر، بحسب العديد من التقديرات، قرارًا محسوبًا جرى في إطار التنسيق مع طهران التي فضّلت إدارة التصعيد بصورةٍ تدريجية وتوظيف مكونات المحور على مراحل تبعًا لتطورات الميدان. وبقي الحوثيون خلال الأسابيع الأولى يُلوّحون بإمكانية التدخل دون الانتقال إلى التنفيذ الفعلي، إلى أن شهدت الحرب تصاعدًا ملحوظًا في الضغوط العسكرية الأمريكية -الإسرائيلية على إيران واتساع الحديث عن احتمالات استهداف مصالح إيرانية إضافية[54].
في هذا السياق، أصدر الحوثيون مساء 27 مارس 2026 بيانًا حددوا فيه الظروف التي قد تدفعهم إلى التدخل المباشر[55]، قبل أن يُعلنوا عمليًا دخولهم الحرب في صباح اليوم التالي، 28 مارس، عبر إطلاق دفعة صواريخ باتجاه إسرائيل، وهو ما مثّل انتقال الجماعة من مرحلة الاستعداد المعلن إلى مرحلة الانخراط العملياتي الفعلي[56]. ومع ذلك، لم يتطور هذا التدخل إلى فتح جبهة شاملة، بل اتخذ شكل مشاركة عسكرية محدودة ومتصاعدة تدريجيًا. فمنذ العملية الأولى في 28 مارس 2026 وحتى وقف إطلاق النار في 8 أبريل 2026، نفذت الجماعة ست عمليات معلنة استهدفت إسرائيل بالصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة، كان آخرها في 6 أبريل 2026[57].
وخلال هذه العمليات حرص الحوثيون على تجنب استهداف السفن الأمريكية أو استئناف هجماتهم على الملاحة التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، بما عكس رغبةً في إبقاء التصعيد ضمن حدودٍ محسوبة. وفي الوقت نفسه، سعت الجماعة إلى تقديم عملياتها باعتبارها جزءًا من جهد منسق على مستوى “محور المقاومة”، إذ أكدت في بياناتها أن بعض الهجمات نُفذت بالاشتراك مع إيران وحزب الله، كما شددت على أن تدخلها يأتي في إطار إسناد جبهات إيران ولبنان والعراق وفلسطين[58]. ويُشير ذلك إلى أن الحوثيين حاولوا الجمع بين تثبيت حضورهم ضمن معادلة “وحدة الساحات” وإظهار التماسك العملياتي بين مكونات المحور، دون الانتقال إلى استخدام كامل أوراق الضغط المتاحة لديهم، وفي مقدمتها جبهة البحر الأحمر[59].
ويعكس هذا النمط المحدود من التدخل محاولة الحوثيين تحقيق توازن بين دعم إيران والحفاظ على هامش مناورة يمنعهم من استهلاك كل أوراقهم في وقتٍ واحد. فمن جهةٍ، ساهم فتح جبهة ضد إسرائيل في زيادة الضغط على خصوم إيران، وأظهر تماسك مكونات “محور المقاومة” في وقتٍ تتصاعد فيه التهديدات الموجهة إليه. ومن جهةٍ أخرى، استخدمت الجماعة هذا التدخل لتأكيد دورها كفاعلٍ إقليمي مؤثر، ولتعزيز خطابها السياسي والتعبوي في الداخل اليمني[60].
على صعيد الخطاب، برز تباين واضح بين موقف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وموقف جماعة الحوثي تجاه الحرب، مما عكس انقسامًا في القرار اليمني إزاء الانخراط في الصراع الإقليمي. ففي 28 مارس 2026 أصدرت الحكومة اليمنية بيانًا حذّرت فيه من انخراط الحوثيين في العمليات العسكرية الداعمة لإيران، معتبرةً أن هذا الانخراط يُعرّض الأمن القومي اليمني للخطر ويُهدد بتحويل البلاد إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، وشددت على أن قرار الحرب والسلم يُعد حقًا سياديًا حصريًا للدولة، وأن أي عمل عسكري يتم خارج هذا الإطار يُمثل عملا غير مشروع، محذرةً من استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية[61].
