البحر والحضارة: قراءة بينية في ثلاثة أعمال تاريخية

مقدمة:
في عام ١٩٤٩ نشر المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل (١٩٠٢–١٩٨٥) مؤلَّفه الضخم البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عصر فيليب الثاني[1]، الذي مثّل نقطة تحوّل جذرية في تطور مدرسة الحوليات. فقد قدّم بروديل تصورًا جديدًا للكتابة التاريخية، لم يعد يقتصر على تعاقب الأحداث السياسية أو تاريخ الملوك والقادة، وإنما انصرف إلى دراسة البنى الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي تنتظم داخلها حياة المجتمعات، وإلى تحليل أثرها في تشكيل التاريخ على المدى الطويل.
ولتحقيق ذلك، ميّز بروديل بين مستويات متعددة للزمن التاريخي: الزمن الجيولوجي شديد البطء، والمدة الطويلة (La longue durée) التي تتحرك فيها البنى والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية، والزمن القصير الذي تنتمي إليه الأحداث السياسية والعسكرية. ورأى أن فهم التاريخ يقتضي الانطلاق من هذه البنى العميقة لا الاكتفاء بسرد الوقائع المتعاقبة، إذ تبقى الأحداث السياسية –على ضجيجها– ظواهر عابرة تفتقر إلى الاستمرارية التي تمتلكها البنى الكبرى[2].
كان هذا التحوّل المنهجي بمثابة طلاق رسمي مع التأريخ الحدثي الضيق، وإعلانًا عن ولادة تأريخ جديد يقرأ الحضارات من خلال جغرافيتها والمجتمعات من خلال بيئتها المادية[3]. ولعل أوضح تجسيد لهذا النموذج التحليلي يتبدّى في الفصل الرابع من مؤلَّفه، حين يصف آليات صعود الإمبراطوريات الكبرى وانهيارها في القرن السادس عشر؛ فإسبانيا والدولة العثمانية لم تقوما إلا على ركيزة السيادة البحرية، وحين أخذتا في فقدان قبضتهما على المتوسط بدأتا تتهاويان.
ويلاحظ بروديل أن هذه الإمبراطوريات العملاقة كانت قد “أرست ركائز قوتها في الأرجاء الداخلية البعيدة عن الشواطئ المتوسطية حيث كانت تقوم المدن“[4]، فكانت قدرتها البحرية أداة سلطة وهيمنة لا أداة إنتاج ونماء، وتلك هي الهشاشة البنيوية التي فتحت الباب لاحقًا أمام الدول الصغيرة ذات الاقتصاد البحري المتماسك –كهولندا وإنجلترا– لتملأ الفراغ وتسدَّ الثغر. بهذا المثال وحده يتّضح كيف يمكن لعلاقة أمة بالبحر أن تكون في آن واحد سرَّ قوتها وأصلَ انهيارها، وهو بالضبط السؤال الذي تنطلق منه هذه القراءة[5].
فإذا كان بروديل قد أرسى بتحليله هذا مبدأً مفاده أن مصير الإمبراطوريات مرهون بعلاقتها بالبحر، فإن هذه القراءة البينية تسعى إلى اختبار هذا اليقين وتوسيعه زمنيًّا وثقافيًّا، متخذة من الإطار “البروديلي” محورًا ناظمًا تُجيب عبره بواسطة ثلاثة أعمال عن أسئلة جوهرية تتشابك فيها السياسة والاقتصاد والثقافة، وهي: كيف أثّر البحر في صعود الحضارات وتراجعها؟ وما دوره وسيطًا للتواصل الحضاري بين الأمم والشعوب عبر القرون؟ وما العوامل السياسية والاقتصادية والتقنية التي حدّدت طبيعة هذا الدور ورسمت حدوده؟
والأعمال الثلاثة المُستحضَرة في هذه القراءة هي: “الأبيض المتوسط: تاريخ بحر ليس كمثله بحر” لجون جوليوس نورويش الصادر عام ٢٠٠٦[6]، و”البحر والحضارة: التاريخ البحري للعالم” لبحّاثة التاريخ البحري لينكولن باين والذي صدر عام ٢٠١٣[7]، و”بحر الخلفاء: تاريخ المتوسط الإسلامي” للمؤرخ الفرنسي كريستوف بيكار والصادر عام ٢٠١٨[8].
وتكشف الأعمال الثلاثة، على اختلاف مناهجها ومدارسها، عن مداخل متمايزة لكتابة التاريخ البحري؛ فبينما يعيد كريستوف بيكار بناء تاريخ المتوسط من خلال تعدد الأصوات والمصادر، متجاوزًا السردية الأوروبية الأحادية ومبرزًا مركزية العالم الإسلامي، يوسع لينكولن باين المنظور إلى التاريخ البحري العالمي، مركزًا على البحار والأنهار بوصفهما شبكات للاتصال وانتقال السلع والمعارف والنظم الاجتماعية، في حين يتبنى جون جوليوس نورويش مدخلًا سرديًّا سياسيًّا يركز على الإنسان والمجتمعات المحيطة بالمتوسط وعلى المصائر السياسية التي تشكلت في علاقتها به.
المحور الأول: البحر وصعود الحضارات وتراجعها
تكشف التجارب التاريخية المتعاقبة أن البحر لم يكن مجرد مجال تتحرك فيه الحضارات، بل كان أحد العوامل التي أسهمت في صعودها واتساع نفوذها، كما كان فقدان السيطرة عليه سببًا في انحسار قوتها وتراجع مكانتها. ومن الحضارات المينوسية إلى أثينا، ثم الدول الإسلامية والجمهوريات البحرية الإيطالية، تتكرر العلاقة بين القدرة على توظيف البحر وبين القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وإن اختلفت صورها باختلاف العصور والأنظمة.
أولًا– الحضارة المينوسية: البحر بوصفه أساسًا للقوة الحضارية
لا يمكن البدء في مقاربة العلاقة بين البحر والحضارة دون الوقوف عند اللحظة التأسيسية الأولى التي تجلَّت فيها هذه العلاقة في أبهى صورها وأشدِّها دلالة، وهي الحضارة المينوسية الكريتية.
يُعيد نورويش في مطلع مؤلَّفه استحضار هذه الحضارة وهو يُسبغ عليها وصفًا لا يخلو من إعجاب، فقد كانت “حضارة غير عادية، موهوبة ومثقفة وشديدة الثراء، مدّت نفوذها على معظم جزر إيجه وأحكمت سيطرتها على الحوض الشرقي من المتوسط حتى نحو عام ١٤٠٠ قبل الميلاد“[9].
ولم يكن وراء هذا الازدهار المبكر والنفوذ الممتد أمرٌ غامض؛ فقد كان العامل البحري حاضرًا في صميمه. إذ أسهم أسطول مينوس في الحد من القرصنة وتأمين طرق التجارة، فحوّل كريت إلى عقدة مركزية في شبكات تجارية امتدت من مصر الفرعونية إلى ما وراء بحر إيجه، وربطت بين حضارات متباعدة.
وحين انهارت هذه الحضارة بفعل الثوران البركاني المدمر الذي وقع نحو عام ١٤٧٠ قبل الميلاد وضرب الجزر وأصاب القوة البحرية المينوسية بالشلل، لم تقتصر آثار الكارثة على الجانب الطبيعي، بل امتدت إلى نظام التجارة البحرية الذي قامت عليه تلك الحضارة وأسهم في ازدهارها. ويكشف هذا المثال بوضوح عن فكرة بروديل التي تربط ازدهار الحضارة بقدرتها على توظيف المجال البحري، بحيث يؤدي فقدان هذه القدرة إلى تراجع نفوذها. ومن هنا تتضح أهمية البحر بوصفه أحد الأسس التي قامت عليها قوة الدولة المينوسية، وهي فكرة ستتكرر، وإن بصور مختلفة، في الأمثلة اللاحقة.
ثانيًا– أثينا: السيادة البحرية بوصفها مشروعًا سياسيًّا
يوسّع باين هذه الصورة من خلال إظهار الكيفية التي أدرك بها الأثينيون القيمة الاستراتيجية للسيطرة على البحر وجسّدوها في خطابهم السياسي وفي ممارستهم للقوة. ففي أثناء الحرب البيلوبونيزية، ينقل ثيوسيديدس عن القائد الأثيني بيريكليس تصورًا واضحًا لهذه العلاقة، إذ يقسم العالم إلى مجالين، هما البر والبحر، ويرى أن الأثينيين يسيطرون على أحدهما سيطرة تكاد تكون مطلقة.
ولا تقتصر أهمية هذه السيطرة، في تصوره، على الأراضي الخاضعة لهم بالفعل، بل تمتد إلى قدرتهم على الوصول إلى أي مكان يريدون بلوغه، ما دام أسطولهم قادرًا على العمل. ولهذا يؤكد بيريكليس أن قوة بحرية بهذا الحجم لا تستطيع أي قوة برية، بما فيها ملك فارس أو أي شعب آخر، أن تمنعها من الإبحار حيث تشاء[10].
