مراجعة كتاب: هلال السيادة الإسلام ونَظْم العالم

المقدمة:
لا تنبني الحاجة لتقديم منظور إسلامي لدراسة وتحليل العلاقات الدولية بصفة عامة، على دوافع معرفية نظرية فقط، وإنما ترتبط بواقع هذه الأمة وامكانياتها وسبل معالجة مشكلاتها الداخلية والخارجية المتعلقة بحال الفرد والمجتمع، والاتجاه نحو منظور بديل لذلك الذي يهيمن عليه منطق وسياسات القوى الصراعية المادية، ومن هنا تبرز أهمية مراجعة الكتاب الذي بين أيدينا، الذي يناقش أسس ومبادئ نظرية العلاقات الدولية في الإسلام بمنهجه الحيوي الذي يبرز جلال هذه النظرية وتفوقها على ما دونها من نظريات مادية كالواقعية والماركسية والليبرالية والبنائية.
ويأتي هذا الكتاب ليناقش مستوى الخلفية الفكرية والنظرية الفلسفية التي نطبق من خلالها وفي ضوئها أدوات تحليل السياسية الخارجية التقليدية، ويعزز هذا الطرح من أهمية هذا المستوى الفوقي الذي يعد هو الإطار الجامع والمحرك والمُشكل لهذه الأدوات.
ويتماشى عنوان الكتاب مع منهجية الطرح من حيث التجديد الفكري والانتقال النوعي من مستوى التنظير الذاتي، لمستوى التنظير التفكيكي المركب، حيث يأتي عنوان الكتاب “هلال السيادة: الإسلام ونَظْم العالم”[1]، فالكتاب يعرض لأسس ومبادئ نظرية الإسلام خاصة في العلاقات الدولية ويناطح غيرها من أطروحات تناقض ذاتها بذاتها، وعليه يتخذ من أهم شعارات الإسلام “الهلال” عنوانًا لطرحه، ويربط هذا الهلال بعلياء الإسلام في سعيه لنيل السيادة والسلطة الكاملة في الساحة الدولية، واستكمالًا لدلالة العنوان الجاذبة تأتي عبارة “الإسلام ونَظْم العالم”، إذ يريد أن يقول لنا الكاتب، تعالوا لنتحاور حول آلية الإسلام لتنظيم خيوط العالم المترامية في فلك النظريات العقيمة، بنَظْم شبكة من المبادئ الإسلامية المنبثقة من الكتاب والسنة النبوية وعبر التاريخ وعثرات الحاضر لنعيد ترميم نظرية إسلامية حيوية تفسر الحالة الراهنة لنسق العلاقات الدولية.
والكتاب من تأليف عمرو عبدالعزيز، وهو باحث مصري حاصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية، وله عدة مؤلفات أشهرها، كتاب وطن الراشدين[2]، وفي هذا الكتاب إيحاء بحتمية سقوط التجربة الديمقراطية المصرية إن لم تستوف الشروط الغربية، وكتاب الداروينية المتأسلمة[3] المنشور عام 2014 والذي يرد فيه على العلماء المسلمين حول حقيقة إقرار الإسلام لنظرية التطور، وتظهر الخلفية الإسلامية المتشبعة في هذه الكتابات، حيث يدور الكاتب مع المنهج الإسلامي حيثما دار، وهو تكوين فكري ينعكس على طرحه في الكتاب الذي بين أيدينا.
وقد صدر هذا الكتاب عن مركز أركان للدراسات والأبحاث والنشر، وهو مؤسسة بحثية فكرية مستقلة، تأسست عام 2017، ويسعى إلى دفع حركة البحث العلمي والارتقاء بأدواته في العلوم الاجتماعية والانسانية، والمساهمة في تكوين وتشكيل وعي الأمة العربية والإسلامية ومناقشة مشكلاتها والتعبير عن آمالها وفق منهجية علمية علمية معبرة عن الذاتية الثقافية التي تشكلت عبر تاريخها المشترك.[4]
ومراجعتنا لهذا الكتاب تنقسم لجزأين أساسين؛
الجزء الأول: نستعرض فيه أهم أطروحات وأفكار الكتاب، ونلتزم فيها –قدر الإمكان- بتراتبية الكاتب في نظم نظريته، تفاديًا لأي خلل، حيث ينقسم الكتاب لأربعة فصول، الفصل الأول: يفكك مفهوم الدين ويناقش استخداماته في العلاقات الدولية، والثاني: يستعرض الأسس الدافعة والمحركة للفاعل السياسي في المجال الدولي، والثالث: يخصصه الكاتب لمناقشة الدوافع الأساسية في الإسلام، كما يعرض لنموذجين من الكتابات التي ظهرت عليها التأثر بالنموذج الليبرالي الغربي في تناوله لنظرية الإسلام في العلاقات الدولية، والرابع: يلخص فيه الكاتب أهم مبادئ نظرية نظم الإسلام للعالم.
أما الجزء الثاني: وهو ما قصدنا فصله عن المحتوى المتني للكتاب، تفاديًا لتشتيت القارئ، حيث نضع فيه بعض التعليقات والملاحظات في محاولة لإثراء النقاش حول موضوع الكتاب.
مفهوم الدين واستخدامه في العلاقات الدولية:
ينطلق الكاتب من فرضية مفادها أن الدين يعتبر أحد الأدوات التي تساعد في تفسير –أي كمفسر- للعلاقات الدولية، وكذلك يعتبره –الدين- مُنشئ لنسق هذه العلاقات، وبناءً على ذلك خصص هذا الفصل كمدخل تعريفي بالأسس التي يبنى عليها منهجه في هذه المناقشة، وعليه، يعرض هذا الفصل لمفهوم الدين من حيث الاصطلاح والاستخدام، فيفرق بين التعريفات اللاهوتية الضيقة والتعريفات الاجتماعية الموسعة، كما يعرض لمصطلح الدين العلماني وكيفية استخدامه في مجال السياسة بشكل عام والعلاقات الدولية بشكل خاص، ويفرق الكاتب بين مفهومي الثيوبولتيك والثيولوجيا السياسية من حيث المضامين والمستويات والدلالات.
أولًا: مصطلح الدين:
يؤكد الكاتب على حقيقة أن الدين ذو تعريفات عديدة، وهناك العديد من التصنيفات البيانية لتعريفات الدين، إذ تجد تصنيفات رأسية تفرق بين الأصل السماوي والوضعي للأديان، وتصنيفات أفقية كامتلاك الدين لسمات مثل الإيمان بإله وبكتاب منزل، وتصنيفات أخرى تدخل الأيدلوجيات والثقافات كمحددات لتعريف الأديان، ويحدد الكاتب فئتين يمكن أن تلخص معظم هذه التعريفات:
التعريفات اللاهوتية المضيقة: التي تحتم وجود سمات محددة إذا غابت لم يصح تعريف المحتوى بالديانة، مثل وجود إله غيبي ونبوات وكتب مقدسة، أما التعريفات الاجتماعية الموسعة: التي تعتبر أن “الدين ظاهرة اجتماعية ناشئة عن علة نفسية شعبية” أي تضافر الاعتقادات بالمقدسات المتعلقة بالجماعات بشكل أساسي هو ما يمكن تعريفه بالدين، واتساعًا أكثر يندرج تحت هذا التعريف أنواع أخرى من الأديان مثل الدين المدني أو الحضاري، وهو ما يقصد به الدين العلماني للدولة الحديثة.
وعليه، فإن الكاتب يتبنى التعريف الأخير مع اشتراط عدم وجود جانب روحاني مقدس، وذلك لسببين: الأول: سبب لُغوي، أي أن التعريف المعجمي في العربية لم يجعل المحتوى الإلهي رئيسيا “أن الدين هو معتقد يتحذه المرء ويتخلق به ويتخذه مذهبًا”، فاللغة توسع دلالة المصطلح ولا تحصره في نمط واحد، أي أن ما يدين به المرء يصبح مؤثرًا بشكل أساسي في سلوكه واعتتقاده، الثاني: وجود شواهد شرعية لاستخدام الدين بالمعنى الواسع، مثل مخاطبة القرآن لأصحاب ديانات أخرى لا تعتقد بالجانب المقدس أصلًا بأنهم أصحاب ديانات، مع التسليم على أن استخدام الدين علامةً على الإسلام ذاته تأصيلًا بالخطاب القرآني والسنة النبوية، وكذا فإن التعريفات الموسعة التي يتبناها الكاتب في طرحه تتجاوز الاستخدام اللغوي والشرعي، كما أنها تتماشي مع معطيات العصر الحديث الذي أظهر كتل جديدة لا يمكن أن تخرج عن مُسمى الدين مثل الالحاد والعلمانية.
ثانيًا: مصطلح الدين العلماني :
يسرد الكاتب في هذا الجزء عدد من التعريفات لمصطلح الدين العلماني، منها تعريف جنتيلي “بأنها أنظمة متفاوتة التطور من المعتقدات والأساطير والطقوس والرموز والتي تضفي هالة من القداسة حول كيان ما تحوله لمعبود”، وهو مصطلح مرادف للدين المدني أو السياسي، ومصطلح الدين المدني أو الحضاري يدل على دين للدولة ذي أساس أخلاقي علماني يخالف نظيره المسيحي ويناقضه، ويتضح ذلك في تفرقة تروتز رينتورف بين المسيحية كطريقة اجتماعية للحياة، والكنيسة كمؤسسة حولت ذاتها لمنظومة أخلاقية علمانية للمجتمعات، والتطور المجتمعي والحداثة يفصلان بين النظام الأخلاقي ويحررانه من الدين، ويؤكدان على أن مصدره العالم لا الإله، أما تعريف رونالد بينر للدين المدني أو الحضاري بصورة أخرى بأنه “استيلاء السياسة على الدين لتنفيذ أغراضها الخاصة”، أي انتقال الدين من خانة المُهيمِن لخانة المُهيمَن عليه، وبهذا يرى أن الليبرالية وثيقة الصلة بالدين المدني.
وهكذا يخلص الكاتب حقيقة أن مصطلحات الدين المدني والسياسي تشير إلى نوعين بداخل ظاهرة أكبر هي الدين العلماني، هذا المصطلح الذي استخدم من قبل توصيفًا للماركيسية بأنها منظومات عقدية كاملة بديلة للدين، وهو تعريف يصلح لجمع كافة النظريات السياسية الكبرى تحته باعتبارها أديانًا علمانية، وتدرج الاستخدام الفعلي لهذا المصطلح لفترات طويلة في الفكر السياسي الغربي وتم استخدامه في مجالات غير المجال السياسي، تعبيرًا عن شموليته واتساعه، وعليه فإن الدين المدني (استخدام الدين كوسيلة) لا يمكن أن يتطابق مع الدين العلماني الذي أصبح موازيًا للأديان الحقيقية الإلهية، كدين صريح.
