العالم الإسلاميالولايات المتحدة وأوروباد. نادية مصطفى

حالة الخطاب العربي – الإسلامي حول ضربات الناتو وكوسوفا

قراءة في العلاقة بين الأبعاد الإنسانية والأبعاد الاستراتيجية

مقدمة

منذ انفراط عقد الاتحاد اليوجوسلافى السابق في بداية التسعينيات وأنظار العالم تتجه دومًا نحو “البلقان”. فبعد مأساة مسلمي البوسنة جاء دور مأساة مسلمي كوسوفا. ولذا كان لابد وأن تتجه أنظار المسلمين في العالم إلى هذه المنطقة التي تقع في قلب التوازنات الأوروبية والعالمية، والتي يقع مصير مسلميها بدورهم في قلب هذه التوازنات. هكذا قال لنا التاريخ.. وهكذا تقول لنا الأحداث المتتالية منذ بداية التسعينيات.
ولقد أثارت السياسات حول هذه المنطقة ومن داخلها عدة جدالات بين اتجاهات وتيارات سياسية وفكرية (بل وتنظيرية) متنوعة ليس على الساحة الأوروبية والأمريكية فقط، على اعتبار أن أمن البلقان يعد ركيزة أساسية من ركائز نظام الأمن الأوروبي ـ ولكن أيضًا على ساحتنا العربية الإسلامية على نحو يشهد على أن الروابط بين المنطقتين ممتدة وقائمة، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي ولكن بحكم الميراث التاريخي والحضاري المشترك وبحكم الهموم والمشاكل الراهنة المشتركة التي تواجه أجزاء الأمة دولًا كانت أم أقليات مسلمة.
وإذا كانت أحداث العام الماضي(1998) في كوسوفا قد كشفت الغطاء عن أزمة شعبها الألباني المسلم، التي سبق وتوارت وراء مأساة حرب البوسنة خلال أعوام تفجرها وحتى تسويتها، وإذا كانت هذه الأحداث قد أثارت الجدال حول مجموعة من الثنائيات التي اختلفت حول أولوياتها الاتجاهات المختلفة[1]، إلا أن الضربات الجوية لحلف الأطلنطي منذ 25/3 قد أدخل قضية كوسوفا منعطفًا خطيرًا ليس بالنسبة لمستقبل الإقليم ومصير شعبه المسلم فقط ولكن بالنسبة لتداعيات الحرب على قضية الأمن الأوروبي وعلى التوازنات العالمية وانعكاساتها داخل أوروبا وخارجها على حد سواء.
ولم تكن الأحداث الجارية سواء على ساحة المعارك (حتى انتهائها)، أو على ساحة الجهود الدبلوماسية الموازية للقتال والساعية للتوصل إلى وقف الحرب (أو الرامية بعد ذلك إلى إدارة ما بعد الحرب). لم تكن هذه الأحداث أو ما تطرحه جميعها من اختبارات أمام توازنات القوى الدولية وأمام أدوات إدارة الصراعات الممتدة المتجددة من ناحية وما تطرحه أيضًا من تهديدات على الوجود المسلم من ناحية أخرى، لم تكن جميع هذه الأمور هي موضع اهتمامي الوحيد خلال الشهور الماضية بحكم تخصصي في العلاقات الدولية من ناحية أو بحكم اهتمامي بالشأن البلقاني بصفة خاصة من ناحية أخرى[2]، أو قبل هذا وذلك بحكم الاهتمام بشأن مسلمي البلقان باعتبارهم جزء من الأمة الإسلامية (والذين مثلوا ـ حتى عقد مضى ـ المسلمون المنسيون في ذاكرة القلب العربي للأمة الإسلامية). بحكم كل هذه الاعتبارات السابقة لم يكن اهتمامي طارئًا عابرًا تفرضه عاصفة الأحداث العنيفة الجارية والتي جعلت الكارثة التي واجهها شعب كوسوفا المسلم أكبر كوارث المسلمين في نهاية القرن العشرين، وذلك تحت وطأة تجدد المشروع القومي الصربي الأرثوذكسي المتطرف القائم على استراتيجية تفريغ كوسوفا من خلال الإبادة الجماعية والتهجير الجماعي. ولكن اكتسب هذا الاهتمام وأحاط به -وخاصة خلال شهور الحرب – بعدًا محددًا فرضه ما كانت تمله الأحداث من تحد للعقل والقلب والنفس في آن واحد، ويتمثل هذا البعد في المعاناة الفكرية الشديدة ليس عند تحليل الأحداث العسكرية والدبلوماسية ولكن عند متابعة حالة “الخطاب العربي” بتياراته المختلفة. وهذه المتابعة تبين كيف انقسم هذا الخطاب وتفرع حول إشكالية العلاقة بين الأبعاد الإنسانية والأبعاد الاستراتيجية في ضربات الأطلنطي الجوية ضد الاتحاد اليوجسلافي الجديد، وكيف اتسم بظاهرتين أساسيتين وهما الانفعال والعاطفية في ظل دوي القنابل من ناحية، والخلط والتداخل والحيرة والارتباك من ناحية أخرى.
ولقد مثل هذا الانقسام في حد ذاته ظاهرة تستوجب الرصد والتصنيف من أجل التشخيص والتقييم على ضوء قراءة مغزى الأحداث الدبلوماسية والعسكرية ومدلولاتها (ما قبل اندلاع الحرب وحتى توقفها). وبقدر ما تكتسب هذه الظاهرة من جاذبية خاصة، حيث برزت نتيجة عدة اعتبارات تدفع لجعلها محورًا للدراسة (كما سنرى) في هذا العدد من الحولية بقدر ما يجب القول أيضًا أن أحداث وأفكار مرحلة “ما بعد الحرب” لا تقل أهمية أو مغزى حتى تستبعدها هذه الدراسة عن كوسوفا في حولية 1999.
إلا أنه يمكن تقديم بعض المبررات لعدم تناول “مرحلة ما بعد الحرب” وهي تتلخص كالآتي:
أ-نظرًا لعدم اكتمالها من ناحية، ونظرًا لضآلة المنشور عن الداخل الكوسوفي من ناحية أخرى فإن التطورات خلال الخمسة أشهر الماضية لا تكف ولا تصلح الآن لتقديم صورة متكاملة عن مجموعة من الأبعاد الهامة التي لابد وأن تتصدى لها دراسة “ما بعد الحرب في كوسوفا”. وهذه الأبعاد هي
1-نص الاتفاق الذي أنهى الحرب ومغزى السياق الذي أفرز هذا الاتفاق بالنسبة للعلاقة بين دور الناتو ودور الأمم المتحدة ودور روسيا.
2-مراحل وآليات التنفيذ ومشاكله
الإدارة الدولية المؤقتة: أجهزتها المدنية والعسكرية ما هي؟ وما دور كل منها؟
المراحل التي مر بها إقرار هذه الإدارة وتطور عملها ومجالاته ونتائجه
توزيع المهام بين الدول الخمسة الكبرى: إشكالية الدور الروسي، وإشكالية القيادة الأمريكية في مواجهة الدور الأوروبي: دور منظمة الأمن والتعاون الأوروبي ودور الاتحاد الأوروبي وذلك في الإشراف السياسي والفني على المؤسسات وتوفير أموال الإعمار بالمقارنة بدور القيادة الأمريكية للقوات العسكرية.
-وإشكالية العلاقة بين الأداة العسكرية والأداة السياسية والأداة الاقتصادية
-حقيقة تجدد العنف المضاد من جانب ألبان كوسوفا وحقيقة الهجرة الصربية إلى خارج كوسوفا، ومعدلات عودة اللاجئين وإعادة توطينهم.
3-الخريطة الجديدة للقوى السياسية الألبانية والصربية
غياب القيادة التقليدية لروجوفا وظهور قيادة جديدة مع التغير في دور جيش التحرير كوسوفا وتحوله إلى قوة سياسية بعد تكوين حزب يمثل كوادره بقيادة هشام تقي.
4-الوضع في داخل صربيا وطبيعة الإطار الإقليمي الذي يبرز قضية أمن البلقان في مجموعها والآثار على مستقبل كوسوفا
بين قمة 31 يوليو 1999 في سراييفو وبين قمة الأمن الأوروبي في أنقرة في 18-19 نوفمبر 1999.
-تزايد المعارضة في داخل صربيا: لماذا وكيف؟
5-مستقبل كوسوفا والانتخابات المقبلة
والمعونات اللازمة لإعادة البناء هل ستظل تحت الإدارة الدولية وإلى متى؟
هل تتحرك نحو الاستقلال أو التقسيم أم حكم ذاتي؟
6-ما مغزى كل ما سبق بالنسبة للإطار الإقليمي الدولي الذي أفرز الحرب وأفرز ما بعد الحرب: ومستقبل الاستقرار في البلقان والعلاقة بمنظومة الأمن الأوروبي والعالمي: في ظل إشكاليات العلاقات الأوروبية الأمريكية.
ب-إن دراسة حالة الجدال بين الاتجاهات المختلفة (حول دوافع الحرب في كوسوفا وأهدافها وأساليبها ونتائجها) لا تكتمل أركانها بدون تقييم أسانيد أطروحات هذه الاتجاهات خلال مرحلة الحرب على ضوء تطورات “ما بعد الحرب”، سواء بالنسبة لمصير شعب كوسوفا ومستقبل قضيته السياسية أو سواء بالنسبة للأبعاد الاستراتيجية المحيطة بهذه الحرب والمتصلة بنظام الأمن الأوروبي وبمستقبل دور الناتو في هذا النظام وخارجه.
بعبارة أخرى فإن تطورات الأشهر الخمس الماضية لا تكف للحكم على إشكالية العلاقة بين الأبعاد الإنسانية والأبعاد الاستراتيجية في سياسات القوى الكبرى تجاه كوسوفا، وهي الإشكالية التي انقسمت حولها اتجاهات الخطاب العربي (كما سنرى). ومن ثم تصبح دراسة حالة الخطاب ذاته منطلقًا عمليًا يمكن التراكم عليه بعد ذلك، للإجابة على التساؤل التالي هل حدث تغير جوهري بعد الحرب؟
ج-وأخيرًا فإن التركيز على حالة الخطاب العربي تجاه الحرب إنما يقع في صميم موضوع الحولية هذا العام (ألا وهو “العلاقات الإسلامية- الإسلامية) ولكنه يمثل مستوى خاص من مستوياتها -وهو غير الرسمي. وإذ كنا لا ننطلق أساسًا من مواقف الدول الإسلامية تجاه قضية هذا الشعب المسلم، ولكن سيكون هذا البعد الرسمي حاضرًا حيث يمثل أحد أبعاد القراءة في الخطاب على ضوء السؤال التالي: هل طرحت مقالات الخطاب العربي هذا الدور الرسمي وكيف؟ وما هي طبيعة هذا الدور على ضوء قراءتنا في أحداث مرحلة “الحرب”؟
خلاصة القول إن موضوع هذه الدراسة هو نوع من الممارسة العقلية حول كيفية الاقتراب من فهم أحداث هذه المأساة وتفسيرها. وتنطلق هذه الممارسة ومنذ البداية من تحيزات معلنة لا يمكن إخفائها. فإن القضية تتصل بالمسلمين في البلقان وعلينا كمسلمين تجاههم واجب النصرة ولكن علينا أيضًا وتجاه أنفسنا واجب حسن الفهم. وواجب النصرة هذا من ناحية وواجب حسن الفهم ذاك للاعتبار والتدبر من ناحية أخرى لابد وأن يتعدى الحماسة والانفعال إلى ضرورة التمكن من “فقه الواقع” أي فقه السياق المحيط بهذه المأساة والذي أفرزها، وما يفرضه أو يتطلبه هذا الفقه من مهام ومواقف تتعدى الإغاثة الإنسانية وتتعدى التسطيح في التحليل، وتتعدى مجرد توجيه الاتهامات لطرف أو التهليل لطرف آخر.
ولهذا فإن دراسة هذا الموضوع إنما تعكس ما يلي:
من ناحية: خبرة التفاعل والتعايش مع الأحداث والأفكار المنشورة عبر أسابيع الحرب. وهي الأسابيع التي شاركت خلالها أيضًا الباحثة في العديد من الملتقيات والمناقشات حول القضية. من ناحية أخرى: لا تتضمن الدراسة تشخيصًا لحالة الخطاب العربي فقط ولكن تقدم أيضًا ملامح رؤية ذاتية لتفسير ما حدث. وهي الرؤية التي تبلورت من واقع معايشة الخطاب العربي من ناحية والأحداث الجارية والخطاب الغربي من ناحية أخرى.
وإذا كانت بعض الاعتبارات تحدد أهمية رصد تشخيص اتجاهات الخطاب فإن هناك بعض الضوابط المنهاجية التي تحكم هذه العملية.
وتتلخص هذه الاعتبارات في الأربعة التالية:
الأول يتصل بالحدث ذاته أي توجيه الناتو -لأول مرة في تاريخه- حملة جوية ممتدة في قلب أوروبا وفي جوار استراتيجي قريب لمنطقتنا من ناحية هو جوار يتصل بوجود مسلم وبكارثة إنسانية من ناحية أخرى. فإذا كانت العمليات العسكرية ضد يوغسلافيا هي الأولى من نوعها في تاريخ نصف القرن من عمر الناتو إلا أن المأساة التي تعرض لها شعب كوسوفا الألباني لم تكن الأولى في القرن العشرين وإن كانت الأولى من حيث ضخامة حجم المأساة وعمقها. والاعتبار الثاني يتصل باستدعاء ذاكرة ما حدث من جدال حول أزمة الخليج الثانية منذ بدايتها وخلال مراحل تطور إدارتها وما اتسم به الخطاب أيضًا حينئذ من انقسام وحيرة وارتباك.
الاعتبار الثالث يرجع إلى الخطاب ذاته سواء من حيث حالة الانقسام الذي اتسم بها على نحو لم يظهر من قبل بنفس الحجم أو الطبيعة خلال 1998 أو خلال حرب البوسنة، أو سواء من حيث “المدى الزمني الذي استغرقه ” فهو المدى الذي يعكس نمط اهتمام الدائرة العربية الإسلامية بالشأن البلقاني الراهن. فهو اهتمام طارئ مؤقت. فنحن في انتظار انفجار العنف والمآسي الإنسانية لتعيد لنا الذاكرة التي غيبت عن جزء من الأمة.
والاعتبار الرابع نتساءل فيه هل يكفي هذا التشخيص بديلًا عن دراسة المواقف الرسمية العربية والإسلامية والتي اتسمت بالصمت إجمالًا، أو اتسمت بالحذر أو الاستحياء وكانت جميعها من الندرة ومن القلة بحيث لا تحتاج لدراسة خاصة؟
وتتلخص الضوابط المنهاجية التي تحكم تقديم نتائج هذه العملية فيما يلي. من ناحية الهدف هو تحديد خصائص عامة لحالة الخطاب في مجموعة وليس دراسة خصائص كل من التيارات أو الاتجاهات السياسية الكبرى (الإسلامية، الليبرالية، القومية، اليسارية..) فمثل هذه الدراسة تتطلب خطوات منهاجية وتحليلية منظمة ينوء بها هذا الموضع من حولية فضلًا عن أن الهدف هو تحديد أسانيد الاتجاهات الأساسية حول رفض أو قبول ضربات الناتو أو بعبارة أدق أسانيد تقويم أسباب الضربات وطبيعتها وعواقبها وأعتقد أن هذا التحديد يعد توطئة لازمة لاكتشاف مناطق الاختلاف والمشاركة بين التيارات السياسية الكبرى.
ومن ناحية أخرى إذا كان هذا التشخيص هو نتاج القراءة المقارنة في الخط العام لمجموعة من مقالات الرأي التي تم نشرها في الأهرام، الشرق الأوسط، الحياة، الشعب، فسنقدم تصنيفا لها وفقًا للاتجاه العام الذي تمثله تجاه الإشكالية المحورية موضع التشخيص (العلاقة بين الأبعاد الإنسانية والأبعاد الاستراتيجية) مع الأخذ في الاعتبار بالطبع أن هذه المقالات ليست هي كل ما يمثله الخطاب العربي الإسلامي حول هذه القضية ولكنها نماذج عن الاتجاهات نتاج التشخيص.
هذا وتنقسم الدراسة إلى جزئين: الأول يتناول السمات العامة لحالة الخطاب وتصنيفه. والثاني يقدم ملامح رؤية ذاتية حول تفسير ضربات الناتو.