غير أن أهمية السيطرة البحرية ظهرت بالوضوح نفسه عندما فقدتها أثينا. ففي عام ٤٠٥ قبل الميلاد، التقى الأثينيون والإسبرطيون للمرة الأخيرة في مضيق هيليسبونت، وهناك خسرت أثينا خلال بضع ساعات أسطولها، ومعه السيطرة على المضيق وتجارة الحبوب وإمبراطوريتها. ولم تتوقف آثار الهزيمة عند هذا الحد، إذ واجهت المدينة خطر المجاعة واضطرت إلى قبول شروط السلام الإسبرطية، التي قضت بتقليص أسطولها إلى اثنتي عشرة سفينة، وانضمامها إلى الحلف البيلوبونيزي بقيادة إسبرطة، واعتماد نظام حكم أوليغاركي على النمط الإسبرطي[11].
وهكذا تكشف التجربة الأثينية الجانب الآخر من العلاقة بين القوة البحرية والنفوذ السياسي، إذ أدى فقدان الأسطول إلى تقويض قدرتها على حماية طرق التجارة وإمدادات الحبوب، ثم امتد أثر ذلك إلى مكانتها الإمبراطورية واستقلالها السياسي.
ثالثًا– بحر الخلفاء: إعادة إدماج التجربة الإسلامية في التاريخ البحري
يأتي الإسهام الأبرز في هذه السردية التاريخية البحرية من المؤرخ كريستوف بيكار، الذي يتناول بصورة نقدية التصور التقليدي للتوسع الإسلامي في البحر المتوسط، والذي اختزل الحضور الإسلامي في القرصنة والغارات، وذهب إلى اعتبار أن السلطات الإسلامية لم تنخرط بصورة فاعلة في النشاط البحري والتجاري إلا في نطاق محدود، وهو ما ارتبط بمقولة “القرصان المسلم” التي ترسخت في حوليات الرهبان والمصادر المسيحية واللاتينية، ثم انتقلت إلى جانب من الكتابات التاريخية عن المتوسط في العصور الوسطى[12].
ويرى بيكار أن هذه الصورة قامت إلى حد كبير على إرث تأريخي تشكل حول العالم اللاتيني وموانئه الكبرى، بناءً على “توثيق غامض لا يمكن الوثوق به البتة قبل القرن الحادي عشر“[13]. ومن هنا يتخذ عمله طابعًا نقديًا وتصحيحيًا، إذ يعيد النظر في مكانة الحضارة الإسلامية في التاريخ البحري للمتوسط، مستندًا إلى مصادر عربية ووثائق تاريخية أهملتها بعض الكتابات أو لم تُحسن قراءتها.
وفي هذا السياق، لا يخلو طرحه من مراجعة لبعض جوانب تصور فرنان بروديل، رغم إسهام الأخير في بناء فهم أكثر تعقيدًا للمتوسط بوصفه فضاءً للتعدد والتداخل بين العوالم اللاتينية والبيزنطية والإسلامية، وهو ما يتيح لبيكار إبراز الحضور الإسلامي بوصفه جزءًا من البنية التاريخية لهذا الفضاء، لا مجرد حضور هامشي مرتبط بالقرصنة[14].
ويُثبت بيكار بما لا يدع مجالًا للشك أن المسلمين بنوا أساطيل منظّمة تحت إشراف مباشر وعناية شخصية من الخلفاء المسلمين، ما يجعل من الحضور البحري الإسلامي مشروعًا رسميًّا ترعاه الخلافة لا مبادرات أفراد وعصابات. ففي عام ٧٠٢ للميلاد، أصدر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أمرًا ببناء دار صناعة السفن في تونس، وقد حفظت المصادر العربية نص قراره الذي يدل على وعي استراتيجي مبكر بأهمية البحر:
“فكتب عبد الملك بن مروان إلى أخيه عبد العزيز وهو والي مصر أن يوجه إلى معسكر تونس ألف قبطي بأهله وولده وأن يحملهم من مصر ويحسن عونهم حتى يصلوا إلى ترشيش وهي تونس. وكتب إلى ابن النعمان أن يبني لهم دار صناعة تكون قوة وعدة للمسلمين إلى آخر الدهر وأن يصنع المركب بها ويجاهد الروم في البر والبحر وأن يغار على سواحل الروم فيشتغلوا عن القيروان. فوصل القبط إلى حسان وهو مقيم بتونس فأجرى البحر من مرسى رادس إلى دار الصناعة وجر البربر الخشب وجعل فيها المراكب الكثيرة وأمر القبط بعمارتها […] فصارت دار صناعة تونس متصلة بالمبنى، والمبنى متصل بالبحيرة، والبحيرة متصلة بالبحر“[15].
والمثال الأكثر دلالة على الوعي الاستراتيجي الإسلامي بأهمية البحر يأتي من بيكار في وصفه لمكانة قائد الأسطول في الدولة الأموية؛ إذ بلغ الأمر حدًا لم تعد معه المسائل الكبرى التي على الخليفة البتّ فيها تُحسم إلا بعد استشارة ثلاثي السلطة: “إن القضايا الهامة التي كان على الخلفاء الأمويين معالجتها، لم تكن تُبتَ إلا بعد استشارة ثلاثة أشخاص: قائد جيش سرقسطة، عاصمة الثغر الأعلى [..]، قاضي قرطبة، عاصمة الخلافة وملتقى العلماء [..]، وأخيرًا قائد أسطول المرية، لأن هذه المدينة كانت تضم دار صناعة السفن في الأندلس، ولأنها كانت توجد في المنطقة الوسطى من الدولة الأموية؛ وكان قائد أسطول المرية في عهد الأمويين يتقاسم السلطة بطريقة ما مع الخليفة، فأحدهم يقود الجيوش في البر، والآخر يقودها [باسم الخليفة] في البحر“[16].
هذا التوازي في المكانة بين قائد البر وقائد البحر يُثبت أن البحر في الدولة الإسلامية لم يكن ترفًا دفاعيًا أو هامشًا تكتيكيًا، بل ركيزة راسخة من ركائز السلطة ومحورًا جوهريًا في بنية الدولة.
رابعًا– انتقال الهيمنة البحرية: من الإمبراطوريات إلى الدول البحرية
تكتمل الصورة مع التحليل الذي يقدمه بروديل لانتقال مركز الثقل البحري في النصف الثاني من القرن السادس عشر؛ إذ يربط هذا التحول بصعود إنجلترا وهولندا وتراجع مكانة القوى الإمبراطورية الكبرى. ولا يفسر بروديل هذا التحول بالتفوق العسكري وحده، وإنما يربطه باختلاف البنية الاقتصادية وقدرة الدول البحرية الأصغر على توظيف مواردها بكفاءة أكبر. وتكشف المقارنة مع التاريخ الأسبق للمتوسط أن هذا التحول لم يكن ظاهرة مستحدثة بالكامل، بل سبقته عملية طويلة انتقلت خلالها المبادرة البحرية من الإمبراطوريات والمراكز التجارية الكبرى إلى كيانات بحرية أصغر وأكثر ارتباطًا بالتجارة.
فقد شهد المتوسط منذ القرن الحادي عشر صعودًا تدريجيًّا للقوى البحرية الإيطالية؛ إذ يذهب كريستوف بيكار إلى أن عصرًا جديدًا بدأ مع صعود “الرأسمالية اللاتينية” التي مكّنت البحارة الإيطاليين والبروفنساليين والكتالان من السيطرة على طرق وأسواق كانت مرتبطة ببيزنطة والعالم الإسلامي[17]. ثم أخذت البندقية وبيزا وجنوة تحل تدريجيًّا محل القوى السابقة، إلى الحد الذي وصف فيه بيكار القرن الثالث عشر بأنه شهد تحول المتوسط إلى “بحر لاتيني” لم تعد فيه القوى البحرية الإسلامية قادرة على منافسة القوى اللاتينية[18].
ويظهر هذا التحول كذلك في صعود الجمهوريات البحرية الإيطالية بوصفها قوى لم تكن إمبراطوريات بالمعنى التقليدي. فقد رصد نورويش تزايد قوة المدن الحرة في شمال إيطاليا خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وصعود جنوة وبيزا والبندقية بوصفها كيانات سياسية مستقلة ذات نفوذ بحري متزايد[19]. وكان هذا الصعود مدعومًا بالقوة العسكرية؛ إذ أنشأت جنوة وبيزا أساطيلهما الخاصة، واستخدمتاها في توسيع نفوذهما البحري، وصولًا إلى حملة المهدية سنة ١٠٨٧[20].