ويرى الكاتب أن الأيدولوجيات السياسية ظهرت تزامنًا مع بناء الدولة العلمانية الحديثة كوسيلة لتوجيه عالم السياسة توجيهًا غير إلهي، إذ أصبحت بديلًا للمنظومات القيمية القديمة، وهكذا فقط يمكن التفريق بين الأيدولوجيا والدين عند من يلزم الدين السمات الخاصة، أما من يتبنى التعريف الموسع فلن يمكن تجاهل أن هذه الأيدولوجيات هي نوع من أنواع الدين العلماني لامتلاكها طابعًا شموليا وتوظيفها كأدوات ضبط اجتماعي لضمان الطاعة والخضوع.
وبناءً عليه، فإن الكاتب في طرحه يفضل استخدام مصطلح الدين العلماني كظاهرة أوسع دلالة وبديلا عن مصطلح الأيدولوجيا السياسية، ولا يُقصر استخدام هذا المصطلح على الأيدولوجيا فقط، بل يشمل كل التصورات التي تتخذ ربًا غير الله –سبحانه وتعالى- يصرف له العبادة والإخلاص، كالقومية التي تقدس العرق والإقليم، أو الإلحاد الذي يقدس الطبيعة والمادة والعلم.
ثالثًا: الدين والسياسة:
يرى الكاتب أن الأديان –بتعريفاتها السابقة- هي أساس الدوافع الموضوعية الكبري للحراك السياسي العالمي بين الوحدات المكونة له، وأن نظرية الإسلام تقسم وحدات العالم إلى أديانها أولًا، وموقفها مع المسلمين ثانيًا، وفي هذا الاطار ينبغي التعرض للكتابات التي تناولت تداخل الدين مع المجال السياسي، مع الأخذ في الإعتبار أن هذا التناول لا يكون من المداخل الثقافية المعلمنة التي يكون فيها الدين مجرد جزء من ظاهرة اجتماعية أوسع هي الثقافة، وإنما باعتباره –أي الدين- مظلة للثقافات والفلسفات وكل ما يجمع بأنه نتاج النظر، فهو محرك حقيقي مستقل، وبهذا الحال يدخل تحت مظلته معتقدات القيادة وأفكار المؤسسات الحاكمة، وسعيًا للتفصيل، يعرض الكاتب لمجموعتين تناولا تداخل الدين مع السياسة:
المجموعة الأولى: رجال الثيولوجيا السياسية:
يضع الكاتب تعريفًا مُبسطًا “للثيولوجيا السياسية أو اللاهوت السياسي بأنها اهتمام باستكشاف أثر اللاهوت أو الدين على الحياة السياسية وأفكارها”، والتي ظهرت في فترة التنوير الأوروبي، ومن رواد هذا الاتجاه باروخ دي سبينوزا الذي رفض تسلط رجال الدين على المجال السياسي، على الرغم من إيمانه بوحدة الوجود (أي الله هو الطبيعة، وقوانين الله وشرعه هي قوانين الطبيعة وشرائعها)، وعليه يكون النظام الاجتماعي والسياسي الذي يوافق الطبيعة موافقًا لمراد الله.
ثم يأتي من بعده كارل شميت الذي يرى أن المبادئ النظرية الحديثة للدولة مبادئ لاهوتية معلمنة، التي يحل فيها المشرع محل الإله، فالقدرة التي يتمتع بها المشرعون لم تشتق لسانيًا فقط من الثيولوجيا، بل أصبحت واقعًا ملموسًاـ ويضرب المثل بالمعجزة، فطبيعة الكون يسير برؤيته خالقه، ولا يملك المعجزات إلا القادر على كل شئ فإذا أراد خالق الكون حدوث أي خرق لسنن الكون إلا بإرادته، وكذلك وجوب العمل بالدستور والقانون فلا يجوز خرقه إلا بأمر من المشرع وحده.
يرى الكاتب أن العرض الأخير لمصطلح الثيولوجيا السياسية لدى كارل شميت كان الأساس لكثير من الملاحظات التي تواترت لأفكار اليساريين وبعض الإسلاميين، وبالتأمل في علاقة الدين بالدولة وبالأنظمة منذ دخول العلمانية إلى العالم الإسلامي، وجد الكثيرون أن آراء شميت مجسدة في الواقع، من حيث السلطات وتوزيع القوة وتناحر الأحزاب والجماعات على السيادة والتشريع، لكن الحل العلماني الذي قدمه شميت لم يجد نفعًا، حيث وضع السيادة في أيدي الحاكم الذي يحتكم لدستور وضعي، بدلًا من وضعها في أيدي الله سبحانه وتعالى والتسليم للتشريع الإلهي.
المجموعة الثانية: رجال الثيوبولتيك
وهو التوجه الذي يدرس الأثر الديني على السياسة العالمية، أو توصيف لفكر يبني أسسه ومرتكزاته في الساحة العالمية على أساس ديني، ويطرح الكاتب لثلاث أصناف من الباحثين، الصنف الأول: تختلف مع أنصار الثيولوجيا في ثلاث نقاط؛
أولًا: لا شرعية حقيقة لأي قوة بشرية مؤسسية، أي فوضوية الثيوبولتيك في مقابل سلطوية الثيولوجيا،
ثانيًا: أن الحكم الإنساني حتى ولو كان مباركًا من الله فهو بداية العلمنة، على عكس ثيولوجيا شميت التي تجعل النظام هو الإله
ثالثًا: أن السلطة ليست مجمدة في صورة نظام سياسي كما يرى شميت، ولكنها تستمد شرعيتها من أفعالها، واستمراريتها وفق التزامها بالمعايير.
أما الصنف الثاني: يرى أنصاره أن الثيولوجيا السياسية خطأ وجريمة من العلمانين يستندون فيها إلى قوة الواقع واستسلام الكنيسة لهم، بينما الثيوبولتيك هو ثورة على ذلك الواقع السياسي المعلمن.
أما الصنف الثالث: تستخدم المصطلح للدلالة على على الجماعات السياسية التي تفكر في العالم بنظرة دينية لا علمانية، فالثيوبولتيك في أنظار هذا الاتجاه لا يمثل إلا دوغمائية متطرفة؛ وهنا يستخلص الكاتب القدر المشترك بين هذه الاتجاهات هو اعتبار الثيوبولتيك دالًا على المنظور الديني للعالم السياسي، بغض النظر عن الدين نفسه.
واستئناسًا بما سبق يبني الكاتب نموذجًا معرفيًا يعرض من خلاله الصورة النظرية التي يفكر في ضوئها، ويتكون هذا النموذج من ثلاثة مكونات،
أولًا: استخدام مصطلح الدين بمعناه الموسع،
ثانيًا: التفريق بين الدين العلماني عن الدين الإلهي،
ثالثًا: استخدام مصطلح الدين العلماني كظاهرة شاملة أكثر من استخدام مصطلح الأيدولوجيا.
كما يضع الكاتب المذاهب السياسية في مقياس للأدلجة[5] مدرج على النحو التالي: الدين الإسلامي، ثم مذهب سياسي إسلامي، ثم ينحرف هذا المذهب نحو اليسار بصور جزئية فيما يُسمى بالأدلجة الجزئية، ثم ينحرف كليا نحو اليسار فيما يسمى بالأدلجة الكلية، لكن يظل الجزء الإسلامي بداخله، ثم ينجرف بشكل كامل ليصبح أيدولوجيا سياسية كبرى أو دينًا علمانيًا، أي كلما ابتعدت المنظومة الفكرية عن الإسلام واقتربت من الدين العلماني كانت أيدولوجيا، والأدلجة نوعان: جزئية وكلية، وبهذا يصبح هذا النموذج نموذجًا معرفيًا كاملًا يستخدم الدين كأداة مفسرة للظاهرة السياسية بشكل عام والدولية بشكل خاص، كما يستخدم مصطلح المذهب (الدينية بشكل عام) مفرقًا إياه عن الأيديولوجيات التي يقصد بها مذاهب الدين العلماني حصرًا، ويؤكد الكاتب في نهاية عرضه لهذا النموذج على ضرورة عدم اهمال باقي أدوات تحليل السياسة الخارجية كالجيوبولتيك والمصالح، والتي يمكن اعمالها في اطار هذا التحليل الديني.
الأسس الدافعة للفعل السياسي:
يرى الكاتب أن الفعل السياسي يتأثر بعاملين أساسيين، ويندفع بها، العامل الديني الرئيسي وهو عامل موضوع يقوم على العقل وما يتعلق به من أدوات وعمليات، والعامل التحسيني وهو النفس البشرية وما يرتبط بها من حيازة القوة بأنواعها المختلفة وأساليب ممارستها، في هذا الفصل يستعرض الكاتب لهذين العاملين بالتفصيل:
أولًا: الدافع السياسي الديني: العامل الموضوعي:
تنبني رؤية الكاتب لهذا الدافع في تصوره بأن العالم مقود بنتاج العقل من فكر وفلسفة وأيدولوجيا، والأديان جامعة لكل نتاج العقل، والدين في منهجية الكاتب هو جناس المفردات العقلية التي تقود الحراك السياسي وتدفعه، وهذا التصور يتقضي ابتداءً معرفة هويات وأصناف الأديان المشاركة في هذا الحراك، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال معرفة سليمة لدين كل دولة وتأثيره وأسباب وعوامل دفعه للعملية السياسية، لذا يعرض الكاتب تصنيفًا مفصلًا للأديان:
- أصناف الأديان:
فالأديان متفاوتة في سلوكيات أتباعها، وأنماطهم، ومدى التباين في عدائهم للإسلام، ويصنف الكاتب الأديان وفق معياري طبيعة الموضوع المقدس وهوية المقدس، إلى أربعة أصناف: الأديان العلمانية: التي تفسر مكونات ومفردات الواقع تبعًا لمعادلة عقلانية مادية دنيوية بحتة، وترفض أي مصدر إلهي أو غيبي، وتتباين هذه الأديان في اتساع مذاهبها ورؤاها، الأديان الإلهية الشركية: التي تكون نتاج لوضع إنساني اتخذت صورة القداسة الغيبية كالبوذية والهندوسية، وهي تؤمن بإله لكنها تجعل له شركاء أو تلحد في صفاته وصوره، الأديان الإلهية المحرفة (الكتابية): وهي الأديان الإلهية التي عبث بها الإنسان بالحذف والإضافة، لتصبح مزيجًا بين ما هو إلهي وإنساني وضعي، وتتجسد في اليهودية والمسيحية، الدين الإلهي: وهو التنزيل الإلهي الخالص، دون تدخل إنساني مباشر، لكن تتفاوت الأفهام في كشف جوانبه وكيفية تنزيله، لكنها تتفق على قداسة نصه ومصدره، ولا يوجد غير الإسلام يجسد هذا الصنف، ويمكن تصنيف هذه الأديان بأسلوب آخر إلى: الأديان العلمانية والأديان الحقيقية: وهي الأديان الثلاثة، الأديان المزعومة: الشركية الوضعية، لكن الكاتب يرجح التصنيف الأول، لفصله الإسلام عن غيره، ولأنه يلائم بشكل أكبر الخطاب السياسي.