الجزء الأول: حالة الخطاب.. السمات العامة والتصنيف

إن تشخيص حالة الخطاب تكشف لنا عن سماته العامة وعن مؤشرات هذه السمات وعن منهاجية تصنيفه:
1-أحاط بالخطاب في مجموعة سمتان أساسيتان اتسمت بهما الحالة الذهنية الإدراكية التي أحاطت بالتعامل الفكري مع هذه المأساة التي لا خلاف أنها أكبر مآسي المسلمين في نهاية القرن العشرين. وهاتان السمتان هما الانفعال والعاطفية من ناحية والغموض والخلط والتداخل والارتباك من ناحية أخرى.
وأعني بالانفعال والعاطفية تلك الأحاسيس السريعة الزوال، لأنها ظرفية تزول بزوال أسبابها. وبدلا من إخضاع القضايا لاهتمام البحث العميق والموضوعي تشتعل الانفعالات وعواطف المساندة الإنسانية. حقيقة لا يمكن أن ننكر بل ولابد وأن نسجل دائما وتكرارًا أن المأساة الحالية بالغة الضراوة بكل المقاييس وهي تقترن بشعور ديني وإنساني عميق تجاه ألبان كوسوفا المسلمين، وحقيقة نحن في حاجة إلى التذكرة بالمشروع الصربي التاريخي لتفريغ كوسوفا والنابع من تاريخ القومية الصربية المتطرفة الساعية لعمليات الإبادة الجماعية، إلا أن استيعاب وفهم ما حدث وسيحدث لكوسوفا لا يجب أن يقتصر على الاهتمام بهذه الأبعاد فقط، بحيث ينتهي الاهتمام مع توقف العمليات العسكرية، وتدخل القضية مثل سابقتها حالة الاعتياد والتعايش معها بعد أن شهدت مرحلة أو حالة “الصدمة الإنسانية” بحيث يتكرر ما حدث من قبل مع الانفعال مع مأساة البوسنة ومع غيرها. فمع توقف أصوات الرصاص في البوسنة توقف الاهتمام بها كما لو أن السلام قد استقر نهائيا هناك في حين أن البوسنة بعد دايتون مازالت تحمل من فرص الانفجار أكثر مما تحوي من احتمالات الاستقرار، كما كانت مقدمة لانفجار الوضع في كوسوفا.
ماذا أعني بالغموض والتداخل والخلط في التحليلات والتي تعكس حالة من الحيرة والارتباك لفهم ما حدث ولاتخاذ موقف منه منذ بدايته ومع تطوره واحتمالاته سياسيا وعسكريا وإنسانيا؟ أي لفهم أبعاد مشهدين متقاطعين: الضربات للصرب ومأساة مسلمي كوسوفا المتفاقمة مع هذه الضربات وامتدادها نظرًا لتصاعد عمليات التطهير من جانب الصرب وتساعد مأساة النزوح والخروج الجماعي الكثيف لألبان كوسوفا على نحو أوشكت معه كوسوفا أن تفرغ من أهلها وأوشك الحلم الصربي على التحقيق، ونظرًا من ناحية أخرى لأن الضربات لم تكن محددة بل حملة كثيفة ممتدة في أرجاء الاتحاد اليوجسلافي وليس كوسوفا فقط.
ولقد حمل المشهدان الكثير من الأسئلة:
أ-ماذا كانت أهداف العمليات الأطلنطية؟ هل حقيقة كانت حماية ألبان كوسوفا وكيف إذا كان هذا لم يتحقق كيف تبدأ ضربات باسم حماية أقلية وتقود إلى هذه المأساة؟ هل هذه مؤامرة أم حسابات خاطئة أم مجرد مبررات معلنة؟ كيف تؤدي الضربات إلى إعطاء ميلوسوفيتش الفرصة لتحقيق مخطط الصرب التاريخي في تفريغ كوسوفا؟
ب-هل هناك أهداف أخرى يجري تحقيقها ولو على حساب الهدف المعلن المغلف بمقولات البعد الإنساني؟ وما هي تداعيات هذه العمليات ونتائجها ليس على البلقان فقط ولكن على العالم برمته.
جـ-وهل الصراع في البلقان صراع عرقي ديني أساسًا؟ أين ميراث التاريخ وأين ميراث السياسة والمصالح في انفجار الوضع؟ كيف تراجعت الأزمة الأصلية (حق تقرير مصير شعب كوسوفا) لتصبح الأزمة هي الحرب الدائرة ومشكلة لاجئي كوسوفا؟
ويتجسد ارتباك حالة الخطاب حول الإجابة على هذه الأسئلة في السؤال التالي: لماذا بعد استبعاد التدخل الغربي ـ من ناحية ولماذا بعد الدعوة إلى هذا التدخل من ناحية أخرى ـ كما رأينا من قبل ـ لماذا بعد هذا كله يبدأ الاختلاف حول دوافع وأهداف وعواقب التدخل حين حدوثه؟
لقد بدأت معضلة الخطاب في التشكل قبل أن يكتمل الأسبوع الأول من الضربات. وحين تعمق استنكار البعض واعتراضهم على ما تتعرض له سيادة صربيا من انتهاك وحين تحول ابتهاج البعض الآخر بالضربات التي تحدث لحماية الإنسانية ـ إلى غضب واستفسارات وتساؤلات، كانت المعضلة قد استحكمت، وأفرزت انقسام الخطاب واستقطابه أحيانًا وحيرته وارتباكه أحيانا أخرى: هل نقف مع الناتو من أجل مسلمي كوسوفا؟ وإذا لم نقف معه فهل يعني هذا تخلينا عن مسلمي كوسوفا؟
2-ولعل من أهم المؤشرات التي مكن أن نرصدها والتي تبين الخلط والحيرة والارتباك والغموض في تحليل الأسباب والدوافع والنتائج أن اتجاهات الخطاب المتجادلة تطرح أراء مختلفة حول مجموعة من الثنائيات المتقابلة من: حق تقرير المصير للشعوب والاستقلال/ أم سيادة الدولة وتماسك أراضيها، سيادة الدولة / التدخل العسكري المباشر
حماية سيادة الدولة / حماية شعوب من الإبادة
حماية المصالح القومية / حماية حقوق الإنسان وحماية الشعوب من الإبادة
الشرعية الأطلنطية / الشرعية الدولية
صراع المصالح / صراع العرق ـ الدين
توازنات القوى الدولية / توازنات حماية الشعوب
سياسات القوى / الاعتبارات الإنسانية والقيمية
العولمة / الخصوصيات القومية ـ الدينية
الشرعية التاريخية أو القانونية / شرعية القوة
وتنبع هذه الثنائيات من إطار مزدوج يتصل بالأمن الأوروبي والتوازنات الأوروبية والعالمية من حوله من ناحية كما تتصل بالعلاقة بين الإسلام والمسلمين والغرب ولكن هذه المرة في قلب الغرب ذاته وعلى ساحته الأوروبية في البلقان حيث يواجه مسلمو كوسوفا امتدادات المشروع القومي الصربي المتطرف كما يواجهون موقف أوروبا الغربية من الحالة الإسلامية.
ولذا لا غرابة أن يجتمع عند المقارنة بين اتجاهات الخطاب المقابلة بين نظريتين للمؤامرة: نظرية المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين في أوروبا في ظل الجذور التاريخية للصراع العرقي ـ الديني أي الصراع الألباني المسلم / الصربي الأرثوذكسي، ونظرية المؤامرة الأمريكية العالمية للسيطرة على العالم وضد سيادة الدول الصغرى من خلال تدخلات عسكرية مباشرة تتغلف بمبررات الاعتبارات الإنسانية؟
3-وعن منهاجية تصنيف اتجاهات الخطاب: فلا عجب أيضًا أن نستكشف أن الخطاب في إجماله بمثابة ميزان ذو كفتين أو عمله ذات وجهين، وجه يركز على الأبعاد الإنسانية القيمية وينسى أو يتناسى الأبعاد الاستراتيجية للقضية برمتها أي دوافع وأسباب وعواقب حمله الناتو الجوية ضد يوجسلافيا، والآخر يمثل العكس ولكن الصورة عن قرب وبحثًا نحو قدر من التفصيل ليست بهذه السهولة أو البساطة، وخاصة عند محاولة تصنيف الخطاب بين هاتين الكفتين أو هذين الوجهين بطريقة منهجية منظمة: لماذا؟ نظرًا لما يلي:
من ناحية: تعدد الروافد التي أمكن رصدها خلال القراءة المقارنة التراكمية على صعيد كل من الكفتين. بحيث يجب القول أننا لسنا أمام عملة ذا وجهين أو ميزان ذي كفتين ولكن أمام خط مستمر يبدأ بطرف قصي وينتهي عند طرف قصي آخر عبر عدة محطات.
من ناحية أخرى: تتعدد زوايا النظر ومناهجه. هل إعلان موقف بصراحة (تأييدًا أو رفضًا للضربات) أم تقديم تحليل وتقويم أو تبرير للوضع يشتمل ضمنيًا على الموقف، أو تقديم نقد وتقيم لخطابات أخرى على نحو يتبين منه موقف الناقد أو المهاجم؟ هل تتنوع درجات التأييد أو الرفض بمعنى أن يكون هناك تأييد لجانب واعتراض على جانب آخر؟
هل التركيز على الدوافع أم الأهداف أم عواقب الضربات، وهل التركيز على العواقب بالنسبة للعالم أم المصالح بالنسبة للغرب؟
هل هناك استحضار مباشر ومركز للبعد الديني أي للإسلام والمسلمين وللمسيحية الأرثوذكسية وكيف؟
ومن ناحية ثالثة: تتعدد المضامين التي يمكن رصدها تحت كل من مسمى الأبعاد الإنسانية القيمية والأبعاد الاستراتيجية.
فالأبعاد الاستراتيجية قد تكون أهداف الولايات المتحدة وأوروبا تجاه الأمن الأوروبي والعالمي، وقد تكون لدى البعض الآخر: عواقب الضربات بالنسبة لقضايا سياسية واستراتيجية هامة: السيادة القومية، الشرعية الدولية، الهيمنة الأمريكية. وقد تكون لدى البعض الآخر: مستقبل الإسلام والمسلمين ليس في أوروبا والبلقان فقط ولكن أرجاء العالم الإسلامي كله
أما الأبعاد الإنسانية القيمية: فقد يكون مقصود بها مستوى دوافع سياسات الناتو (هل الضربات لحماية ألبان كوسوفا وعقاب الصرب) أو مستوى عواقب الضربات بالنسبة لتصاعد مآساة مسلمي كوسوفا، أو الدعوة للاهتمام بمفاهيم جديدة عن التدخل الدولي وسيادة الدول.
وعلى ضوء الاعتبارات السابق توضيحها فلقد تم تصنيف الاتجاهات التي ركزت على الأبعاد الاستراتيجية إلى مجموعات فرعية ثلاثة وكذلك تلك التي ركزت على الأبعاد الإنسانية ـ القيمية إلى مجموعتين.
وقبل البدء في عرض الملامح الكبرى المشتركة لكل مجموعة فرعية يجدر تكرار الإشارة إلى الأمور التالية: أولهم أن اتخاذ البعدين الاستراتيجي والإنساني منطلقين لتصنيف عام لا يعني أن المقالات تعكس فصلًا حاسمًا بينهما ولكن يعني توجيه النظر إلى البعد الذي ينطلق منه تحليل مقالة ما دون إغفال البعد الآخر ومع استدعائه سواء لتقويم الدوافع والأهداف أو عواقب الضربات. ثانيهم أن المجموعات الفرعية تحت التقسيم الثنائي تتنوع ما بين التأييد أو الرفض الواضح أو مجرد التحليل الذي يعكس موقفًا
ثالثهم: لا تقدم الدراسة نقدًا لمضمون كل نموذج وبالرغم من الاعتراف بضرورة القفز على تفصيلات هذه المضامين إلا أنه سيتم تقديم عرض مختصر لعناصر هذه المضامين في تسلسلها وعلى نحو يبين الخط العام للمقالات وينقل مفرداتها بقدر الإمكان. ولعل هذا الأسلوب يسمح للقارئ بفرصة للقراءة التراكمية المقارنة في مجموعة من المقالات.
وأخيرًا: هل يمكن أن نستكشف من هذا التصنيف كيف أن بعض التيارات الكبرى السياسية يمكن أن تشترك في تصنيف واحد ولو من منطلقات ونحو أهداف مختلفة فما هي؟ وما مناطق الاشتراك والاختلاف؟ سؤال يحتاج لإجابة، وتعد الدراسة الحالية توطئة له.