غير أن الأهم في هذه التجربة لم يكن امتلاك الأسطول في حد ذاته، وإنما الاختلاف في الغاية التي وُجّهت إليها القوة البحرية. فبينما ارتبطت السيطرة على الأراضي في النموذج الإقطاعي بتكوين الإقطاعيات وعلاقات التبعية، تعامل أهالي البندقية مع ممتلكاتهم الخارجية بوصفها أدوات لخدمة المصالح التجارية[21]. وهو ما يفسر لماذا ارتبط صعود الجمهوريات البحرية بنمط مختلف من العلاقة بين الدولة والتجارة؛ فوفق لينكولن باين، كانت الإمبراطورية البيزنطية و”دار الإسلام” قد وصلتا إلى مرحلة تراجعت فيها ذروتهما التجارية، بينما ظهرت دويلات المدن الإيطالية الصغيرة بوصفها منافسًا غير إمبراطوري، مستفيدة من التجارة البحرية ومن علاقة وثيقة بين التجار والدولة جعلت من التجارة “فضيلة مدنية”[22].
ويصبح هذا الفرق أكثر وضوحًا عند النظر إلى تنظيم القوة البحرية نفسها. فقد تطورت القوة البحرية في المدن الإيطالية، بحسب باين، بطريقة مختلفة جذريًا عن تطورها في الإمبراطورية البيزنطية والدول الإسلامية؛ إذ لم تكن البندقية تمتلك مجالًا إقليميًّا شاسعًا يحتاج إلى أسطول موزع لحمايته، ولذلك أمكن تركيز أسطولها، كما جاءت مستعمراتها ومراكز نفوذها على خطوط الملاحة التي يعرفها التجار البنادقة أصلًا. ومن ثم لم تكن القوة البحرية نشاطًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل تطورت عضويًّا من أولويات التجار[23].
ومن هنا يمكن فهم انتقال السيطرة البحرية بوصفه تحولًا في بنية القوة ذاتها، وليس مجرد استبدال دولة بأخرى. فقد أصبحت المدن البحرية الإيطالية قادرة على تحويل التجارة إلى مصدر للقوة السياسية والعسكرية، وفي الوقت نفسه تحويل القوة البحرية إلى أداة لحماية التجارة وتوسيعها. ويشير باين إلى أن صعود مدن الموانئ الإيطالية وارتقاء طبقة التجار إلى موقع الامتياز والسلطة كانا من السمات الأساسية للثورة التجارية الأوروبية المبكرة، وأن التجار في البندقية وجنوة وبيزا وأمالفي بلغوا من الاحترام والنفوذ مكانة استثنائية في تاريخ المتوسط[24].
وبذلك، فإن التحول الذي يرصده بروديل يمكن وضعه ضمن مسار تاريخي أوسع. يبدأ من هيمنة القوى الإمبراطورية على المجال البحري، وينتقل إلى هيمنة دول بحرية أصغر وأكثر تخصصًا في التجارة والملاحة. ولا يعني ذلك أن الإمبراطوريات فقدت قوتها العسكرية ببساطة، وإنما أن مركز الثقل انتقل إلى نموذج استطاع فيه التاجر والدولة والميناء والأسطول أن يعملوا ضمن منظومة واحدة. ولذلك لم تكن أفضلية الدول البحرية ناتجة فقط عن امتلاكها أساطيل أكثر كفاءة، وإنما عن قدرتها على تركيز القوة البحرية وربطها مباشرة بالدورة التجارية؛ وهو ما منحها مرونة لم تكن متاحة بالقدر نفسه للقوى الإمبراطورية واسعة المجال.
المحور الثاني: البحر وسيطًا للتواصل الحضاري
إذا كان المحور السابق قد أبرز دور البحر في بناء القوة السياسية وصعود الحضارات، فإن الأعمال الثلاثة تتفق كذلك على أن أهميته لا تنحصر في المجال الاستراتيجي أو العسكري، بل تمتد إلى كونه وسيطًا للتواصل الحضاري وانتقال البشر والسلع والأفكار والتقنيات. فالسيطرة على البحر لم تكن غاية في ذاتها، وإنما كانت تتيح نشوء شبكات من التفاعل المستمر بين المجتمعات، أسهمت في تشكيل فضاءات ثقافية مشتركة تجاوزت الحدود السياسية والدينية. غير أن كل مؤلف يبرز هذا الدور من زاوية مختلفة؛ إذ ينطلق لينكولن باين من منظور عالمي يركز على حركة البشر عبر البحار، بينما يعالج جون جوليوس نورويش هذه الظاهرة في إطار التاريخ المتوسطي، ويقدم كريستوف بيكار نموذجًا عمليًا يبرز استمرار التواصل بين المجتمعات الإسلامية والمسيحية رغم ما كان يفصلها من صراعات سياسية وعسكرية.
أولًا– البحر بوصفه فضاءً لحركة الحضارات
يفتتح لينكولن باين مؤلفه بسؤال منهجي يراه مدخلًا لفهم التاريخ البحري: ما التاريخ البحري؟ غير أنه لا يجيب عن السؤال بتعريف مباشر، وإنما يقترح مقاربة معاكسة تبدأ بالتفكير في التاريخ البري، باعتباره المنظور الذي اعتاد الإنسان النظر من خلاله إلى حركة التاريخ. ومن هذا المنطلق يدعو القارئ إلى تخيل عالم لا تؤدي فيه البحار دورًا في حركة البشر أو انتقال السلع والأفكار، بما يكشف مقدار اعتماد المجتمعات الإنسانية على البحر بوصفه وسيطًا للحركة والاتصال[25]. وتكتسب هذه الفرضية أهميتها من أن البحر، قبل ظهور القاطرة في القرن التاسع عشر، كان في كثير من الحالات أسرع من البر في نقل الثقافة والتجارة والأوبئة والصراعات، وأن فتح الطرق البحرية كان كثيرًا ما يضع الأساس لتحولات تاريخية تظهر لاحقًا كما لو كانت قد حدثت بصورة مفاجئة.
ولا يقتصر أثر البحر، في تصور باين، على تسريع حركة الأشياء والأشخاص، وإنما يمتد إلى تكوين دوائر الاتصال التي تتشكل داخلها الحضارات نفسها. فالإبحار، كما يوضح في خاتمة الكتاب، يتيح تصدير ما يفيض في مجتمع إلى ما ينقص في مجتمع آخر، ويربط بين أناس من أراضٍ متباعدة، وينقل المعارف ويجعل الجزر والمناطق المنعزلة جزءًا من شبكة أوسع للحركة والتبادل، ويجلب الانسجام والحضارة للأمم[26]. ومن ثم فإن استبعاد البحر من التاريخ لا يعني فقط إبطاء حركة التجارة أو التنقل، وإنما يعني إعادة تصور التاريخ نفسه في صورة أكثر انغلاقًا؛ إذ تضيق دوائر التفاعل بين المجتمعات، وتتراجع قدرة السلع والمعارف والعناصر الثقافية على الانتقال بين المناطق.
وتؤكد تجربة مصر القديمة التي يعرضها باين هذه الوظيفة بصورة ملموسة؛ إذ كان الاتصال داخل مصر يعتمد بصورة أساسية على النيل، الذي مثّل محورًا لحركة الأشخاص والبضائع والمواد الخام، كما أتاح استخدام الشراع سهولة الاتصال بين أجزاء البلاد، وحركة الموظفين والقوات العسكرية[27]. وهنا لا يظهر الماء بوصفه عنصرًا طبيعيًا يقع إلى جانب التاريخ، وإنما بوصفه بنية أساسية للحركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فالقدرة على الانتقال عبر النهر أو البحر تؤثر في مدى اتصال أجزاء المجال السياسي وفي قدرة الدولة والمجتمع على تبادل الموارد والأفراد والمعلومات.
وإذا انتقلنا من النهر إلى البحر المتوسط، تصبح هذه الوظيفة أكثر وضوحًا. فجون جوليوس نورويش يرى أن البحر المتوسط كان، بحكم تكوينه الجغرافي، مهيأً ليكون مهدًا للثقافات، وأنه وفر في العالم القديم وسيلة الاتصال الرئيسية؛ إذ كانت الطرق البرية محدودة للغاية، بينما أتاح النقل المائي تحريك أوزان كبيرة لا يمكن نقلها بالوسائل البرية بسهولة[28]. ولذلك لم يكن البحر مجرد طريق بديل عن البر، بل كان في كثير من السياقات الطريق الأكثر فاعلية للاتصال والنقل.
ويكشف تاريخ الفينيقيين الذي يورده نورويش عن الكيفية التي تحولت بها هذه الإمكانية الجغرافية إلى شبكة فعلية للحركة والتبادل؛ فقد أبحر الفينيقيون إلى مختلف أنحاء المتوسط وتجاوزوه أحيانًا، وأنشأ تجارهم مستعمرات ومراكز تجارية، ثم عبروا مضيق جبل طارق إلى الموانئ الأطلسية[29]. وهكذا لم تكن الملاحة مجرد انتقال من شاطئ إلى آخر، بل وسيلة لبناء روابط تجارية وبشرية تتجاوز الحدود الجغرافية للمجتمعات الأصلية وتوسع مجال التفاعل بينها.