- مفهوم دين الدولة وتركيبه:
انطلاقًا من كون الدين هو مدار تقسيم الوحدات في النسق الدولي، يرى الكاتب أن دين الدولة هو الفاعل السياسي، واجتماع هذه الأديان يقود الدول فكريا وروحيًا، داخليًا وخارجيًا، وبهذا الفهم يمكن تحليل وتفسير سلوك هذه الوحدات من خلال تكوُّن مؤثرات الأديان التي تشكل الدولة وفق التصنيفات الأربعة السابقة، فالولايات المتحدة مثلا يمكن تصورها = الليبرالية (دين علماني) + المسيحية (دين إلهي محرف)، هذا هو دين الدولة الأمريكي، ويختلف هذا الفهم وفق حجم التركيب داخل كل دين، فالليبرالية تحمل في طياتها أيدولوجيات عدة كالرأسمالية والديمقراطية…الخ، والمسيحية كذلك لها صور مختلفة (صورة ثقيلة) كونها دين حقيقي، وكونها دين ثقافي (صورة مخففة)، وهكذا..، وهذا الاختلاف في حجم التركيب بالتبعية يؤثر في سلوك الدولة باعتبار أن هذا الدين بمكوناته وصوره هو المحرك والدافع الموضوعي لسلوكيات الدولة على كافة الأصعدة.
كما يمكن تصنيف الأديان من حيث حجم التركيب: إلى ثلاث صور،
- التوحيد: يتمثل في الدين الإسلامي، وهو المؤثر الموضوعي الوحيد للدولة، ومثاله في صورة الدولة الراشدة وبعض الصور للمنظومات التالية لها،
- التثنية: وله صور عديدة مثل (دين علماني + دين إلهي)، (الدين الليبرالي + الدين المسيحي)، (القومية العرقية + الدين الإسلامي)، والغلبة تكون للمكون العلماني ومعه تتشكل مفاهيم الدين الحقيقي،
- التعددية: ويتجلى هذا في حالة إسرائيل في نشأتها بالأساس = (دين علماني: القومية + دين علماني: الاشتراكية + دين علماني: الصيونية + دين علماني: الديمقراطية الليبرالية + دين إلهي محرف: اليهودية).
ولكن ترد إشكاليات على هذا التصنيف كون التعدد في المركب العلماني فقط أما الديني الحقيقي واحد، وأن هذه التعددية فيها ما يمكن جمعه تحت مفهوم واحد، وخلل وضع الصهيونية بجوار مكوناتها، والأصح (صهيونية تشمل كل ما هو علماني + اليهودية)، وهذه الحالة لا تصح أيضًا لأن اليهودية تحتوي الصهيونية داخلها، وبالرغم من هذا الجدل بشأن التعددية لا يمكن إهمالها لأسباب كثيرة: أن معظم النظم الغربية طورت أنظمة تمزج الاشتراكية والرأسمالية بشكل لا يوضح خطوط فاصلة واضحة، أن القومية يتسع مفهومها الدلالي ليشمل انواع غير تقليدية مثل القومية العرقية، الدينية..الخ، فكيف يمكن اعتبارها عنوانًا لدين واحد؟؛ لذا يرى الكاتب أن التعددية تعد توصيفًا أدق من التثنية التي تسطح التحليل، وفي هذا الاطار يرى الكاتب ضرورة مراعاة التفكيك المفصل في حالات التعددية لما قد ينتج عنه فروقًا ضخمة في فهم سلوكيات المجتمعات وفق هذا المنهج، فمتغير واحد في المعادلة السابقة قد ينتج عنه عدد لا حصر له من الاحتمالات السلوكية للمجتمع الإسرائيلي.
ولتوضيح الصورة يستعرض الكاتب عددًا من الأمثلة، منها: منظومة تركيا (ليبرالية + قومية عرقية + دين إسلامي: صوفي/ حنفي) تختلف عن منظومة السعودية “ابن سلمان” (ليبرالية محافظة + قومية عرقية قبلية / سلالية + دين إسلامي: سني/ حنبلي) هذا الاختلاف المذهبي ينتج عنه تغيرات سياسية عديدة على مستويات مختلفة ومدى الاستجابة للمركبات العلمانية في دين الدولة.
بعد ذلك يختتم الكاتب مناقشته بعدد من الملاحظات:
الأولى: ندرة التعددية في غير الأديان العلمانية، أي صعوبة تواجد دينين مؤثرين بنفس القوة في دين دولة، لبنان: مسيحي وإسلامي = يصعب تنصيب أحدهما كمؤثر ومحتكر.
الثانية: النفوذ التجريدي الأكبر للدين في حالة التعددية يكون لغلبة معطيات الواقع الفعلي، أي التأثير السياسي لدور الدين في الدولة بغض النظر عن الحجم النظري لهذا الدين، وهذا النفوذ غير دائم وإنما يرتفع وينخفض وقد يتلاشى مع مرور الزمن وتغير الأنظمة والظروف.
الثالثة: وقوع المنظومات التوحيدية المعاصرة في فخ النظر، حيث ترى غيرها من الوحدات على أنها أحادية العنصر، أي ذات دين واحد بلا تركيب، وبالتبعية يأتي تفسيرهم محدود وغير واقعي، فالمسلمون ينظرون إلى صراعهم ضد الآخر (صهيو – صليبي) باختزال عوامل أخرى كالليبرالية التي قد تكون أكثر شدة، ويرجع الكاتب ذلك لعدم إدراك المسلمين بأن الليبرالية كقالب تعد دينًا.
الرابعة: ممارسة نفس الخطأ من قبل المنظومات المركبة، أي اختزال كافة العوامل في عامل واحد كدافع للحراك الدولي، ويتحذ الكاتب من الاخوان المسلمين كمثالًا، لرفضهم توصيف الصراعات العالمية بالحالة الدينية، واحتواء أدبياتهم بنبرة احترام الليبرالية والديمقراطية وبيان أنهم يتبعون دين العالم الحر، وهم بهذا يواجهون المنظومة الإسلامية التوحيدية التي تؤكد على الجانب العقدي للصراع، غير مدركين طبيعة الليبرالية كونها ممزوجة بالمسيحية والقومية والعرقية كدين علماني مركب.
ثانيًا: الدافع السياسي النفسي (عامل التحسين):
يرى الكاتب أن طموح الانسان للوصول للقوة والهيمنة والسيادة كعامل فطري ذاتي داخلي لا يحتاج إلى عمل عقلي تحفيزي، يعد هذا دافعًا سياسيًا يستوي في أصل وجوده الكافر بغيره ، والإسلام شُيد لا على الغلو في الزهد الدنيوي، ولا على عدم ردع الطموح، وإنما بما يتناسب مع خدمة دين الله ومراده،
فالدوافع النفسية هي المحرك الثاني في الصراع الدنيوي العالمي، وهي قانون أغلب الصراعات السياسية، فما الصراعات الرأسمالية الإمبريالية إلا صورة من صور الطموح الإنساني بالفطرة، وكذلك حال ملوك الإسلام بعد الخلافة الراشدة في صراعهم بين بعضهم البعض يعد تجسيدًا لهذه الحقيقة التاريخية.
يؤكد الكاتب على أثر الدافع النفسي كمحرك ومحدد ومفسر للسلوك السياسي للدول، عارضًا مضامين كتب العلوم السياسية النظرية في العلاقات الدولية، وعلى رأسهم مورجنتاو الذي لا يفرق بين الدوافع الدينية والنفسية كهدف نهائي لحيازة القوة والسيادة، وواقعية مورجنتاو تقارب تحليل الأديان برأيين: الأول: يرى أنه ليس من شأن العلم السياسي أنها أثرت صدقًا أم كذبًا، إذ أن العبرة في حيازة القوة والسيادة، الثاني: يرى الأديان والعوامل الفكرية بشكل عام ما هي إلا مجرد أقنعة زائفة تستهدف الهيمنة والسلطة، لكن بعد سقوط الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينات وفشل الواقعية في تفسيره، تراجع هذا الاتجاه وأبرز اتجاهات أخرى كالبنائية والنسوية والتأملية كنظريات تؤكد على وجوب النظر إلى الهويات والثقافات والأديان.
وفي هذا الإطار، يستعرض الكاتب بعض الأفكار المتعلقة بالدافع النفسي وأثره:
أولًا: أن الدوافع النفسية المتنوعة مثلت أغلب الصراعات البشرية على مدار التاريخ الإنساني، إذ أنه لا يمكن تفاديها بحال كونها فطرية.
ثانيًا: أن الدافع النفسي ليس فرديًا بل ينصرف للجماعات ويشكل سلوكها، مثل العنصريات العرقية والطبقية.
ثالثًا: ضرورة تحديد هوية الصراع وفحصه بصورة نقدية مع عدم تجاهل ادعاءات المتصارعين.
رابعًا: ارتقاء بعض الدافع النفسية إلى درجة الفكر والعقل، فينتج عن ذلك دينًا كاملًا، علمانيًا أو غير علماني.
خامسًا: ضرورة التركيز على دقة الفوارق بين الدافعين النفسي والديني، لعدم الخلط بينهما نظرًا لاحتمالية اشتراكهما في أكثر الصراعات.
سادسًا: الصراعات الداخلية في الإسلام إما أن تكون توحيد وتعددية (الحركات الإسلامية التوحيدية التي لا تندفع سوى بدافع التوحيد ونشر الدين، مع الحركات الإسلاموقومية التي تخلط في سعيها بين دوافع الدين والقومية)، وإما بين توحيد ودوافع نفسية مثال ذلك: (صراع الصحابة بين جيش علي “توحيدي” وجيش معاوية “نفسي/طمع)، وإما بين دوافع نفسية خالصة (صراع المماليك والعثمانيين).
سابعًا: احتمالية ان يتحول الصراع من دافع إلى آخر، كأن يتحول النفسي إلى ديني أو العكس (تحول الصراع بين شيعة الحسين والدولة الأموية من دافع الثأر “نفسي”، إلى رغبة سيادة فرقة مذهبية “ديني”).