أولًا: الأبعاد السياسية ـ الاستراتيجية

تتفق المقالات التي اتخذت من هذه الأبعاد منطلقًا لتحديد موقفها من الضربات أو لمجرد تقديم تحليل لها، تتفق على الاعتراف بأن ألبان كوسوفو يواجهون مآساة إنسانية وبأن ممارسات الصرب ممارسات وحشية. وبالرغم من اختلاف درجات هذا التعاطف والإدانة بين هذه المقالات إلا أنها تتفق على أن التحرك الأطلنطي ليس من أجل الاعتبارات الإنسانية ولكن من أجل أهداف استراتيجية ودوافع استراتيجية يترتب عليها عواقب استراتيجية أيضًا تتعدى نطاق كوسوفا وصربيا إلى دوائر أكثر اتساعًا. وفي حين لا ينطلق معظم هذه المقالات من بعد ديني واضح فإن بعضها ينطلق منه.
يمكن أن نميز من ثنايا هذا الإطار العام روافد ثلاثة
الرافد الأول:، يرفض الضربات لما لها من عواقب على قضايا استراتيجية هامة وتلحق الضرر بمصالح دول العالم أن لم تكن مؤامرة للسيطرة عليه وهو لا يقدم حلًا بديلًا لمأساة ألبان كوسوفا.
والرافد الثاني، يرى أن مصالح الولايات المتحدة وأوروبا على ساحة أوروبا تفسر اتخاذ الناتو قرار توجيه الضربات سواء أخذ في الاعتبار أم لم يأخذ مآل ألبان كوسوفا، أما الرافد الثالث فيرفض الضربات باعتبارها مؤامرة ضد الإسلام والمسلمين على أساس أن العلاقة بين الغرب وبين الإسلام والمسلمين تعد من صميم القضايا الاستراتيجية العالمية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة
وفيما يلي بعض التفصيل حول المحاور الأساسية لأطروحات كل رافد من هذه الروافد الثلاثة.
الرافد الأول: الحرب في البلقان مرفوضة.. لماذا؟
تعلن نماذج هذا الرافد وبوضوح أسانيد رفضها للحرب والتي تتمحور حول قضايا انتهاك سيادة الدول القومية، تخطي إرادة الشرعية الدولية، تأكيد الهيمنة الأمريكية العالمية، مسئولية ضربات الناتو عما حاق بالألبان لأن حماية الأقليات لا يتحقق بتدخل خارجي بالقوة العسكرية. ولقد وضعت هذه النماذج على قدم المساواة ما حاق بالألبان وما حاق بالدولة اليوجسلافية من جراء الضربات دون تمييز بين المعتدي الأصلي والضحية. هذا ولقد تفاوتت هذه النماذج من حيث درجة اهتمامها بما تعرض له الألبان من مآسي إلا أنها لم تر أن القوة العسكرية يمكن أن تجد حلًا لمشكلتهم كأقلية. ذلك لأنها تنظر إليهم كمجرد أقلية وليس كأقلية مضطهدة تتعرض لإبادة وتطهير وتفريغ من نظام لم يقبل كل أنواع الضغوط غير العسكرية. هذا ولقد تنوعت مداخل هذه النماذج نحو أطروحاتها حول أسانيد رفضها للحرب، ما بين مداخل جزئية وما بين مداخل كلية مع ملاحظة أنها في مجموعها قد اقتربت من قضية كوسوفا وعيناها من ناحية على واقعنا العربي المعاصر وخاصة قضية فلسطين والتدخلات الخارجية في أزماتنا الراهنـة –خاصة العراق والسودان- وفي أزماتنا المرتقبة –وخاصة الأقليات-. كما كانت عيناها من ناحية أخرى على مستقبل الدور الروسي في مواجهة الانفراد الأمريكي العالمي.
وفيما يلي عرض لمضمون بعض نماذج هذا الرافد
1-إن ممارسات الحكم الصربي (تهجير جماعي، التطهير العرقي) تستوجب الإدانة القوية وتستحق العقوبات لتماديها في خرق حقوق الإنسان ولكن الأخطر على المدى الطويل هو ما يقوم به الناتو على مدن يوغسلافيا وكوسوفو بالذات من ضربات. لأنه يوحي للعالم بأن توظيف القوة المتفوقة المسيطرة من شأنه أن يمنح السلطة لأخذ الشرعية الدولية وبالتالي تهميش الأمم المتحدة إن لم يكن إلغائها كمصدر للشرعية الدولية وكمسؤول عن السلم والأمن الدوليين. إن ألبان كوسوفا في حاجة لتأييد ليس لاعتبارات دينية ولكن لاعتبارات حقوق الإنسان. ولكن الضربات مرفوضة لأنها استثناء ممقوت وخطأ مرفوض بشكل حاسم وقاطع ليس فقط بشأن انتهاك الشرعية الدولية ولكن لأنها تعجز عن توفير الحلول الناجحة لمشاكل هؤلاء الذين يتدخل الناتو باسمهم، بل العكس هو الذي حدث، حيث أنه مع استمرار عدم التدخل البري أيضًا يصبح ضحايا النظام المرغوب عقابه هم ضحايا من يدعون إنقاذه أيضًا[3].
2-ما من دولة في أوروبا ولا أمريكا مستعدة للتضحية بأبنائها في تدخل بري من أجل كوسوفا بعد أن صمدت الصرب للغارات الجوية التي ألحقت خسائر بالقوات الصربية والتي أجبرت الألبان على الهجرة من ديارهم هربًا من قسوة قوات ميلوسوفيتش التي استثارتها غارات الناتو. وأمام مقاومة ميلوسوفيتش فعلى الحلف أما تكثيف الغارات أو التورط في حرب برية. وإذا كان التورط في حرب برية مأساة وإذا كانت الغارات الجوية نفسها تعتبر تحولًا خطيرًا جذريًا في أسلوب معالجة المشاكل الحساسة، وحيث أن الانتقال من حالة المفاوضات إلى حالة الحرب كان أمرًا خطيرًا له أثاره السلبية أكثر مما يمكن أن يجلبه من أثار إيجابية فكان واجبًا الاعتماد على مزيد من الصبر وضبط النفس واستغلال الصلة الوثيقة التي تربط روسيا مع الصرب. ومن ثم لا يجب أن يجنح الناتو إلى تصعيد العمل العسكري وإنما إلى أسلوب توسيع دائرة الحوار وإشراك روسيا بصورة فعالة[4].
3-تتفق مؤسسات ومراكز بحوث سياسية وعسكرية عالمية على صعوبة تحديد فكر استراتيجي متكامل ونهائي من وراء غارات الناتو. فهل هذا مرجعه تجربة نظرية استراتيجية عسكرية أمريكية جديدة. وهي نظرية لا تقدم حلًا عسكريًا للمشكلة التي تواجهها ولكنها عبارة عن أساليب ضغط لتغيير موقف الخصم مهما كانت ما تؤدي إليه من كارثة إنسانية بسبب عدم التدخل البري. لأن هذه الضربات وإن برهنت على أن حلف الأطلنطي هو قوة يعتد بها، إلا أنها أوجدت كارثة إنسانية ومن ثم كان تدمير البلقان هو ثمن إنقاذ حلف الأطلنطي[5].
4-الغرب يتحمل جانبًا كبيرًا من مسئولية الكارثة الإنسانية الدامية بسبب سلوكه المتخاذل وموقفه المخزي المتواطئ تجاه ميلوسوفيتش منذ حرب البوسنة وتسويتها المجحفة بحقوق المسلمين مما زين له إمكانية التوسع والاستيلاء على حقوق الآخرين بدون أن يتعرض لعقاب. كذلك فإن الكارثة التي أراد الناتو تحاشيها بالتدخل قد تمت على الوجه الأكمل بفضل هذا التدخل العسكري. ومن ثم فإن البعد السياسي والعسكري لهذا الصراع الذي أداره الغرب واختار توقيته مستغلا في ذلك بعض الأماني المشروعة للأقلية الألبانية المسلمة الطامحة للانفصال، فقد توارى في الظل. والحقيقة التي يجب أن يراها الجميع هي أن مسلمي كوسوفا ليسوا إلا عنصرًا ضئيلًا في معادلة استراتيجية كبرى تتعلق بإعادة ترتيب الأوضاع في البلقان وانتزاع الناتو اختصاصات مجلس الأمن. وهكذا لم يكن مسلمو كوسوفا غير طعم استخدمه الناتو لأن اللعبة أكبر من مسلمي كوسوفا ومن أحلام العرب وأوهامهم. ولذا فإن من يرون أن ما حدث من محنة لمسلمي كوسوفا يستحق من أجلها أن ينزل الناتو العقاب بالدولة اليوجسلافية، بل يسارعون إلى تقديم واجبات الشكر والامتنان إلى أمريكا التي تدافع عن المسلمين، إنما يضيق عندهم مجال الرؤية بصورة قاصرة. فليست المسألة هنا مقارنة بين احترام الشرعية الدولية وإنقاذ ألوف المسلمين من مذابح الصرب، ولكنها في الطريقة التي وظفت بها مشكلة كوسوفا منذ البداية، لخدمة أهداف سياسية واستراتيجية كبرى لن تحقق لمسلمي كوسوفا أمانيهم ولم تنقذهم من المذابح على أية حال. ومن ثم فإن اختزال أزمة كسوفا إلى مسلمين ضحايا في مواجهة زبانية الصرب تستطيح ساذج للأمور. ومن ثم فإن مخاطر التوسع الأطلنطي الزاحف من كل اتجاه لا يجب أن تتوارى أمام محاولات الدفاع عن عدم مسئولية الناتو عما حاق بالألبان وعن أن الضربات كانت الحل الوحيد لحماية الألبان[6].
5-تواصلت المآسي التي يتعرض لها مسلمو كوسوفا وسط استمرار هجوم الناتو الذي يستهدف تحطيم البنية الأساسية للاقتصاد والدولة الوجسلافية دون أن يفعل شيئًا يذكر لحماية مسلمي كوسوفا الذين من المفترض أن حمايتهم هي الهدف المعلن. وعدا هدف تحطيم الدولة اليوجسلافية التي احتفظت بنظامها الاشتراكي المعادي للغرب والتي تناوئ خطط الناتو للتوسع والهيمنة في شرق أوروبا فإن الضربات وظفت قضية كوسوفا لإيجاد حقائق جديدة حول نظام دولي جديد يقوم على هيمنة الناتو عالميا بقيادة أمريكية حاسمة تتيح لواشنطن تحديد ما تراه من شرعية دولية وتتيح لها مع الناتو استخدام القوة لتحقيق هذه الشرعية.
ومن ناحية أخرى فإن هجمات الناتو كانت أسوأ من أي شئ حدث لمسلمي كوسوفا أو كان من الممكن أن يحدث لهم حيث تفتتت البنية الاجتماعية لهم وتحولوا إلى مشردين ولاجئين. إن الواقع يشير بجلاء تام أن حلف الناتو هو المسئول الأول عن مأساة مسلمي كوسوفا لأنه قام باستغلال قضيتهم كذريعة لتحطيم يوجسلافيا مما جعلهم محل نقمة حكومية وشعبية من صربيا دون أن يقدم الناتو حماية لهم لأنه مشغول بهدفه الرئيسي. فإن الصرب الذين تعرضوا للدمار على يد الناتو ردوا على ذلك التنكيل بالأقلية المسلمة. ومن ثم فإن حل مشاكل الأقليات لا يجب أن يتم بالقوة العسكرية ولكن على قاعدة التراضي والتحكيم والتفاوض والتقدير الحكيم لمصالح كل طرف[7].
6-إن الولايات المتحدة لم تعد تجلس وحدها على قمة النظام العالمي الراهن وإنما هي التي تملي شروطها على العالم كله. واعتمادها على الناتو ليوفر لها شرعية حركتها هو بمثابة إشهار لوفاة الأمم المتحدة. وبالرغم من التعاطف الشديد مع سكان كوسوفا في مواجهة حرب التطهير العرقي الصربية إلا أن منهج العربدة الأمريكية واستسهال واستحلال العمل العسكري بعيدًا عن مظلة الشرعية الدولية، أمر مرفوض لأن هدف إنقاذ ألبان كوسوفا ليس واردًا في أولويات أجندة أمريكا والناتو على الرغم من أن التدخل تم باسمهم. بل أن كل الشواهد المرصودة تؤكد أن عمليات التطهير العرقي تواصلت وتضاعفت مع بدء حملة الناتو ضد يوجسلافيا. وتزداد المخاوف مع طول فترة الحرب ألا تحقق الحرب أهدافها وألا يتم استكمالها حتى إخضاع إرادة ميلوسوفيتش السياسية وخاصة وأن القوة العسكرية الصربية مازالت متماسكة[8].
7-جعل رد حلف الأطلسي على وحشية ميلوسوفيتش الأمور أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل القصف. وكانت الكلفة مريعة على صعيد المعاناة الإنسانية سوء كان الأمر يتعلق بمأساة اللاجئين أو تدمير يوجسلافيا. ومحاولة تحديد على من يقع لوم المأساة الإنسانية ستكون صعبة للغاية أن لم تكن مستحيلة. ولكن لا يمكن الشك في أن القصف اللاشرعي زاد وسرع من هروب الناس من كوسوفا. ولهذا يستحق كلينتون وتوني بلير أشد إدانة أخلاقية. لأن مبادئ الأخلاق تعني أنه إذا أراد المرء التدخل لتخفيف معاناة ظلم فإن عليه التأكد أن ذلك لن يزيد الوضع سوءًا. وهو ما غاب عن بال قادة الأطلسي الذين اندفعوا إلى الحرب في طيش ومن دون استعداد واطلاع كافيين، فحسموا بالتالي بلا رحمة مصير مئات الآلاف من ألبان كوسوفا. ومن ناحية أخرى فإن الحروب الآمنة والنظيفة التي يتمتع بها العسكريون الأمريكيون تثير قلقًا عميقًا. كذلك فإن كان التطهير العرقي أثمًا في كل مكان فلا يمكن القبول بمعايير مزدوجة[9].
8-كذلك وعلى ضوء المقارنة بين الأطر الإقليمية والدولية التي تم في ظلها استخدام القوة العسكرية في حالتي العراق وكوسوفا يرى البعض[10] أن هناك اختلافات قانونية وسياسية كبيرة بين الحالتين حيث أن التدخل في الأولى كان شرعيًا على عكس الثانية ففي البلقان لم يكن هناك اعتداء خارجي، ومهما كان إلحاح الحاجة لتقديم الحماية لضحايا الوحشية الصربية فإنه لا يمكن تبرير التدخل العسكري بأنه استجابة لمبدأ الإجراءات الدولية للدفاع عن النفس، فلم يحدث اعتداء على أحد أعضاء الناتو، ولم تطالب دولة عضو في الأمم المتحدة بمساعدة الناتو ولا يمكن القول أن الناتو قد تحرك لتأديب أحد أعضائه لأن يوجسلافيا ليست عضوًا فيه، كما أن مجلس الأمن لم يفوض الناتو لاتخاذ إجراءات عقابية ضد يوغسلافيا. وبالنظر إلى المبررات الإنسانية للتدخل فإن هذا النموذج يرى أن التدخل العسكري بشأنها لابد أن يتم في كل الظروف تحت غطاء مجلس الأمن. هذا فضلًا عن أن العمل العسكري لم يخفف من ويلات مسلمي كوسوفا. بل على العكس فلقد أعطى ميلوسوفيتش الحق لتهجيرهم وهو الأمر الذي يبرر الشكوك في تآمر الناتو ضد مسلمي كوسوفا. ولهذا كله تقوى الحجج بأن ضربات الناتو كانت مدفوعة باعتبارات استراتيجية ضد روسيا وأن مبدأ الدفاع عن المسلمين في كوسوفا لم يكون إلا غطاء. ولهذا لا يجب أن نجعل تعاطفنا مع المسلمين في كوسوفو يعتم على تحليلنا لأثر تدخل الناتو السلبي على التوازنات الاستراتيجية العالمية.
9-وإذا كانت المداخل السابقة لم تتهم الغرب بالتواطؤ أو التآمر ضد الوجود الإسلامي في كوسوفا إلا أن المدخل الأخير[11] الذي نقدمه وإن كان قد انطلق من هذه الفكرة إلا أنه يشترك مع المداخل السابقة في جوهرها من ناحية ويزيد عليها من ناحية أخرى من حيث الإعراب صراحة عما يأمله بشأن مستقبل الحملة وهو فشلها وأسباب ذلك الأمل: فما هي عناصر هذا المدخل؟
-أننا بصدد مشكلة عتيقة يصعب حلها.. ولكن لا أظن أن عاقلًا يتصور أن حلف الأطلنطي بقيادة أمريكًا هو هذا الوسيط العاقل العادل.. أن التدخل الخارجي إلى جانبهم (مسلمو كوسوفا) لا يكون مناصرة لدولة مستقلة تخضع لعدوان (مثل البوسنة من قبل) ولكن يعتبر تدخلًا في الشئون الداخلية لدولة ذات سيادة.. وهذا هو الوجه الأخطر لم نعايشه الآن والمتمثل في قصف حلف الأطلنطي ليوغسلافيا..
-مع التطورات الأخيرة أدرك المسلمون أن حلف الأطلنطي لا يمكن أن يتحرك بكل هذه القوة من أجل سواد عيون المسلمين في كوسوفا، إذ منذ متى دخلت الرحمة في قلوب الدول الغربية.. إن الهدف ليس إنقاذ المسلمين في كوسوفا كما يدعون، فلماذا دبروا وتواطأوا لذبح المسلمين في البوسنة؟ ألم يفعلوا ذلك عامدين ليمنعوا قيام دولة إسلامية يعتد بها؟
-إنهم يرون عن حق أن صرب يوغسلافيا يشكلون العائق الأكبر في وجه توسع حلف الأطلنطي ويرون بالتالي أن تحطيم الجيش الصربي وإقامة قواعد الناتو في كوسوفا يكون إنجازًا مهمًا في اتجاه احتواء روسيا وتهديدها، وهذا هو السبب الحقيقي للإعتداء الحالي على يوغسلافيا..
-ورغم كل ما يذكر (عن جوانب السلوك الروسي تجاه الضربات)فإن البعض قد يقول أن الأوضاع السياسية والاقتصادية في روسيا قد لا تمكنها من التصرف بالقوة المناسبة وهذا صحيح طبعًا إلى حد ما ولكن لا ينبغي أن نبالغ في أثر هذه المصاعب وخاصة من حيث قدرة الناتو على إحداث ضغط اقتصادي يؤثر في القرارات الروسية الاستراتيجية.. فماذا يخبئ الغد بعد التورط الأخير للناتو بقيادة أمريكا في حرب الصرب مع ما أفضى إليه ذلك من إنهاض العملاق الروسي؟
-إن الناتو في مأزق لأن الصرب محاربون أشداء ولا يتوقع استسلامهم بسهولة بسبب القصف الجوي كما أن قوات الناتو ستواجه مقاومة إذا حاولت التدخل البري وهو الأمر الذي يحول دونه “مشكلة الجبن”
-إذا نجح الأمريكان في كوسوفا فسيكون هذا حافزًا لهم على تكرار التجربة وفي منطقتنا على وجه التحديد.. وداخل كوسوفا لن يكون النجاح الأمريكي انتصارًا للمسلمين هناك فالمواجهات على الأرض تبيدهم وتطردهم، أما بعد سيطرة الناتو على كوسوفا فلن يفضي هذا إلى تشكيل دولة مستقلة لهم فالغرب كله يرفض أكثر من الصرب قيام دولة إسلامية جديدة في أوروبا وأي كيان سيقيمه الناتو في كوسوفا سيكون مجرد استبدال سيطرة الدولة الغربية على المسلمين بسيطرة الصرب عليهم ويظلون بلا هوية ولا مستقبل ولا تقدم. أما إذ انهزمت أهداف الناتو فهذا سيؤدي إلى ضياع الهيمنة الغربية وستكون منطقتنا العربية الإيرانية على رأس المستفيدين من هذا (وقد عبرت الجمهورية الإسلامية في إيران مؤخرًا عن تقدير لاحتمالات الموقف يؤكد هذا الذي نقوله)[12]..
وسيساعد فشل الناتو في عودة الشرعية الدولية.. ولكن مؤكد أن فشل الناتو في يوغسلافيا يرتب على الأمة الإسلامية واجبًا مباشرًا وعاجلًا بأن تتدخل لحماية مسلمي كوسوفا من مجازر الصرب المحتملة، وهذا التدخل السياسي لدى روسيا ويوغسلافيا سيحقق نتائجه بإذن الله.
الرافد الثاني: قضايا الأمن الأوروبي وليس حماية المسلمين تفسر قرار الناتو.. ولكن؟
وعلى عكس ما كان عليه الرافد الأول من حسم في رفض ضربات الناتو فإن نماذج هذا الرافد وإن تعاطفت بدرجة أكبر مع مسلمي كوسوفا، فلقد ترددت في الرفض الصريح والحاسم للضربات.
ولذا فهي وإن قبلت تدخل الحلف ضد ظلم ميلوسوفيتش فهي تضع مبررات للتدخل ليس على رأسها الاعتبارات الإنسانية ولكن متطلبات بناء نظام جديد للأمن الأوروبي.
ولقد تنوعت مداخل نماذج هذا الرافد نحو أطروحاتها حول العلاقة بين الأمن الأوروبي وبين الحرب في البلقان على النحو التالي:
1-أن توافق التوقيت بين الضربات وبين المرحلة الأولى من توسيع الحلف شرقًا تثير التساؤل حول موقع بلغراد في استراتيجية أوروبا الوسطى في ظل المرحلة الثانية من توسيع الحلف وفي ظل العلاقة مع روسيا[13].
2-دخلت الولايات المتحدة الحرب ـ ليس لحماية المسلمين ولكن لعامل الخوف على الأمن الأوروبي، وبقدر التعاطف مع الدور العسكري لحلف الناتو ضد بلجراد التي تنتهك حقوق الإنسان ولكن نفس هذا الدور العسكري للناتو يفرض سيطرة الخوف من مستقبل دوره[14].
3-أن السبب في الشعور بالحيرة أو التمزق بين الترحيب بانتصاف الحلف لمسلمي كوسوفا وبين رفض تنصيب الناتو نفسه حكومة عالمية هو طغيان البعد الإسلامي للموقف على بعده المتمثل في قضية الأمن الأوروبي. ومن أهم التحديات والمخاطر التي تواجهه الآن هو خطر الصراعات القومية. وإذا كان الحلف يلعب دورًا رئيسيًا في الأمن الأوروبي فإن تقاعسه أمام تصفية المشكلات القومية في وسط وشرق أوروبا بأسلوب الإبادة الجامعية سيكون خطيرًا على أمن أوروبا. ولكن هذا التدخل في حد ذاته لا يثبت أن الحلف أصبح أكثر إنسانية ولا أكثر استعدادًا للتعاطف مع المسلمين كمسلمين، كما لا ينف أن للحلف وللغرب عمومًا تحيزاته ضد المسلمين والعرب. ولذا لا يجب النظر إلى التدخل باعتباره حكمًا بإفلاس نظرية المؤامرة الغربية على العرب والمسلمين ذلك أن سكان كوسوفا لو كانوا من غير المسلمين لاختلفت طريقة تعامل الناتو منذ البداية. ومن ثم ـ ومن واقع أقوال وأفعال ساسة الغرب ـ فيجب ألا ننعى على العقل العربي غرقه في أوهام نظرية المؤامرة أو ألا ننعي على السياسة الغربية التحيز العنصري والديني[15].
4-كان الغرب يعرف مسبقًا حدود مغامرته وتداعياتها سلفًا (اقتصارها على القصف الجوي، استفادة ميلوسوفيتش من حالة الحرب لزيادة بطشه بالألبان) ومن ثم لم يكن بالإمكان إبداء المفاجأة حيال ما حاق بألبان كوسوفا لأنه كن مبرمجًا ضمنًا منذ أن اتخذ الناتو قراره بالتدخل. ولذا يجب القول أن سكان كوسوفو بصدد دفع كلفة تطورات استراتيجية تتجاوزهم وتتجاوز قضيتهم كثيرًا وبعيدًا، لأن المواجهة الأخيرة بمبادرة أطلنطية لها وظيفة لا تتعلق بالاعتبارات الإنسانية والأخلاقية ولكن تتعلق بخط الانقسام الاستراتيجي الجديد في أوروبا بين أوروبا الشرقية السلافية أو الأرثوذكسية وبين سواها الغربي أو الأوسط. وهو الخط الذي أسفرت عنه المواجهة الصربية الغربية والتي أفرزت الأزمة اليوغسلافية والذي ليس معروفا إن كان الناتو قد استدرج إليها أم أنه ينفذ توجه استراتيجي جديد تقع منطقة البلقان في قلبه وهو التوجه الذي من شأنه أن يقيم حاجزًا عدائيا فاصلًا بين من هم في عداده ومن هم في خارجه[16].
5-كان هناك إدراك أمريكي سلفًا لعدة نتائج وتداعيات متوقعة عند شن الحرب سواء من حيث الرفض اليوجسلافي للاتفاق المفتوح أو إجبار بلجراد على الخضوع السريع أو سقوط الكثير من الضحايا الألبان. ولكن كانت أسباب قرار شن الحرب أقوى وأهم من هذه المحاذير وهي تتعلق أساسًا بالرؤية الأمريكية لطبيعة الأوضاع المستقبلية في القارة الأوروبية وهي:
الحاجة لتغيير النظام اليوجسلافي باعتباره أحد مخلفات الحرب الباردة، الحاجة إلى تأكيد استمرارية القيادة الأمريكية السياسية والعسكرية لقضايا أمن أوروبا، واستمرارية احتياج أوروبا لهذه القيادة وخاصة على ضوء التطورات حول إقامة بنية أمنية أوروبية مستقلة عن القيادة الأمريكية للناتو. ولذا ـ وإلى جانب أسباب أخرى تتصل بالصعيد العالمي فإن القضية في جوهرها بعيدة عما تروج له أجهزة الدعاية الأمريكية والأوروبية بشأن “البعد الإنساني للتدخل”[17].
6-يرافق التنازع على كوسوفا عدد من الأساطير وأنصاف الحقائق والأكاذيب المحضة. وأول هذه الأساطير أن كوسوفا هي أرض صربية مقدسة، وأن الألبان الكوسوفيين ما هم إلا غزاه ودخلاء، ومن الخرافات الأخرى أن الصراع في كوسوفا هو بين الحضارة الغربية وبين العالم الإسلامي، وأن الحرب أمريكية وان تدخل الناتو لاعتبارات إنسانية فحسب ولكن الحقيقة (بشأن هذا الأخير أساسًا) أنه يجب إزالة نظام ميلوسوفيتش الشيوعي لإخلاء الطريق أمام دمج أوروبا بأكملها ـ عدا روسيا ـ في نسيج الناتو والاتحاد الأوروبي. ولأن أوروبا الجديدة لا يمكن أن تتحقق إلا باستقرار البلقان وهذا لا يمكن تحقيقه إلا في ظل نظام على النموذج الغربي في بلجراد[18].
7-حرب البلقان اندلعت ولن تتوقف قبل تحقيق الأهداف المرسومة لها. لأنه يجب التمييز بين الأهداف المعلنة ـ التي تركز على الأبعاد الإنسانية وعلى عقاب ميلوسوفيتش وإجباره ـ وبين الأهداف غير المعلنة ومن ضمنها: إنهاء آخر نظام ديكتاتوري في أوروبا المقبلة على تنظيم فضاء اتحادي ديمقراطي واسع وعلى مصالح عالمية، حسم الخلاف على قيادة الأطلسي بين جناحيه الأوروبية والعالمي[19].
الرافد الثالث: الضربات مؤامرة على الإسلام والمسلمين.. كيف؟
إذا كانت نماذج الرافدين السابقين لم تنكر المأساة التي يتعرض لها ألبان كوسوفا إلا أنها في مجموعها ـ باستثناءات قليلة ـ لم تثر البعد الديني للقضية أي باعتبارها مواجهة بين الإسلام والمسلمين وأعدائهم وموضع ذلك من أهداف الضربات وعواقبها. وعلى العكس فإن نماذج هذا الرافد تنطلق من هذا البعد وبدرجة واضحة تتغلف بها أبعاد أخرى استراتيجية بل ويستبعد من التحليل أبعاد أخرى وخاصة “فقه واقع” الآخر ودوافعه ومصالحه التي تفرض عليه سياساته.
-فبعد استنكار عدم التدخل من قبل ـ باعتباره أيضًا مؤامرة ضد الإسلام والمسلمين ـ فإن هذا الرافد يقدم وجهان لرفضه وإدانته ضربات الناتو. أحدهما يتمحور حول كيف أن عمليات الناتو لم تمنع مأساة مسلمي كوسوفا بل فاقمت منها، نظرًا لاستمرار القصف الجوي دون تدخل بري، ولرفضه تسليح جيش تحرير كوسوفا، ولتحويل القضية إلى مجرد قضية لاجئين تطبيقًا لاستراتيجية التفريغ والتقسيم، ونظرًا لأن نتائج الضربات لم تخدم إلا الصرب.
وثانيهما استنكار وإدانة الصمت العربي الإسلامي ومحدودية الدور العربي الإسلامي. ولقد ظهر الارتباط واضحًا بين وجهي العملة في النماذج المختلفة المعبرة عن هذا الرافد، ويتضح ذلك من مداخل النماذج التالية التي ركزت على التفاصيل الدقيقة للوجهين وخاصة تفاصيل المذابح والمأساة الإنسانية، دون غيرها من الأبعاد الاستراتيجية للقضية:
1-ما يجري في البلقان ليس اهتمامًا بحقوق الإنسان المسلم ما يجري هناك صراع دولي المسلمون فيه هم الضحية الأولى والأخيرة وما يحدث لهم الآن هو جزء من أهداف هذا الصراع. ولا يدل على هذا ما نعرفه من عداء أمريكا للمسلمين في كل مكان ولا لممارسات أوروبا ضد المسلمين في كل مكان ولكن يدل عليه النتائج التي جعلت مسلمي كوسوفا يطالبوا بوقف هذه الحرب[20].
2-.. النتيجة المؤسفة حتى الآن هي أن الضحية الأولى لما يجري هم مسلمو كوسوفا الذين أصبحوا بين شقي الرحى. ولذا نتساءل هل حقا أمريكا تدافع عن المسلمين في كوسوفا أم أن المسلمين هنا هم المبرر الذي تستر وراءه أمريكا لتحقيق أهدافها.. ولو أن العرب والمسلمين اتخذوا الموقف الصحيح الذي يأمر به الإسلام واتخذوا موقفًا موحدًا ضد يوغسلافيا، ولو في حدود قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، لرضخت يوغسلافيا ولحسمت هذه القضية دون منة من أمريكا والناتو على المسلمين.. ولكن المسلمين قعدوا عن فريضة الجهاد في انتظار إنقاذ مسلمي كوسوفا على يد الناتو ويا لهول النتائج على مسلمي كوسوفا والبلقان والعالم[21].
3-ضربات الناتو كانت رحيمة ومبعثرة وأعطت الفرصة للصرب لارتكاب المذابح ضد المسلمين تحت غطاء رد الفعل، وتؤكد التقارير أن حملات الطرد الجماعي للمسلمين خلال أيام قصف الناتو فاقت ما حدث منذ بداية الحرب في كوسوفا. ومن غير المتوقع أن يتوقف الصرب عن تفريغ كوسوفا بدون تصدي بري أو تسليح جيش تحرير كوسوفا. وعندما تتوقف هجمات الناتو لن يكون هناك مسلم في كوسوفا.[22].
4-..مع إغلاق كل منافذ التعبير العنصري والكراهية لليهود في أوروبا.. تحول المسلم الأوروبي تدريجيًا إلى وسيلة للتنفيس عن العنصرية المتفشية في شتى البلدان الأوروبية، حتى أصبح يتردد بين المسلمين مقولة “ستكون غرف الغاز في المرة القادمة من نصيبينا”.. على الرغم من إجماع الخبراء على أن القصف الجوي لا ينجح إلا مع وجود قوات برية فإن الذرائع التي يرددها مسؤولو البنتاجون لاستبعاد تدخل القوات البرية من الناتو أو من الألبان قد سبق وتكررت في البوسنة. وإذا كانت قوى الغرب تتجنب استخدام كلمة “إبادة” لوصف ما يحدث في كوسوفا فإن البعض، في تعليقه على رفض الناتو اتخاذ أي إجراء فعال لوقف الإبادة في كوسوفا، إنما يرى أن عدم استخدام وسيلة مملوكة لمنع الإبادة إنما يضفي عليها الشرعية. وفي المقابل يرفض الناتو الاستجابة إلى طلب جيش تحرير كوسوفا رفع الحظر عن السلاح ليتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم طالما يرفض الناتو التدخل البري. وفي المقابل أيضًا يقومون على ترحيل الآلاف من اللاجئين بعيدًا عن وطنهم وهو الأمر الذي لا يعد حلًا للمشكلة بقدر ما يعد تواطئ مع سياسة الصرب[23].
5-يبدو الآن واضحًا للعيان أن الناتو يهدف إلى تحويل قضية مسلمي كوسوفا إلى قضية لاجئين ومعنى ترحيل عشرات الآلاف من اللاجئين أن تضيع قضية كوسوفا لأن هذه الآلاف الذين يرحلهم الناتو بالقوة لن تعود.. ولا تبدو عمليات الناتو الجوية ذات قيمة في منع هذه المأساة[24].
6-..تتجه المأساة نحو التصعيد مع استمرار الضربات الجوية الأمريكية والمذابح الجماعية فتبدو الضربات الجوية وكأنها غطاء لما يرتكبه الصرب، وإن لم تكن كذلك فإنها أدت إلى نفس النتائج وهي إبادة شعب وذبح أمة ويسقط الغرب مرة أخرى في كوسوفا كما سقط من قبل في البوسنة وفي العراق ما دام أن هناك طرفًا مسلمًا وهو ما صرح به وكيل الخارجية الأمريكية في أثينا بأن بلاده ترفض إقامة دولة للمسلمين في كوسوفا[25].
7-.. لا يوجد أثر للمسلمين بعد أن أحالوا قضاياهم إلى أمريكا وحلفائها الغربيين. فالذي يدمر المسلمين في العراق هم أمريكا وحلفاؤها، والذي يظهر بمظهر المدافع عن المسلمين هم أمريكا وحلفاؤها. ولكن أين المسلمون وأصحاب القضية؟ إنهم شهود على إبادة وجود شعب مسلم بأكمله[26].
8-.. في مقابل مذابح المسلمين لم تقم الدول الغربية سوى وضع خطة لبعثرة المسلمين الألبان في عدة دول..وأكد المراقبون أن هذا يعني أن هذه الدول الغربية تريد تفريغ الإقليم وأن مسألة التفريغ تتم بتعاون كبير بين الصرب والدول الغربية[27] وفي خطة بريطانية كشفت الصحف البريطانية عن وثيقة سرية بصددها، وإلى جانب أبعاد عديدة من الخطة خاصة بمستقبل نظام ميلوسوفيتش تتضمن الوثيقة أيضًا ما يتصل بكيفية تطبيق أسلوب تهجير ألبان كوسوفا وهو الأسلوب الذي يجب أن نتحاشى ترحيل الفقراء أولًا ولكن الطبقة الوسطى والغنية التي تشكل العمود الفقري لأي شعب[28].
9-..إن المأساة تلقي الأضواء على أبعاد مواقف وسياسات الأطراف التي تنهض بالأدوار على المسرح أو الأطراف التي تنأى بالنفس في غير مبالاة بعيدًا عن مسئوليتها التاريخية التي تفرضها الروابط والصلات بمسلمي كوسوفا.. إن أمريكا أعلنت منذ بداية القصف أنها ضد التدخل البري كما أعلنت رفضها تسليح مسلمي كوسوفا، إن أمريكا تتحدث اليوم عن تقسيم كوسوفا وإنشاء محميات لمسلمي كوسوفا خارجها إضافة إلى توزيع اللاجئين خارجها أيضًا.. إنه ليس من دواعي الفخر أو الزهو أن ننتظر من أمريكا أن تحمل لواء وعبء الدفاع عن قضايانا.. إن الأجدى والضرورة يحتمان البحث والتباحث حول الموقف الرسمي العربي والإسلامي وحول أسباب الصمت المطبق، وكلاهما يصور العجز والتراجع وفقدان القدرة على التأثير حتى بالنسبة لقضايانا بل بالنسبة لحاضرنا ومستقبلنا[29].
10-..نحن لا يهمنا تدمير الصرب من عدمه ولا يعنينا بصفة أساسية تلك المواقف والمناورات والمبادرات التي تجري هنا وهناك.. ما يهمنا ويعنينا.. وهو أن الأطلسي حقق هدفين في وقت واحد الأول تكسير الصرب والثاني طرد المسلمين وتكسير عظامهم وإجلائهم عن أرضهم وبعثرتهم بين دول أوروبا، بل وبلا رجعة وبمؤامرة مدبرة.. إنني أناشد حكام المسلمين والعرب.. وأناشد كل التيارات السياسية والأحزاب.. وأنني أدعو الأزهر الشريف إلى مساندة أهل كوسوفا[30].
11-ويتكرر في نماذج أخرى[31] مضمون نفس الخطاب حول التفريغ وشبح الإذابة وفقدان الأمل في العودة إلى الديار تحت قهر الظروف وفي إطار السياسات المرسومة وحول مسئوليات العالم الإسلامي المفقودة والمطلوبة. وتقارن بعض النماذج[32] بين الأداء الإسرائيلي في تقديم المعونة مباشرة لمسلمي كوسوفا والذي تركزت عليه أضواء أجهزة الإعلام الغربية، وبين الأداء العربي الإسلامي في تقديم المعونة من خلال أجهزة المعونات الدولية على نحو لم يشعر به اللاجئون ولم تتركز عليه الأضواء. وتقارن بعض النماذج الأخرى[33]بين نموذجين (اسكتلندا وكوسوفا) صارخين في تناقضهما بالرغم تعلقهما بقضية واحدة وهي سعي الأقليات لتوكيد هوياتها القومية في ظل تغيرات عالمية تشجع هذا السعي حينًا وتقمعه حينًا آخر، والقارة الأوروبية هي المسرح الذي تجري عليه أحداث كلا النموذجين.. ومع ذلك فإن الفارق في المسار الذي اتخذته في كل منهما شاسع للغاية. وتحمل هذه المقارنة دلالة هامة بالنسبة لاختلاف نمط التعامل مع الأقليات المسلمة بالمقارنة بغيرها من الأقليات. الأمر الذي سيزداد التركيز عليه فيما بعد مع تفجر مشكلة الشيشان ومن قبلها استقلال تيمور الشرقية.
12-وأخيرًا ومع استمرار الضربات دون تدخل بري، وفي نفس الوقت الذي بدأ فيه تحليل المفهوم الاستراتيجي الجديد للأطلنطي الذي دشنته قمة الأطلنطي في واشنطن في 23-24 إبريل 1999، استمر هذا الرافد، من ناحية ـ في الكشف عن خطابه حول المؤامرة وكيف أن الاستراتيجية الجديدة التي تحمل مضامين الدفاع عن حقوق الإنسان والأقليات ليست إلا حق يراد به باطل وتهدف واشنطن من خلالها إلى خداع العالم، لأنها لا تحمل إلا معايير مزدوجة[34] كما استمر هذا الرافد يؤكد من ناحية أخرى خطاب المؤامرة التي يخوضها الغرب لمنع قيام دولة سكانها مسلمون في وسط أوروبا[35] وأنه يتحرك لاتجاه إنشاء محمية دولية على غرار البوسنة تلغي ليس الاستقلال فقط ولكن الحكم الذاتي أيضًا وذلك بعد تفريغ كوسوفا من سكانها وبعد أن أضحى هدف الناتو إلى إعادة مليون لاجئ ونصف شبه مستحيل[36] ومن ثم فإن خطة سلام كوسوفا لصالح الصرب وعلى حساب المسلمين[37] وأن اتفاق السلام في كوسوفا ليس إلا العودة إلى نقطة البداية[38]