وتتضح هذه الفكرة كذلك في قراءة كريستوف بيكار للبحر المتوسط في العصر الوسيط. فالعلاقات المستمرة بين العالم البيزنطي والعالم اللاتيني والعالم الإسلامي جعلت البحر فضاءً مركزيًّا يفصل بين هذه المجالات الإمبراطورية ويوصل بينها في الوقت نفسه. كما أن المتوسط لم يبقَ مجالًا مغلقًا على سواحله، بل شهد خلال العصور الوسطى انفتاحًا متزايدًا على دوائر أوسع امتدت إلى الصحراء الكبرى وآسيا القارية والمحيط الهندي ومناطق بحر الشمال والبلطيق[30]. وهذا يعني أن البحر لم يكن مجرد مساحة تفصل بين كيانات سياسية متجاورة، بل كان نقطة التقاء بين دوائر اقتصادية وبشرية وحضارية متباعدة.
ويقدم بيكار مثالًا أكثر دلالة على ذلك من خلال وصف الإدريسي للمتوسط؛ إذ يصوره بوصفه قلب إقليم واحد تتصل فيه السواحل المسيحية والإسلامية، ويجعل البحر نفسه مركز الأنشطة البشرية والتجارية التي تصل بين هذه العوالم[31]. وبذلك يصبح البحر، في هذا التصور، عنصرًا موحدًا لا يلغي الاختلاف بين المجتمعات التي تطل عليه، وإنما يسمح لها بالدخول في مجال مشترك من الحركة والتبادل.
ومن ثم، فإن السؤال الذي يطرحه باين في بداية كتابه لا يتعلق بالبحر بوصفه موضوعًا جغرافيًا مستقلًا، وإنما بموقعه في صناعة التاريخ نفسه. فإذا كانت حركة الثقافة والتجارة والبشر والأفكار قد اعتمدت بدرجة كبيرة على الطرق المائية، فإن قراءة التاريخ من منظور بري خالص تخفي جزءًا أساسيًا من آليات الاتصال التي ربطت المجتمعات بعضها ببعض.
ومن هنا تكتسب دراسة التاريخ البحري أهميتها، كونها لا تضيف البحر إلى التاريخ البري بوصفه مجالًا آخر للدراسة، وإنما تعيد النظر في الكيفية التي تشكلت بها شبكات الاتصال والتبادل والصراع، وفي الكيفية التي ساهمت بها البحار والأنهار في توسيع المجال الذي تتحرك داخله المجتمعات والحضارات.
ثانيًا– البحر المتوسط بوتقةً للأديان والثقافات
لم يكن البحر المتوسط مجرد طريق لحركة السلع والأشخاص، بل كان فضاءً التقت فيه جماعات دينية وثقافية مختلفة، وأنتجت حركة الاتصال المستمرة بينها أشكالًا من التداخل تجاوزت الحدود التي رسمتها الدول والسلطات الدينية. وتكشف شواهد باين وبيكار ونورويش أن هذا التداخل ظهر في التجارة والقانون والممارسات الدينية واللغة، بل امتد إلى تكوين مجتمعات متعددة الأديان.
يقدم باين أحد أوضح الشواهد على ذلك من خلال التجارة بين المسلمين والمسيحيين واليهود. فعلى الرغم من أن النزاعات الدينية فرضت عقبات أمام التجارة، فإن التجار سعوا إلى التوفيق بين المبادئ الدينية والقانونية المختلفة، الأمر الذي أدى إلى تطوير أشكال جديدة لتمويل التجارة، وممارسات لحماية التجار واستثماراتهم، وحلول وسطى يمكن قبولها بصرف النظر عن العقيدة[32]. ويؤكد باين هذه الصورة من خلال حطام سفينة سيرتشي ليماني، الذي يكشف تنوع بضائعه عن البحر المتوسط بوصفه مجالًا للتبادل بين التجار المسلمين والبيزنطيين قبل الحروب الصليبية[33].
وامتد هذا التفاعل إلى انتقال الممارسات التجارية نفسها بين البيئات الحضارية. فالشبه بين عقد الوديعة الأوروبي و”القِراض الإسلامي” كان –وفق باين– كبيرًا إلى درجة أن التجار اليهود وصفوا عقد الوديعة بأنه “الشراكة بموجب الشريعة الإسلامية”. ويرى أن تأثير القراض في تطور العقود التجارية الأوروبية يمثل دليلًا على كثافة الاتصال بين رجال الأعمال في المتوسط[34]. وهنا لم يكن التبادل بين الأديان مجرد تعاون مؤقت تفرضه المصالح التجارية، وإنما أفضى أيضًا إلى انتقال أدوات وممارسات بين مجتمعات مختلفة.
وتقدم وثائق الجنيزة التي يناقشها بيكار شاهدًا آخر على هذا التشابك. فآلاف الرسائل التي كتبها تجار يهود، وعُثر عليها في كنيس بن عزرا بالفسطاط في القاهرة، تكشف جانبًا من الشبكات التجارية والاجتماعية التي ربطت مجتمعات المتوسط بعضها ببعض. ويستند بيكار، في هذا السياق، إلى أعمال شلومو غويتين، ولا سيما كتابه المجتمع المتوسطي، لإبراز الموقع الثابت الذي احتله الإسلام في التشكل التاريخي لحوض المتوسط في العصور الوسطى؛ إذ تكشف هذه الوثائق عن فضاء متوسطي قام على التشارك والتعدد والتشابك، بما يجعل الحضور الإسلامي جزءًا من بنية هذا العالم المتوسطي المشترك، لا مجرد قوة وافدة إليه أو ظاهرة منفصلة عن تفاعلاته الدينية والاجتماعية والتجارية[35].
وفي السياق نفسه، يوضح بيكار أن الإدريسي تجاوز الحدود السياسية والدينية التي وضعها الجغرافيون العباسيون، وركز على العلاقات الاقتصادية التي تصل ضفتي المتوسط، كما أشار إلى مزارات مشتركة بين المسلمين والمسيحيين، مثل “كاب سان فنسان”، في وقت كانت فيه السلطات الدينية لدى الطرفين تزداد رفضًا لمثل هذه الممارسات[36].
ولا يقتصر التداخل على المجال التجاري والديني، بل يظهر كذلك في اللغة والثقافة وتكوين المجتمعات. ففي الأندلس، يصف نورويش اجتماع العرب واليهود والمسيحيين، ويشير إلى ما نشأ بينهم خلال نحو سبعة قرون ونصف من تأثير متبادل “بأساليب لا حصر”، وإلى تعايشهم، في معظم تلك الفترة، بدرجة ملحوظة من الوئام[37]. ويقدم المستعربون مثالًا أكثر تحديدًا؛ فقد احتفظ بعض المسيحيين بدينهم، لكنهم تبنوا العربية لغةً لحياتهم اليومية، وكان لهم تأثير ممتد في الشمال المسيحي، حتى يُنسب إليهم دور في انتقال “الأرقام العربية والمعداد” إلى شمال أوروبا[38].
وتظهر صقلية النورمانية بوصفها نموذجًا آخر لهذا التداخل. فقد وصفها لينكولن باين بأنها واحدة من أكثر الممالك تنوعًا وازدهارًا في غرب أوراسيا، حيث انعكس تنوع المسلمين والأرثوذكس والمسيحيين اللاتين واليهود في حياتها الثقافية باعتبارها مدينة كوزموبوليتانية[39]. ويقدم بيكار شاهدًا مكملًا من خلال رواية ابن جبير عن بلاط الملك ويليام الثاني؛ فقد لفت انتباه الرحالة المسلم العدد الكبير من المسلمين في حاشية الملك، حتى رأى في مظاهر هيبته الملكية ما يشبه ملوك المسلمين[40].
ثالثًا– نقل المعرفة والتقنية: الثمرة الأعمق للتواصل البحري
لم يكن الاتصال البحري يقتصر على تبادل السلع، بل أتاح انتقال المعارف والتقنيات وأساليب التنظيم بين المجتمعات المتصلة بالمتوسط، ثم إعادة تكييفها وفق حاجاتها المحلية. ويظهر ذلك مبكرًا في المجال القانوني؛ إذ يوضح بيكار أن فقهاء إفريقية، منذ القرن التاسع، طوروا فقهًا بحريًّا مستوحًى من القانون البيزنطي (Lex Rhodia) ومتكيفًا مع السياق الإسلامي، وكان الإمام سحنون أول فقيه مالكي يكيّف قواعد التجارة البحرية مع الفقه الإسلامي[41]. ومن ثم لم يكن انتقال المعرفة القانونية مجرد اقتباس لقواعد قائمة، بل عملية نقل وتكييف أنتجت إطارًا جديدًا لتنظيم النشاط البحري.