ثامنًا: الصورة العامة لحالة الصراع لا يمكن تعميمها على كل أطرافه، قيد يكون الصراع دينيًا وبين القادة والجنود لدوافع نفسية.
تاسعًا: صعوبة تعيين هوية الصراع في الصراعات الحديثة، خاصةً في الدول الحديثة المركبة من مؤسسات عديدة ذات أهداف قد تكون متضاربة، فقد تدخل الدول حربًا لأهداف متنوعة باختلاف مكونها المؤسساتي والشعبوي.
عاشرًا: يعود معظم النقصان أو التخلف في نظريات تفسير الصراع إلى سيولة دوافعه وأطرافه في الأصل، وهذه الحالة السيولية بسبب أن لكل طرف الأدلة المختلفة التي يعتمد عليها في تأييد حجته (اخلاف الواقعيين والماركسيين في تفسير الحرب الأمريكية على العراق 2003، فيرى الواقعيون أنها لأسباب جيوبولتيكية، بينما يرى الماركسيون أنها بهدف السيطرة على بترول العراق)، إذ يفصل الكاتب بين الأسباب الجيوبولتيكية لدى الواقعيين والإقتصادية لدى الماركسيون وفي ذلك تفسير لسيولة الدوافع النفسية في تفسير الصراع.
حادي عشر: ضرورة تحليل محتوى الأداة الدعائية للمنظومة السياسية بصورة موضوعية لإدراك الهدف الذي يرمي إليه المسئولون، سواء الداخلي لحشد الدعم، أو الخارجي لاضعاف مقاومة الخصم.
ثاني عشر: يؤيد الإسلام دافعًا واحدًا فقط من كافة الدوافع النفسية، وهو دافع صد البغي والظلم حتى لو كان من حاكم المسلمين.
وأخيرًا: يؤكد الكاتب على دور الصورة التراتبية للنسق العالمي، من حيث نسبة العوامل النفسية وطغيانها على العوامل الدينية،
فكلما قلت الأقطاب، كلما ارتفع العامل الديني، وكلما زاد دور العامل النفسي (الدولة السوفيتية والأمريكية، أثناء الحرب الباردة حيث طغى العامل الديني العلماني “الشيوعية ضد الليبرالية”)،
ويرى الكاتب أن هذا مدعى الإسلام إلى وحدة الحكومة وعدم التشرذم تركيزًا للعامل الديني، وقمعًا للدوافع النفسية في إثارة الصراع.
وعلى الرغم من غرابة هذه العلاقة التي يطرحها الكاتب ولم يوضحها بشكل كاف، إلا أنه يرى أن واقع الصراعات الدولية ترتبط في أسبابها ودوافعها بعدد الأقطاب ونوعيتها حيث يشير أن فترة الحرب الباردة بين القطبيين السوفيتي والأمريكي كان يحركها العامل العامل الديني (الشيوعي ضد الليبرالي) – باعتبارهم أديان من وجهة نظر الكاتب- في حين خفوت معظم الدوافع الأخرى.
الإسلام والدوافع السياسية:
يتناول الكاتب في هذا الفصل دوافع الإسلام المحركة للحياة السياسية، ويؤكد على على فرضيته في هذا العرض، أن “الإسلام لا يسمح بخوض البحر السياسي المتلاطم إلا بالدافع الديني لا الدنيوي”، لأن الإخلاص هو الأصل في العبادات والمعاملات، والعلاقات السياسية جزء من ذلك، ويسري عليها ما يسري غيرها.
أولًا: دفع السطوة، ودفع الصولة:
يرى الكاتب أن دوافع الإسلام في التعامل مع المعترك السياسي يمكن تصنيفها إلى قسمين: دفع السطوة: وهو المظهر الأكبر والدافع غير الطارئ في المحيط العالمي، أي جهاد الطلب، دفع الصولة: وهو دافع طارئ، في حالة وقوع الظلم وبغرض الصولة من أجل دافع نفسي إنساني ممدوح وتحسينًا للظروف المفروضة قهرًا
وهنا يرى أن جهاد السيادة يمثل دافع الإسلام ليكون نحو توسيع مجال سيادته جغرافيًا، وسياسيًا ومعنويًا، أي تحرك جيش الإسلام لغزو دار الكفر، لكن هذا التحرك مشروط بثلاث: أولًا: خيار الانضمام للمسلمين “التسليم”، ثانيًا: الصلح مع تقديم جزية، ثالثًا: الحرب، ويتبع الإسلام في هذا الغزو استراتيجية تهدف إلى “إرهاب“ الوحدة السياسية التي يغزوها، وصناعة الفوضى بدخلها، غير أن الإسلام في هذه الخيارات الثلاثة يجمع بينهم في أنها تهدف إلى انقاص سيادة الوحدة السياسية المستهدفة، سواء التنازل الكامل أو دفع جزية كرمز للخضوع أو فقدان هذه السيادة كليا بالحرب، كما أن هناك إمكانية أن يكون صلحًا بدون دفع الجزية لكن شريطة فتح باب الدعوة الإسلامية في المجتمع المستهدف دون معوقات من أي نوع.
ويفرق الكاتب بين “تحرير الدعوة الدينية” وبين “تحرير الدعوة الإسلامية”، والتي يرى أن العلمانين خلطوا بينهم بدعوى أن الإسلام يحض على حرية الدعوة المطلقة، وأن الفتح الإسلامي لا يكون إلا لحماية الأقليات المسلمة، ويرد الكاتب على ذلك بأمرين: أولًا: أن الإسلام في غزوه لا يطلب حماية أقلية مسلمة بغرض مماثلتهم بأهل الذمة، ثانيًا: أن تحرير الدعوة الإسلامية خاص بالإسلام وحده لا بباقي الدعاوي الضالة.
ويوضح ذلك في مبدأ عدم التناظر،أي أن الإسلام في غزوه يقصد نشر وحماية الدعوة الإسلامية ودفع سطوتها، لا بغرض حماية أقلية مسلمة فقط، وبذلك يضمن عدم التدخل في شئون دولة المسلمين تحت أي ذريعة، أي استئصال وجود سطوة خارجية لغير الإسلام على أرض المسلمين حالًا أو استقبالًا، كما يؤكد على الأهمية التاريخية لمبدأ عدم التناظر: إذ لو كان المسلمون –وهم أقلية- يقدمون حقوق موازية ومناظرة لسمحوا بحرية دعاة الأديان الأخرى، ولذاب المسلمون الأوائل بعد عهد قصير ولانتكست دعوتهم، لكن لما لم يحدث ذلك حُفظ الإسلام، فبالقوة حيزت السيادة، وبالسيادة حُررت الدعوة، ومُنع كل صوت ينابذها، وبالدعوة ذاع الإسلام.
و يرى الكاتب أن المسلم مطالب بحيازة سطوة ذاته، وسيادة دينه على نفسه ومحيطه، لاسيما أسرته ومجتمعه، وإذا لم يقوى على ذلك وجب عليه عدم الإقامة بين الكفار والهجرة لديار المسلمين، إذ يرى الكاتب أن المسلم الحقيقي لا يُذمم، ولا ينبغي له البقاء والتسليم بسيادة سلطان غير الإسلام، إلا مقهورًا مغلوبًا على أمره، وفي هذا السياق يجيب الكاتب على تساؤل من الطبيعي أن يطرأ هنا: لماذا يسمح الإسلام لغير معتنقيه بالبقاء إذا لم تكن العلة في حرية المعتقد، ذلك بأن حرية المعتقد ليست بالمطلق، فالإسلام لا يحرر من اعتنقه ثم ارتد، إذ أن كل انسان يُولد مسلمًا في الأصل، وأن الكفر يحصل بسبب خارجي.
يؤكد الكاتب هنا على حقيقة أن جهاد الطلب لا يكون إلا سعيًا لهيمنة دين الله على الدين كله، لا للإستيلاء على الأمم وممتلكاتها، ولو كان كذلك لما خير الوحدات الأجنبية بين الصلح مقابل الدعوة وبين الحرب،ولفهم ذلك يضرب الكاتب مثالًا في حالة مهادنة الأمم للإسلام في بدايته وأنفذ الأمر بتحرير الدعوة الإسلامية مقابل جزية ما، هل كان للإسلام أن يتمكن من بناء دولة؟، بالتأكيد لا، فلو كان الغرض توسعًا مجردًا ما أمكن وجود هذا الاحتمال النظري وما عرض الإسلام خيار الصلح مطلقًا.
- زيوف النظرية:
في هذا الجزء يستعرض الكاتب نموذجين منتشرين بكثافة في حقل الإسلاميات، وذلك بغرض بيان أثر الدين الليبرالي في أدلجة الدين الإسلامي وتعطيل دافعه الديني وتشويه قدرته النظرية، وذلك لأن هذين النموذجين قدما طرحهما باعتباره إسلاميًا خالصًا، وأن هذا الطرح توفر له عاملي الرعاية من الدولة ومواكبة المنظومة العالمية الحالية، والسبب الأخير ندرة الدراسات التي سبرت أغوار هاتين التوجهين، وسنأتي على مراجعة ذلك فيما بعد.
ثانيًا: نيابة الخطاب الأزهري:
يمثل هذا النموذج (الأيديولوجية الأزهرية) كتاب “العلاقات الدولية في الإسلام” للشيخ محمد أبو زهرة، الذي يوضح في بداية حديثه أنه لا قتال عند المسلمين إلا دفعًا، وليس في القرآن غير ذلك، حيث يحصر الشيخ دوافع القتال في دفع الاعتداء وتأمين دعوة الإسلام، وهو بذلك يؤول جهاد الطلب إلى جهاد موجه لرؤوس السلطة واصفًا لهم بـ “طغاه يقهرون الشعوب”، وهو بذلك جهاد لنشر حرية المعتقد لا لنشر الإسلام وحده، وهي هيئة ليبرالية الطبع، والدفع الثاني بتأمين الدعوة الإسلامية يناقشه الكاتب في النقاط التالية:
- أنه لو كان المستهدف هو رأس السلطة، فكيف يكون الاغتنام والسبي والرق.
- احتمالية وجود تأييد من الشعب للحاكم في رفضه للسماح بالدعوة الدينية الجديدة
- حجة الشيخ إذا انقلبت لا تساير الإسلام، كيف لنصراني أن يعترض على رفض السلطة المسلمة على عمله في تنصير المسلمين ؟
- مخالفة هذا الرأي للأسس الكبرى التي تقوم عليها العلاقات الدولية وهي عدم جواز الاعتداء على سيادة الدول وسلطات الحكام.