في المقابل، قدّم زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي في خطابه بتاريخ 2 أبريل 2026 مرافعة سياسية وأيديولوجية لتبرير الانخراط في الحرب، إذ اعتبر المواجهة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل معركةً مصيرية تتجاوز حدود إيران لتشمل مستقبل المنطقة بأكملها، وطرح مشاركة جماعته ضمن إطار “وحدة الساحات” ومحور المقاومة باعتبارها واجبًا دينيًا واستراتيجيًا لمواجهة ما وصفه بالمخطط الصهيوني الأمريكي. كما أعلن صراحةً بدء مشاركة اليمن في العمليات المشتركة عبر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد إسرائيل، مؤكدًا أن الجماعة لن تقف “مكتوفة الأيدي” أمام ما تراه استهدافًا لإيران ومحور المقاومة[62].
وعقب إعلان وقف إطلاق النار، عاد الحوثي في خطابه بتاريخ 9 أبريل 2026 ليقدّم نتائج المواجهة باعتبارها انتصارًا استراتيجيًا لإيران ومحور المقاومة، مؤكدًا أن الحرب أسهمت في “الإرساء لمعادلة وحدة الساحات” وتعزيز التنسيق بين جبهات المحور في لبنان والعراق واليمن. كما شدد على أن التهدئة لا تعني انتهاء الصراع، بل تُمثل مرحلةً مؤقتة مشروطة بوقف الاستهداف الإسرائيلي لجبهات المحور، محذرًا من أن أي تصعيد جديد ضد إيران أو لبنان أو فلسطين سيُقابل بعودة المشاركة العسكرية اليمنية[63]. ويعكس هذا الخطاب استمرار التزام الجماعة بخيار الإسناد العسكري، وربط مستقبل التهدئة الإقليمية باستمرار معادلة الردع التي ترى أنها أُرسيت خلال الحرب، وهو ما يؤكد مجددًا عمق الفجوة بين الموقفين الرسمي والحوثي إزاء مستقبل التزام اليمن بمعادلات الصراع الإقليمي.
وفي 8 يونيو 2026، أصدر المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية (الحوثيين) بيانًا أعلن فيه استئناف العمليات العسكرية ضد إسرائيل، مفيدًا بأن “القوات المسلحة اليمنية” أطلقت دفعةً صاروخية استهدفت مواقع حساسة في منطقة يافا المحتلة، في إطار التصدي للعدوان الأمريكي والإسرائيلي على “محور الجهاد والمقاومة” في إيران وفلسطين ولبنان والعراق واليمن، وردًا على استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان وإيران وغزة. واللافت في هذا البيان أنه أعلن، للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار في 8 أبريل 2026، إعادة فرض حظر شامل على الملاحة البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر، واعتبار جميع تحركات العدو الإسرائيلي في تلك المنطقة هدفًا عسكريًا مشروعًا منذ لحظة صدور البيان. كما تضمن البيان تهديدًا بمواجهة “التصعيد بالتصعيد” وتصاعد العمليات العسكرية بالتنسيق مع محور المقاومة، إضافةً إلى التأكيد على أن العمليات ستستمر ما دام العدوان والحصار مستمرين على اليمن ومكونات المحور[64].
ويُمثل هذا البيان تحولا لافتًا عن النمط الذي اتسم به التدخل الحوثي خلال حرب مارس -أبريل 2026، حيث كانت الجماعة، كما سبقت الإشارة، حريصة على عدم المساس بجبهة البحر الأحمر والملاحة التجارية، مفضّلة الاحتفاظ بهذه الورقة كأحد أهم أدوات الضغط المتاحة لديها. فإعلان حظر الملاحة الإسرائيلية مجددًا في 8 يونيو يُشير إلى أن الحوثيين قرروا هذه المرة الانتقال إلى استخدام ورقة كانت مرجأة سابقًا، وهو ما قد يعكس تصاعدًا في مستوى التهديدات الموجهة إلى “محور المقاومة” بما يدفع الجماعة إلى توسيع هامش مشاركتها، أو تحولا في الحسابات الحوثية الداخلية باتجاه تبني موقف أكثر استدامة وتصعيدًا من الانخراط السابق المحدود والمتدرج.