ويظهر انتقال المعرفة بصورة أوضح في علم الجغرافيا والخرائط. فتكليف الإدريسي من قبل روجر الثاني ملك صقلية بإعداد خريطة للعالم، على الرغم من أن مركزها الجغرافي لم يكن صقلية، يكشف، بحسب بيكار، مدى انتشار النموذج العربي في علم الخرائط والجغرافيا الفلكية، وهو نموذج نشأ في العراق وأصبح معيارًا ذا طابع عالمي[42].
ولم يقتصر انتقال المعرفة على العلوم النظرية، بل امتد إلى المهارات الحرفية والتقنيات الإنتاجية. فحركة الحرفيين والخبرات بين ضفتي المتوسط أسهمت في انتقال تقنيات الصناعة وإعادة توظيفها؛ إذ يشير بيكار إلى انتقال مهارات حرفيي القاهرة إلى إيطاليا، في الوقت الذي أصبحت فيه جنوة مركزًا لمتخصصين في صناعة الأسلاك الذهبية التي كانت تُصدَّر إلى البلدان الإسلامية. وهنا يظهر البحر بوصفه قناة لحركة المهارة البشرية نفسها، لا مجرد ناقل للمنتجات التي تصنعها[43].
وتكشف دور الصناعة عن مستوى أكثر تركيبًا من هذا التفاعل؛ إذ اعتمدت المؤسسات البحرية الإسلامية على تجميع خبرات متخصصة من مناطق متعددة، فاستقطبت عمالًا مهرة وجنودًا وبحارة من مصر وبلاد فارس والمغرب والأندلس، كما استعانت بمطلقي النار الإغريقية المبعوثين من قرطبة عند الحملات العسكرية[44]. ويشير ذلك إلى أن بناء القدرة البحرية لم يكن قائمًا على معرفة محلية مغلقة، بل على تجميع خبرات متعددة داخل مؤسسة واحدة، بما يسمح بتراكمها وإعادة استخدامها في مشروعات بحرية مختلفة.
ويمتد هذا التراكم إلى البنية المرفئية نفسها؛ إذ يوضح بيكار أن بعض المنشآت والموانئ الإسلامية استفادت من الخبرات البيزنطية السابقة في موانئ بلاد الشام، مثل صور وعكا، قبل أن تنتشر هذه التقنيات لاحقًا إلى الموانئ الإيطالية والأساطيل المتوسطية في جنوة والبندقية[45]. وبذلك لم تنتقل المعرفة البحرية عبر الكتب وحدها، وإنما انتقلت كذلك عبر المنشآت والحرفيين والموانئ والممارسة العملية.
وتكشف أدوات الملاحة بصورة أوضح عن الطبيعة التراكمية لهذا المسار. فالبوصلة المغناطيسية تمثل مثالًا على أن انتقال المعرفة لا يعني بالضرورة انتقال أداة مكتملة من حضارة إلى أخرى؛ إذ يوضح باين أنه حتى إذا كانت أساسيات البوصلة قد نشأت في مكان آخر، فإن التحسين الذي قاد إلى البوصلة ذات القرص الجاف العملية تطور بصورة مستقلة في الغرب[46]. ومن ثم، فإن البحر لم يكن مجرد قناة لنقل الاختراعات، بل بيئة دفعت المجتمعات إلى إعادة تطوير الأدوات بما يلائم حاجاتها الملاحية.
وتواصل هذا التراكم في تقنيات رسم الخرائط؛ فقد أسهم تطوير مساقط بحرية أكثر ملاءمة للملاحة، مثل مسقط مركاتور، في جعل خطوط الاتجاه الثابت قابلة للتمثيل بخطوط مستقيمة على الخريطة[47]، ثم ظهرت في أواخر القرن السادس عشر أطالس ملاحية جمعت الخرائط بالوصف التفصيلي للسواحل والمياه التي تبحر فيها السفن مثل أطلس “مرآة الملاح” للوكاس يونسون فاخنر[48]. وبذلك تحولت المعرفة الجغرافية من معرفة وصفية إلى أداة عملية للملاحة، أي إلى تقنية يمكن استخدامها بصورة مباشرة في توسيع المجال البحري.
وبلغ هذا التراكم مستوى جديدًا حين دخلت الطباعة في خدمة الملاحة؛ ففي عام ١٤٩٠م صدر في البندقية أول دليل ملاحي مطبوع، أي بعد نحو خمس وثلاثين سنة فقط من طباعة الكتاب المقدس لغوتنبرغ[49]. ولم تكن أهمية ذلك في إنتاج دليل جديد فحسب، وإنما في إتاحة المعرفة الملاحية في صورة مطبوعة قابلة للتداول وإعادة النسخ، بما عزز إمكان انتقال الخبرة البحرية وتراكمها.
ولم تتوقف العملية عند الخرائط والأدلة الملاحية، بل شملت القدرة على تحديد الموقع نفسه. فقد ظل تحديد خط الطول في البحر مشكلة أساسية حتى القرن الثامن عشر، عندما أتاح تطوير الساعات البحرية الدقيقة، ولا سيما ساعة جون هاريسون البحرية، تقدمًا حاسمًا في حل تلك المعضلة[50]. ويكشف هذا المثال أن توسيع نطاق الملاحة لم يكن رهينًا بزيادة عدد السفن أو مهارة البحارة فقط، وإنما تطلب حل مشكلات علمية وتقنية دقيقة كانت تحد من قدرة الإنسان على الإبحار في المسافات البعيدة.
ومع الثورة الصناعية، بدأ التراكم التقني يغيّر طبيعة الحركة البحرية. فقد أتاح ظهور السفن البخارية تقليص زمن الرحلات البحرية بصورة كبيرة؛ ويصف باين وصول السفينة (سيريوس Sirius) إلى نيويورك عام ١٨٣٨، بعد رحلة استغرقت سبعة عشر يومًا من كورك، بأنه بشّر بـ”محق المكان والزمان” وبدء عصر جديد في الملاحة عبر الأطلسي[51]. ثم جاء تطوير المحرك البخاري المركب ذي الضغط العالي ليعالج مشكلة أخرى لا تقل أهمية، هي تكلفة تشغيل السفن؛ إذ خفّض جون إيلدر استهلاك الفحم بأكثر من النصف، وهو ما أتاح تشغيل السفن البخارية بكفاءة اقتصادية أكبر، بحيث أصبح الوصول إلى الهند والصين ممكنًا حتى عبر قناة السويس[52]. وهكذا لم تقتصر أهمية التطور البخاري على زيادة سرعة السفن، بل أسهم أيضًا في جعل الرحلات البحرية البعيدة أكثر قابلية للتحقق من الناحيتين الزمنية والاقتصادية.
وتزامن ذلك مع تطور وسائل الاتصال المرتبطة بالملاحة؛ فقد أسهم التلغراف البحري في توسيع نطاق حركة التجارة البحرية، إذ أُقيمت الكابلات تحت البحر تدريجيًّا على امتداد خطوط الملاحة، وبحلول سبعينيات القرن التاسع عشر كانت بومباي متصلة بأستراليا، كما قامت روابط مباشرة بين أوروبا والولايات المتحدة والبرازيل[53]. ومع تطور هذه الشبكات، لم يعد التجار مضطرين إلى الاعتماد على السفن وحدها لنقل أوامرهم التجارية إلى الموردين في الخارج، بل أصبح بإمكانهم التواصل معهم مباشرة عبر التلغراف[54]. وهكذا لم تعد الملاحة تنقل السلع والأشخاص فحسب، وإنما أصبحت جزءًا من شبكة اتصال تربط الموانئ والأسواق البعيدة.
ومن ثم، فإن ما سُمّي لاحقًا عصر الاستكشافات لم يكن قفزة تقنية مفاجئة ولا إنجازًا أوروبيًّا معزولًا، وإنما كان نتيجة لمسار طويل من التراكم شمل المعرفة الجغرافية، وأدوات الملاحة، ورسم الخرائط، وبناء السفن، وتنظيم الموانئ، ثم امتد بعد ذلك إلى المحركات ووسائل الاتصال. وتكشف هذه الأمثلة أن تاريخ التقنية البحرية لم يتقدم وفق خط واحد ينتقل فيه الاختراع من حضارة إلى أخرى، بل من خلال التبادل والاقتباس والتكييف والابتكار المستقل وتراكم الخبرات. وبذلك كان البحر وسيطًا لنقل المعرفة، وفي الوقت نفسه مجالًا لإعادة إنتاجها وتطويرها، وهو ما جعل التواصل البحري أحد الآليات التي أسهمت في توسيع المجال الحضاري وتغيير حدوده عبر الزمن.