- عدم توافق هذا الطرح في حالة إذا كان الحاكم منتخبًا من شعبه، فكيف إذا أجرى استفتاءً جاء فيه رفض الشعب للدعوة الإسلامية؟
وهنا يؤكد الكاتب على أن الإسلام لا ينظر إلى حال سلطات الوحدة السياسية فقط، وإنما إلى كافة جوانب الوحدة السياسية والمجتمعية والنظامية وغيرها، وكل وحدة سياسية ترفض الدعوة الإسلامية يلزم نقض إرادتها، ومتوهم من يظن أن الإسلام لا يجبر الناس على إزالة كل عائق لدعوتهم إليه.
ويرفض الشيخ أبو زهرة الرق شكلًا وموضوعًا، ويستدل على ذلك بأن القرآن ليس فيه إذن بالاسترقاق، بل فيه ما ينفيه وإن لم يكن صريح فبالإشارة، حيث أن النبي –صلى الله عليه وسلم- لم ينشئ رقًا على حر، بل أعتق رقيق من الجاهلية، والشيخ يرجع وجود رق فيمن بعد النبي لمبدأ المعاملة بالمثل، وهو هنا يحاول أن يزيل التناقض بين أطروحة الشعوب المقهورة، لأن الرق عقاب مجتمعي ضخم ولا يستقيم مع طرح الشيخ، إلا أن الكاتب يوضح الإشكاليات التي وقع فيها الشيخ:
- إذا كان الطغاه يسترقون المسلمين، فما ذنب شعوبهم بأن يعاملهم المسلمون بالمثل ويسترقونهم
- ان الإسلام منطقه أصيل وتصويره الخاص للرق لا يتنظر أحد
- أن الإسلام بهذا الطرح يصبح رد فعل، وإن كان يتناسق مع أطروحته عن الإسلام الدفاعي، إلا أن يحط من شأن الإسلام في الساحة الدولية، ويجعل شرائعه تابعه لما يقرره القانون الدولي.
- إذا كان الرق فعل قبيح بذاته، ومن الجلي أنه ينكره ويرفض نسبته إلى النبي، فما معنى السكوت عن نسبته لصحبه وآله؟
- كيف لم يجر النبي الرق على أحد، وزوجتان من أزواجه كانتا من سبي؟ وكيف يقود النبي الغزوات ويعلم أن جنوده يسترقون الأعداء؟
وهنا يظهر جليًا تأثر الشيخ بالأفكار الليبرالية رغم علمه ومكانته، والحقيقة أن الحكمة من تشريع الرق ما هو إلا لتنفيذ سياسة عقاب الأمم المعاندة، وهذه السياسة هي سنة كونية ودولية لم يتخلف عنها أحد إلا نفاقًا وتدليسًا، ويؤكد الكاتب أن إنكار المنظور الإسلامي الفاتح الغازي ما هو إلا وهم يوقع في التناقض التاريخي والواقعي، وأن الإسلام لم يقم ويسد بالإسلام الدفاعي، وأن محرك الإسلام في الساحة العالمية هو الدافع الديني من خلال حيازة السيادة وإنقاص سيادة الباطل والكفر.
ثالثًا: نيابة الخطاب الأكاديمي السياسي:
يمثل هذا النموذج (الأيديولوجيا الأكاديمية السياسية) كتاب الدكتور محمد طلعت الغنيمي “قانون السلام في الإسلام”، الذي يقدم ذاته كمنظر إسلامي التوجه، والطرح الذي يناقشه الكاتب في هذا الجزء يرى فيه أنه يتحرك دومًا تحت زعم فتح الاجتهاد، فالإسلام في هذا الطرح إما أداة لإصلاح الليبرالية، أو العكس
- نظرية الجهاد العادل
يسعى الدكتور الغنيمي في كتابه لإثبات أمرين، الأول: أسبقية الإسلام لكل أبواب القانون الدولي، الثاني: قدرة الإسلام على التماهي مع القوانين الدولية المعاصرة، ويتلخص رأي الدكتور في هذا السياق في النقاط التالية:
- تقليدية الفكر السني وانعزال الفكر الإسلامي الكلاسيكي الذي أنتج فكرة الجهاد الباغي (أي جهاد لرد الباغي المعتدي)، وعلينا فتح باب الاجتهاد وانتاج فكر يلائم الواقع الدولي المعاصر.
- أن الجهاد في الإسلام هو جهاد الدفع فقط، الذي يعزز من دعوى السلام، أما الجهاد الباغي يناقض رؤية الإسلام المعاصرة.
- جاهلية كافة الفقهاء الذين نظروا للفكرة الجهاد الباغي، وأنهم دعاة حرب بالمعنى العصري.
- ملاءمة مبادئ ميثاق الأمم المتحددة لتصور الإسلام عن الحرب، الذي يحرم استعمال القوة أو التلويح باستخدامها إلا دفعًا لعدوان دولي.
وهنا الكاتب يعلّق على رأي الدكتور الغنيمي في عدة نقاط سريعة:
- يُحي الدكتور الغنيمي في طرحه وجهة نظر مجموعة من المستشرقين في تصورهم عن جهاد الطلب بأنه حرب عدوانية، ويشي ذلك بأنه لا أصل له في القرآن، إذ ترى هذه الأطروحات أن غزوات النبي وفتوحات الراشدين ما هي إلا تحركات عسكرية معادية، وكذلك لم يراع هذا الطرح من الدكتور كون أن تحركات جهاد الطلب تنطلق من مبدأ عالمية الدين الإسلامي، وأن العمود الفقري للسياسة الخارجية للدولة الإسلامية في المدينة هو العمل على توحيد العرب تحت راية الإسلام، وهو ما يتقارب مع مبدأ القومية العربية، كما أن منهج الدكتور يتسم بالسطحية مقارنة بغيره من مناهج الفقهاء المركب الواسع، وفي ذلك استخدام حديث النبي –صلى الله عليه وسلم- “المسلم من سلم الناس من يده ولسانه” واعتماده عليه بشكل كامل في عرضه لأفكاره، وتغاضيه عن القول الصحيح للحديث “من سلم المسلمون” وليس الناس، إذ يناسب القول الأول مع المبدأ الإنسانوّي العالمي الذي يبناه الدكتور، كما وقع الدكتور في مغالطة التعميم حين أجزم بانعزال الفقه الإسلامي عن الواقع السياسي، وذلك بالخلط بين الفقه وبين الضرورة، إذ أن مهمة الفقه السياسي هي تحديد الصورة المثلى للواقع لضبط الحياة السياسية في إطارها وتكييفها مع الفتاوى المختلفة، وكذا خلط الدكتور بين الثابت والمظنون القابل للاجتهاد.
- زعم الدكتور بأن الجهاد الباغي ما هو إلا اختراع الفقهاء، ولا أصل له في الإسلام، هو زعم واهٍ، لأسباب عدة: جهالة أن هذا الفكر مأخوذ من أيام الحاهلية في الإسلام، إذ أن أخبار العرب الجاهليين تشير إلى أنها أقل عدوانية من غيرهم، مهاجمة الفكر الكلاسيكي الإسلامي وعدم التفرقة بين الفواصل التاريخية التي بلورت هذا الفكر على مر التاريخ الإسلامي، وأن فقهاء هذا الفكر كانوا أكثر من عاصر فترة الفتوحات الممتدة المليئة بالحروب والشجارات لذلك جاء فكرهم معبرًا عن الواقع من خلال الاستناد إلى قاعدة كبيرة من البيانات الواقعية المعاصرة، عدم صدق الاستدلال على أن الاسلام انتشر دون حرب وبناءً على حسن أخلاق التجار، حيث أن ذلك لا ينطبق إلا على شعوب جنوب شرق آسيا التي لم تبلغها الحروب لموانع جغرافية، وبعد خمسة قرون تقريبًا، فهو بذلك يستدل على القديم بالجديد.
- اعتمد الدكتور معيارًا يقوم على محاكمة الفقه الإسلامي إلى مواثيق الأمم المتحدة، ويفسر في ضوئها القرآن والسنة، وهو بذلك ينقد السلف لفشلهم فيما وصل إليه الكافرون، ويقوم في عرض منهجه من خلال استعراض النصوص القرآنية عن الجهاد، يلزم كل آية بقصة نزول دون غيرها بما يخدم طرحه، يقدم صورة نهائية للأحداث ويهاجم كل من يخالفه في ذلك بتهمة “فقهاء الجهاد الباغي”.
في ختام هذا العرض يرى الكاتب أن طرح الدكتور الغنيمي وما يتقارب معه في الشكل أو المضمون، ما هو إلا تأثرًا بالدين الليبرالي وتسلطها على الأديان والأمم وغزو العقول والنفوس، وأن هذه اللبرلة الفكرية التي وصلت لأوجها في التحكم بعقول الأشياخ والأساتذة، لم تحدث إلا من خلال حرب شُنت بلا هوادة لتعميم هذا الدين الليبرالي الغربي على مختلف أنحاد العالم بكل السبل المتاحة، وهو ما نفس الدافع الذي جعل الدكتور الغنيمي يهاجم فقهاء الإسلام لطلبهم إياه في تصورهم لجهاد الطلب.
ويوافق المراجع الكاتب في رؤيته أن طرح الدكتور في مجملة يعد مقاربة إسلامية لنظرية الحرب العادلة، في صورتها بالنصف الثاني من القرن العشرين، ونقاشاتها حول مفاهيم الردع والحرب الوقائية والاستباقية والتدخل الأمني الإنساني، وفي ذلك إيجاز لفكر المتلبرلين الإسلاميين الذين يحاكمون الإسلام لما يقره ويوجبه العالم الغربي من مواثيق كميثاق الأمم المتحدة وغيرها…
رابعًا: الليبرالية كنموذج للفاعل السياسي الدولي:
في هذا الجزء يستعرض الكاتب نموذجين لليبرالية –كفاعل سياسي دولي- يمكن من خلالهم التعرف على قصد الكتابين –السابق عرضهم- تبني طرحه وتطبيقه، إذ يرى الكاتب أن العلاقات الدولية من الطرح الليبرالي يوجد بها نموذجان لليبرالية:
- النموذج التضامني: الذي يرى ضرورة وجود اتفاق بين أهداف الدول في العالم، وهي كالحق المطلق، ولا تحصل الدولة على الشرعية الدولية إلا باحترامها تلك القيم والمعايير الليبرالية المطلقة لأنها أساس بناء المجتمع الدولي، فالليبرالية عندهم دين صريح، واجب التسليم بتفوقه وفرصه على الجميع.