ويُضفي هذا التحول أهميةً إضافية على الساحة اليمنية ضمن معادلة المواجهة الإقليمية، إذ يكشف عن جملةٍ من العوامل التي تجعلها من أكثر ساحات الإسناد قابلية للاستمرار في أداء دورها التصعيدي. ويتمثل أول هذه العوامل في الطبيعة الخاصة للمشهد اليمني، حيث يُسيطر الحوثيون على مركز الثقل السياسي والعسكري في مناطق نفوذهم، بما يمنحهم هامشًا واسعًا من الاستقلالية في اتخاذ قرار التصعيد مقارنةً بساحاتٍ أخرى تخضع لتوازناتٍ داخلية وإقليمية أكثر تعقيدًا. كما أن استمرار الانقسام السياسي والعسكري داخل اليمن، وتشتت القوى المناوئة للجماعة، يحدّ من القيود الداخلية التي قد تكبح خياراتها العسكرية أو تفرض عليها حسابات سياسية مشابهة لتلك الموجودة في ساحاتٍ أخرى[65].
ويتمثل العامل الثاني في الخصائص الجغرافية والاستراتيجية لليمن، التي تُوفر للجماعة أدوات ضغط يصعب تعويضها داخل بنية المحور. فالموقع المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمنح الحوثيين قدرةً على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، بما يُتيح لهم إنتاج آثار اقتصادية واستراتيجية تتجاوز بكثير حجمهم العسكري التقليدي. وقد أظهر إعلان إعادة فرض الحظر على الملاحة الإسرائيلية في 8 يونيو 2026 أن هذه الورقة ما زالت تحتفظ بقيمتها الردعية والتصعيدية، وأن الجماعة مستعدة لإعادة تفعيلها كلما رأت أن مسار المواجهة الإقليمية يتطلب توسيع نطاق الضغط على خصومها.
كما أن اندماج النشاط العسكري الحوثي ضمن سردية “وحدة الساحات” منح هذا الدور بعدًا يتجاوز الحسابات اليمنية المحلية، إذ بات يُقدَّم باعتباره جزءًا من مواجهة إقليمية أوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وليس مجرد تعبير عن مصالح أو أولويات داخلية. وقد عزّز هذا التصور ما عبّر عنه قائد “فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني” إسماعيل قاآني حين اعتبر أن الهجوم الصاروخي الحوثي على إسرائيل يُجسد “ذكاء جبهة المقاومة”، مؤكّدًا أن “الآخرين قد ينضمون أيضًا إذا لزم الأمر”، ومتحدثًا عن تشكّل “حزام أمني للمقاومة” يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل[66].
ويعكس هذا الخطاب إدراج الساحة اليمنية ضمن رؤية إيرانية أوسع تقوم على ترابط الجبهات وتكامل أدوارها في إطار محور المقاومة. ومن ثمّ، فإن الدور اليمني في الحرب لا يقتصر على الإسناد العسكري المباشر، بل يتحول إلى أداة استنزاف متعددة المستويات تجمع بين الضغط البحري واستهداف إسرائيل وإمكانية توسيع دائرة التصعيد عند الحاجة. وفي ضوء ذلك، تبدو الساحة اليمنية مرشحةً للاستمرار بوصفها أحد أكثر مسارات الضغط غير المباشر استدامةً داخل بنية المواجهة الإقليمية، وأكثرها قابليةً للتفعيل التدريجي وفق تطورات الصراع ومقتضياته.