المحور الثالث: العوامل المحدِّدة لدور البحر في التاريخ
تكشف المقارنة بين الأعمال الثلاثة أن البحر لا يؤدي أدواره التاريخية بصورة تلقائية، ولا تتحول المسطحات المائية بذاتها إلى مصادر للقوة أو التواصل الحضاري، وإنما تتحدد فاعليتها بمجموعة من الشروط السياسية والاقتصادية والتقنية. فالموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يكتسب قيمته التاريخية إلا حين يُستثمر ضمن مشروع سياسي، وتدعمه بنية اقتصادية قادرة على توظيفه، وتسنده معرفة تقنية تجعل السيطرة عليه ممكنة ومستدامة. وفي هذا السياق، تتفق الأعمال الثلاثة على أهمية هذه العوامل، وإن اختلفت في ترتيبها أو في زاوية تناولها، بما يسمح ببناء تفسير أكثر تركيبًا للعلاقة بين البحر والحضارة.
أولًا- السياسة والإرادة: المتغير الحاسم في معادلة السيادة البحرية
تكشف الأعمال الثلاثة عن أن السيادة البحرية لا تُفسَّر بمهارة البحارة أو بامتلاك السواحل والموانئ وحدها، بل بقدرة السلطة السياسية على تحويل هذه الإمكانات إلى استثمار مؤسسي مستمر. ويلخص بيكار هذه الفكرة بوضوح حين يقرر أن تراجع الحضور الإسلامي في المتوسط لم يكن راجعًا إلى ضعف كفاءة البحارة، وإنما إلى قصور السلطة؛ فالهيمنة البحرية، في نظره، تحتاج إلى استثمار مستمر لا يتوفر إلا للدول المستقرة، ولذلك كانت بطبيعتها من أعمال الحكومات في أوج قوتها[55].
وتظهر هذه العلاقة مباشرة في بناء المؤسسات البحرية. فحين قرر الخليفة عبد الملك بن مروان استكمال حملاته، أمر ببناء دار صناعة في تونس –كما سبق وأشرنا– لتجهيز أسطول قادر على القتال في البر والبحر، وأُلحقت دار الصناعة بالميناء، بما يكشف أن بناء القوة البحرية كان جزءًا من مشروع سياسي وعسكري متكامل، لا مجرد استجابة لحاجة تجارية[56]. ويتكرر المنطق نفسه في الدولة الموحدية؛ ففي عام ١١٦٢ أمر عبد المؤمن الموحدي أول سلاطين دولة الموحدين ببناء أساطيل على مختلف سواحل إمبراطوريته استعدادًا لمواجهة المسيحيين برًا وبحرًا، فتم تجهيز نحو ٤٠٠ سفينة[57]. وهكذا يتحول الأسطول من أداة عسكرية إلى مؤسسة تجسد حضور الدولة وقدرتها على فرضه عبر البحر.
ويؤكد باين هذه القاعدة من زاوية أخرى؛ فالقوة البحرية في حالة أثينا كانت تحتاج إلى موارد بشرية ومادية هائلة، وإلى مبرر سياسي واستراتيجي لاستخدامها، فضلًا عن التزام مدني وسياسي مستمر بالحفاظ عليها[58]. ولذلك فإن امتلاك الموارد لا يكفي ما لم توجد إرادة لتحويلها إلى قوة بحرية دائمة. ويقدم تاريخ مصر القديمة مثالًا في الاتجاه المعاكس على نفس الأمر؛ فقد ارتبط تراجع الأسطول المصري في القرن الحادي عشر قبل الميلاد بأفول سلطة الفرعون، حتى أصبحت التجارة المصرية تُنقل على سفن مشرقية، وهو ما عده باين انعكاسًا مباشرًا لضعف السلطة المصرية وتراجع مكانة الفرعون[59].
وتظهر أهمية استمرارية الإرادة السياسية بصورة أوضح في حالة معركة ليبانتو بين الدولة العثمانية وما عرف بتحالف “العصبة المقدسة” التي كانت تقوده إسبانيا. فقد أثبت العثمانيون، بعد هزيمتهم في المعركة، أن فقدان معركة بحرية لا يعني بالضرورة فقدان السيادة؛ إذ تمكن السلطان سليم، خلال ثمانية أشهر فقط، من إعادة بناء أسطول ضخم[60]. ومن ثم، لا تكمن قيمة القوة البحرية في تحقيق الانتصار وحده، بل في قدرة الدولة على تعبئة مواردها واستمرار الاستثمار في قوتها البحرية بعد الانتصار والهزيمة على السواء.
ومن هذه الزاوية، يصبح العامل السياسي أكثر من مجرد متغير بين متغيرات السيادة البحرية؛ إنه الإطار الذي يحول الموارد والتقنية والموقع الجغرافي إلى قوة مستدامة. فالدولة قد تمتلك الميناء والأسطول والبحارة، لكنها تفقد موقعها البحري إذا تراجع الاستثمار أو تشتتت الأولويات؛ بينما تستطيع الدولة المستقرة، حين تتوافر لديها الإرادة والموارد، إعادة بناء قوتها حتى بعد الهزيمة. وبذلك يتحدد صعود القوى البحرية واستمرارها بقدرتها على إنتاج الإرادة السياسية وصيانتها عبر الزمن، لا بمجرد امتلاك أدوات القوة البحرية.
ثانيًا- الاقتصاد: شبكات التبادل بوصفها محركًا للتاريخ البحري
إذا كانت الإرادة السياسية تحدد قدرة الدولة على توظيف البحر، فإن الاقتصاد يفسر جانبًا أساسيًا من أسباب الإبحار واستمراره. فالبحر لم يكن يُعبر لذاته، وإنما لأن الطرق البحرية أتاحت الوصول إلى أسواق وموارد ومراكز تجارية بعيدة، وهو ما دفع التجار إلى توسيع نطاق حركتهم، وأسهم مع الوقت في نشوء شبكات تبادل تتجاوز الحدود السياسية والدينية.
ويبرز لينكولن باين هذا الدور في حديثه عن نشأة “طريق الحرير البحري”؛ ففي سياق الاضطرابات التي شهدها كل من العالم الإسلامي والصين، تحوّل اهتمام التجار من طريق الحرير البري عبر آسيا الوسطى إلى الطرق البحرية، فنشأت شبكة واسعة لانتقال السلع والثقافة بين غرب آسيا والهند وجنوب شرق آسيا والصين. ولم تقتصر آثار هذه الشبكة على التجار، بل نشأت عنها، بحسب باين، “حلقة متبادلة” استفاد منها الحكام المحليون والإقليميون أيضًا، بما يعني أن توسع التجارة البحرية كان يعزز في الوقت نفسه المراكز السياسية والاقتصادية الواقعة على امتدادها[61].
ويؤكد باين الطابع الدولي لهذه الشبكات من خلال حطام السفن والبضائع؛ فالعثور على حمولة صينية في سفينة “بليتونغ” التي بُنيت على الأرجح في جنوب غرب آسيا وأدارها بحارة من نفس المنطقة، فضلًا عن إنتاج خزف صيني موجه إلى أسواق الخلافة العباسية، يكشف أن التجارة البحرية ربطت بين مناطق متباعدة في منظومة واحدة[62].
ويقدم كريستوف بيكار صورة مماثلة في البحر المتوسط، تكشف قدرة الشبكات التجارية على الاستمرار عبر الحدود السياسية والدينية. فقد أتاح تراكم الممارسات التجارية منذ القرن التاسع التوفيق بين التبادل التجاري والتباينات السياسية والدينية في مناطق الأمويين والفاطميين والبيزنطيين، ثم هيأت الأوضاع الاقتصادية وتماسك الإمبراطوريات الثلاث في القرن العاشر ظروفًا مواتية لظهور شبكات واسعة، أبرزها شبكة استيراد بيزا للخزف الإسلامي، وشبكة التجار اليهود في القاهرة التي امتدت، بدعوة من السلطات المصرية، من شواطئ المحيط الهندي إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. كما يكشف تتبع مصدر الخزف عن تجارة منتظمة استمرت حتى القرن الثاني عشر، فيما تثبت الوثائق الإيطالية وجود تجار مسلمين بصورة منتظمة في موانئ خليج الأسد والبحر التيراني وبيزنطة، بما يؤكد امتلاكهم شبكات تجارية ربطت بين السواحل الإسلامية والمسيحية[63].
ولم تكن هذه الشبكات مجرد حركة تلقائية للسلع، بل ارتبطت ببنية مؤسسية ساعدت على تنظيمها واستمرارها؛ فالفنادق التجارية (funduks) وفّرت للتجار القادمين من المدن الإيطالية أماكن للإقامة وممارسة نشاطهم في الموانئ الكبرى بالمغرب، على نحو شبيه بالقنصليات، واستمرت هذه المؤسسات في أداء وظائفها حتى خلال فترات التوتر والأزمات[64].