- النموذج التعددي: ويعرف الكاتب الليبرالية في اطار هذا النموذج بأنها تحترم ثقافات وخصوصيات الأمم ويجب عدم فرضها –أي الليبرالية- عليهم كمصدر للشرعية، بل يكفي الاتفاق على قواعدد وأسس مشتركة بين الأمم، ويختار الكاتب في هذا النموذج أحد مفكريه وهو “جون رولز” ويعرض نظريته التي تؤكد وجود مجالين لليبرالية، الأول: داخلي خاص بالدولة الليبرالية الديمقراطية، وهو الحق المطلق إلا أن فرضه بالجبرية لا يتفق مع مبادئ الليبرالية، والثاني: دولي عالمي، ويضع رولز شرطين يجب على الكافة الإلتزام بهم كي يكون شرعيًا مقبولًأ في المجمع الليبرالي؛
- الالتزام بالطاعة والقانون الدولي والمؤسسات الدولية، وهذا الشرط أنت مجبر على قبوله بالرغم من وضعه من قِبل الغرب فقط أو القوى العظمى بشكل عام.
- التزام العدالة في النظام المختار داخليًا شريطة حفظ الحريات والعدالة للأمة، وهنا تثار لدى الكاتب اشكالية تعريف النظام العادل وحقوق الإنسان التي تعد شرط القبول الدولي.
إجمالًا، يرى الكاتب أن النموذج التعددي ما هو إلا صورة أكثر إلتفافًا وزخرفةً للتبجح الليبرالي التضامني، والاختلاف بينهم أن النموذج التضامني يريد منك التصريح باعتناق دين الليبرالية، والتعددي يقبل الإيمان بالمعنى والمضمون فقط تحت أي مسمى أو بناء سياسي، ويقرب الكاتب ذلك بمثال إنكار اللوطية، فإذا كانت طبيعة المجتمع تتسامح مع اللوطيين فهذا مقبول لدى الليبرالية، بصرف النظر عن مطابقة هذا الفعل للشرع من عدمه، فإنكارك له انطلاقًا من التزامك دينك أو ملتك فهذا تهديد للإنسانية كلها، وبهذا أنت عدو للإنسان وشاذ عن الطبيعة
وبهذا، يرى الكاتب أن الليبرالية –نظريًا وواقعيًا- ليست بالنموذج الأليف المتأدب بأحقية الجميع في تساوي السيادة الكاملة المعيارية القيمية والأخلاقية، وهي بذلك وصلت عند نخب العرب المتلبرلة كصورة أنسب من عند أهلها، وممارسة هذه النخب السلطوية العنيفة المحتقرة للأديان ما هي إلا تصويرًا حقيقًا لليبرالية كما يجب أن تكون.
مبادي النَظْم:
يعرض الكاتب في هذا الفصل أهم المبادئ التي قد توصل إليها من خلال نقاشه السابق لما قد يكون أسس فقه التعامل السياسي الإسلامي بشكل عام وفي الحياة السياسية الدولية بشكل خاص، وتلك المبادئ يوجزها في ثلاثة/ التدافع، والسيادة، والوحدة المعيارية والمادية:
أولاً: مبدأ التدافع
يرى الكاتب أن الصراع البشري هو نتاج طبيعي لحالة التدافع، وأن هذا الصراع أزلي دائم بدوام الدنيا، وسعي كل مذهب لإنهاء هذا الصراع بلا أمل، لأنه يصادم حقيقة كونية، بل يكون الأمل الحقيقي في بوارق الإصلاح داخل بنيان الدنيا، وانطلاقًا من استمرارية هذا الصراع تظهر سمة حيوية البيئة السياسية الداخلية والعالمية، وأن هذا مظهر تاريخي ممتد على مر العصور، عكس ما ترجوه الأديان العلمانية بنهاية التاريخ البشري بوئام وسلام، كما يرى الكاتب أن هذا التدافع سنة للتغيير الخيري أو الشريّ، والمجتمع المتحرك الديناميكي يفضل المجتمع الساكن إن أحسن الناس إدراك ذاك التدافع.
ويتفرع من هذا المبدأ، مبدأ الصراع السياسي والعالمي، وهو شعبة من شعب التدافع الكوني الكوني بين الخير والشر، ولا يستقل بذاته عنه، وبالتالي لا يوجد معنى لعلمنته وإدعاء إمكان فصله عن الموضوعية والمعيارية القيمية.
يقرر الكاتب في هذا الإطار أن الصراع أحد صور التدافع، ولم يراع أو يوضح الفوارق الواضحة بين المفهومين، إذ أن الصراع – خاصة في أدبيات النظرية الاجتماعية الغربية – يمثل إخلالًا بحالة التوازن، حيث أن مفهوم الصراع يرى أن الوجود قائم على فكرة الهيمنة لمن يمتلك القوة وأن البقاء للأقوى، بينما التدافع في الأدبيات الاجتماعية الإسلامية لا يتعدى أن إمتلاك القوة لإعادة التوازن إلى الوجود، وبهذا يكون الصراع في حالة التدافع ما هو إلا حالة مؤقتة لا دائمة، فالكون يقوم على مبدأ أخر تنفي أصالة الصراع ودوامه وهو مبدأ التسخير[7]
ثانيًا: مبدأ السيادة
يرى الكاتب أن السيادة هي أهم مبادئ النَظْم السياسي الإسلامي، والتي يعرفها سياسيًا بأنها “قدرة السلطة على الحكم باستقلالية”، حيث يدعو الإسلام دومًا إلى تضخيم القوة العسكرية بالصورة الكافية لتحقيق استقلالية القرار، وفي حالات تحرك الجيش –كما سبق- تنتهي إم بالسلام وانقاص سيادة الوحدة السياسية الكافرة جزئيًا، وإما الفتح وإنهاء هذه السيادة كليًا، إذ أن الدولة الإسلامية القوية هي أداة خدمة الدعوة، ومبدأ قيامة دين الله وسيادته، وتتشكل الدولة بالأساس من خلال جمع كل عوامل القوة العسكرية والبشرية والاقتصادية والسياسية النظامية.
ويناقش الكاتب استراتيجيات احتمالية دخول الدولة الإسلامية في حالة صلح ومعاهدة في كافة جيرانها، وماهية الآليات للخروج من هذا الانحصار الذي يحدد إمكانيات الدولة، ويقول أن الجزية التي تفرضها الدولة الإسلامية في حالة الصلح لا تشترط أن تقدر بالمال، وإنما بالمورد الذي تحدده الدولة الإسلامية وينقصها، وكذلك أن طابع البيئة الصراعية العالمية لا يبقى على حالة الصلح لفترات طويلة، غير أن طبيعة النظام العالمي في ذاته يضع شروطًا تقضي على كل امكانيات الحصول على السيادة خاصة مع التحركات الإسلامية، وعلى الرغم من كثافة التوجهات الإسلامية المتلبرلة التي تحاول التبرؤ من الإسلام السيادي بل وتعاديه أحيانا، لم تنجح هذه التوجهات حديثًا من التواجد المؤثر في النظام العالمي الراهن.
وخلاصة هذا المبدأ –في رأي الكاتب- أن الإسلام دين سيادة وهيمنة بكل ما يعنيه ذلك من معان دينية ونيوية، ومقومات هذه السيادة معروفة لدى الأمم كافة، وهي من سنن الكون الكبرى، من حصلها حاز السلطان، ومن قصر في احداها نقصت سيادته بقدر زيادتها عند غيره.
ثالثًا: مبدأ الوحدة
يرى الكاتب بضرورة الوحدة بين المكون الاجتماعي والسياسي والأخلاقي للأمة، وهذا لا يتحقق إلا من خلال:
- وحدة المعيار:
بمعنى امتثال الفرد المسلم للمعيار الأخلاقي والقيمي الإسلامي، وبالرغم من بداهية هذا المبدأ، إلا أنه في عصرنا الحالي اختلف فريقين بهذا الشأن، الأول يرى أن الأخلاق السياسية الدولية هي حزء من الأخلاق الإنسانية والدولية العامة، والثاني يراها منفصلة بذاتها، أي يفصل بين أخلاق الفرد العادي والفاعل السياسي، بمعنى أن الفاعل السياسي لا معيار لأفعاله وتصرفاته، وهذا الرأي نادت به كافة النظريات البراجماتية النفعية، ورأت أن تحرر الفاعل السياسي من القيود المعيارية الخلقية والدينية فسيخلي سبيله في أخذ الأصلح لبلده من سياسات توافق مصالحها السياسية.
في الإسلام –يرى الكاتب- أنه لا انفصال، وأن هدف الفرد المسلم هو في ذاته هدف الدولة المسلمة، ومعياره معيارها، وينبني هذا على تماثل الكليات الخمسة المطلوبة في الشريعة، وهي حفظ الدين أي حفظ دين الدولة بحفظ دين الفرد، حفظ العقل، حيث تقوم الدولة بحسم كل مواد الإضطراب الفكري والتصدي لكل المدخلات الخبيثة التي تضرب ثقافة الفرد والمجتمع، حفظ العرض، أي كل ما يمنع المجتمع من الوقوع في الواحش بقرار من الفاعل السياسي، حفظ المال، وهو حفظ اقتصاد الدولة بحفظ أموال المسلمين، حفظ النفس، أي حفظ أنفس المسلمين، ونفس الدولة الإسلامية الجامعة لهم.
ويتعلق بهذا المبدأ نقاشان كبيران في حقل السياسة الشرعية، فالتيار العلماني يرى وجوب فصل الدين عن السياسة، ويرجع ذلك بالأساس لرفضهم توحيد المعيار، اللهم إلا معيار المصلحة –أي معيار الدين الليبرالي-، بينما يرفض تيار الإسلاميين هذا الفصل، ويرون ضرورة التوحد المعياري، فالأخلاقي سياسيًا هو الأخلاقي بصفة عامة، والأخلاقي دوليًا هو الأخلاقي داخليًا، إلا أن العلماني العربي على وجه الخصوص لا يفصل الدين عن السياسة مطلقًا، وإنما يفصل الدين الإسلامي بشكل خاص عما هو سياسي، تبعًا للعلماني الغربي الذي يمتثل لدين علماني أصلًا، وثاني النقاشات الكبرى يتعلق بالولاء، إذ أن تفريق الفقهاء بين نوعي الولاء لغير المسلمين بين مكفر وغير مكفر، وينبني على هذا وجوب فحص التبيعة السياسية للفاعل السياسي المسلم، أهي عن إكراه أم لمطمع دنيوي، أو نصرة لدين غير الإسلام!