خاتمة: من الإسناد إلى البقاء.. محور المقاومة والحرب الإقليمية المباشرة
تكشف مجمل التطورات التي شهدها الإقليم منذ مطلع عام 2026 أن المواجهة الجارية بين إيران ومحور المقاومة من جهةٍ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ أخرى، لم تعد مجرد حلقة جديدة في صراعات الشرق الأوسط الممتدة، بل أصبحت نقطة انعطاف أعادت تعريف طبيعة النظام الإقليمي وقواعد الاشتباك الحاكمة بين هذه القوى. فانتقال الصراع من منطق الحروب بالوكالة وإدارة النفوذ غير المباشر إلى منطق المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران مثّل تحولا نوعيًا أعاد ترتيب وظائف الفاعلين الإقليميين وحدود أدوارهم داخل ما يُعرف بمحور المقاومة. وعلى ضوء هذا التحول، لم تعد ساحات الإسناد في العراق ولبنان واليمن تتحرك بوصفها أدوات ضغط وظيفية ضمن استراتيجية الردع الإيراني فقط، بل أصبحت كل منها منخرطة -بدرجاتٍ متفاوتة- في معادلة وجودية تتعلق ببقاء المحور ذاته.
ومن جهةٍ أخرى، تكشف أنماط إدارة الولايات المتحدة وإسرائيل للصراع عن انتقالٍ واضح من سياسة الاحتواء والاستنزاف إلى استراتيجية تفكيك جذرية تستهدف إعادة هندسة المجال الإقليمي عبر تفكيك الترابط بين الساحات، وضرب مراكز القوة الثانوية بالتوازي مع الضغط المباشر على المركز الإيراني. وقد أدى هذا النهج إلى تحويل ساحات لبنان والعراق واليمن إلى مسارح اشتباك متزامنة، لكنها غير موحدة، بما يحدّ من قدرة المحور على العمل كوحدةٍ عملياتية متماسكة.
أما على مستوى الاستجابة، فإن سلوك الفاعلين في الساحات الثلاث يعكس تباينًا في درجات الانخراط وحدود المخاطرة، تحكمه اعتبارات الدولة والبيئة الداخلية بقدر ما تحكمه الالتزامات الإقليمية. فبينما تتجه بعض الساحات إلى انخراطٍ أكثر مباشرة ضمن سقوفٍ محسوبة، تعمل ساحات أخرى على إدارة توازن دقيق بين الاستمرار في معادلة الردع وتجنب الانزلاق إلى حربٍ شاملة قد تُهدد بقاءها السياسي والعسكري والاجتماعي. وقد جسّدت الأحداث المتلاحقة بين أوائل مارس ومطلع يونيو 2026 -من انخراط الفصائل العراقية وحزب الله والحوثيين بوتائرٍ متفاوتة، مرورًا بوقف إطلاق نار متعدد المسارات لم يصمد طويلا، وصولا إلى موجة التصعيد التي شهدتها الساحة اللبنانية والإقليمية بين 7 و9 يونيو وإعادة الحوثيين فرض الحظر على الملاحة الإسرائيلية في 8 يونيو- جسدت هذا المنطق من “المشاركة المحسوبة” بامتياز: ضغط متجدد يُعيد فرض كلفة على الخصوم، دون أن يصل إلى حد كسر معادلات الردع القائمة أو الانجرار إلى حربٍ شاملة.
وبذلك، لا تبدو الحرب الراهنة مجرد اختبار لقدرة إيران على الصمود في مواجهة خصومها، بل اختبارًا أشمل لبنية “محور المقاومة” نفسه: مدى تماسكه، وحدود مرونته، وقدرته على إعادة إنتاج وظائفه في ظل انتقال الصراع من الإسناد إلى المواجهة المباشرة. وفي ضوء هذا التحول، يظل مستقبل الإقليم مفتوحًا نظريًا على مسارين رئيسيين: إما الوصول إلى ترتيبات ردع جديدة تُعيد ضبط موازين القوة بين الأطراف وتفرض نوعًا من الاستقرار الهش القائم على الردع المتبادل دون تسوية نهائية، أو الدخول في مسار إعادة تشكيل النظام الإقليمي نفسه بما يتجاوز البنى القائمة، وصولا إلى هندسة جيوسياسية جديدة لم تتبلور ملامحها النهائية بعد.