ويكشف بيكار، في حالة صلاح الدين، بصورة أوضح كيف دفعت المصلحة التجارية السلطات المسلمة إلى الحفاظ على الروابط التجارية مع اللاتين حتى في ظل الصراع العسكري. ففي رسالة وجّهها صلاح الدين إلى الخليفة العباسي المستضيء بشأن الهجوم الذي شنّه ملك صقلية وليام الثاني على الإسكندرية سنة ١١٧٤، يوضح أن السلطات المسلمة كانت ترى في جذب السفن التجارية المسيحية مصلحة تستحق الحفاظ عليها، إلى حد الاستعداد للتعامل مع عدوان اللاتين والإبقاء على الروابط التجارية حتى عندما كانوا يهاجمون الموانئ المصرية أو يسعون إلى غزو البلاد[65]. ومن ثم، لم يكن استمرار التجارة مجرد نتيجة لتراجع الصراع أو توقفه، بل كان انعكاسًا لمصلحة اقتصادية دفعت القادة المسلمين إلى استبقاء هذه الروابط والتعامل مع السفن والتجار المسيحيين بوصفهم موردًا تجاريًا ينبغي الحفاظ عليه.
وتوضح شواهد باين، المستندة إلى وثائق الجنيزة، وهي أرشيف المراسلات والسجلات التجارية المحفوظة في كنيس بن عزرا بالفسطاط، وكذلك مؤسسة الكارم، وهي شبكة أكثر مأسسة من التجار وأصحاب السفن في تجارة البحر الأحمر، أن المصلحة التجارية لم تتوقف عند الحدود الدينية أو التقلبات السياسية، بل دفعت إلى تطوير آليات تحمي استمرار التبادل. فسجلات الجنيزة تزخر بأمثلة على التعاون التجاري عبر الحدود الدينية، بما في ذلك شراكات قامت وفق صيغ قانونية إسلامية، بينما تطورت “الكارم” من تجمع للتجار إلى تنظيم أكثر مأسسة في التجارة بين مصر وعدن والهند، لتوفير الحماية للتجار[66]. ولم يكن الخطر مصدره القراصنة وحدهم؛ إذ يشير باين إلى أن مؤسسة الكارم في مراحلها اللاحقة ربما ارتبطت أيضًا بالحاجة إلى حماية التجار من “نزوات الحكام”[67]. وهكذا دفعت المصلحة التجارية إلى بناء شبكات وآليات مؤسسية تساعد على استمرار التبادل في مواجهة مخاطر البحر وتقلبات السلطة.
وتكشف هذه الشواهد، مجتمعة، أن الاقتصاد لم يكن مجرد نتيجة لحركة البحر، بل كان قوة دافعة لتوسعها واستمرارها؛ فالسعي إلى الأسواق والموارد والمصالح التجارية أسهم في توسيع نطاق الشبكات البحرية، ودفع التجار والسلطات إلى تطوير مؤسسات وآليات تحمي التبادل من مخاطر البحر وتقلبات السياسة. ومن ثم، لم تكن التجارة منفصلة عن التحولات السياسية، بل امتلكت بدورها قدرة على الحفاظ على الروابط والموانئ والشبكات التي قامت عليها المصالح المتبادلة. وهكذا يظهر البحر بوصفه فضاءً اقتصاديًّا متحركًا، تتقاطع فيه مصالح التجار والدول والموانئ، ولا تنقطع شبكاته بالضرورة مع تغير الحدود أو موازين القوى.
ثالثًا- التقنية والعلم: أدوات السيادة البحرية وشروطها
لا تكفي الإرادة السياسية وحدها لتحقيق السيادة البحرية، ولا يكفي الدافع الاقتصادي وحده لدفع السفن إلى المجهول؛ إذ تظل القدرة التقنية شرطًا يحول الرغبة في الإبحار إلى قدرة فعلية على الملاحة وبناء السفن وإدارة الموانئ. وتكشف المصادر الثلاثة أن هذه القدرة لم تتشكل دفعة واحدة، بل تراكمت عبر تطوير أدوات الملاحة، وتكييف التقنيات مع حاجات البحر، وانتقال الخبرات بين البيئات والحضارات المختلفة.
ويعرض باين هذا التطور من خلال أربعة مناهج رئيسة للملاحة، هي: الملاحة الساحلية، وتقدير الموقع، والإبحار باستخدام خطوط العرض، وتحديد الموقع. ويعكس الانتقال بينها تطورًا تدريجيًّا في قدرة الملاح على تحديد موقعه والابتعاد عن الاعتماد المباشر على معالم اليابسة، وصولًا إلى الملاحة في المحيطات المفتوحة. غير أن تحديد الموقع بدقة ظل مقيدًا بمشكلة قياس خط الطول، التي لم تجد حلًا عمليًا إلا مع اختراع ساعة دقيقة في القرن الثامن عشر[68]. ومن ثم، لم يكن اتساع المجال البحري ممكنًا بمجرد زيادة عدد السفن أو خبرة البحارة، وإنما ارتبط كذلك بتطور الوسائل التي تسمح بتحديد الموقع والتعامل مع المسافات البحرية المتزايدة.
وتظهر الطبيعة التراكمية لهذا التطور بوضوح في أدوات الملاحة. فالبوصلة الصينية كانت تعتمد على إبرة مثبتة في جذع نبات تطفو في طاسة بها ماء، بينما ظهرت في البحر المتوسط وأوروبا خلال القرن الثالث عشر البوصلة الجافة، التي ثُبتت إبرتها على محور وأضيفت إليها بطاقة مدرجة. ويشير باين إلى أن التحسينات التي قادت إلى البوصلة الجافة العملية تطورت بصورة مستقلة في الغرب، وهو ما يوضح أن تطور الأدوات البحرية لم يكن مجرد انتقال مباشر من حضارة إلى أخرى، بل شمل أيضًا إعادة تطوير الأدوات بما يلائم حاجات بيئات ملاحية مختلفة[69]. وينطبق الأمر كذلك على الإسطرلاب؛ فأصوله تعود إلى العصور القديمة، لكن صورته الفلكية المعقدة لم تكن ملائمة للاستخدام في البحر، قبل أن يجري تطوير إسطرلاب بحري أبسط، كان البرتغاليون يستخدمونه بحلول عام ١٤٨١[70]. وهنا يظهر أن انتقال التقنية لا يعني الاحتفاظ بالأداة في صورتها الأصلية، وإنما إعادة تصميمها لتناسب ظروف الاستخدام الجديدة.
ويضيف بيكار إلى ذلك مثالًا أكثر مباشرة على تراكم الخبرات داخل المؤسسات البحرية. فدور الصناعة لم تكن تقتصر على بناء السفن، وإنما اعتمدت على استقطاب عمال مهرة وبحارة وجنود من مناطق مختلفة، من المصريين في عكا وتونس، والفرس في بلاد الشام، والبربر عند مصب نهر إبْرُه، وبحارة الساحل الشرقي للأندلس، فضلًا عن مطلقي النار الإغريقية الذين كانوا يُرسلون من قرطبة عند أي حملة عسكرية جديدة[71]. ويكشف هذا التنظيم أن بناء القدرة البحرية كان يتطلب جمع مهارات متخصصة وتوظيفها داخل مؤسسة واحدة، بما يسمح بتراكم الخبرة وإعادة استخدامها في بيئات ومشروعات بحرية مختلفة.
ولا يقتصر هذا التراكم على صناعة السفن، بل يمتد إلى البنية التحتية للموانئ نفسها؛ إذ يوضح بيكار أن عمارة بعض الموانئ الإسلامية استندت إلى خبرة بيزنطية سابقة في موانئ بلاد الشام، مثل صور وعكا، التي رُممت واستُخدمت بعد الفتح[72]. وبذلك لم تكن البنية التقنية للبحر منفصلة عن تاريخ الموانئ السابقة، بل أمكن نقل بعض أشكال المعرفة المرفئية وإعادة توظيفها في سياق سياسي جديد.
وبهذا يُثبت بيكار ما يُمكن تسميته “الإرث التقني المُضمَر”، حيث لم تنشأ المعرفة البحرية الإسلامية من فراغ ولم تنتهِ إليه، بل كانت حلقةً في سلسلة تراكم حضاري مستمر أسهمت في بنائه أمم متعددة قبل أن تُسهم هي ذاتها في تأسيس ما جاء بعدها.
تكشف هذه الشواهد مجتمعة أن القدرة التقنية البحرية لم تكن نتاج اختراع منفرد أو معرفة ثابتة تنتقل من حضارة إلى أخرى، وإنما حصيلة تراكم مستمر يجمع بين الابتكار والتكييف وانتقال الخبرات وإعادة توظيفها.
فقد تطورت أدوات الملاحة استجابةً لحاجات عملية متغيرة، وتجمعت المهارات المتخصصة داخل مؤسسات قادرة على تحويلها إلى قدرة إنتاجية، كما أُعيد استخدام المعارف والخبرات الملاحية والمرفئية في بيئات سياسية وحضارية جديدة. ومن ثم، فإن التفوق البحري لا يُقاس بمجرد امتلاك السفن أو الأدوات، بل بقدرة الدولة والمجتمع على استيعاب المعرفة المتراكمة، وتكييفها، وتنظيمها داخل مؤسسات، وتحويلها إلى مهارات وتقنيات قابلة للتطوير وإعادة الاستخدام. وعلى هذا الأساس، تبدو السيادة البحرية نتيجةً لقدرة متراكمة على إنتاج المعرفة البحرية واستيعابها وتوظيفها، بقدر ما هي نتيجة للإرادة السياسية والموارد الاقتصادية.