2- وحدة الأمة الإسلامية:
فالأمة الإسلامية مطالبة بالوحدة السياسية، بغض النظر عن المركزية أو اللامركزية في الإدارة، ومحرم عليها تعدد السلطات والسيادات الذي يؤدي إلى غياب الدافع الموضوعي، وعلو الدافع النفسي الذي يرفضه الإسلام، فالمسلمون مطالبون بالانضمام إلى أكثر الأطراف موضوعية وأقلها تأثرًا بالدافع النفسي، ومعيار المفاضلة الأخروي بين الناس هو التقوى، بينما معيار الحضارة الغربية عندما نادوا بالمساواة والعمل الدنيوي الصالح للناس، فقد يخترع الكافر ما لا يصل إليه المسلم، وهو يجحد بالله ولا يتحصل إلا على زينة الدنيا، لذا عندما أخذ الغربيون بأسباب السيادة والتقدم والبناء رفعهم الله في الدنيا وتخلف المسلمون عن هذه الأسباب فتخلفوا وتأخروا.
وكذلك يرى الكاتب أن من أسس الوحدة تعريب أعراق وشعوب الأمة، بما لا ينافي بقاء اللغات الأخرى، فالتوحيد اللغوي الرسمي من أهم ناسجي اللحمة، والأمم تكون عربية بقرار اللغة فيها، وخلاصة الأمر، أن مبدأ الوحدة إن لم يتحقق وتتحقق أسبابه أفشل الله كل سلطان، ودولة المسلمين ليست بدعًا، ولا تقوم إلا بوحدة سياسية جامعة أو السعي إليها.
موجز نظرية الإسلام لنَظْم العالم:
يلخص الكاتب نظرية الإسلام الدولية في عدد من النقاط:
- يتكون العالم السياسي من فواعل فردية وجماعية، تبدأ في الإسلام من الفرد وتنتهي بالدولة الإسلامية، أما الفواعل السياسية فوق الدولية هي تحالفات مؤقتة كالأمم المتحدة التي لا يرتضيها الإسلام.
- عدم إمكانية نظم البنية الدولية لما يشوبها من تنافس وصراع دائم بين الخير والشر.
- أن الفاعل السياسي الدولي في النظرية الإسلامية هو الدولة الإسلامية التي هي وعاء جامعل للمسلمين.
- المحرك الأساسي للفاعل السياسي في الساحة الدولية هو الدين، سواء كان بسيطًا أو مركبًا، والثقافة والأيدولوجيا لا تكون دينا للدولة إلا إذا كانت عاملًا مؤثرًا بصورة شبه ثابتة في حراك الدولة على المستوى العالمي.
- تنقسم عوامل الحركة في النطاق العالمي إلى قسمين، ديني: وهو مشترك بين كل الدول سواء كان الحراك سلمي أو صراعي، ونفسي: فكل كائن له أطماع وشهوات سواء كان فرد أو مجتمع أو دولة، وهو الغالب في البنية الصراعية القائمة.
- سعي كافة الفواعل السياسية في الساحة العالمية إلى القوة والهيمنة، والدولة الإسلامية ليست استثناءً.
- أن المحرك الأساسي للإنسان والدولة في النظرية السياسية الإسلامية هو الدين، ولا يرتضي الإسلام الدافع النفسي إلا في حالة الظلم.
- أن الدولة الإسلامية تسعى دائمًا لتحقيق النظام والهيمنة الكاملة للإسلام، وهي تعلم أن الفوضى العالمية ومسارات الهبوط والصعود للأمم تجعل ذلك محالا.
- أن شرائع الإسلام كافة وإن انتبذها البعض كالرق والسعي الدائم للهيمنة تتناغم تمامًا مع بنية الإسلام الصحيحة، والنقاشات المعاصرة ما هي إلا نتاج لضغوط الأديان العلمانية المهيمنة حاليًا.
- أن مبادئ الإسلام هي الجامعة بلا تناقضات بين الواقعية والمثالية في الساحة الدولية، بينما الأديان الأخرى كالعلمانية تجمع تناقضات متفاوتة الظهور والجلاء تنفي على إثرها المثالية، ودين الدولة يفرض نفسه في كثير من القرارات ولا يمكن تجاهله.
خاتمة نقدية:
نقدم في هذه الخاتمة بعض الملاحظات النقدية البناءة انطلاقًا من رغبتنا في إثرائه وتوسعة النقاش بشأنه، ولكن قبل الشروع في ذلك، يجب أن نضع بعض المعايير الموضوعية لهذا النقد:
أولًا: إن هذا الكتاب لا يندرج تحت الكتب الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية بشكل عام والعلاقات الدولية في الإسلام بشكل خاص، وإنما يندرج في سياق أدبيات لامست بشكل مباشر الحقل لكنها لم تكن بحال من الأحوال متخصصة بالشكل الأكاديمي الكافي بما يتيح محكامتها إلى كتب العلاقات الدولية الأكاديمية بمعناها التقليدي، ولكن هذا لا يعني إخراج المؤلف من نطاق كتب العلاقات الدولية.
ثانيًا: إن الكتاب بالرغم من تعرضه للعديد من الموضوعات التي هي أصل نظرية الإسلام للعلاقات الدولية، إلا أن منهجه في تناول هذه الموضوعات لم يكن موسوعيًا بالشكل الذي يلائم تشابك هذه الموضوعات وشمولها لمفاصل متشابكة، بل وتعرض لها من باب الإلمام بالموضوع بشكل عام، وليس من أجل البناء المنهجي لنظرية تناطح دونها من النظريات القاصرة التي تحمل بداخلها ما يهدم طرحها.
ثالثًا: ضرورة مراعاة الخلفية الفكرية والتكوين الثقافي للكاتب في تناوله وعرضه للموضوع، فلا شك أن هذه الخلفية كان لها عظيم الأثر في تناول موضوع الكتاب وتشكلت وفق رؤية الكاتب وتصوره قبل التأثر بدونها من مؤثرات سواء كانت نظريات أو نماذج فكرية أخرى، أو مصارد ومراجع أكاديمية في ذات الموضوع.
وهديًا بهذه النقاط الثلاثة، تأتي ملاحظاتنا حول موضوع الكتاب في النقاط التالية:
الملاحظة الأولى:
في إحدى محاضرات الدكتور إبراهيم البيومي غانم ذكر أنه كُلف ذات يوم بمراجعة وتقييم أحد الكتب أو الرسائل العلمية في موضوع “فقه الشورى”، ومن أدبيات هذه المراجعة أو التقييم أنه لم يكن يعرف حتى إسم صاحب هذه المادة العلمية، وكان الدكتور إبراهيم له منهج خاص في مراجعة وتقييم الأعمال المطلوبة منه، فكان يبدأ عملية التقييم من خلال البحث في مراجع ومصادر هذا العمل، هل استند إلى مراجع ومصادر ذات صلة وثيقة بالموضوع أم أنه أغفل ذلك؟، ويقول الدكتور إبراهيم أنه حيث نظر لقائمة المراجع لهذا العمل لم يجد بها مصدر إلمامًا بموضوع فقه الشورى، وهو كتاب فقه الشورى والإستشارة للدكتور توفيق الشاوي، فيقول الدكتور إبراهيم أن الكتاب من وجهة نظره لا يستحق المراجعة أو التقييم، ولما لا وهو أغفل أهم المصادر التي تناولت الموضوع بشكل شامل وموسوعي، وقد كان لهذا المنهج تأثير جلي، فقبل الشروع في تناول أي موضوع كتابةً أو نقاشًا، ينبغي التطرق لأهم ما تناثر حول هذا الموضوع من قبل، وأنا هنا لا أضع نفسي موضع الدكتور إبراهيم ولا أتعامل مع كتابنا هذا معاملة التقييم ذاتها، وإنما أتكئ على منهج الدكتور إبراهيم في مراجعتي هذه، وعليه فمراجعتنا لقائمة المراجع للكتاب الذي بين أيدينا وجدنا أنه أغفل العديد من المصادر التي تناولت موضوع الكتاب من كافة الأبعاد ورغم ذلك لم يستعن بها الكاتب[8].
وبالرغم من عدم الإشارة لمثل هذه المراجع والمصادر ذات الصلة بالموضوع، إلا أن الكاتب في عرضه لنموذجي التأثر بالليبرالية وهما كتابي الدكتور أبو زهرة والدكتور الغنيمي، يقول إن من ضمن أسباب اختياره لهذين الكتابين “ندرة الدراسات الفاحصة التي سبرت هاتين الأيدولوجيتين، مقارنة بالدراسات المكثفة التي عصرت أفكار المنظرين الإسلاميين الحركيين”!
الملاحظة الثانية: يتخذ الكاتب في طرحه من الدين كأساس للدوافع الموضوعية الكبرى للحراك السياسي العالمي، ويقوم بنيان هذا الكتاب في أساسه على هذه الفكرة الجوهرية، إلا أن الكاتب لم يقم ببناء مفهوم الدين كمحرك ودافع للوحدات السياسية في الساحة الدولية، واكتفى بوضع تعريفات متفرقة للدين بشكل واسع، وركز على مفهوم الدين العلماني والنماذج الغربية التي تناولت تداخل الدين مع المجال السياسي، إذ أن هذا المفهوم –وهو طرح جديد حسب رأي الكاتب- يحتاج إلى بناء مفاهيمي[9] أكثر تفصيلًا، وهو ما بدأه الكاتب بالفعل، لكنه لم يكن بالشكل المُلم الذي يمسك بمفاصل المفهوم ويدور معه في الخطاب القرآني والسنة النبوية وخبرات التاريخ الإسلامي، ومن ثم ينتقل للطرح العربي الاستشراقي الذي يتناول المفهوم من كل الأبعاد، ويقوم بذلك وضع هذا البناء –أي مفهوم الدين كمحرك لسياسيات الدول- في مواجهة الرؤى الغربية التي تتحرك وفق دوافع الأديان العلمانية والليبرالية.
الملاحظة الثالثة: يبني الكاتب نموذجًا نظريًا يقوم عليه طرحه، ويستخدم مصطلح الدين بمعناه الواسع ويفرق بين الدين العلماني والدين الإلهي، كما يستخدم مصطلح الأيديولوجيا للدلالة على المركز المعرفي للدين العلماني، وينظّم هذا النموذج في شكل متدرج من اليمين –الدين الإسلامي- لليسار –الدين العلماني-، وما يدور بينهم من عمليات أدلجة جزئية وكلية للمذاهب السياسية الإسلامية، لكن –وبالرغم من صلاحية هذا النموذج بشكل كبير في تفسير حالات معاصرة- ينطوي هذا النموذج على إشكاليات ضخمة، قد أعاب الكاتب على وجودها في النماذج النظرية الأخرى، مثل المقارنة السافرة بين الدين الإسلامي كدين إلهي مقدس، وبين الدين العلماني ومقوماته، بل يشير النموذج إلى انحراف حتمي للمذاهب السياسية الإسلامية نحو الدين العلماني، وهو الأمر الذي نراه يحتاج إلى مزيد من التنقيح والدراسة.