غير أن واقع ساحات الإسناد، كما تكشف حتى منتصف يونيو 2026، يُرجّح في المدى المنظور، كفة المسار الأول: فحلقات التصعيد والتهدئة المتعاقبة التي شهدتها الساحات الثلاث لم تُنتج حتى الآن تفككًا حقيقيًا في بنية المحور أو انهيارًا في شبكة الإسناد، بل أنتجت معادلة “تصعيد منضبط ومتكرر” تتجاوز سقوف الهدنة دون أن تنزلق إلى حافة الحرب الشاملة. أما العوامل التي قد تدفع نحو مسار إعادة التشكيل البنيوي العميق -ملف سلاح حزب الله، وازدواجية القرار الأمني في العراق، والاستنزاف المتراكم لقدرات إيران وحلفائها- فتبقى عمليات تراكمية بطيئة لم تبلغ بعد نقطة اللاعودة، وتُرجّئ احتمال تحققها إلى المدى الأبعد، مشروطةً بفشل معادلات الردع المتجددة في الاستمرار..
المراجع
⁕ باحث في العلوم السياسية.
[1] Udi Dekel, From Military Achievement to a Regional Arrangement, The Institute for National security studies, 30 March 2026, Available at: https://2u.pw/8z94kO
[2] Renad Mansour et al., The Shape-Shifting Axis of Resistance: How Iran and its Networks Adapt to External Pressures, Chatham House, March 2025, Available at: https://2u.pw/DD24N .
[3] محمد أشقر، تغيّر العقيدة العسكرية الإيرانية خلال الحرب السورية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 06 ديسمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/mHGj2FxW.
[4] Kenneth M. Pollack, The Evolution of the Revolution: The Changing Nature of Iran’s Axis of Resistance, American Enterprise Institute, 26 March 2020, Available at: https://2u.pw/jqshjv.
[5] Kenneth M. Pollack, Ibid.
[6] محمد علي إسماعيل، مستقبل محور المقاومة وسيناريوهات التوسُّع الإقليمي للحرب، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 27 مايو 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/3i6oZZ5n
[7] Suzanne Maloney, The path forward on Iran and its proxy forces, Brookings, 01 March 2024, Available at: https://2u.pw/pg4x89iE
[8] Suzann Kardo Rached and Jalal Mistaffa, The Political Hybridization of Middle Eastern States: Iraq as a Case Study, Journal of Political Science: Bulletin of Yerevan University 2025, VOL. 4, NO. 3 (12), pp. 69-86.
[9] محمد الأيوبي، كيف أسقطت “وحدة الساحات” استراتيجية العزل الأميركية – “الإسرائيلية” تجاه لبنان؟، موقع العهد الإخباري، 04 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/RAeudP
[10] استراتيجية أمريكية بديلة في اليمن: موازنة الردع العسكري بالتمكين المحلي، يمن مونيتور، 18 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/5NlZ5a
[11] The Diminished Strategic Value of Iran’s “Axis of Resistance”, the Soufan Center, 18 September 2026, Available at: https://2u.pw/9qnDdk.
[12] أيهم السهلي، لبنان: حرب مستمرة.. و”وقف نار” هشّ، مجلة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، العدد 42، ربيع 2025، ص ص 365-376.
[13] كلمة الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم الأربعاء 4 آذار 2026، موقع العهد الإخباري، 04 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/iSjnbc.
[14] ديفيد شينكر، لحظة الحقيقة في لبنان، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 27 أغسطس 2025، متاح عبرالرابط التالي: https://2u.pw/8mjFLg.
[15] دانا سترول، السياسة الأمريكية تجاه لبنان: عقبات تفكيك قبضة حزب الله على السلطة، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 04 فبراير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/If9svG.
[16] العراق يسمح لقوات الحشد الشعبي “بالعمل بمبدأ حق الرد” بعد هجمات على مقرها، رويترز، 24 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/CTAcEy.
[17] واشنطن تطالب رئيس الوزراء العراقي الجديد بإجراءات للابتعاد عن طهران، الجزيرة نت، 06 مايو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/YWM4kJ.
[18] فاضل النشمي، رفض أميركي لـ«حكومة فصائل» في العراق، الشرق الأوسط، 19 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/TChsNo.
[19] نعوم ريدان، هجمات الحوثيين على السفن تؤثر على طرق التجارة في البحر الأحمر، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 07 ديسمبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/sMZYe3l.