ثانيًا: الأبعاد الإنسانية القيمية

أعطت مجموعة ثانية من خطابات الرأي الأولوية للأبعاد الإنسانية القيمية لتفسير دوافع الضربات أو عواقبها، وذلك دون أن تنقطع بالطبع عن الأبعاد الاستراتيجية. حيث كان يتم استدعاء هذه الأخيرة في سياقات مختلفة. ومن أهم هذه السياقات تلك المتصلة بالشكوك التي تثيرها الأبعاد الاستراتيجية حول مصداقية الأبعاد الإنسانية القيمية، أو تلك المتصلة بنقد أو نقص أطروحات وأسانيد الروافد التي انطلقت من هذه الأبعاد الاستراتيجية وخاصة الرافدين الأول والثالث، وأخيرًا تلك المتصلة بمصالح وأهداف أمنية أوروبية مباشرة تحققها ضربات الناتو.
ولهذا يمكن أن نميز على صعيد هذه المجموعة من الخطابات بين رافدين
الرافد الأول يستفيض بطرق مختلفة في بناء أسانيد دفاعه عن المنطلقات الإنسانية والقيمية للضربات، الثاني: يعلن موافقته على الضربات لاعتبارات إنسانية مع بعض الشكوك والتحفظات.
الرافد الأول: الأبعاد الإنسانية القيمية مبرر للضربات
تتنوع نماذج هذا الرافد وفق تنوع أسانيد هذا التبرير. وهي تقوم في مجموعها وتنطلق من نقد أسانيد المعارضين للضربات على أسس استراتيجية سياسية وفي حين يتجاهل بعضها هذه الدوافع الاستراتيجية فإن البعض الآخر يدحضها ويتحدث البعض الآخر، عن ضرورة وجود مصالح وراء هذا التدخل العسكري. كما تنطلق نماذج هذا الرافد أيضًا من محاولة تفسير ما يبدو من ارتباك أو خلط في التعامل مع القضية، ومن الاستعجاب بل والتهكم أحيانًا من ضألة التأييد العربي الإسلامي للضربات، ومن استنكار إدانة الضربات من جانب من طالبوا بها من قبل ومن جانب من توقعوا أنها لن تحدث بسبب تواطؤ الغرب مع الصرب:
وتدور أسانيد هذه التبريرات حول ما يلي
بيان الحاجة إلى مفهوم جديد للتدخل من أجل اعتبارات إنسانية يتخطى مفهوم السيادة التقليدية ويتم في إطار آليات جديدة، استهجان التذرع بالأهداف غير المعلنة للسياسة الأمريكية لتفسير الضربات لأن هذه الأهداف ليست في حاجة لحرب كوسوفا لتحقيقها، أن الناتو وإن تدخل لاعتبارات إنسانية إلا أنه أخطأ الحسابات وفوجئ بأوضاع لم تكون محسومة ومن هنا كانت العواقب الإنسانية للضربات، استنكار أن تقوم الإدانات والاتهامات جزافًا ضد الغرب بدون معرفة بالوقائع والتفاصيل من ناحية وتحت تأثير آمال وهواجس ومخاوف من ناحية أخرى لا تعكس إلا تمكن ذهنية المؤامرة من المعارضين للضربات، في حين أن الضربات نفسها تمثل طعن في مصداقية هذه الذهنية.
وفيما يلي بعض التفصيل حول مداخل النماذج المختلفة.
1-يرى البعض أن[39] ممارسات ميلوسوفيتش تبين أنه هو الذي بادر بنقض العهد وأعطى المبرر للألبان لأن ينتفضوا من جديد ليس لاستعادة الحكم الذاتي ولكن لإحياء الرغبة في الاستقلال ثم تصاعدت المواجهة بين الطرفين لتدخل في نطاق عسكري استخدم فيها الصرب كل إمكانات الدولة ضد الآخرين الذين كانوا في موقع الأعزل من السلطة ومن السلاح أي الذي يجد نفسه في حرب غير متكافئة مع الدولة. ويخلص إلى أن الظلم البشع الذي يتعرض له المسلمون الأبرياء في كوسوفا يحتاج إلى حل حاسم، وأنه ما كان لمسلم أو أي إنسان مهما يبلغ عدم اهتمامه بالشئون الدولية أن يبقى محايدًا أو راضيًا عما يجري للمسلمين في كوسوفا. ولكن تساءل هذا النموذج ماذا لو لم يحقق القصف نتائجه المرجوه وهل نحن أمام قوة قادرة على القصف ولكن لا تثق في قدرتها على فرض الحل المطلوب، هل القصف الجوي هدف في حد ذاته أم أنه وسيلة لتحقيق هدف محدد وهو إنصاف المسلمين، وماذا عن نتائجه العكسية بالنسبة للمسلمين وبالنسبة لأصل المشكلة وبالنسبة لتماسك الحلف وبالنسبة لتزايد تماسك الجبهة الداخلية الصربية وراء ميلوسوفيتش؟
2-ويرى البعض الآخر[40] أنه من الصعوبة أن نجيب على السؤال الذي تردد دون إجابة ناضجة عليه ألا وهو لماذا لا يظهر الرأي العام العربي والإسلامي تأييدًا حماسيًا للعمليات العسكرية للناتو؟ ولهذا فهو يرجح أن الرأي العام العربي يؤيد العمليات بنسبة كبيرة ولكنه تأييد مصحوب بشكوك شديدة وعميقة متعددة الأبعاد محورها نظرية المؤامرة على المسلمين والتي طعنت عمليات الناتو بشدة في مصداقيتها. يناقش هذا النموذج ثلاث مجموعات من الشكوك. الأولى تنبعث من نظرية استهداف المسلمين وأنها قد تبيع قضيتهم في أية لحظة. والثانية تفسر ما يحدث في كوسوفا بأنه محاولة أمريكية للسيطرة على أوروبا من خلال البلقان ومن ثم يرى في ميلوسوفيتش بطل المواجهة ضد الغرب وتنكر البعد الديني للصراع في البلقان ومن ثم تعلى من بعد الصراع بين أنصار وخصوم الهيمنة الغربية. أما المجموعة الثالثة من الشكوك فتتصل بانتهاك الشرعية الدولية بواسطة الناتو شرطي العالم الجديد، وهي ترفض العدالة لصالح مسلمي البلقان خوفًا من أن يؤدي القبول بحق الناتو في شن حرب (ولو عادلة) إلى وبالًا على البشرية. ويخلص هذا النموذج على ضوء مناقشة وتفنيد هذه الشكوك إلى القول: أن المخرج الوحيد من هذه المعضلة هو أن يقوم الرأي العام العربي كجزء من الرأي العالمي بتأييد موقف الناتو عندما يتسق هذا الموقف مع العدالة ومناهضة موقف الناتو عندما يتناقض هذا الموقف مع العدالة
3-وانطلاقًا أيضًا من استعراض أسانيد المعارضين للضربات وخاصة التعاطف الواضح مع يوجسلافيا لاعتبارات دينية أو أيديولوجية تحمل حنينًا قوميًا ويساريًا، يركز البعض[41] على نقد ما اسماه شيوع فهم نمطي للاستقلال القومي وللسياسات المستقلة المتمردة على النظام الدولي وعلى الولايات المتحدة. فهو يرى إجمالًا أنه إذا كانت هيمنة الولايات المتحدة على العالم قد حفزت الرغبة في المقاومة وهو أمر مشروع إلا أنه يجب التمييز بين أساليب المقاومة الخاطئة التي يتبعها بعض القادة والتي يترتب عليها كوارث لأمته مثلما حدث في يوجسلافيا وفي العراق وبين أساليب جديدة للمقاومة تدرك مغزى التغييرات العميقة في العالم مثلما حدث في الصين مثلًا. ولهذا فهو يرفض النظر إلى نظام ميلوسوفيتش باعتباره نظامًا استقلاليا لأنه من الصعب أن يكون الاستقلال عن الغرب مرادفًا لا فقط للتعصب القومي الديني وإنما أيضًا لواحدة من أسوأ سياسات التطهير العرقي في العالم. ومن ثم يخلص إلى أن الجرائم التي تعرض لها أبرياء كوسوفا وجعلت الكثيرين يضطرون على مضض لقبول التدخل الأمريكي رغم كل المثالب والأخطار التي تحيط به، لهو مؤشر على حجم الكارثة الأخلاقية والسياسية والتي جعلت الاختيار الأمريكي حتى ولو كان مؤقتا، هو بكل أسف أفضل من السكوت على تلك الجرائم.
4-وبالتركيز على بعد محدد آخر من أبعاد معارضة الضربات وهو انتهاك الشرعية الدولية والقانون الدولي يقدم البعض[42] طرحًا مضادًا ينبني على مقولة مشروعية تدخل الناتو لأن الإبادة الجماعية جريمة بمقتضى القانون لا يجوز السكوت عنها. ومن ثم فإذا كان من شأن التدخل المسلح إلحاق الضرر وتحطيم مقدرات صربيا العسكرية لوقف المجازر وعودة اللاجئين المسلمين فإن ذلك يعتبر عملًا إنسانيًا نبيلًا ينبغي أن يحظى بتأييد المجتمع الدولي ويجد سندًا له من القانون. ولقد انبني هذا الطرح على مناقشة الآراء القانونية المختلفة حول شروط التدخل الدولي بسبب مسائل تتعلق بحقوق الإنسان.
5-وإذا كانت مناقشة ذريعة مقاومة الهيمنة، أو مناقشة عدم مشروعية التدخل قد حظيت بتركيز النموذجين السابقين فإن البعض الآخر[43] قدم طرحًا متميزًا يناقش فيه ويدحض الاستناد إلى انتهاك السيادة القومية لرفض التدخل العسكري. فهو يرى من ناحية أنه مهما كانت الانتقادات للضربات إلا أنها لا تقلل من أهميتها وضرورتها في مواجهة قوة صربية متوحشة مارست سياسة تطهير عرقي ـ ديني لا لبس فيه. ومن ثم فهو يرى من ناحية أخرى أنه من الطبيعي أن يكون للولايات المتحدة وحلفائها مصالح من وراء التدخل ولكن الغريب هو أنه يهاجم التدخل هؤلاء الذين طالبوا به من قبل بل والذين توقعوا أنه لن يحدث نظرًا لتواطؤ الغرب مع الصرب، كما أنه من الغريب أن تظهر ازدواجية المعايير لدى العرب أنفسهم نظرًا لأن الانتقادات التي توجه إلى موسكو نادرة حيث تناسى ناقدو الضربات أن روسيا هي مصدر أكبر دعم عسكري ودبلوماسي من أجل قتل وتهجير مسلمي كوسوفا. وأخيرًا يشير هذا النموذج إلى أن أهم ما ينبغي التفكير فيه هو مصير مفهوم السيادة الذي يشعر كثير من العرب بالجزع عليه نتيجة وضعه في مقابل مفهوم الهيمنة الذي يشيع إطلاقه على فكرة التدخل لأغراض إنسانية. ويرجع ذلك في نظره إلى أن مفهوم السيادة صار فضفاضًا إلى حد يجعل التمسك بصيغته التقليدية ضربًا من المحال، وأن أخطر ما ترتب على عملية الأطلنطي هو أن مفهوم التدخل اكتسب قوة أكثر من ذي قبل على نحو يثير التساؤل حول مصير مفهوم السيادة التقليدي. لماذا؟ لأنه إذا كن تقويض المبدأ ينطوي على خطر فمن الصحيح أيضًا أنه ليس كل تدخل يتجاوز سيادة الدول شرًا بالضرورة، فإن السيادة ليست مفهوما متعاليا على البشر ولا يصح أن تكون ذريعة لتبرير قهر شديد أو مذابح وتصفيات جسدية، بل لابد من الاتفاق على أن هناك ما يبرر بالفعل تجاوز سيادة الدولة أحيانًا لأغراض إنسانية ويقترن ذلك ببروز ملامح كيان قانوني دولي يتيح تخطي الحدود الجغرافية لملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية. وبعبارة أخرى وفقًا لهذا النموذج هناك حاجة إلى تعديل ميثاق الأمم المتحدة، على خلفية تطوير مفهوم السيادة، باتجاه السماح بتدخل عسكري تحت راية المنظمة الدولية دون غيرها وفي حالات يتم تحديدها بدقة ووضع شروط حصرية لها.
وفي موضع آخر[44] يشير هذا النموذج ـ وفي سبيل تأكيد الدوافع الإنسانية لتدخل الحلف والطابع الإنساني والأخلاقي لعملية الأطلنطي ـ إنه قد صعب على غير الراغبين في الحرب من شعوب أوروبا أن يقفوا ضدها نظرًا لحضور العامل الإنساني في هذه الحرب. كذلك يفند هذا النموذج مخاطر هزيمة الناتو التي يأمل فيها البعض على أساس أنها ستكون نكسة كبرى للإنسانية ومصدرًا لأزمة إقليمية أكثر حدة في منطقة البلقان مرجعها مخاطر اندلاع حرب إقليمية إذا ما استمر وضع المهجرين على ما هو عليه. ولذا فإن الهدف الإنساني وراء إعادتهم إنما يقترن بهدف استراتيجي يتعلق بتجنب حرب إقليمية واسعة. ومن ثم ونظرًا لأن تكلفة الفشل لن تكون إنسانية فقط ولكن استراتيجية أيضًا فإن الحلف لن يتراجع أمام ميلوسوفيتش.
6-ويستكمل نموذج آخر[45] مسار الاستشراف حول مستقبل وضع الأبعاد الإنسانية في النظام الدولي الجديد. فانطلاقًا من مناقشة أسباب رفض البعض للضربات العسكرية يخلص هذا النموذج إلى أن كوسوفا قد تكون نقطة البداية لتشكيل تنظيم دولي جديد بفض الاشتباك بين عالم ينبغي أن تقوده الأمم المتحدة بينما تقوده الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي. والسؤال المطروح مع هذه البداية هو هل تغير الولايات المتحدة والناتو من سياسات التنديد والتلويح ضد افتقاد هذا النظام للعدالة إلى محاولة تحقيق هذه العدالة حتى ولو ببعض الخسائر، وخاصة وإن الكثير من الأوروبيين ـ وهم أصحاب المصلحة المباشرة ـ يعتقدن أن هذه الحرب هي حرب عادلة للقصاص من مرتكبي أبشع جرائم النصف الثاني من القرن العشرين؟
7-وانطلاقا من تشخيص أحد مظاهر حيرة الخطاب العربي، وهي المفاجأة بحدوث التدخل العسكري بعد أن كان الظن الشائع هو أن الغرب لن يتحرك عسكريا من أجل الألبان، يرى نموذج آخر[46] أن هذه الحيرة التي دفعت الكثيرين إلى الصمت مرجعها أن القدرات على الإمساك بالمتغيرات العالمية باتت محدودة ومقيدة للغاية بمواريث وثوابت تصطدم كل يوم بأحداث جديدة. ولذا تبدوا المعضلة الناجمة عن المطالبة للغرب بالتدخل من ناحية ثم العودة ـ حين يقع التدخل ـ إلى التشكك حول دوافع وأهداف هذا التدخل ومن ثم يخلص هذا النموذج إلى أننا أمام عالم محير وبالغ التعقيد ومختلف جذريًا عما سبق ويحتاج نوعية جديدة من التفكير. ولهذا فإن هذا النموذج يرى في موضع آخر[47] أن ضربات الناتو توفر مختبرًا لقدراتنا على التفكير في قضايا العالم المعاصر من جانب ورؤيتنا لأنفسنا ولمصالحنا من جانب آخر وخاصة عند التعامل مع أحداث ليس لنا دخل في صنعها. ولهذا فهو وإن وصف أصحاب التحليل التآمري ضد الإسلام والمسلمين بالهشاشة الفكرية والفقر الثقافي والتعاسة الفكرية ومخالفة والواقع والقدرة على التلون، فهو يركز على أن قبول وتأييد العمليات العسكرية يدفع الضرر الأكبر الخاص بأهل كوسوفا ربما على حساب الضرر الأقل المتعلق بالشرعية الدولية غير الفاعلة، كما أن هذا القبول يعني أن هناك مواقف تلتقي فيها المصالح العربية مع مصالح حلف الأطلنطي، وفي هذه الحالة لا يهم كثيرًا الأهداف الاستراتيجية من وراء التدخل لأنها تهم آخرين في واشنطن ولندن وباريس وبون في حين أن الذي يهمنا هو دفع ضرر محدد في زمن محدد نتصور أنه يقع ضمن مصالحنا العليا ويحققه التدخل.
ولهذا فإن هذا النموذج ينتقد في موضع آخر[48] خطاب الهيمنة الذي رفعه المعارضون للتدخل على أساس أن الهيمنة الأمريكية على العالم سابقة على العمليات العسكرية ضد يوغسلافيا وأنها تعود في الأصل إلى حقائق موضوعية تعلق بالقدرات الاقتصادية والتكنولوجية الأمريكية وغيرها من المتغيرات، ومن ثم فإن الولايات المتحدة ليست في حاجة لضرب بلجراد لتحقيق مصالح تضمن لها الهيمنة. ولكن المشكلة الحقيقية مع الصرب كانت تلك القومية المتطرفة وما ارتكبته من جرائم التطهير بحيث أضحت أساليب الصرب في التعامل مع تفكك يوغسلافيا تهدد كل عمليات التحول في شرق أوروبا وتنذر بانفجار مشكلة القوميات في شرق أوروبا. ولهذا جاءت ضربات الناتو على طريق عملية إعادة بناء المنطقة وترتيبها بحيث تدخل ساحة الاعتماد المتبادل وليس ساحة التطهير العرقي والحروب الإقليمية الواسعة.
الرافد الثاني: المساندة الحذرة المشروطة للضربات؟ لماذا؟
لم ترفض نماذج هذا الرافد الضربات لكن بنت موافقتها على عدة شروط، وأحاطتها ببعض الشكوك والتحفظات، كما انطلقت من بعض الانتقادات للذين نسوا الألبان المسلمين ولم يذكروا إلا قضايا السيادة والشرعية الدولية والهيمنة الأمريكية. ولقد تنوعت مداخل هذه النماذج:
1-فنجد البعض[49] يرى أنه إذا كانت الضربة الغربية ضد يوغسلافيا تعد تدخلًا في الشئون الداخلية لدولة مستقلة لأن بلغراد لم تعتد على دولة أجنبية وإنما سعت إلى قمع ثورة داخلية إلا أن مبدأ السيادة الداخلية يتعرض مؤخرا للاهتزاز والالتزام بعدم التدخل ينتهي عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان لشعب الدولة المعنية. ولذا وبالرغم من الاحتجاجات العديدة وبالرغم مما نشعر به من حب للسلام فلابد أن نؤيد خطوة حلف شمال الأطلسي ليس لمجرد أنها تحمي إخوانًا مسلمين لنا في البلقان وإنما لأن عدم القيام بها سيؤدي إلى استمرار التقاتل والتشريد. ولكن هذه الخطوة تنطوي على الرياء والنفاق مقارنة بقضايا أخرى مثل حق الشعب الفلسطيني وحق الشعب الكردي.
2-والبعض الآخر[50] يشير أيضًا إلى أن الذين يطالبون بوقف الغارات لم يتكلموا عن الجرائم الصربية الوحشية لأن المسألة ليست مجرد حرب أهلية أو دولة تحاول التمسك بإقليم تزعم أنه يتبعها. ولأنه مهما كانت المشاكل القانونية المترتبة على تدخل حلف الناتو فإن ما يرتكبه النظام الصربي يجعل كل هذه المحاذير ضربًا من الشكليات غير الواقعية والمثيرة للسخرية. فمثل هذا السلوك لا يجب أن يكون مسموحًا به ونحن نخطو نحو القرن الواحد والعشرين وبعد كل هذه الثورات الخطيرة التي وحدت الجنس البشري وما ينتج عن ذلك من قيم جديدة.
3-وبعد أن يبدأ البعض الآخر[51] بجملة من الشكوك حول انحيازات الولايات المتحدة لإسرائيل، يعقبها جملة من التساؤلات والشكوك التي تحيط بقدرة الحملة الجوية على تحقيق أهدافها المعلنة والتي تتصل بمصداقيتها وبأهدافها الحقيقية، ينتهي إلى القول ألا ينبغي أن يقال للأمريكيين وحلفائهم أحسنتم وواصلوا حملتكم لرفع الظلم وإقرار العدل ولا تسمحوا للرئيس الصربي بالخروج منتصرًا أو منتشيًا، ولو معنويًا، حتى لا نقول لكم لقد أخطأتم إذ بتدخلكم ازداد الوضع سوءًا وحولتم شعب الإقليم إلى لاجئين؟
4-ومن ناحية أخرى يشير البعض[52] إلى أن المأساة الإنسانية بسبب مجازر الصرب قد هزت الضمير العالمي ليتحمل تبعاته في وقت تخلت فيه أمة العرب والإسلام عن هذا الدور تجاه كوسوفا نظرًا لانشغال دولها بمصالحها الضيقة متناسية الشأن العام، وهو من أبرز سمات الأمة. ولذا جاء الصوت العربي الإسلامي خافتًا وفاقدًا للتضامن على صعيد الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، حيث كان لابد من حشد إرادة فاعلة عالمية لمصلحة هذه الأقلية المسلمة وتقديم المعونات ومقاطعة المعتدي. ذك لأنه مهما تعاظم الدور الأمريكي والغربي في أحداث كوسوفا فلن يكون معبرًا عن العدالة الدولية ولا الضمير الإنساني ولا حاميا لحرمات الأديان وإنما الحقيقة أنه قد تلاقت مصالحه مرحليًا مع مصلحة شعب كوسوفا في منطقة نفوذه.
5-ولذا تساءل البعض الآخر[53] هل بعد إصدار محكمة جرائم الحرب الدولية في 27 مايو 1999 لائحة اتهام بجرائم الحرب ضد ميلوسوفيتش والتي توضح أن المتهمين ارتكبوا جرائم الحرب بمعدل هائل منذ بداية 1999 أي قبل بداية ضربات الناتو هل سيستمر المدافعون عن ميلوسوفيتش يقولون أن ضربات الناتو هي السبب في تصعيد التطهير والجرائم؟
6-وفي خطاب انطلق من قواعد الأصول الإسلامية حول العدوان على النفس البشرية وحول المسئولية الجماعية في حق الإنسانية تتوالى أركان بيان مجموعة من علماء الأزهر[54] مبرزة ما يلي: من ناحية أن الغضب على الظالم والتعاطف مع المظلوم من الركائز المستقرة في الضمير الإنساني، والتخاذل في مواجهة الطغاة خطيئة لا تغتفر وأن المسلمين يحسنوا الظن بالضمير الإنساني لمواجهة ميلوسوفيتش. ولكن من ناحية أخرى توضع على حركة رد المعتدي قيود كما توضع لمحاولة إنقاذ شعب من الإبادة حدود، وهو الأمر الذي يثير تساؤلات حول أهداف الضربات ومصداقيتها في حماية مسلمي الألبان. ومع ذلك فيأمل المسلمون أن يحدث ما يبدد هذه الهواجس حيث أن نتائج الضربات تحسب بالسلب في جانب الضحية ومن ناحية ثالثة: التساؤل عن دور المسلمين وهل سيظل محصورًا في تقديم المساعدات الإنسانية مكتفين الشجب والاستنكار؟ وهل تعجز كل دولة إسلامية عن إعداد كتيبة للجهاد بحيث تسنح الفرصة لتكوين نواة لجيش إسلامي مشترك يحمي حمى المسلمين؟
7-ويقول رأي آخر[55] نحن نؤيد كإسلاميين سلوك الناتو في كوسوفا ولا نؤيد السلوك الأمريكي في العراق لأن هناك إبادة عنصرية كاملة. فمصالحنا كمسلمين اتفقت مع مصالح الناتو، اتفقت مع مصالح خصم لنا. الله سلط الحلف على ميلوسوفيتش، والمهم هو حماية هذا الشعب من الإبادة. ونحن ضد أن يذبح أحد بسبب دينه فنحن كمسلمين ضد إراقة الدماء، وعلى المسلمين أن يوحدوا سياستهم تجاه يوغسلافيا حتى لا تستهن بمواقفهم.
8-هذا وكان طرح فهمي هويدي[56] كليًا وشاملًا يترجم عناصر وأطروحات هذا الرافد في إجماله والتي تبين أن الموافقة على الضربات إنما تعكس اتفاقًا مرحليًّا مؤقتًا في المصالح لتحقيق أهداف آنية وهي حماية مسلمي كوسوفا وعقاب ميلوسوفيتش مهما كانت المخاوف من عواقب آجلة.
ولهذا يبدأ فهمي هويدي طرحه بأن الحياد في هذه القضية خيانة للمسلمين ولذا ينتقد هؤلاء الذين اعتنوا بالجوانب القانونية والتداعيات السياسية التي يمكن أن تترتب على الغارات حتى شغلتهم الغيرة على الشرعية الدولية عن إدراك حجم الكارثة المروعة التي تعرض لها مسلمي كوسوفا والتي بدأت منذ ما قبل الغارات.
ويعود فهمي هويدي ويطرح تحفظين أساسين أولهما: أن الخيارات هي بين شر وشر. فإذا كان التدخل العسكري للناتو خيارًا سيئًا فالأسوأ منه هو عدم التدخل، وأن تأييد معاقبة القتلة والسفاحين من الصرب لا يعني بالضرورة تأييدًا لمطلق سياسة وخطط حلف الناتو ولا لأهداف السياسة الأمريكية في أوروبا أو في غيرها من المناطق خصوصًا في الشرق الوسط، حيث كل حالة تقدر بقدرها وفي ضوء ملابساتها الخاصة (العراق، السودان، أفغانستان). وإذا كان الناتو قد قرر ضرب المواقع الصربية انطلاقا من مسئوليته عن حماية الأمن والاستقرار في القارة الأوروبية فإن الغارات في مناطق أخرى لا تجد مبررًا يسوغها.
وثاني التحفظات يوضح أن الضربات ليست دفاعًا عن المسلمين وإن القول بأن أمريكا انتصرت للمسلمين هو تبسيط مخل. لأن التحليلات الجادة التي حاولت تفسير قرار الضربات أرجعته إلى حسابات سياسية واستراتيجية تتصل بالتوازنات الأوروبية والعالمية. ومن ثم فإن الدفاع عن الإسلام والمسلمين ليس واردًا وكان القرار الأساسي دفاعًا عن حسابات واستراتيجيات غربية تصادف أن كان المسلمون سببًا له وتصادف أن انصب العمل العسكري فيه على نفر من مجرمي الحرب الذين دأبوا على نصب المذابح للمسلمين والعمل على تهجيرهم وإبادتهم.
وأخيرًا يتساءل فهمي هويدي عن أسباب الغياب العربي الإسلامي وهل هو خشية من أنه يساء فهم الموقف على أنه مواجهة بين الإسلام والأرثوذكسية الصربية.
وفي النهاية يمكن أن أضيف اتجاهًا ثالثًا وسطًا بين الاتجاهين الكبيرين السابقين بروافدهما المختلفة، وهو اتجاه لا يتخذ بصورة مباشرة أو ضمنية موقفا مع أو ضد الضربات ولكن يدور أساسًا حول تحليل حالة الارتباك التي اتسمت بها حالة الخطاب العربي الإسلامي وذلك بتحديد مؤشراتها وأسبابها.
والبعض[57] ينطلق من رصد مؤشرات خلط الأوراق ويرجعها إلى تعقد القضية نظرًا لتداخل بعديها الإسلامي والاستراتيجي
والبعض الآخر[58] يرى أن حالة الارتباك هذه ليست جديدة ولكن لها سوابق في التاريخ العربي المعاصر أقربها أزمة العراق والتي كانت جميعها بمثابة الصخرة التي انقسمت عليها التيارات السياسية الكبرى. ولذا حاولت جميع هذه التيارات أن تتخلص من مأزق كيف لا نساند أمريكا مع ما يعنيه ذلك من عدم الوقوف مع مسلمي كوسوفا وذلك بالالتجاء إلى ديناميات تفكيكية تستدعي التاريخ وتستند إلى جذور ثقافية للجفاء العربي ـ الإمريكي.
والبعض الثالث[59] على ضوء مقارنة بين الأهداف الإنسانية والمصالح الغربية ليس في أوروبا فقط ولكن في العالم الإسلامي أيضًا يصل إلى التماس العذر للعرب في مخاوفهم من وراء الضربات الأطلسية.