الملاحظة الرابعة: وهي ترتبط بشكل ما أيضا بمفهوم الدين الذي تعرض له الكاتب، وتحديدًا بتصنيف الأديان، كون الدين يراه الكاتب دافعًا سياسيا، بما ينطوي عليه من عدم المعيارية التي يتسم بها مفهوم الدين من حيث التصنيفات المختلفة (أديان علمانية – حقيقية)، (أديان وضعية مزعومة) وكذلك تصنيف الأديان إلى توحيدية، وتثنية، وتعددية، بشكل لا نهائي، فكل دين يحمل بداخله نفس المعايير التي يحملها دين آخر في تصنيف آخر، وكيف يمكن الجزم في هذه العملية بحقيقة تسكين الدين الفلاني وفق هذه المعايير، فمثلا اليهودية تدخل ضمن التصنيف الأول في الأديان العلمانية الحقيقية، وكذلك ضمن الدرجة الثانية كونها دين محرف، وفي التصنيف الثاني حيث يمكن اعتبارها دين علماني ودين إلهي محرف، ودين علماني قومي، ودين علماني صهيوني…الخ، وباعتبار القومية دينا علمانيا كيف يمكن حصر أحد صورها باشتراكه مع تداخلات في مساحات مشتركة مع أديان أحرى كالقومية الدينية، أو اللغوية، أو العرقية..إلخ، الخلاصة: أن اعتبار الدين كأداة لتفسير السلوك السياسي يعوزه المزيد من المواءمة والشرح.
الملاحظة الخامسة: وأخيرًا، فيما يتعلق بلغة ومصطلحات الكتاب، وهي ملاحظة مرتبطة بما ذكرته في معايير هذه المراجعة من حيث أن الكتاب لا ينتمي للكتب الأكاديمية في العلاقات الدولية، وكذلك دور البناء الفكري والثقافي للكاتب وتأثيره على مضمون الكتاب، حيث أن مصطلحات الكتاب –في أجزاء كثيرة- تميل بشكل كبير نحو المنهج الخطابي الذي يقوم على عبارات تثير العواطف والمشاعر للبرهنة على قوة المحتوى وأصالته، إذ يتحول الكتاب من كونه يطرح نظرية سياسية ذات بعد إسلامي ديني، إلى الخوض في نقاشات جانبية بتعمق مثل الجزء الخاص بمنطق الرق في الإسلام، فينتقل الكاتب من مناقشة هذا الجزء في طرح الشيخ أبو زهرة وتصوره حول منهج الإسلام في الاسترقاق، ليخوض عراك مع توجهات العالم وتعامله بنفس المنطق وأبشع من حروب وإبادة جماعية ومحارق وغيرها، وهو نقاش ضروري لكن موضعه غير مناسب من الناحية المنهاجية.
مع ذلك، فلا شك أن الكتاب يقدم طرحًا واجتهادًا مهمًا لإعادة إحياء نظرية الإسلام وتفسيرها للصورة التي تنبني عليها الحالة الدولية، ويأتي هذا الطرح تجاوبًا إلى حالة تنامي علم العلاقات الدولية بشكل عام وما يتعلق به من متغيرات وتحولات ديناميكية جعلت من الضروري السعي نحو تعدد المنظورات التحليلية للإلمام بهذه التغيرات، وكذا يأتي هذا الاجتهاد من لُباب نظرية الإسلام الكبرى ومبادئها وتوافقها مع السنن الإلهية في الكون، ليناقش حال الأمة الإسلامية ذاتها وحاجتها لتنظير جديد لأوضعها لاسيما في الساحة الدولية ينطلق من خصوصية تجربتها وتاريخها الممتد، وإعادة صياغة أساس ثقافي وفكري جديد لنهضتها.
المراجع
[1] – عمرو عبد العزيز، هلال السيادة: الإسلام ونَظْم العالم، مركز أركان للدراسات والأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، 2020.
[2] – عمرو عبد العزيز، وطن الراشدين، دار القمري للنشر والتوزيع، 2014.
[4] للمزيد حول المركز، انظر: http://www.arkan-srp.com/
[5] وهو المقياس الذي يقوم بالأساس على منظومة التصورات والاعتقادات والنظريات التي تحكم تصرفات وسلوكيات الأفراد والجماعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل عام.
[6] يختلف جهاد الطلب عن جهاد الدفع في علاقة المسلمين بغيرهم، فجهاد الدفع بغرض رد وصد المعتدي ولا يفتقر جهاد الدفع إلى نية أو قصد حياطة الدنيا وحماية الأنفس والأموال والأعراض، أما جهاد الطلب يكون لرفعة الدين وسيادته وإعلاء أحكامه، ويكون جهاد الطلب أكثر تجردًا لإعلاء كلمة الله وترك الدنيا وبذل لها.
[7] للمزيد انظر: حسان عبدالله، بناء المفاهيم في النظرية الاجتماعية الإسلامية “التدافع” نموذجًا، موقع إسلام أون لاين، على الرابط: https://2u.pw/Fdjd2Ka
[8] من أبرز هذه الكتابات:
1- مشروع العلاقات الدولية في الإسلام: يقدم رؤية كلية عن العلاقات الدولية في الإسلام، وهذا المشروع له خبرة تمتد لأكثر من ربع قرن منذ بداية عام 1986، وله الوفير من الدلالات المعرفية والمنهاجية، وتجارب نظرية وتطبيقية مستندة إلى خبرة جماعية بحثية وتدريسية قامت عبر إمتداد زمني وتفاعل وتشابك تخصصات مختلفة، وصدر هذا المشروع عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي عام 1996، وهو من إشراف أ.د. نادية مصطفى. وهو مكون من 12 جزء، معنونة كالتالي:
الجزء الأول: د. نادية محمود مصطفى: المقدمة، الدوافع، الأهداف، المنطلقات (المقدمة العامة للمشروع).
الجزء الثاني: د. سيف الدين عبد الفتاح، مدخل القيم: إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام.
الجزء الثالث: د. أحمد عبد الونيس وآخرون، المداخل المنهاجية للبحث في العلاقات الدولية في الإسلام.
الجزء الرابع: د. مصطفى منجود: الدولة الإسلامية وحدة العلاقات الخارجية في الإسلام.
الجزء الخامس: د. أحمد عبد الونيس: الأصول العامة للعلاقات الدولية في الإسلام.
الجزء السادس: د. عبد العزيز صقر: العلاقات الدولية في الإسلام وقت الحرب.
الجزء السابع: د. نادية محمود مصطفى، مدخل منهاجي لدراسة تطور وضع العالم الإسلامي في النظام الدولي.
الجزء الثامن: د. علا أبو زيد، الدولة الأموية.. دولة الفتوحات (41- 132هـ، 661- 750م) من استئناف الدولة الأموية القوي والمؤثر لحركة فتوحات الراشدين إلى بلوغ المد الفتحي حدوده الطبيعية في المشرق والمغرب.
الجزء التاسع: د. علا أبو زيد، الدولة العباسية من التخلي عن سياسات الفتح إلى السقوط (132- 656هـ، 750- 1258م).
الجزء العاشر: د. نادية محمود مصطفى، العصر المملوكي من تصفية الوجود الصليبي إلى بداية الهجمة الأوروبية الثانية (642- 923هـ، 1258- 1517م).
الجزء الحادي عشر: د. نادية مصطفى، العصر العثماني من القوة والهيمنة إلى بداية المسألة الشرقية.
الجزء الثاني عشر: د. ودودة بدران، وضع الدول الإسلامية في النظام الدولي في أعقاب سقوط الخلافة.
2- كتاب العلاقات الدولية في التاريخ الإسلامي : منظور حضاري مقارن، للدكتورة نادية مصطفى، والكتاب يتكون من جزأين وهو من تقديم المستشار طارق البشري رحمه الله، الصادر عن دار البشير للثقافة والعلوم عام 2015، ويؤسس هذا الكتاب لمنظور إسلامي حضاري للعلاقات الدولية مقارنة بمنظورات مختلفة.
3- كتاب العلاقات الدولية فى الفكر السياسى الإسلامي: الإشكاليات المنهجية وخريطة النماذج الفكرية ومنظومة المفاهيم، للدكتورة نادية مصطفى، الصادر عن دار السلام عام 2013، وهو كتاب يقدم مراجعة نقدية لمنظورات العلاقات الدولية القائمة من رؤى وتصورات الفكر السياسي الإسلامي.
4- كتاب العلاقات الدولية في عالم متغير: منظورات ومداخل مقارن، ويتكون هذا الكتاب من ثلاثة أجزاء وهو من تحرير الدكتورة نادية مصطفى، الصادر عن مركز الحضارة للدراسات والبحوث عام 2016، ويجمع هذا الكتاب اتجهات ورؤى غربية في نظريات العلاقات الدولية على نحو نقدي وبنائي ومقارن.
4- كتاب القيم السياسية العالمية في الخطاب القرآني: مدخل منهاجي لدراسة العلاقات الدولية: مدخل منهاجي لدراسة العلاقات الدولية، للدكتور مصطفى جابر العلواني، الصادر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي عام 2018، ويعالج هذا الكتاب مدى صلاحية القيم السياسية العالمية كمدخلًا منهاجيًا لدراسة العلاقات الدولية، ويثبت من خلال ذلك عالمية الإسلام كمدخل قيمي ينبني على الخطاب القرآني في بلورة منظور إسلامي للعلاقات الدولية.
5- كتاب الإسلام وسياسات العلمانية: الخلافة والتحديث في الشرق الأوسط في بدايات القرن العشرين، للدكتور نور الله أردش، ترجمة عبداللة إسلام وفاطمة قرطمة، الصادر عن مركز أركان، وهو كتاب ذات صلة وثيقة بأطروحة الكتاب الذي بين أيدينا من حيث أنه يركز في تناوله على سياسات العلمانية في الشرق الأوسط ومدى تأثيرها على على المجتمعات الإسلامية بعد إلغاء الخلافة العثمانية.
[9] راجع في هذا الصدد: كتاب بناء المفاهيم: دراسة معرفية ونماذج تطبيقية، الجزء الأول والثاني، إشراف: علي جمعة محمد وسيف الدين عبد الفتاح، نشر مشترك بين المعهد العالمي للفكر الإسلامي ودار السلام، 2008.