[20] واشنطن تطلق «حارس الازدهار» بالبحر الأحمر وخليج عدن، الجريدة، 20 ديسمبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/UxDVw0.
[21] لطف الصَّرَاري، حرب أمريكا العالمية إذْ تتشابك في اليمن، موقع السفير العربي، 24 أبريل 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/7po0rHp.
[22] اتفاقية وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة و «الحوثيين».. الدوافع والمآلات، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، 26 مايو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/pEjlpi.
[23] فوزي الغويدي، مأزق اليمن: لماذا فشلت القوة الأمريكية؟، مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، 27 يوليو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/fVNP5T.
[24] ولي نصر، استراتيجية إيران الكبرى: تاريخ سياسي، ترجمة أحمد ع. محسن، (بيروت: دار هاشم للكتب والنشر، الطبعة الأولى 2025)، ص ص 308-314.
[25] المرجع السابق، ص 315.
[26] مايكل نايتس، مقاومة الميليشيات العراقية: تقييم الخيارات الأمريكية، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/UcfHuD.
[27] فاضل النشمي، الحكومة العراقية تسعى للنأي بالبلاد عن تداعيات حرب إيران، الشرق الأوسط، 02 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/aqJQsO
[28] أحمد الدباغ، على وقع تهديد الفصائل المسلحة بالرد.. هل يُجر العراق للحرب؟، الجزيرة نت، 02 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/NTDBCd
[29] العراق يفتح ملف سلاح الفصائل الموالية لإيران.. بداية التحول أم إعادة تموضع؟، عربي 21، 04 يونيو 2026، متاح عبرالرابط التالي: https://2u.pw/7CV2hh
[30] Mohammed A. Salih, Militias and Iraq’s Role in a Multifaceted Regional War, Foreign Policy Research Institute, 25 March 2026, Available at: https://2u.pw/tMHyDD
[31] ماذا نعرف عن الفصائل العراقية المنخرطة في حرب إيران؟، الجزيرة نت، 15 مارس 2026، متاح عبرالرابط التالي: https://2u.pw/jRCpZi.
[32] فاضل النشمي، العراق: واشنطن تهاجم «الحشد»… وطهران تقصف «البيشمركة»، الشرق الأوسط، 24 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/rlA8m1
[33] ماذا نعرف عن الفصائل العراقية المنخرطة في حرب إيران؟، الجزيرة نت، 15 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/jRCpZi
[34] مقتل ضابط في هجوم بمسيّرة على مقر المخابرات العراقية، سكاي نيوز عربية، 21 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/k9UxVE
[35] تحاصرها نيران الحرب.. بغداد عالقة بين أمريكا وإيران والفصائل، الجزيرة نت، 26 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/WxyOaD
[36] فاضل النشمي، العراق يتنفس الصعداء… والفصائل ترفض نزع السلاح، الشرق الأوسط، 08 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/eQpZbd
[37] صافيناز محمد أحمد، كيف يبدو العراق بعد شهر من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران؟، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 06 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/P8tYCe
[38] محمد علي، اجتماع لقادة الإطار التنسيقي بعد رفض أميركي لترشيح المالكي، العربي الجديد، 28 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/Y8ZnKu
[39] أسلحة وصواريخ حزب الله اللبناني.. أنواعها ومداها واستخداماتها، الجزيرة نت، 21 نوفمبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/SOHqpN
[40] Abdel Raouf Arnaout and Betul Yilmaz, Israel hits Lebanon with nearly 700 airstrikes since ceasefire: Report, Anadolu Agency website, 28 November 2025, Available at: https://2u.pw/MptB9J
[41] “دفاع فسيفسائي”.. كيف أعاد الحرس الثوري هيكلة حزب الله لمواجهة إسرائيل؟، الجزيرة نت، 21 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/nOod35
[42] فسيفسائي ردا على العدوانية الإسرائيلية.. المقاومة الإسلامية تستهدف موقع “مشمار الكرمل” للدفاع الصاروخي لجيش العدو، موقع المنار، 2 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/GTsAWv.
[43] كلمة الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم الأربعاء 4 آذار 2026، مرجع سابق.