الجزء الثاني: ملامح رؤية ذاتية

ماذا إذن بعد هذا الرصد والتشخيص لحالة الخطاب العربي ـ الإسلامي حول ضربات الناتو؟
إن القراءة المقارنة التراكمية في أطروحات الروافد المختلفة لابد وأن تفصح للقارئ وبالتفصيل عن السمات العامة لهذه الحالة ـ والتي سبق تحديدها في المقدمة. ولقد تصدى آخرون ـ وفي مقالات رأي موجزة ـ لرصد هذه الحالة ومحاولة تفسيرها ولن تتصدى بالطبع هذه الخاتمة لتفسير تفصيلي أو حتى موجز ولكن يهمني أن أقدم مجموعات ثلاث من الملاحظات تمثل تعميقًا وتفصيلًا لما سبق وسجلته خلال شهور الحرب ـ عن محاولتي فهم ما يحدث[60]
المجموعة الأولى تدور حول بعض الأسئلة تنبع من قراءاتي المقارنة لأطروحات الروافد المختلفة من الآراء؛ المجموعة الثانية تتصل بمقولة أساسية تلخص رؤيتي للقضية محل الاهتمام، والثالثة تقدم بعض الأدلة على هذه المقولة وهي النابعة من قراءة وقائع الأحداث والتصريحات قبل اندلاع الحرب وخلالها من ناحية، والنابعة من ناحية أخرى من خبرة التاريخ.

أولًا: أسئلة حول الفجوة بين فقه الواقع وبين فقه الإطار المرجعي وبين فقه المصالح

وفقًا للضوابط المنهاجية للدراسة لم أتعرض فيما سبق إلى مناقشة أطروحات الروافد المختلفة سواء بالقبول أو الرفض، كما لم يتم تقسيم هذه الروافد وفقًا لتيارات سياسية كبرى. وهنا أطرح الأسئلة التالية التي تلخص ـ وبدون إجابة ـ الفجوة بين فقه الواقع وفقه المصالح (من؟) وفقه الإطار المرجعي (على اختلافه). وهي كالآتي:
1-هل يمكن أن نميز توزيعًا لنماذج الروافد المختلفة من الاتجاهين الأساسيين (الأبعاد الإنسانية، الأبعاد الاستراتيجية) بين التيارات السياسية الكبرى (قومي \، يساري، ليبرالي، إسلامي)؟ ومن ثم ما هي القواسم المشتركة بين نماذج تيارين مختلفين أو أكثر جمعت بينهم عملية التصنيف في رافد واحد؟ وما مغزى هذا بالنسبة لأهمية البحث عن تيار رئيسي مشترك تجاه القضايا الأساسية بدلًا مما يبدو وكأنه التخندق في معازل متواجهة؟
2- إلى أي حد انطلقت هذه الأطروحات من أطر مرجعية تحكم مسبقًا الموقف من الغرب بصفة عامة ومن الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة، أكثر من انطلاقها من متابعة مستمرة ومنتظمة لوقائع أحداث أزمات البلقان المتعاقبة وأبعاد السياسيات الغربية تجاهها؟ ومن ثم ألا عجب أن اتسم بعضها أما بالحماسة والانفعالية في تأييد أو اتهام طرف من الأطراف أو بالخطاب الاستغاثي أو بالتآمري؟
3-لماذا ننظر إلى وقائع وتطورات تحدث في جوار قريب منا وتربطه بنا روابط عديدة انطلاقا من المخاوف (لدى البعض) أو من الآمال (لدى البعض الآخر) لماذا لا نهتم أن نفهم أولًا الوقائع في سياقاتها المكانية وفي إطار الرؤى الاستراتيجية لأطرافها الأصليين؟
ولماذا الاستعجاب أو استنكار أن تسعى هذه الأطراف لتحقيق مصالحها: الناتو باعتباره المسئول عن أمن أوروبا ومصالح أعضائه بل ومسلمو كوسوفا أيضًا. حيث أنهم ـ بالإضافة إلى كونهم جزء من الأمة الإسلامية ـ يمثلون مكون أساسي من مكونات خريطة البلقان في قلب التوازنات الأوروبية الأوروبية ولابد لهذا الوضع أن يؤثر على رؤاهم الاستراتيجية لكيفية حماية وجودهم، ولذا لا عجب أن طالبوا بتدخل الناتو (ولو بطريقة مخالفة لم تم تنفيذه).
4-أليس من المهم أيضًا أن ننطلق من دوائرنا ونفهم كيف خذلت النظم القائمة آمال (مثلًا النصرة المناسبة للمسلمين) بعض الروافد وكيف يمكن أن تتجنب مخاوف (التدخل الخارجي تحت حجة الاعتبارات الإنسانية وحماية حقوق الإنسان) لدى بعض الروافد الأخرى. ويجدر التذكرة هنا بما شهدته الصحف والدوريات ومواقع الإنترنت الأمريكية والأوروبية من جدال بين اتجاهات مختلفة حول ميزان المكاسب والخسائر الاستراتيجية والأخلاقية بالنسبة لمصالح دولهم. وهو الجدل الذي يدخل بالطبع في صميم حسابات الأطراف المعنية مباشرة بالحرب لأنها هي التي تقوم بها وتتحمل أعبائها وتداعياتها المباشرة في عقر دارها ـ أوروبا.
وفي المقابل ألا نلحظ ـ كيف أن روافد الخطاب العربي الإسلامي التي أدانت تدخل الناتو ـ لم تقدم تصور واضح عن كيفية حماية مسلمي كوسوفا الذين يتعرضون للتطهير منذ ما قبل الضربات. فلقد أخذت مخاوف هذه الروافد على السيادة وعلى الشرعية ومن الهيمنة الأمريكية بعيدًا عن مأساة تقع في صلب الأمن الأوروبي. وفي المقابل فإن بعض من سبق ودعوا إلى التدخل العسكري قبل حدوثه، قبلوا الضربات بتحفظ وتحت ضغوط الواقع باعتبارها الحل للمشكلة ولو لم نشارك في تنفيذه. في حين إن من لم يسبق لهم الدعوة إلى التدخل العسكري أو حتى لم يسبق لهم الاهتمام بحقوق المسلمين الألبان في هذه المنطقة، أضحوا هم الأكثر مساندة وتبريرًا له من منطلق الاعتبارات الإنسانية والقيمية.
5-وأخيرًا: كيف يمكن لرؤية إسلامية اجتهادية حول هذا الحدث المربك الذي تتلاطم حوله متغيرات شتى أن تتعامل مع فقه الشرع على ضوء فقه الواقع وفقه مصلحة الأمة (في ظل قيود المصالح القومية والسيادة القومية). فإذا كانت قواعد الشرع واضحة، فإن فقه الواقع (واقعنا وواقع الحدث المعني) مليء بالقيود والضغوط على نحو لابد وأن يحيط بالضباب فقه أولويات المصلحة. فلقد فقدنا ـ وسط أمواج ضعف دول المسلمين وتفككها ـ البوصلة التي تحدد مسار المصلحة بحيث لم يعد من الممكن أن تهتدي إلى شواطئ “أقليات المسلمين” لتقديم النصرة أي كان سبل النصرة.
خلاصة القول ـ بعد هذه الأسئلة هو:
أين فقه الواقع: أين فقه واقع الآخر وأين فقه واقعنا وعلاقته بهذا الواقع الآخر الذي يؤثر علينا؟
فإن فقه الواقع هو الخطوة المسبقة والضرورية لاجتهاد فكري يمثل جزء لا غنى عنه من الاجتهاد الفقهي الإسلامي المعاصر[61].
ومن ثم لابد من إعادة صياغة السؤال المطروح من: هل نوافق على الضربات الأطلسية أم لا؟ إلى: لماذا جاءت هذه الضربات ولماذا أدت إلى ما أدت إليه حتى الآن؟ ومن ثم هل أوافق أم لا على ضوء قواعد إطاري المرجعي وعلى رأسها واجب النصرة؟ ومن ثم ما هي آليات وسبل هذه النصرة في ظل ما يفرضه عليه واقع المسلمين من سقف للحركة وما يفرضه واقع الآخر عليه من مصالح وأهداف.