خاتمة- البحر كاشفًا حضاريًا: عودة إلى بروديل
تكشف القراءة المقارنة للأعمال الثلاثة أن البحر لم يكن مجرد مجال جغرافي تجري فوقه الأحداث، بل كان جزءًا من البنية التي أسهمت في تشكيل القوة السياسية والاقتصادية والعلاقات الحضارية بين المجتمعات. غير أن أثره لم يكن ذاتيًّا؛ فوجود السواحل والموانئ وطرق الملاحة لم يكن كافيًا في حد ذاته لإنتاج قوة بحرية أو إحداث ازدهار حضاري أو مادي، وإنما أصبح البحر مصدرًا للقوة حين استطاعت المجتمعات والدول تحويله إلى مجال منظم للحركة والتجارة والتواصل.
وتوضح التجارب التي تناولتها الكتب الثلاثة محل العرض أن العلاقة بين البحر وصعود القوى الحضارية كانت علاقة متبادلة. فقد مكّن البحر دولًا ومدنًا من توسيع نفوذها وتأمين طرق التجارة وربط مراكز متباعدة، كما أدى فقدان القدرة على توظيفه إلى إضعاف بعض القوى وتقليص مجال حركتها السياسية والاقتصادية. ومن ثم، لا يبدو صعود القوى البحرية مجرد نتيجة لامتلاك أساطيل قوية، وإنما ثمرة قدرة أوسع على الجمع بين الدولة والميناء والتجارة والأسطول ضمن منظومة واحدة. وفي هذا السياق، يكتسب انتقال مركز الثقل من الإمبراطوريات الكبرى إلى المدن والدول البحرية الصغيرة دلالته؛ إذ لم يكن مجرد انتقال للسيطرة من قوة إلى أخرى، بل تحولًا في نموذج استخدام البحر نفسه.
وفي الوقت ذاته، تكشف هذه الأعمال أن الوظيفة الحضارية للبحر تجاوزت الصراع على السيطرة أو السيادة. فقد أتاح استمرار الحركة البحرية نشوء فضاءات للتفاعل بين مجتمعات مختلفة في الدين والثقافة واللغة، وأدى التبادل التجاري إلى انتقال ممارسات قانونية وأشكال تنظيمية، كما أتاحت حركة البحارة والتجار والحرفيين انتقال المعارف والتقنيات وإعادة تكييفها في بيئات جديدة. وبذلك لم يكن البحر ناقلًا للمعرفة فحسب، بل كان أحد المجالات التي أعيد فيها إنتاجها وتطويرها؛ فالتقنية البحرية نفسها نشأت من تراكم طويل جمع بين الابتكار والاقتباس والتكييف والخبرة العملية.
وتقود هذه النتيجة إلى إعادة النظر في العوامل التي تحدد قيمة البحر في التاريخ. فالسياسة توفر القدرة على تحويل الموارد إلى قوة بحرية مؤسسية، والاقتصاد يمنح هذه القوة دوافع الاستمرار والتوسع، بينما تجعل التقنية والعلم ذلك ممكنًا من الناحية العملية. ولا يعمل أي من هذه العوامل منفردًا؛ إذ لا تكفي الإرادة السياسية من دون موارد، ولا تكفي التجارة من دون حماية ومؤسسات، ولا تكفي المعرفة التقنية من دون قدرة على استيعابها وتطويرها وتوظيفها. ومن ثم، فإن السيادة البحرية تظهر في هذه القراءة بوصفها قدرة تراكمية تتكون من تفاعل السياسة والاقتصاد والتقنية والمؤسسات والمعرفة.
وتسمح المقارنة بين نورويش وباين وبيكار، في ضوء الإطار الذي قدمه بروديل، بتوسيع فهم البحر من كونه عنصرًا جغرافيًا إلى كونه بنية تاريخية فاعلة. فالبحر يربط بين المجالات التي تفصلها الحدود السياسية والدينية، لكنه في الوقت نفسه يعيد توزيع القوة بينها؛ ويفتح طرقًا للتبادل، لكنه يخلق أيضًا منافسة على التحكم فيها؛ وينقل المعرفة، لكنه يحفز كذلك على تطويرها وتكييفها. ولذلك فإن تاريخ البحر ليس تاريخًا للحروب البحرية أو للملاحة وحدهما، وإنما تاريخ للعلاقات التي نشأت حوله وللمؤسسات والاقتصادات والمعارف التي جعلت استخدامه ممكنًا ومستدامًا.
وعليه، فإن الإجابة عن الأسئلة التي انطلقت منها هذه القراءة لا تكمن في اعتبار البحر عاملًا حاسمًا بذاته، بل في فهم كيفية تحويل المجال البحري إلى قدرة سياسية واقتصادية وحضارية. فالحضارات لم تصعد لأنها امتلكت البحر، وإنما لأنها استطاعت توظيفه؛ ولم تتراجع لمجرد فقدانها السيطرة عليه، وإنما عندما عجزت عن الحفاظ على المنظومة السياسية والاقتصادية والتقنية التي تمنح هذه السيطرة معناها وفاعليتها. ومن هنا تتحدد القيمة الأساسية للتاريخ البحري: أنه لا يضيف مجالًا جديدًا إلى التاريخ، بل يكشف جانبًا من الآليات التي تشكَّل بها التاريخ نفسه.
[1] فرنان بروديل، المتوسط والعالم المتوسَِّطي، ترجمة: مروان أبي سمرا، (بيروت: دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٩٩٣)، ص ٥.
[2] Georg G.Iggers, New directions in European historiography (Middletown, CT: Wesleyan University Press, Second Edition 1984), pp 58–59.
[3] Georg G.Iggers, New directions in European historiography, p. 59.
[4] فرنان بروديل، المتوسط والعالم المتوسِّطي، ص 123.
[5] فرنان بروديل، المتوسط والعالم المتوسِّطي، ص ص 124–128.
[6] جون جوليوس نورويش، الأبيض المتوسط: تاريخ بحر ليس كمثله بحر، ترجمة: طلعت الشايب، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، ٢٠١٥).
[7] لينكولن باين، البحر والحضارة: التاريخ البحري للعالم، ترجمة: مصطفى محمد عبد الله قاسم، (الرياض: دار جامعة الملك سعود، ٢٠١٩).
[8] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء: تاريخ المتوسط الإسلامي من القرن السابع إلى القرن الثاني عشر الميلادي، ترجمة: جان ماجد جبور، (بيروت: المكتبة الشرقية، الطبعة الأولى، ٢٠١٨).
[9] جون جوليوس نورويش، الأبيض المتوسط، ص 23.
[10] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 131.
[11] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 132.
[12] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 15.
[13] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 15.
[14] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص ص 13–14
[15] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 249.
[16] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 150.
[17] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 14.
[18] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 30.
[19] جون جوليوس نورويش، الأبيض المتوسط، ص ص 129–130.
[20] جون جوليوس نورويش، الأبيض المتوسط، ص 150.
[21] جون جوليوس نورويش، الأبيض المتوسط، ص 189.
[22] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 290–291.
[23] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 419.
[24] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 418.
[25] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص ق.
[26] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص791.
[27] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 35.
[28] جون جوليوس نورويش، الأبيض المتوسط، ص 17.
[29] جون جوليوس نورويش، الأبيض المتوسط، ص 21.
[30] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 16.
[31] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 49.
[32] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 254.
[33] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص ص 257–258.
[34] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 289.
[35] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص ص 15–16.
[36] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 51.
[37] جون جوليوس نورويش، الأبيض المتوسط، ص ص 107–108.
[38] جون جوليوس نورويش، الأبيض المتوسط، ص ص 110–111.
[39] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 428.
[40] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 186.
[41] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 136.
[42] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 39.
[43] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 352.
[44] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 159.
[45] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 176.
[46] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 466.
[47] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 671.
[48] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 672.
[49] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص ص 503–504.
[50] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 670.
[51] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 675.
[52] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 698.
[53] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 699.
[54] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 700.
[55] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص ص 53–54.
[56] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 249.
[57] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 340.
[58] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 121.
[59] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 95.
[60] جون جوليوس نورويش، الأبيض المتوسط، ص 396.
[61] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص ص 351–352.
[62] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص ص 288–289.
[63] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص ص 331–332.
[64] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص ص 346–347.
[65] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص ص 349–350.
[66] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 478–479.
[67] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 482.
[68] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص ص 503–504، 509.
[69] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 466.
[70] لينكولن باين، البحر والحضارة، ص 508.
[71] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 159.
[72] كريستوف بيكار، بحر الخلفاء، ص 176.