[44] نفس المرجع السابق.
[45] اجتماع باريس.. نزع سلاح “حزب الله” يتحول إلى خطة تنفيذية، نون بوست، ٢٢ ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/x7sgfp.
[46] تقرير: «حزب الله» يوقف الهجمات بموجب الاتفاق بين أميركا وإيران، الشرق الأوسط، 08 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/wOCFHB.
[47] مكتب نتنياهو: وقف إطلاق النار لا يشمل لبنان، روسيا اليوم، 8 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/hvSINg.
[48] “حزب الله” يرد على “خرق اتفاق وقف النار” بعشرات العمليات والصليات الصاروخية ضد إسرائيل، روسيا اليوم، 9 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/Qr6s2p.
[49] حزب لبنان يعلن عدد قتلى الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية، سي إن إن عربي، 7 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/AdjzRO
[50] حزب من الصواريخ إلى الاتفاق.. كيف انتقلت المنطقة من حافة الحرب إلى طاولة التفاهم خلال أيام؟، تقرير على قناة الجزيرة الإخبارية على يوتيوب، 12 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/a7wNcz.
[51] ترامب يعلن إنهاء الحرب مع إيران.. ويتوقع توقيع الاتفاق قريبا، سكاي نيوز عربية، 12 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/4LKD7C.
[52] حسام عيتاني، تدمير بيئة “حزب الله” الحاضنة، موقع المجلة، 9 نوفمبر 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/uuXEDP.
[53] حبيبة ضياء الدين وأحمد السعيد، ماذا لو: أغلق الحوثيون مضيق باب المندب؟، مركز الحبتور للدراسات، 31 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/P2i6SO
[54] أحمد ناجي، الحوثيون يدخلون حرب الشرق الأوسط: ماذا بعد؟، مجموعة الأزمات الدولية، 30 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/pWqrvb
[55] هام… نص بيان القوات المسلحة اليمنية، موقع المؤتمر نت، 27 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/vJWmjp
[56] نص بيان الحوثيين، قناة المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية العميد/ يحيى سريع على موقع تيليجرام، 28 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://t.me/army21ye/3494.
[57] نص بيان الحوثيين، قناة المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية العميد/ يحيى سريع على موقع تيليجرام، 6 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://t.me/army21ye/3524
[58] نص بيان الحوثيين، قناة المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية العميد/ يحيى سريع على موقع تيليجرام، 2 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://t.me/army21ye/3514
[59] Fatima Abo Alasrar, How to Read the Houthis’ Late Entry in to the Iran War, Stimson, 30 March 2026, Available at: https://2u.pw/YcsZ4U.
[60] Eleonora Ardemagni, The balance of power in Yemen after the US-Houthi cease-fire, the Middle East Institute (MEI), 30 June 2025,
[61] عبد العزيز العدس، الحكومة اليمنية: انخراط الحوثيين بالدفاع عن النظام الإيراني يعرض أمننا للخطر، موقع أخبار اليوم، 28 مارس 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/HlqeGr
[62] (نص + فيديو) كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بشأن آخر التطورات في المنطقة 14 شوال 1447هـ – 2 أبريل 2026م، موقع قناة المسيرة، 2 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/C6kVXi
[63] (نص + فيديو) كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي حول آخر التطورات والمستجدات 21 شوال 1447هـ 09 أبريل 2026م، موقع قناة المسيرة، 9 أبريل 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/iuug9o
[64] نص بيان الحوثيين، قناة المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية العميد/ يحيى سريع على موقع تيليجرام، 8 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://t.me/army21ye/3537
[65] Christopher M. Blanchard, Yemen: In Brief, Congressional Research Service, 12 May 2026, Available at: https://2u.pw/DX5UXB
[66] بيان قائد “فيلق القدس” الإيراني: هجوم الحوثيين يعكس “ذكاء جبهة المقاومة” وقد ينضم آخرون، إيران إنترناشيونال، 08 يونيو 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/r2Tswy
نشر في فصلية قضايا ونظرات – العدد الثاني والأربعون – يوليو 2026