ثانيًا: المقولة

إن الخلاصة السابقة عن الأسئلة المطروحة عاليًا تعني أمرين:
من ناحية: عدم الإنطلاق من الأبعاد الإنسانية القيمية فقط أو الأبعاد الاستراتيجية فقط ولكن يعني أن الفهم الحقيقي لأسباب القضية ونتائجها لا يتحقق إلا مع وضعها في سياق التوازنات الأوروبية والعالمية وسياسات القوى الدولية حول البلقان. فقضية كوسوفا ليست مجرد قضية صراع عرقي ـ ديني مثل غيرها في مناطق أخرى من العالم ولكنها قضية ذات إطار سياسي ـ استراتيجي شديد التعقيد والتحدي. حيث تتداخل فيه أوراق التوازنات الأوروبية والعالمية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فإن قضية كوسوفا تقع في قلب قضية الأمن في البلقان ومن ثم في قلب قضية نظام الأمن الأوروبي الجديد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ومن ناحية أخرى: هذا الواقع لمسلمي كوسوفا ولأمن البلقان في قلب توازنات الأمن الأوروبي ليس بالجديد ولكنه حلقة من تطور تاريخي سابق. ولذا يجب عدم الاقتصار ـ لفهم القضية الراهنة ـ على وقائع التطورات الحالية ولكن يجب استدعاء خبرة التاريخ وذاكرته حول ما كان للتغيرات في التوازنات الأوروبية العالمية من دلالات بالنسبة لإعادة ترتيب أوضاع البلقان وفي قلبه مسلموه الذين كانوا دائمًا ـ خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، الضحية الأساسية وليس الوحيدة.
ومن ثم فإن المقولة الأساسية التي تبني عليها رؤيتنا تتلخص فيما يلى:
أن اندلاع الحرب حول كوسوفا وإداراتها ليس تعبيرًا عن نظرية المؤامرة ضد المسلمين أو نظرية المؤامرة ضد الصرب وروسيا والعالم أجمع. فعلى ضوء إدراك حقيقة تطور دور الناتو في عملية إعادة بناء نظام الأمن الأوروبي بعد نهاية الحرب الباردة ـ وعلى ضوء متابعة تفاصيل السياسات الغربية نحو أزمة كوسوفا. تعد هذه الحرب آخر مراحل التصعيد في عملية تراكمت مراحلها السابقة والتي استنفذت أدوات أخرى لاحتواء مخاطر الأزمة على أمن أوروبا، وذلك في وقت دخل فيه تطور دور الناتو مرحلة هامة. ومن ثم فإن اندلاع الحرب وأدواتها إنما ينبع من دوافع استراتيجية كبرى وتتجه نحو أهداف استراتيجية كبرى تتصل بالأمن الأوروبي وتوازن القوى العالمي، الذي يلعب فيه الناتو دورًا محوريًا. ومن ثم فإن مبررات قيادات الناتو لسياسات الضربات ـ وإن كانت تتغلف باعتبارات إنسانية قيمية ـ إلا أنها لا يمكن أن تنطلق منها فقط أساسا وابتداء. ولهذا فإن تفاقم المأساة التي تعرض لها ألبان كوسوفا مع الضربات كان أمرًا متوقعًا في الحسابات الاستراتيجية الأطلنطية ولكنه ما كان ليمنع من تحقيق أهداف أساسية على رأسها مستقبل أمن البلقان في قلب الأمن الأوروبي والتوازن العالمي. ومن بينها أيضًا مستقبل إقليم كوسوفا ذاته في مواجهة النظام الصربي. هكذا تقول لنا قواعد العلاقات الدولية الغربية الحديثة عن العلاقة بين المصالح والأخلاق، وهكذا تفصح لنا الأدلة من واقع القراءة الدقيقة لخطاب قادة الناتو وللأحداث خلال أسابيع الحرب وما قبلها، وهكذا يقول لنا تاريخ إعادة ترتيب توازنات المنطقة ومصائر شعوبها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
وينبثق عن هذه المقولة المركبة الحاجة إلى تقديم مجموعة من الأدلة والأسانيد.
ويمكن تقسيم هذه الأدلة إلى مجموعتين مجموعة تنبع من ساحة الأحداث والتصريحات خلال أسابيع الحرب وما قبلها. والثانية تنبع من ساحة الذاكرة التاريخية لتوازنات البلقان وحولها.
وتتجه المجموعتان من الأدلة للمتحدثين حول البعد الإنساني للعمليات بلغة تسطيح مفادها أن الولايات المتحدة، تدافع أساسًا عن ألبان كوسوفا المسلمين، أو أن العلميات تنطلق من اعتبارات أخلاقية في حماية الأقليات المنتهكة حقوقها، كما تتصدى للمتحدثين بلغة تسطيح أخرى متمحورة حول مفردات المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين. كما تتصدى للغة تسطيح ثالثة وهي لغة القائلين بأن كلينتون وقادة الأطلنطي لم يتوقعوا ما حدث وأن حساباتهم كانت خاطئة بشأن أثار الضربات على الألبان وبشأن عدم سرعة استسلام ميلوسوفيتش وأنه كان من السهل بداية الحرب ولكن ليس من السهل إنهائها حيث أضحت الحرب هي الأزمة الأصلية وتراجعت الأزمة الحقيقية وهي مصير كوسوفا ذاتها، وبأنه لم يكن هناك تصور سياسي للنتائج المحتملة للعمليات العسكرية والتي أفضت إلى المأساة الإنسانية لشعب كوسوفا. فإن هذه المجموعة من الاعتبارات.
ولكن من ناحية أخرى فإن هذه الأدلة تضيف وتراكم على وتؤكد أطروحات الرافد الثاني من روافد المتحدثين (بحذر وبشروط) انطلاقا من الاعتبارات الإنسانية، ومن ثم فهي تبرز أيضًا ـ ولكن بطريقة مغايرة ومن منطلقات مختلفة ما لمسه الرافد الأول من (المتحدثين بلغة الاعتبارات الإنسانية) حول العلاقات بين القيم والمصالح في لغة خطاب قادة الناتو وسياساته
وبناء على هذه المقولة وأدلتها فيمكن تصنيف رؤيتي كرافد ثالث من روافد هذا الاتجاه، باعتبارها الرؤية التي تقدم تقييمًا لما حدث يعكس قبولًا للضربات باعتبارها أفضل ضررين حاقا بالمسلمين، ولكن تبرز من ناحية أخرى كيف أن تغليف المصالح بلغة القيم والاعتبارات الإنسانية قد أضحى من جديد سمة أساسية من سمات خطاب قادة الناتو واستراتيجيته في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ثالثًا: الأدلة من الواقع الراهن ومن خبرة التاريخ
المجموعة الأولى من الأدلة تنبع منذ ما قبل الضربات، وخاصة الشهود الثلاثة التي شهدت الإعداد لمفاوضات رامبوييه ونتائجها، كما تنبع من أسابيع الضربات. وهي تتفرع ما بين أدلة وقائع وأدلة تصريحات غربية وخاصة حول العلاقة بين البعد القيمي والبعد المصلحي في الضربات
1-حتى نهاية 1998[62] يمكن أن نسجل ما يلي:
-منذ إلغاء الحكم الذاتي 1989 كانت الأنظار متجهة إلى كوسوفا باعتبارها القنبلة الموقوتة التي تطغى عليها مأساة البوسنة، ولذا كان التساؤل الأساسي الدائر هو متى سيسفر المخطط الصربي عن وجهه الحقيقي أي التهجير المنظم والتطهير والإبادة في كوسوفا. وهذا هو ما كان يخشاه روجوفا وكان يراهن أن النضال السلمي لن يعطي ميلوسوفيتش المبرر الذي ينتظره ليحقق حلمه.
كان التهديد بتدخل الناتو يمثل أداة أساسية من أدوات إدارة القوى الغربية لسياستها تجاه قضية كوسوفا منذ تفجرها في بداية 1998. ولكن لم ينجح التهديد في فرض اتفاق سياسي يرسي أسس دائمة لحل المشكلة. فلقد نجح ميلوسوفيتش دائما في المناورة لتفادي تنفيذ التهديد وذلك بتقديم تنازلات طفيفة في آخر لحظة وكانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يقبلان بهذه المناورات الصربية ويعتبرونها خطوت نحو اتفاق سلام شامل. وكان هذا الوضع يخدم المخطط الصربي ولا يوفر الحماية اللازمة للألبان من ناحية، كما أثار الانتقادات بل والاتهامات حول أسباب وأهداف عدم تنفيذ الناتو للتهديدات المتتالية بالتدخل العسكري ضد صربيا من ناحية أخرى.
-حين انفجر العنف في بداية 1998 وحين تصاعدت التهديدات الأطلنطية طالب الألبان بأمرين: رفع حظر السلاح عليهم وألا يكون التدخل في شكل ضربات جوية وحذروا من عدم وجود تدخل بري بل وطالبوا أن يكون بريا بل وأن تصبح كوسوفا محمية.
ثالثًا: انطلقت بضع مبررات حلف الأطلنطي لتأجيل التدخل مرارًا من عواقب هذا التدخل ـ وخاصة الجوي ـ على أحوال ألبان كوسوفا وما يمكن أن يتعرضوا له من جانب الصرب.
-وإذا كان البعض قد استهجن حينئذ عدم التدخل الأطلنطي بسرعة فلا أعتقد أن الدعوة لتدخل الأطلنطي كانت تقوم على فهم واقعي ومنظم لم يمكن أن يكون عليه شكل هذا التدخل من حيث منظومة العمليات المطلوبة لتحقيق الأهداف المرجوة منه، بقدر ما كان مطلوبًا في حد ذاته كملجأ أخير لحماية ألبان كوسوفا.
2-وخلال الشهور الثلاثة الأولى السابقة على الضربات:، والتي شهدت الإعداد لمفاوضات رامبوييه وانعقادها وحتى فشلها، تبين لنا التطورات أمرين بالغي الأهمية في دلالاتهما بالنسبة لما حدث بعد ذلك وأثار جدلًا كبيرًا حول طبيعة الضربات وأهدافها.
الأمر الأول: هو الكيفية التي تصاعد معها التهديد باستخدام القوة العسكرية، في ظل تصاعد التشدد الصربي منذ التسوية واستمرار التطهير العرقي ضد الألبان، وعلى نحو كان لابد وأن يقود بعد فشل أقصى ضغوط دبلوماسية إلى بداية الضربات وألا تأكدت الاتهامات بأن هناك تآمر بين الناتو والصرب ضد المسلمين، أو ضاعت مصداقية الناتو أو انهار الأمن في البلقان برمته. كيف؟
-بعد اتفاق سلام هولبروك في أكتوبر 1998 استمر تصاعد التحدي الصربي بصورة سافرة أفضى إلى انهيار الاتفاق في نهاية 1998 نظرًا لتنامي الوجود العسكري الصربي في كوسوفا ومن ثم تجدد أعمال المقاومة من جانب جيش التحرير. وفي نفس الوقت الذي استمر فيه الخلاف بين جناحي المقاومة الألبانية العسكري والمدني كان الصرب يدعمون استعداداتهم العسكرية، لمقاومة التدخل الدولي المحتمل، وهو الأمر الذي مثل أقصى تحدي لجهود التدخل الخارجي[63].
-وجاء الإعداد لمفاوضات رامبوييه كذلك تطورها عبر جولتين حاملًا معه العديد من المؤشرات التي تبين كيف أن مواقف الأطراف المختلفة الصربية، الألبانية، الأمريكية والأوروبية قد دخلت مفترق طرق هام ـ يناظر في أهميته ذلك المفترق الذي كشف الغطاء عن الأزمة في بداية 1998. فلقد اختلفت مفاوضات رامبوييه عن ماسبقها من جهود دبلوماسية لأنها اقترنت بضغوط دولية من أجل فرض اتفاق سلام وضعته مجموعة الاتصال الدولي على نحو يعيد للأذهان مناخ دايتون وما قبلها. ولقد اقترنت هذه الضغوط بتهديدات واضحة ومتكررة وحاسمة باستخدام الخيار العسكري في حالة فشل الحل الدبلوماسي. بعبارة أخرى وكان “التدخل العسكري للناتو” يقع في قلب هذا المفترق سواء بالنسبة للصرب الذي استمروا في تحدي احتمال هذا التدخل أو سواء بالنسبة للألبان الذين كانوا يعملون من أجل وقوعه أو سواء بالنسبة لقادة الناتو أنفسهم الذي أضحى نجاح أو فشل هذه المفاوضات يمثل محكًا لمصداقية الجهود الدبلوماسية في إدارة أمن البلقان ومن ثم محكًا لضرورة اللجوء إلى القوة العسكرية.
فإذا كان الصرب قد استمروا في تأكيد أن تدخل الناتو لن يكون نرهنه ولم يعلنوا عن الموافقة على حضور الجولة الأولى من المفاوضات إلا في آخر لحظة، وإذا كان تشدد موقفهم تجاه رفض الشق العسكري في الاتفاق الذي يقضي بدخول قوات دولية بقيادة الناتو إلى كوسوفا لتنفيذ اتفاق سلام، قد أدى إلى فشل الجولة الثانية لهذه المفاوضات. ففي المقابل فإن تغلب الألبان على خلافاتهم من أجل حضور المفاوضات ثم قبولهم خطة السلام التي لا تنص في شقها السياسي إلا على حكم ذاتي، قد ألقى بالكرة في الملعب الصربي. هذا وإذا كانت الضغوط الدبلوماسية الغربية قد ركزت على الطرف الألباني ليقبل التوقيع أولًا على أساس أن ذلك سيسمح تركيز الضغوط على الصرب، فلقد تحرك الغرب جاهدًا خلال الإعداد للجولة الثانية لتحقيق موافقة جيش التحرير على الاتفاق وذلك من خلال التأكيد على التمسك بفكرة قوة دولية بقيادة الناتو. ولذا فلقد حرصت مادلين أولبرايت أن تعبئ مساندة مجلس الشيوخ ليقبلوا نشر قوات أمريكية ضمن قوات دولية للسلام كسبيل لطمأنة الألبان حتى لا يتراجعوا عن قبول اتفاق. وكانت تصريحات قيادة جيش التحرير قد تضمنت مطالبة صريحة بالتدخل والتغلب على الانقسامات الأطلنطية التي تحول دون تنفيذه لأن شعور بلجراد بعدم جدية تهديدات الأطلسي وراء تصعيد هجماتها لتنفيذ مخططها ضد الإقليم، ولأن شعب كوسوفا هو الذي يدفع الثمن.
ولهذا اتهمت بلجراد الولايات المتحدة بأنها تؤيد الإرهاب الألباني كمحاولة لتجزئة يوجسلافيا. هذا ولقد وصفت زوجة ميلوسوفيتش الولايات المتحدة بأنها هتلر جديد يقود عمليات انتهاك حقوق الإنسان والاعتداء على دول صغيرة. كذلك صعدت الأحزاب السياسية الصربية، قبل بداية الجولة الثانية، تنديدها بالناتو والولايات المتحدة واتهمت الإدارة الأمريكية بالسعي لجعل كوسوفا قاعدة جديدة للناتو كما فعلت في البوسنة[64].
وفي المقابل فإن مصادر أطلنطية عسكرية ـ فضلًا عن وزيرة الخارجية الأمريكية ـ قد أفصحت مرارًا ـ خلال الفترة الانتقالية بين جولة المفاوضات في فبراير ومارس، عن وجود تحركات عسكرية صربية هامة تشير إلى استعداد الصرب لشن هجوم في الربيع على ألبان كوسوفا لتغيير الوضع القائم. كذلك ـ وقبل الإعلان عن الفشل النهائي للمفاوضات ـ تواترت الأنباء عن تزايد عدد اللاجئين من كوسوفا في ظل استمرار تدمير القرى الألبانية وتكررت التصريحات الغربية عن الاستعدادات العسكرية الصربية الحاشدة. ولقد بينت التقارير[65] كيف أن هذه التحركات ليست من قبيل المستخدمة لأعمال التطهير العرقي ولكنها ذات أبعاد استراتيجية واضحة استعدادًا لمواجهة التدخل الخارجي أو اختبار رد فعل الغرب ومصداقية التهديدات والتحذيرات المتكررة من جانب الناتو. هذا ولقد صرح قائد جيش التحرير في كوسوفا أن الصرب يستعدون للناتو.
-وهكذا ولمدة ثلاثة أشهر استنفذت القوى الكبرى كل السبل وكل مهلات التفاوض مع ميلوسوفيتش وذلك على حساب أمن وسلام وحقوق ألبان كوسوفا من ناحية ومصداقية الناتو من ناحية أخرى، بحيث أضحى السؤال الملح هو ألم يحن الوقت بعد لتنفيذ التهديد؟ وهل سيكون التنفيذ على النحو الذي يحمي الألبان أم لأن ميلوسوفيتش قد تخطي كل الحدود المتصلة بأمن البلقان وأوروبا وفقًا لتصور قادة الناتو. ولذا يثور التساؤل كيف كانت الاتجاهات والمؤشرات حول طبيعة القوة العسكرية المطلوب استخدامها وأهدافها. وهذا يقودنا إلى النقطة التالية.
الأمر الثاني: هو اقتران تصاعد التهديد ـ على نحو غير مسبوق ـ بمؤشرات تنبئ عن الكيفية التي سيتم بها استخدام القوة العسكرية ضد صربيا من ناحية وذلك في نفس الوقت الذي اختلفت فيه التوقعات من ناحية أخرى حول احتمالات تدخل الناتو من عدمه في حالة فشل رامبوييه
فمن ناحية تراوحت أسانيد التوقعات بأن الناتو لن يتدخل بين القائلين بأن عدم التدخل استكمالًا لتآمره ضد المسلمين أو لأن مصالح الغرب غير مهددة بحيث يمكن الاستمرار في المماطلة وإصدار تصريحات جوفاء ومبررات شكلية لا تنقذ الألبان بل يعتبرها الصرب ضوءًا أخضر للاستمرار في مخططهم[66]، أو لأنه يواجه مأزق أو ورطة وحسابات معقدة تعجزه عن حسم الأمر نظرًا للاختلافات بين أعضاء الناتو، عواقب التدخل على تدعيم مركز ميلوسوفيتش، عامل التحدي الصربي والمساندة الروسية، مخاوف دول البلقان من الآثار الإقليمية للحرب[67]، أو لأن الذين يجب أن يتدخلوا هم المسلمون ويتخلوا عن صمتهم وعدم حركتهم الراجعة إلى الاستجابة لضغوط أمريكية أو خوفًا من إثارة روح الجهاد[68]. أما التوقعات حول تدخل الناتو فلقد انبنت على الأسانيد التالية: الناتو سيتدخل للمساعدة على تقسيم كوسوفا وفقًا لخطة دولية لأن الصرب يبدوا أنهم يسعون نحو الضربات لإعطائهم الفرصة لتصفية أمورهم مع الألبان[69]، الناتو سيتدخل لحماية مصداقيته وحفاظًا على الأمن الأوروبي وحفاظًا على ما تحقق حول أمن البلقان منذ دايتون[70]. وفي تقرير أرسله كلينتون إلى زعماء الكونجرس وصف الوضع بأنه تهديد للسلام في الإقليم وتهديد غير عادي للأمن القومي الأمريكي[71] كما صرح وزير الدفاع الأمريكي بأن مصداقية الحلف أصبحت على محك المواجهة مع بلجراد، وأن أي تحرك عسكري سيكون هدفه الحد من قدرة يوغسلافيا على تهديد منطقة البلقان[72].
ومن ناحية أخرى وفي حين لم تكن تفاصيل تنفيذ التدخل العسكري تحتل مكانا بارزًا من تحليل المتسائلين عن تأخر التدخل والمنشغلين بتفسير سبب التأخير أو سبب عدم توقع حدوثه على الإطلاق، فإن هذه التفاصيل كانت تحتل بالطبع قدرًا كبيرًا من اهتمام مسئولي الأطلنطي العسكريين والسياسيين. فلقد تم التصريح المتكرر بأن خطط التدخل جاهزة وأن سولانا أضحى مخولًا باتخاذ القرار في الوقت المناسب وفي هذا الصدد يمكن أن نرصد المؤشرات التالية من واقع تصريحات مصادر الأطلنطي المنشورة والتي تتصل بنطاق الضربات الجوية علاقتها بالتدخل البري[73].
فعلى صعيد تراوحت التصريحات بين الحديث عن ضربات جوية محدودة لمواقع محددة في كوسوفا لدفع ميلوسوفيتش إلى التفاوض، وبين الحديث في حالة عدم انصياع ميلوسوفيتش عن حملة جوية مكثفة. ولقد أبرزت عديد من الاتجاهات أن توجيه الضربات الجوية المحدودة لن يكون له تأثير كبير على الوضع في الإقليم وأن الوضع يحتاج إلى نشر قوات برية لضمان نجاح العملية. ولقد عارضت دولا ًرئيسية في الحلف الضربات الجوية إذا لم يتدخل الحلف بريًا، لأن الضربات بمفردها لن تكون مجدية في حين أن سولانا في بعض تصريحاته لم يستبعد ضرورة نشر قوات على الأرض كما حدث في البوسنة. كما اعترضت دول أخرى ـ وخاصة إيطاليا ـ على الضربات الجوية.
كذلك فإن الجنرال كلارك القائد الأعلى للحلف اقترح حملة جوية دون توقف بدلًا من موجات متتالية من الضربات تتخللها هدنات لإفساح المجال أمام العمل الدبلوماسي، ذلك لأنه يفضل منذ البداية عملية واسعة النطاق لأنه ما إن يحدث توقف حتى يؤدي الأمر إلى جمود يكون من الصعب معه متابعة العملية.
وعلى صعيد آخر وبالنسبة للتدخل البري فلقد تراوحت التصريحات بين الحديث عن نشر قوات برية مع الضربات الجوية وما بين الحديث عن ثلاثة خيارات تبدأ بنشر 36 ألف جندي لفرض وقف دائم لإطلاق النار وضمان أمن المراقبين الدوليين والضغط على ميلوسوفيتش، ثم الحاجة إلى 60 ألف في حالة الفشل في إبرام اتفاق سلام نهائي، ويتمثل الخيار الأخير في فرض السلام بالقوة بنشر 200 ألف جندي في كوسوفا واعتبره الخبراء العسكريون الأكثر خطورة لأنه يعني إعلان الحرب على بلجراد.
وعلى صعيد آخر وإذا كنت السيناريوهات السابقة تتصل بالخيار البري للوصول إلى اتفاق السلام بالقوة إلا أن الاتجاه العام في حديث العواصم الأوروبية انصب حول إرسال قوات برية بعد اتفاق سلام، وهو الأمر الذي كان يرفضه ميلوسوفيتش ـ كما سبق ورأينا ـ وكان من أهم أسباب فشل اتفاق رامبوييه.
وكان موضوع إرسال قوات برية ـ بمشاركة أمريكية أساسية ـ قد أثار خلافات في الإدارة الأمريكية والكونجرس حول توقيت إرسال هذه القوات وطبيعة مشاركتها، وفي حين حذر أعضاء من الكونجرس من مشاركة أمريكية في مهمة خطيرة على هذا النحو، فإن الإدارة الأمريكية أوضحت أن إرسال هذه القوات سيكون لتنفيذ أي تسوية سلمية يتم الاتفاق عليها، وأن واشنطن تتشاور مع حلفائها حول إرسال قوات في حالة الاتفاق على وقف النار، وأنه من غير الممكن نشر قوة أطلسية إلا بعد اتفاق حقيقي وليس وهميًا بين الصرب والألبان. كما اشترطت الإدارة الأمريكية أن تكون قيادة القوات للناتو وأن تساهم أوروبا بالجانب الأكبر من هذه القوات. هذا وفي حين أبدت بعض الدول الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا ـ استعدادها لإرسال قوات برية فإن إيطاليا أبدت أيضًا استعدادها للمشاركة في قوات حفظ سلام ولكن مع معارضة أي قصف جوي. كذلك صرح وزير خارجية بولندا ورئيس منظمة الأمن والتعاون الأوروبي أنه لا يرى إمكانية لإيجاد حل معقول لأزمة كوسوفا بدون وجود ناتو على الأرض.
ومع قرب المرحلة الثانية من رامبوييه أضحت مواقف الولايات المتحدة أكثر وضوحًا حول أمرين: أحدهما: الاستعداد لتوجيه ضربات جوية واسعة النطاق وثانيهما: شروط إرسال قوات أمريكية إلى كوسوفا. فبعد مناقشة الكونجرس الأمريكي لموقف الإدارة الأمريكية الموافقة على إرسال قوات أمريكية ضمن قوة تابعة للحلف وذلك بعد التوصل إلى اتفاق حقيقي للسلام (ينص على وقف النار وانسحاب قوات الأمن الصربية ونزع أسلحة الثوار الألبان) وافق الكونجرس بحذر على هذا الموقف. وبذا وضعت الإدارة الأمريكية والكونجرس ملامح التحرك العسكري الأمريكي في حال التوصل إلى اتفاق سلام وهو الأمر الذي كان يمثل ضغطًا على الصرب وذلك في نفس الوقت الذي أكدت فيه الخارجية الأمريكية أن فرص التوصل إلى اتفاق تتضاءل وأن الوضع الميداني في الإقليم يتدهور على نحو مطرد.
بعبارة أخيرة: في حين تصاعدت مؤشرات التحدي الصربي للضغوط الدولية والتي انتهت برفض اتفاق رامبوييه (كما رأينا) كانت المؤشرات بالنسبة للخيار العسكري تزداد وضوحًا حول أن الاتجاه قد تحدد قبل بدأ الضربات حول أمرين: وهما حملة جوية مكثفة واسعة النطاق وممتدة مع عدم التدخل البري إلا بعد اتفاق سلام حقيقي.
3-ومنذ بداية الضربات يمكن أن نسجل ما يلي بالنسبة لمسار العمليات ونتائجها وبالنسبة لأهدافها وذلك على نحو يراكم مع مدلولات ما قبل الضربات بحيث يتضح لنا كيف أن العمليات العسكرية حول كوسوفا لم تكن إلا محطة كاشفة عن طار أكبر محيط ألا وهو تطور الناتو طوال التسعينيات وصولًا إلى بيان قمة واشنطن وبيان النقاط ال 17 الخاص بكوسوفا.
ولقد انطلقت عمليات الحرب عن بعد وتطورت لتقدم دلالات هامة عن “الحرب الجديدة[74]” ولتؤكد في نفس الوقت ما سبق الإشارة إليه وهو استبعاد خيار التدخل البري. ولقد تطورت العمليات عبر عدة مراحل ابتداء من قلب بلجراد وصولًا إلى كوسوفا تحقيقًا لأهداف عسكرية عديدة على رأسها تقليص الخسارة البشرية في الجيوش في حالة الاضطرار إلى التدخل البري وإذا كانت تصريحات قادة الناتو العسكريين والسياسيين قد أكدت على رفض التدخل البري فلقد اقترن دائمًا هذا الرفض بالاعتراف وبصورة متكررة طوال أسابيع الحرب بعدة أمور أخرى وهي: الاعتراف باستمرار وتصاعد عمليات التطهير العرقي التي فاقمت من المأساة الإنسانية، الاعتراف بأن الحملة الجوية لن تحقق أهدافها بسرعة لأن التقدم بطيء ولأن المعركة ستحتاج وقتًا لتحقيق أهدافها، ومن ثم فلابد من تطوير نظم الأسلحة المستخدمة وتدعيمها من أجل تحقيق أهداف الحملة الجوية فقط ودون تدخل بري، وأخيرًا الاعتراف بأن التدخل البري يتعارض مع المصالح القومية الأمريكية[75]. وفي المقابل فإن العديد من الدوائر الأكاديمية والسياسية الغربية[76] قد بينت ما سبق وبينته قبل بداية الضربات وهو أن الانتصار السياسي والعسكري على الصرب يتطلب إلى جانب تكثيف الحملة الجوية تدخلًا بقوات برية وتسليح جيش تحرير كوسوفا. كما بينت أن مسار الحملة الجوية والعمليات العسكرية يثير الشكوك لأن هذه العمليات تبدو محدودة وغير مسئولة أخلاقيًا، حيث حدث فشل في الرد على المعاملة الوحشية التي تعرض لها شعب كوسوفا.
-ومن ناحية أخرى: ماذا كان قادة الصرب قد اتهموا ضربات الأطلنطي بأنها المسئولة عن النزوح الألباني، ومن ثم رفضوا الاتهامات الموجهة لهم بممارسة التطهير العرقي والإبادة ضد سكان كوسوفا[77]، فإن قادة الأطلنطي شرعوا في تأكيد مسئولية سياسات ميلوسوفيتش عن هذا النزوح، ولأن هذه السياسات قد بدأت منذ ما قبل الضربات وأخذت تتصاعد تدريجيًا وكانت ستستمر في التصاعد حتى بدون تدخل الناتو[78]. هذا ولم تقتصر جهود الناتو على ساحة العمليات المباشرة ولكن امتدت إلى مساندة جهود الإغاثة الإنسانية في دول الجوار وإلى احتواء مخاطر امتداد الحرب إلى هذه الدول. بعبارة أخرى كان جزء أساسي من مخطط الناتو هو إدارة عواقب العمليات سوءا بالنسبة لألبان كوسوفا أو دول الجوار إلى أن تحقق العمليات أهدافها، مهما امتدت هذه العمليات، ومهما كانت عواقبها ففي نفس الوقت الذي تصاعدت فيه مأساة ألبان كوسوفا فلقد تكررت تصريحات قادة الناتو بأن العمليات الجوية ستستمر ولن تتوقف مهما كانت العواقب، وحتى يستسلم ميلوسوفيتش.
-ومن ثم وعلى الصعيد المقابل فإن المبررات المعلنة للضربات، سواء على لسان كلينتون، بلير، شيراك أو قادة الأطلنطي العسكريين أو وزراء خارجية الدول الكبرى، قد تغلفت بمقولات الاعتبارات الإنسانية ولكن يتضح من قراءتها أن حماية ألبان كوسوفا لم تكن في أولوية منطوق هذه المبررات. فلقد حازت الأولوية المبررات التالية: إجبار ميلوسوفيتش على قبول خطة السلام، ردعه عن انتهاكات جديدة، تحجيم قدراته العسكرية، رفع ثمن وكلفة رفضه للسلام، إثبات تصميم الحلف.[79]
وعلى سبيل المثال كانت تصريحات كلينتون على هامش قمة الأطلنطي في واشنطن[80] واضحة الدلالة بهذا الصدد. حيث أوضح أن العلميات وإن كانت تهدف إلى ردع ميلوسوفيتش وأن الوضع كان سيصبح أكثر سوءًا بدون التدخل، إلا أنه أوضح أيضًا أن المنطق الذي يحكم العلميات هو الحاجة لوقت كاف للتمكن من تحطيم قدرة ميلوسوفيتش العسكرية على السيطرة ورفع تكلفتها، ولهذا فيجب الاستعداد لتأخذ العمليات مداها الزمني المطلوب لتحقيق هذه الأهداف. وهذا يقتضي كما صرح كلينتون رعاية اللاجئين وتوفير الاستقرار والمساندة للدول المجاورة حتى يتحقق الهدف ومن ناحية أخرى قال كلينتون لقد دخلنا الحرب لننتصر ونحن مصممون على النصر ونتمسك بعدم وقف العمليات حتى يتم استسلام ميلوسوفيتش لشروط الناتو.
بعبارة أخرى ـ ووفقًا لهذه التصريحات وغيرها ـ يمكن القول أن الناتو كان يدرك مقدمًا عواقب العمليات على وضع الألبان ولكنه كان مستعدًا لقبول هذا المنطق في سبيل أهداف أخرى.
ولم تكن هذه المبررات المعلنة تمثل الأهداف الاستراتيجية للضربات ولا الدوافع الأساسية لها. فلم تكن إلا السبيل الذي يقود إلى غايات أخرى ودوافع مغايرة، ترتبط بالإطار الإقليمي والعالمي لقضية كوسوفا كما ترتبط بدور الناتو ووضعه في هذا الإطار منذ بداية التسعينيات.
وإذا كانت التحليلات المتخصصة قد ركزت منذ بداية الضربات على الأهداف الاستراتيجية المتصلة بالعلاقات الروسية الأمريكية، والأمريكية الأوروبية الغربية، والمتصلة بنظام الأمن الأوروبي كما ركزت على مستقبل دور الناتو العالمي، فلقد جاءت قمة واشنطن في 23-24 إبريل بمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي للناتوـ كاشفة وبوضوح عما وصلت إليه استراتيجية الناتو من تطور بحيث كان التدخل في كوسوفو هو الكاشف عما وصل إليه هذا التطور بعد عقد من نهاية الحرب الباردة[81]، والذي تجسد في “المفهوم الاستراتيجي الجديد للحلف”. كيف؟
-منذ بداية التسعينيات ـ وعقب الجدال حول الحاجة لاستمرار الناتو من عدمه فلقد تم حسمه لصالح استمراره نظرًا لضرورته لمواجهة مصادر تهديد جديدة للأمن الأوروبي والعالمي من داخل أوروبا ومن خارجها. وكان على رأس هذه المصادر مشاكل القوميات في شرق أوروبا والبلقان. ومن ثم ومع الاتجاه نحو تطور مفهوم الأمن الأوروبي نطاقًا ومضمونًا كان لابد أيضًا وأن يتطور الناتو. وبعد أن تحرك هذا التطور على صعيد توسيع الناتو شرقًا (بصورة تدريجية) وعلى صعيد تدعيم الركيزة الأوروبية في الناتو وصل إلى تدشين المفهوم الاستراتيجي الجديد رسميًا في قمة واشنطن وفي ظل حرب كوسوفا، بعد أن ظلت تحيط به التوقعات والتكهنات.
فلقد سبق تدشين المفهوم رسميًا ظهور مؤشرات سلوكية مبدئية عنه (خلال أزمة الخليج الثانية، حرب البوسنة) وكذلك صدور تعبيرات وصياغات أولية عن مضمونه.
إن القراءة في وثائق هذا المؤتمر وفي تصريحات قادة الناتو خلاله بل خلال الأشهر التي سبقت انعقاده لتقدم لنا، من خلال شرح أبعاد هذا المفهوم وأهدافه ودوافعه، أكثر الأدلة وضوحًا عن أن العلاقة بين الأمن الدولي وحقوق الإنسان والقيم في خطاب الدفاع عن ا”المفهوم الاستراتيجي الجديد” لا يعكس اتجاهًا إنسانيًا جديدًا يعتنقه الغرب ولكن يعني رداء جديدًا يغلف به تحقيقه المصالح. وهو الرداء الذي يستقم وطبيعة مشاكل المرحلة الراهنة من النظام الدولي وعلى رأسها مشاكل الأقليات، وهي المشاكل التي تفجرت حاملة معها أبعادًا إنسانية وأخلاقية ضخمة.
ويمكن من أجل تفصيل الإجمال السابق التوقف عند المحطات التالية: بيان قمة واشنطن، وثيقة سولانا تحت عنوان مستقبل الناتو، تصريحات لبلير وكلينتون، بيان النقاط السبعة عشر الخاصة بكوسوفا. وتحمل جميع هذه المحطات دلالات واضحة عن وضع كوسوفا ومنطقة البلقان وشرق أوروبا في منظومة مصالح الناتو وأهدافه والتي أضحت مغلفة باعتبارات إنسانية وقيمية.
من ناحية: تمثل وثيقة المفهوم الاستراتيجي للتحالف الصادرة عن قمة واشنطن نقطة تحول في تاريخ الحالف[82] فلقد تم فيها الإشارة ولأول مرة في تاريخ الحلف إلى حق التدخل في مناطق خارجة، فضلًا عن الإقرار بدور جديد للحلف إلى جانب دوره الدفاعي ـ ألا وهو المساهمة في صنع السلام ودعم الاستقرار أو ما يسمى المهام الأمنية. أي تحول الحلف من كونه حلف فاعي إلى أداة لفرض النظام والأمن على نطاق عالمي. حيث نصت الوثيقة على العزم على مواجهة التحديات والمخاطر الأمنية الجديدة وأهمها التقلبات وعدم الاستقرار داخل منطقة الأورو ـ أطلنطية وحولها، وإمكانية اندلاع أو استفحال أزمات إقليمية في المناطق المحيطة بها. هذا ولقد أشارت الوثيقة إلى المخاطر التي تستوجب الدور الجديد بأنها المخاطر التي تؤثر على المصالح الأمنية للحلف ودوله وهي مخاطر أوسع من مجرد العدوان على أراضي إحدى دوله مثل الإرهاب والجريمة المنظمة وإعاقة تدفق الموارد. بعبارة أخرى خول الناتو لنفسه التدخل في الحالات التي يرى أنها تمثل انتهاكًا لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. أي ارتبط تدشين المفهوم الاستراتيجي الجديد رسميًا بالإعلان عن مفهوم جديد للأمن العالمي من حيث مصادر تهديده ـ ومنها مشاكل انتهاك حقوق الإنسان والديمقراطية الأقليات ـ ومن حيث آليات حمايته وعلى رأسها تدخل الناتو. ولقد أثارت الإشارة إلى المهام الخارجية للحلف جدالًا بين الحلفاء حول النطاق الجغرافي المقصود وحول شروط التدخل وحالاته وأهدافه وأعبائه. كما تعرض هذا المفهوم لانتقادات عديدة على رأسها ما سيمثله من انتهاك للسيادة الوطنية والشرعية الدولية. وفي المقابل كان لرجال الناتو مبرراتهم المعلنة لهذا المفهوم. ولقد جاءت كوسوفا وشرق أوروبا والبلقان في قلبها. على النحو الذي يبين طبيعة الخطاب السائد للناتو عن العلاقة بين الأمن العالمي والمصالح والقيم أي عن العلاقة بين الأمن وحقوق الإنسان وكيفية حمايتهما من وجهة نظر الناتو.
وفي هذا الصدد قال كلينتون في كلمته خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدة في 24/4/1999 على هامش قمة الأطلنطي: إن العمل استمر لمدة خمس سنوات من أجل بناء ناتو جديد مستعدًا للتعامل مع التحديات الأمنية في القرن الواحد والعشرين. والآن نحن مستعدون لمواجهة الصراعات الإقليمية والإثنية خارج حدود دول الناتو. فإن المفهوم الاستراتيجي يتبنى القيام بمثل تلك الأعمال التي نقوم بها الآن في كوسوفا.
ومن ناحية أخرى: وقبل انعقاد القمة في واشنطن وفي مقال هام أفصح أمين عام حلف الأطلنطي خافير سولانا عن مؤشرات هذا المفهوم[83]. فمنذ بداية تحليله يبرز كيف أن الحلف يخطط منذ عقد للمستقبل ليكون مخفرًا للأمن وليس فقط حام ضد العدوان. وفي نطاق تناوله الأهداف الأربعة الكبرى للناتو في القرن الواحد والعشرين وهي الرابطة بين أوروبا والولايات المتحدة، الهوية الأوروبية الذاتية للأمن والدفاع في إطار الأطلنطي، التوسع شرقًا، أمن البلقان واستقراره، نلحظ الأمور الأساسية التالية:
اتساع نطاق الأهداف لتتعدى الدفاع إلى الحفاظ على الأمن مع تأكيد الالتزام بالقيم الديمقراطية، السوق التنافسية، إعلان الالتزام بالعمل على إقرار استقرار طويل الأجل في البلقان لأن انتهاء الحرب الباردة لم تأت ليوجسلافيا بالانفتاح والديمقراطية والاندماج ومن ثم فهناك حاجة إلى شراكة من أجل الرخاء في البلقان مع استعداد الحلف للمساعدة في تحقيق استقرار المنطقة لإعادتها للحظيرة الأوروبية. ومن ثم كان الهدف الخامس الذي حدده سولانا هدفًا للناتو هو التعامل مع المخاطر المستقبلية التي تهدد أمن أوروبا والنابعة من خارج أوروبا وجميعها أمور تقود كما يشير سولانا إلى وضع مفهوم استراتيجي جديد لتحقيق التوازن بين الدور التقليدي للناتو وبين دوره الجديد في إدارة الأزمات خارج منطقة الناتو التي يمكن أن تهدد أمن الحلفاء.
ومن ناحية ثالثة: تزايد وضح العلاقة بين الأمن الدولي وحقوق الإنسان في خطاب المدافعين عن أو المبررين للمفهوم الاستراتيجي الجديد من قادة دول الناتو وعلى رأسهم توني بلير.
ومجمل هذا الدفاع أو التبرير الذي انطلق من معنى جديد للأمن الدولي هو أن الدور الجديد للناتو يسعى لعلاج فشل الأمم المتحدة في حماية حقوق الإنسان بسبب قيود الفيتو التي تحول دون الأمم المتحدة والتصدي للنظم التسلطية التي تنتهك حقوق الإنسان والتي تهدد الأمن الدولي متسلحة في ذلك بمبدأ السيادة. وقد قدم خطاب توني بلير في شيكاجو أمام النادي الاقتصادي في 22/4/1999[84] رؤية تفصيلية عن هذه العلاقة بين الأمن الدولي وحقوق الإنسان، وعن العلاقة بين المصالح وبين القيم. وتتلخص عناصر هذه الرؤية فيما يلي:
مفهوم الأمن مفهوم عابر للقارات وكوني وليس مفهوم قاري.
-مع احترام مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول إلا أن أعمال التظهير العرقي لن تكون أبدًا موضوعًا داخليًا، لأن أعمال القمع التي تؤدي إلى موجات كاسحة من اللاجئين وتؤدي إلى عدم استقرار إقليمي إنما تعد تهديدًا للأمن والسلم الدوليين.
-بالرغم من مساندة الأمم المتحدة كسند رئيسي للأمن الدولي إلا أنه لا يجب الرجوع إلى طريق مسدود من ذلك النوع الذي قلل من قبل من فاعلية مجلس الأمن خلال الحرب الباردة. ويجب أن تهتم الدول الخمس الكبرى بهذه المهمة بعد انتهاء الصراع في كوسوفا.
إن الذي يقود تحركنا بدرجة كبيرة من المهارة والدقة هو خليط من المصالح الذاتية والأغراض الأخلاقية. والدفاع عن القيم والمصالح تختلط. وإذا استطعنا أن نبني وننشر قيم الحرية ودور القانون وحقوق الإنسان والمجتمع المفتوح فإن ذلك سيكون من مصلحتنا القومية.
كذلك فلقد سلط تصريح لكلينتون[85] الضوء على المفهوم الجديد للأمن والمفهوم الجديد للتدخل حيث أن التدخل ممكنًا في دولة تنال سياساتها من قيم الناتو حتى ولو لم تكن هذه الدولة تمثل تهديدًا أمنيًا بالمعنى التقليدي. ولقد أوضح ضرورة العمل على مساندة الديمقراطية والتنمية في البلقان، وأن ما يجري في قمة واشنطن هو من أجل المستقبل لأن الوقوف ضد التطهير العرقي هو ضرورة أخلاقية وضرورة عملية في نفس الوقت، ولا يمكن قبول الأساليب المدمرة للانقسامات العرقية والدينية، ويجب مساعدة شعوب شرق أوروبا لتتحقق الرؤية عن أوروبا غير المقسمة، الديمقراطية، الحرة في سلام.
وجدير بالملاحظة أن كلينتون لا يتحدث عن اعتبارات إنسانية للتدخل ولكن عن التدخل من أجل حماية منظومة القيم الغربية باعتبارها السبيل للاستقرار والسلام. هذا وكان كوفي عنان الذي سبق وأعلن قبل الضربات وفي بدايتها أن استخدام القوة قد يكون له ضرورة في بعض الحالات، قد أعلن عقب قمة واشنطن[86] حتمية اتحاد مجلس الأمن في مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية لأن إغماض العين عن الممارسات العميقة التي تمارس ضد الأقليات يعد خيانة للمبادئ التي قام على أساسها مجلس الأمن. وذكر عنان أنه تلقى اقتراحات لتعديل بعض بنود ميثاق الأمم المتحدة لتسمح للمنظمة الدولية بالتدخل الحاسم والسريع في المشكلات الداخلية لأية دولة تمارس سياسات قد تعتبر تهديدًا للأمن العالمي.
ومن ناحية رابعة: وحيث أن قضية كوسوفا بمثابة ساحة الاختبار لمدى التزام الدول الأعضاء بالمفهوم الجديد فإن الوضع في البلقان برمته وفي قلبه كوسوفا احتل اهتمام قادة الناتو قبل انعقاد القمة وخلالها ومن ثم كان لبيان النقاط السبعة عشر عن كوسوفا[87] دلالات هامة تؤكد دلالات ما سبق ذكره حول العلاقة بين القيم والمصالح، كما تؤكد أن إدارة أزمة كوسوفا قد تمت في إطار إقليمي أوسع هو جنوب شرق أوروبا ووضعه في نظام الأمن الأوروبي، أي أن هناك مصالح أمنية هامة تجاه شرق أوروبا سعى الناتو لتحقيقها ولكن مع تغليفها باعتبارات إنسانية. ولذا يمكن القول أن القيم والمبادئ المعلنة في البيان هي من صميم سياسات القوى. فلقد بدأ البيان بالنص في بنده الأول على أن الأزمة تمثل تهديدًا جوهريًا للقيم التي يدافع عنها الناتو وهي الديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون، وأن الناتو لن يسمح لحملة الرعب أن تنجح وأنه مصمم على الغلبة. ولقد حدد البيان في بنوده التالية: شروط قبول وقف العمليات ضد بلجراد، وحمل ميلوسوفيتش مسئولية ما يحيق بسكان كوسوفا، معتبرًا أن المأساة الإنسانية تهدد الإقليم المحيط وأنه لا يمكن أن يكون هناك سلام دائم بدون عدل وبدون عقاب لانتهاكات ميلوسوفتيش، التعهد بإعادة اللاجئين ومساندة دول الجوار. ثم يصل البيان في بندية الأخيرين إلى تحديد أهدافه وهي: أن الاستقرار في جنوب شرق أوروبا يحتل أولوية في أجندة العلاقات عبر الأطلنطية وأن تحقق هذا الاستقرار يتطلب التكامل الاقتصادي لجنوب شرق أوروبا المفتوح ذا الرخاء الحر، وهذا بدوره لن يتحقق إلا إذا اتجهت يوجسلافيا نحو تحول ديمقراطي يحمي حقوق كل الأقليات.
بعبارة أخرى إن هذه الأهداف تعني فرض منظومة القيم السياسية والاقتصادية والأمنية بالقوة العسكرية.
خلاصة القول أن القراءة في النصوص السابقة لتبين لنا كيف أن تحديات الأمن في البلقان وإن كانت قد احتلت حيزًا هامًا من أعمال قمة واشنطن والإعداد لها فهي تبين مفهوم الناتو الجديد عن الأمن الدولي كما تبين كيف أن إدارة الحرب في كوسوفا (اتفاقًا مع صميم مقولتنا السابق الإشارة إليها) ليست قضية قيمية تحتل فيها الاعتبارات الإنسانية الأخلاقية الأولوية ولكنها قضية سياسية واستراتيجية ترفع راية هذه الاعتبارات.
إن هذا المعنى الذي سعينا لإبرازه من خلال مجموعات الأدلة المتتالية السابقة إنما يعبر عنه بوضوح ودقة شديدة أحد أعلام نظرية العلاقات الدولية الأمريكية في مقال تحت عنوان “إعادة تعريف المصلحة القومية[88].
فهو في معرض إجابته عن السؤال التالي: هل هناك للأبعاد القيمية الإنسانية وضع في تخطيط السياسة الخارجية الأمريكية؟ وكيف ظهرت في كوسوفا؟ وما الفارق مع حالات سابقة ثار بشأنها نفس السؤال؟ ينطلق مما يلي:
المصالح القومية أكثر اتساعًا من المصالح الاستراتيجية وهي تتضمن القيم مثل حقوق الإنسان والديمقراطية وذلك إذا شعر المواطنون أن هذه القيم ضرورية لهويتهم وأنهم مستعدون لدفع الثمن للدفاع عنها. والتعريف الديمقراطي للمصلحة يرفض التمييز بين سياسة خارجية ذات أساس قيمي وأخرى ذات أساس مصلحي. وفي عصر المعلومات والاتصالات فإن القضايا ذات الأبعاد الإنسانية وما تثيره من تفضيلات قيمية تحوز درجة أكبر من الأهمية عن ذي قبل. ولكن بالمقارنة بين عدة حالات من هذه القضايا التي تثير العلاقة بين الأبعاد الإنسانية والاستراتيجية (العراق، الصومال، البوسنة، كوسوفا) وكيف اختلف المسلك الأمريكي تجاهها يمكن القول أن هناك قواعد من “الحذر” تنظيم هذه القضايا في الاستراتيجية الأمريكية. فلا يتم استخدام القوة العسكرية بفعالية من أجل اعتبارات إنسانية إلا في حالة توافر مصالح قومية قوية. ولهذا وبعد أن ظلت قضية كوسوفا تأتي في درجة ثالثة من الاهتمام ارتفعت أولويتها نظرًا لأن مصالح التحالف عبر الأطلنطي الاستراتيجية أضحت تدعم البعد الإنساني الذي أخذ يتصاعد بدوره. ولذا أضحى التدخل العسكري مجديًا. بعبارة أخرى يبرز التحليل كيف أن الأبعاد الإنسانية وإن كان لها وضعها في خيارات السياسة الأمريكية إلا أنها لا تطغى أبدًا على المصالح الاستراتيجية. ولذا فإن التدخل العسكري في كوسوفا لم يحدث سريعًا منذ البداية لأن السياسة الأمريكية تتحرك وفقًا لقواعدها ومحاذيرها وحساباتها وليس وفقًا لاعتبارات إنسانية فقط.
ومن ناحية أخرى يمكن رصد العديد من الشهادات ـ من واقع الأوساط الأكاديمية والسياسية الغربية التي انتقدت مسار العمليات الجوية ونتائجها على نحو يبين كيف أن التدخل العسكري قد تم بالطريقة التي تحفظ المصالح المباشرة دون مراعاة للعواقب الإنسانية على ألبان كوسوفا ومن أبرز هذه الشهادات تلك التي قدمها مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبيجنيو بريجنسكي[89] حيث يشير إلى أن العمليات العسكرية تثير الشكوك لأنه كان لابد من ترتيب هجوم جوي تكتيكي ضد قوات ميلوسوفيتش البرية منذ البداية حتى مع احتمال وقوع خسائر ولذا فهو وصف العمليات بأنها غير مسئولة أخلاقيًا، وأن البيت الأبيض فشل في القيام بالحد الأدنى الممكن لوقف المأساة. ومن ثم فإنه لا يمكن تجنب الشك أن المنفعة السياسية هي التي كانت تحرك الأمور، وهو الأمر الذي أعطى الفرصة لميلوسوفتيش لتحمل القصف الجوي في الوقت الذي يستكمل فيه التطهير العرقي في كوسوفا.
المجموعة الثانية من الأدلة: تنبع من خبرة التاريخ
إذا كانت مجموعات الأدلة السابقة من واقع أحداث مرحلتي ما قبل الضربات وما بعدها تساعد على توضيح أركان مقولتي التي تلخص أبعاد رؤيتي وموضعها بين الاتجاهات المختلفة للخطاب، فيبقى القول أن ساحة الذاكرة التاريخية تحمل في طياتها أيضًا الكثير من الأدلة على هذه المقولة.
بل إن هذه المقولة محملة بتأثير دراسة خبرة التاريخ عن امتداد أنماط معينة من التفاعلات الإسلامية ـ غير الإسلامية حول البلقان. فإن قراءة تاريخ هذه الأنماط واستيعاب خبرتها يساعدنا على طرح الأسئلة الصحيحة وحتى لا تتداخل الأوراق أو ترتبك التحليلات. فإن فقه التاريخ، وفقه الواقع وفقه الشرع حلقات ثلاثة لا تنفصل.
ما الذي يقوله لنا التاريخ (القرنان التاسع عشر والعشرين).
فالنظر إلى تاريخ الأزمات الكبرى التي تصادمت فيها الدولة العثمانية في مرحلة ضعفها مع شعوب البلقان ولعبت فيها القوى الكبرى: روسيا القيصرية، فرنسا، بريطانيا، النمسا والمجر ثم ألمانيا أدوارها في المسألة الشرقية لتبين لنا أمرين أساسيين[90]
أولهما: تتعرض منطقة البلقان لإعادة تشكيل لتوازناتها في المراحل الانتقالية التي يمر بها النظام الدولي. بل وتصبح المنطقة نفسها وعمليات إعادة تشكيلها ساحة هامة وأساسية لاختبار التوازنات الأوروبية بصفة عامة وحول المنطقة بصفة خاصة: خبرة الثورة اليونانية وحربها، نتائج حرب القرم، ومعاهدة باريس 1865، الحرب الروسية التركية 1878، الحروب البلقانية 1912-1913، تسويات الحرب العالمية الأولى (وكذلك نتائج الحرب العالمية الثانية بعد ذلك) جميعها تقدم مدلولات تفصيلية حول المقولة السابقة حيث تشكل خلالها مصير البلقان وشعوبها مرارًا تحت وطأت نتائج الحروب وبحلول قسرية تفرض طبيعتها حالة توازنات القوى. بل وكانت مصائر وحقوق شعوب البلقان ذريعة أو حجة أو مبرر لتدخلات القوى الكبرى المتنافسة حول أهداف ومصالح استراتيجية.
ثانيهما: تحركت القوى الكبرى الغربية تحت دافع أساسي ومتكرر وهو مناوئة امتداد النفوذ الروسي ـ بالتحالف مع الصرب ـ إلى شرق أوروبا. وفي المقابل لم تحصل الدولة العثمانية ـ في مواجهتها الأساسية مع روسيا ـ إلا على المساندة التي لا تكفل إلا منع الانهيار المفاجئ ولكن التي تسمح في نفس الوقت بالتآكل التدريجي للقوى العثمانية. كما تعرضت الشعوب البلقانية إلى حلول قسرية للإجبار على التعايش معًا حفاظًا على التوازنات الكبرى وليس حماية لحقوق المصير أو منعًا لانتهاكات حقوق هذه الشعوب التي تتعرض، وخاصة مسلميها من البوسنيين والألبان، إلى موجات متتالية من التنكيل والتهجير فاقت ما تعرضت له غيرها من الشعوب، ذلك لأن مسلمي البلقان يمثلون في مجموعهم أقلية بين شعوب البلقان الأخرى. بعبارة أخرى تبين الأنماط التاريخية من توازنات القوى حول البلقان أن تحالف القوى غير المسلمة مع الدولة العثمانية في مواجهة روسيا كان تحالفا تكتيكيًا ليس لحماية المصالح الاستراتيجية للطرف المسلم حيث أدت هذه التحالفات في النهاية إلى التصفية التدريجية للدولة العثمانية واستقلال شعوب البلقان في دول مستقلة، لم تضف الاستقرار على المنطقة بقدر ما وضعت بذور تفجره المتكرر طوال القرن العشرين. ولهذا فإن بدء تدخل الأطلنطي تحت مبرر حماية ألبان كوسوفا ليس إلا تكتيكًا لن يكون في الأجل الطويل لصالح وجودهم المستقر في المنطقة بقدر ما هو خدمة لمصالح استراتيجية كبرى لا علاقة لها بحماية هوية ألبان كوسوفا أو حماية وطنهم أو حتى حمايتهم من الفناء والتشتت في ظل واحدة من أسوأ مآسي ما يسمى بالتطهير العرقي في التاريخ المعاصر، والتي وصلت إلى حالة الإبادة.
ومن ثم فإن المرحلة الراهنة من تشكيل النظام الدولي بعد الحرب الباردة تنعكس بدورها على منطقة البلقان وتقدم لنا معضلة اليوم: أهداف الضربات / مأساة ألبان كوسوفا. فهذه هي صيغة نهاية القرن العشرين لنفس المأساة التي شهدت صيغًا أخرى في بداية القرن ومنتصفه والتي امتزجت فيها توازنات القوى على نحو يتخطى كل اعتبارات حقوق الشعوب الإنسانية ناهيك عن السياسية ولهذا كله لا يجب أن يثير التدخل باسم حماية الألبان المسلمين الارتباك والتداخل والخلط في الأوراق.
*****

الهوامش:

[1] د.نادية محمود مصطفى:كوسوفا من الأزمة الراهنة والتاريخ. أمتي في العالم، 1998، مركز الحضارة للدراسات السياسية، مارس 1999
[2] في العصر العثماني، ثم في فترة ما بين الحربين وما بعدها وأخيرًا في ظل تأثيرات ما بعد الحرب الباردة على الوضع في البوسنة ثم في كوسوفا: انظر على التوالي:
-د.نادية محمود مصطفى: اعصر العثماني من القوة والهيمنة إلى بداية المسألة الشرقية لجزء 11 مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996.
-د.نادية محمود مصطفى: البوسنة والهرسك من إعلان الاستقلال وحتى فرض التقسيم: نجاح العدوان المسلح في فرض الواقع أمام أنظار النظام العالمي الجديد في “تقرير الأمة في عام”، مركز الدراسات الحضارية. 1413هـ، 1992-1993م. ص 69-135.
[3] كلوفيس مقصود: ألبان كوسوفو.. فلسطينيو فلسطين؟. الحياة 1/4/1999. وانظر أيضًا: د.مهدي شحادة: الناتو بديلًا للأمم المتحدة أم ذراع عسكري غربي لها. الأهرام 9/4/1999.
[4] أحمد حمروش: حلف الأطلنطي والخروج من المأزق. الشرق الأوسط /4/1999.
[5] عاطف الغمري: هذه الحرب المخالفة للنظريات العسكرية. الأهرام 7/4/1999.
[6] سلامة أحمد سلامة: الغرب يكرر أخطاءه. الأهرام 3/4/1999.
ـــــ: كوسوفا تسطيح وتقصير. الأهرام 11/4/1999.
ـــــ: الطعم، الأهرام 4/4/1999.
ـــــ:سيموتون على كل حال. الأهرام 26/4/1999.
[7] أحمد السيد النجار: من يدمر كوسوفا: الناتو أم الصرب. الأهرام 12/4/1999.
[8] مرسي عطا الله: كيف ومتى ستنتهي الحرب في البلقان. الأهرام 6/5/1999.
[9] إدوار سعيد: تأملات أخرى في أزمة كوسوفا. الحياة 21/6/1999.
[10] Hassan Nafaa: The UN`s death certificate. Ahram Weekly 5/4/1999.
[11] -عادل حسين: كارثة لو حقق الهجوم الأمريكي أهدافه.. ونصر عظيم لو فشل..كيف. الشعب 2/4/1999.
[12] حول توجه إيران بهذا الصدد: انظر رياض علم الدين قصة اللقاءات السرية لإقامة تحالف عسكري سياسي أمني بين بلجراد وطهران وموسكو. الوطن العربي 23/4/1999.
[13] هشام شيشكلي: علاقة توسيع الأطلسي بضرب يوغسلافيا: تصحيح المعادلة البلقانية في وسط أوروبا. الحياة 1/4/99
[14]رضا محمد لاري: الناتو يقاتل لأمن أوروبا. الشرق الأوسط 30/3/1999.
[15]-عبد العظيم حماد: كوسوفا.. حالة أوروبية. الأهرام 5/4/1999.
عبد العظيم حماد: تحيزات السياسة الأطلنطية. الأهرام 12/4/1999
[16]صالح بشير: هل يدفع سكان كوسوفو ثمن قضية تتجاوزهم. الحياة 4/4/1999.
[17]طه المجدوب: دوافع ودلالات قرار الحرب من وجهة النظر الأمريكية. الأهرام 23/5/1999.
[18] -أمير طاهري: النزاع الكوسوفي: أساطير وأكاذيب.. وأنصاف حقائق. الشرق الأوسط 3/5/1999.
[19] -فيصل جلول: الألبان أول ضحايا عاصفة البلقان. كوسوفا كارثة نهاية القرن. الوسط 11/4/1999.
فيصل جلول: الأطلسي يحارب أشباح البلقان، الوسط 29/4/1999.
[20] مسلمو كوسوفا هم الضحية: الشعب 2/4/1999.
[21] محمد أبو الفتوح: عار العرب والمسلمين في كوسوفا، الشعب 2/4/1999.
[22] عامر عبد المنعم: تفريغ كوسوفا من المسلمين، الشعب 6/4/1999.
[23] صلاح عز: مسلمو البلقان واحتمالات التكرار. الحياة 8/4/1999
وانظر أيضًا: صلاح عز: نقلًا عن أحمد بهجت: نماذج من الخطابات، 10/4/1999، الإبادة: الأهرام 3/10/1999.
[24] كمال حبيب: مقدمة حوار مع ممثل المشيخة الإسلامية بكوسوفا. الشعب 9/4/1999.
[25] هشام الهلالي: جريمة القرن في كوسوفا.. الشعب 9/4/1999.
[26] أحمد السيوفي: المسلمون شهود على فضيحة كوسوفا. الشعب 13/4/1999.
[27] هشام الهلالي: هل اختصر الناتو مشكلة كوسوفا في صورة اللاجئين. الشعب 16/4/1999,
[28] محمد جمال عرفة: بعد رفض الناتو التدخل البري خوفا على جنوده. الشعب 16/4/1999.
[29] مصطفى مشهور: الأمة تلح وفي إصرار من أجل قمة عربية وإسلامية فاعلة. الشعب 13/4/1999.
[30] إبراهيم شكري: من لمسلمي كوسوفا غير العرب والمسلمين. الشعب 14/5/1999.
[31] عبد المنعم سليم جبارة: محنة المسلمين في كوسوفا مسئولية جميع المسلمين حكامًا أو محكومين. الشعب 27/4/1999.
[32] السيد الغضبان: الغباء والعار العربي والإسلامي: الشعب 20/4/1999.
[33] منى ياسين: اسكتلندا وكوسوفا: التعامل الرشيد والهمجي لقضايا القوميات. الشعب: 18/5/1999.
[34] ربيع شاهين: حلف الناتو يقنن استراتيجيته الجديدة لممارسة البلطجة على نطاق واسع. الشعب 23/4/1999.
[35] محمد جمال عرفة: حرب صليبية في كوسوفا. الشعب 25/5/1999.
[36] هشام الهلالي: الغرب يسعى لاختصار المجزرة في مشكلة محمية دولية لمنع قيام دولة إسلامية. الشعب 18/5/1999.
[37] محمد جمال عرفة: خطة سلام كوسوفا لصالح الصرب وعلى حساب المسلمين: الشعب 8/6/1999.
[38] منى ياسين: اتفاق السلام في كوسوفا: العودة إلى نقطة البداية. الشعب 18/6/1999.
[39] إبراهيم نافع: الأهرام 3، 4، 5/4/1999.
[40] د.محمد السيد السعيد: الرأي العام حول كوسوفا. العدالة ضد الشرعية. الأهرام 5/4/1999.
[41] عمرو الشويكي: انكسار المواجهة على الطريقة الصربية الأهرام 26/4/1999.
[42] خالد أحمد عثمان: مشروعة تدخل “الناتو” لوقف مأساة كوسوفا، الإبادة الجماعية جريمة بمقتضى القانون الدولي لا يجوز السكوت عنها. الشرق الأوسط 8/4/1999.
[43] وحيد عبد المجيد: حرب البلقان: عالم يتحول سياسيا وعسكريا معضلة السيادة.. وأزمة العقل العربي. الأهرام 9/4/1999.
[44] وحيد عبد المجيد: رؤيتان لتدخل حلف الأطلنطي بين الدوافع الإنسانية والاستراتيجية. الأهرام 16/4/1999.
[45] صبري سعيد: الحرب في كوسوفو: الفجوة بين التنظيم الدولي وحقائق القوة. الأهرام 3/5/1999.
[46] عبد المنعم سعيد: نحن والغرب وكوسوفا. الأهرام 5/4/1999.
[47] عبد المنعم سعيد: كوسوفا مرة أخرى. الأهرام 12/4/1999.
[48] عبد المنعم سعيد: خطاب الهيمنة. الأهرام 26/4/1999.
عبد المنعم سعيد: خطاب الهيمنة مرة أخرى. الأهرام 3/5/1999.
[49] خالد القشنيطي: كوسوفو حيث يلتقي المبدأ باللامبدأ. الشرق الأوسط 29/3/1999.
[50] أحمد عباس صالح: مدينة الموت، الشرق الأوسط 2/4/1999.
[51] خالد بن سلطان بن عبد العزيز: ألا تستحق كلمة إنصاف؟ الحياة 7/4/1999.
[52] د.محمد الشحات الجندي: كوسوفا في مفترق طرق. الأهرام 11/5/1999.
[53] معن أبو نوار: هل يستمرون في الدفاع عن ميلوسوفيتش؟ الحياة 2/6/1999.
[54] بيان ونداء من علماء الأزهر الشريف لإنقاذ مسلمي كوسوفا. الشعب 3/4/1999.
[55] نقلًا عن: كمال حبيب: كوسوفا تحترق. الشعب 6/4/1999.
[56] فهمي هويدي: هوامش على دفتر الكارثة. الأهرام 6/4/1999.
[57] مصطفى الفقي: خلط الأوراق. الأهرام 20/4/1999.
[58] حازم صاغية: نحن والولايات المتحدة وحرب كوسوفو الحياة.
[59] رغيد الصلح: قضية كوسوفا: الدول العربية والحرب الأطلسية الأوراسية. الحياة.
[60] د.نادية محمود مصطفى: محاولة لفهم ما يحدث لكوسوفا قراءة في الواقع الراهن على ضوء خبرة التاريخ، القدس العدد 5، مايو 1999.
د.نادية محمود مصطفى: حرب كوسوفا في التوازنات الأوروبية والعالمية الجديدة (ورقة العمل الثانية في حلقة نقاشية: كوسوفا وحلف الأطلسي، المستقبل العربي. يوليه 1999.
[61] من واقع كلمة كل من أ.د.كمال أبو المجد، أ.د.علي جمعة محمد حول إشكاليات وتحديات الاجتهاد المعاصر (في) ندوة مجلة المسلم المعاصر بعد 25 عام. مركز الدراسات المعرفية، القاهرة 1/12/1999.
[62] د.نادية محمود مصطفى: كوسوفا بين الأزمة الراهنة والتاريخ: مرجع سابق.
[63] جميل روفائيل: الصرب يختارون التحدي لحسم الصراع مع الألبان، الوسط، 25/1/1999.
جميل روفائيل: كوسوفا بين التهديد الغربية والتحديات الصربية. الحياة 24/1/1999.
[64] حول تفاصيل الإعداد للجولة الأولى ومواقف الأطراف المختلفة انظر الشرق الأوسط: 27/1، 29/1، 31/1، 2/2، 3/2/1999.
الحياة: 12/1، 29/1
الأهرام: 27/1، 28/1، 31/1، 1/2، 2/2، 3/2/1999
وحول تفاصيل المواقف خلال الجولة الأولى من المفاوضات وعقب فشلها انظر.
الشرق الأوسط: 8، 9،19/2/1999.
الحياة: 8، 10/2/1999.
الأهرام 6، 8، 14، 17، 18، 23، 25/2/1999.
-Claire Teran: Les Principaux obstacles a`un accord entre serbes et Albanais.
Le Monde 25/2/1999.
-West Warns Serbs and leans on Kosovars.
Ahram Weekly 25/2/1999.
وحول تفاصيل مواقف الأطراف المختلفة قبل الجولة الثانية وخلالها وحتى إعلان فشلها انظر
الأهرام: 25، 26/2، 11/3، 12/3، 14/3، 15/3، 16/3، 17/3/1999.
الشرق الأوسط: 27/2، 1/3، 10/3، 13/3، 15/3، 19/3، 23/3
الحياة: 10/2/1999، 11/3، 12/3، 14/3، 16/3/1999.
-Le Monde 26/2/1999, 17/2/1999
[65] Peter Finn: Serbs seem Preparing big military push. International Herald Tribune. 18/3/1999.
[66] أحمد صبري: كوسوفا.. قنبلة أوروبا الموقوتة، الأهرام 29/12/1999.
هشام الهلالي: الجيش الصربي يشن حربًا شاملة ضد جيش تحرير كوسوفا. الشعب 15/1/1999.
هشام الهلالي: الغرب يصر على فرض خطة وهمية على مسلمي كوسوفا
هشام الهلالي: الغرب أعطى الضوء الأخضر للصرب للتطهير العرقي في كوسوفا.. ولن يتدخل. الشعب 26/3/1999.
هشام الهلالي: المعتدون الصرب يعتمدون على سياسة المذابح ضد المسلمين لإنهاء المقاومة المسلمة. الشعب 5/2/1999.
[67] -أشرف أبو الهول: كوسوفا مأزق الناتو: الأهرام 23/1/1999.
-مصطفى عبد الله: كوسوفا بين الوحشية الصربية والإدانات الدولية والقبعات الزرقاء. الأهرام
-جميل روفائيل: كوسوفو ما بين التهديد الغربي و.. التحديات الصربية. الحياة 24/1/1999.
-محمد عبد العزيز: المجتمع الدولي يفقد شهية التدخل العسكري لإنقاذ كوسوفا: عقيدتي 26/1/1999.
[68] د.عبد الله الأشعل: مشكلة كوسوفا والدور الإسلامي المطلوب. الأهرام 7/3/1999.
-عبد الرحمن الراشد: الصمود المجهول. الشرق الأوسط 3/12/1998.
[69] نقلًا عن جميل روفائيل: الصرب يختارون التحدي لحسم الصراع مع الألبان. الوسط 25/1/1999.
[70] ستيفن كاليا: واشنطن والناتو أمام اختبار صعب في كوسوفو. الشرق الأوسط 24/1/1999.
-Craig R. Whitney: Nato Gives Serbs a Final Warning: International Herald tribune 18/3/1999.
[71] الأهرام 7/1/1999.
[72] الحياة 21/1/1999.
[73] -الأهرام 3/1، 27/1، 1/2، 3/2، 4/2، 11/3، 13/3/1999.
-الحياة 24/1، 13/3/1999.
-الشرق الأوسط 27/1، 5/2/99، 8/2، 20/2، 27/2/1999.
-Craig R.Whitney: Op. Cit.
[74] انظر تحليلًا عسكريًا تكنولوجيا لحرب البلقان وكيف تمثل بعد حرب الخليج الاختبار الثاني الكبير لنموذج الحرب عن بعد في:
د.محمد قدري سعيد: حرب البلقان: عالم يتحول سياسيا وعسكريا: حدود وآفاق الحرب الجوية الأهرام 9/4/1999.
[75] انظر على سبيل المثال: نص خطاب كلينتون حول بداية عمليات الناتو ومؤتمره الصحفي، تصريحات المتحدث باسم الناتو جامي شيا، تصريحات جيمس روبن المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، تصريحات المتحدث باسم البنتاجون كين باكون، تصريحات بلير، ووزراء الدفاع والخارجية الأمريكي والبريطاني.
وذلك على موقع CNN على الإنترنت طوال أسابيع الحرب.
[76] انظر على سبيل المثال:
تصريحات بعض خبراء مؤسسة بروكينجز مثل ريتشارد هاس، إيفو دالدر، مايكل أوهانلون (موقع CNN على الإنترنت 29/3/1999)
-كذلك حوار مع سكوت ريتر الرئيس السابق لمفتشي الأمم المتحدة على الأسلحة العراقية (موقع CNN في 30/3/1999) كذلك انظر تصريحات بعض قادة الجيش الأمريكي التي نشرتها الواشنطن بوست في 5/4/1999 (موقع CNN)
[77] انظر مثلًا تصريحات وزير خارجية يوجسلافيا في 29/3/99(موقع CNN)
[78] انظر على سبيل المثال:
تصريحات المتحدث باسم الناتو في 29/3/ (موقع CNN)، المؤتمر الصحفي الذي عقدته وزيرة الخارجية الأمريكية ووزير الخارجية البريطاني في واشنطن في 22/4/1999 (WWW secretary. State. gov)
[79] انظر على سبيل المثال:
نص خطاب كلينتون مع بداية العمليات ونص مؤتمره الصحفي (موقع CNN).
[80] Press Conference by the President (Clinton) International Trade Center Washington D.C. April 24/1999
WWW. While house.gov.
[81] انظر على سبيل المثال:
عماد جاد: حلف الأطلنطي بعد الحرب الباردة كراسات استراتيجية
– السياسة الدولية: يوليو 1998، ملف الناتو
[82] حول تحليل هذه الوثيقة ضمن أعمال القمة أنظر على سبيل المثال:
د.محمد شعبان: تقرير هارفارد: وثيقة الناتو قبل ساعة الصفر الأهرام 9/4/1999.
د.محمد شعبان: قمة الناتو.. استخلاص النتائج. الأهرام 2/5/1999.
صلاح الدين حافظ: على جناح الأطلسي. الأهرام 28/4/1999.
-William Pfaff: A balkan Cold Shower on Alliance activism. International Herald Tribune. 26/4/1999.
-Alexander Kasamias: International security and Human Rights in Nato’s new Strategic Concept. Public lecture at Faculty of Economic and Political Science, 99/5/1999.
[83] Javier Solana: Nato`s Future, Growing the alliance. Economist 13/3/1999
[84] نقلًا عن: د.عمرو عبد السميع العقيدة الأمنية الجديدة لحلف الأطلنطي (2)الأهرام 10/5/1999.
[85] Remarks by the President (Clinton) at the Close of the washington summit the white house office of the press secretary. April 25,1999. www.Whitehouse.gov.
[86] الأهرام 19/5/1999
[87] Nato`s 17 point Statement on Kosovo. April 23,1999. Associated Press Headlines. (Yahoo site)
[88] Joseph S.Nye, Jr: Redefining national interest. Foreign Affairs. July /august 1999. Pp. 22-35.
[89] زبيجنيو بريزيسنكي: هل سيصبح الناتو في احتفالات عيد ميلاده ضحية لحرب كوسوفا.
الشرق الأوسط 20/4/1999.
[90] د.نادية محمود مصطفى: العصر العثماني من القوة والهيمنة.. مرجع سابق.

نشر في حولية أمتي في العالم، عدد 2000

للتحميل اضغط هنا 

للتحميل اضغط هنا 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق