Warning: opendir(/home/clients/33780055a04d436c27f391a3617ddbdb/hadaracenter.com/wp-content/mu-plugins): Failed to open directory: Permission denied in /home/clients/33780055a04d436c27f391a3617ddbdb/hadaracenter.com/wp-includes/load.php on line 981
الموجة الكورية بين المرآة والنافذة: هاليو كقوة ناعمة وثقافة عابرة للحدود | مركز الحضارة

الموجة الكورية بين المرآة والنافذة: كيف تصدِّر كوريا الجنوبية نفسها للعالم؟

استقبلت رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم الفرقة الكورية “بي تي إس” BTS في قصر الرئاسة في مايو 2026، واصطحبتهم لشرفة القصر في مشهد لافت ليظهروا أمام آلاف المُعجبين[1] الذين تجمعوا ليشاهدوا هذه الفرقة الشهيرة التي بلغت شهرتها الآفاق وفازت بالعديد من الجوائز حول العالم، كما تسنَّى لها من قبل إلقاء خطاب في الأمم المتحدة، وكذا استُقبلت في البيت الأبيض في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.

تعكس هذه المشاهد حجم الموجة الكورية (أو هاليو) التي تشير إلى انتشار الثقافة الشعبية لكوريا الجنوبية حول العالم، بداية من المسلسلات والموسيقى والأفلام، وصولًا إلى المنتجات التجميلية والمأكولات وغيرها، بما في ذلك تعلم اللغة الكورية نفسها. وتعد هذه الموجة -التي بدأت في آسيا خلال التسعينيات قبل أن تنتشر تدريجيًّا في مختلف القارات- أحد أبرز مظاهر القوة الناعمة لكوريا الجنوبية. لكن هل تختزل القوة الناعمة الكورية في هذا البريق الثقافي وحده؟ وكيف تسعى كوريا لتشكيل صورتها أمام العالم؟

عرفت الحضارات المختلفة فكرة القوة الناعمة منذ عصور، قبل أن يُعَرِّفَها جوزيف ناي في أوائل التسعينيات بأنها “قدرة الدولة على التأثير في الآخر عن طريق الجاذبية والإقناع، بدلًا من الإكراه أو الحافز المادي؛ وذلك من خلال ثلاثة موارد، وهي: الثقافة ما دامت جاذبة للآخرين، والقيم السياسية طالما التزمت بها الدولة في الداخل والخارج، والسياسة الخارجية متى اتَّسمت بالشرعية”[2]. وعلى الرغم من أن الجاذبية في أصلها قد تبدو نسبية؛ لأن ما يجذب البعض قد لا يجذب البعض الآخر بالضرورة، فإن صياغة المفهوم كما طرحه ناي جاءت محمَّلة بتحيُّزات لصالح النموذج الغربي الليبرالي، حيث تصوِّر ضمنيًّا أن منظومة القيم القادرة على إبهار العالم هي منظومة القيم الليبرالية الغربية: حقوق الإنسان والديمقراطية والسوق الحر[3].

ومع انتقال مفهوم القوة الناعمة خارج سياقه الأمريكي، برز التساؤل حول مدى قابليَّته للتكيُّف مع خصوصيات ثقافية غير غربية، ومنها الحالة الكورية. في هذا الصدد، انطلقت رسالة الماجستير[4] مرجع هذا التقرير من هذه الإشكالية، باحثة فيما تعنيه القوة الناعمة لكوريا الجنوبية. وقد طوَّرت الرسالة إطارًا نظريًّا يسمح باستخلاص التصور الكوري للقوة الناعمة ومقارنته بتصور ناي، واستعانت بهذا الإطار في تحليل الوثائق الرسمية وكتابات الباحثين الكوريين مع طرح إمكانية التوسُّع في تطبيقه.

بدراسة حالة كوريا الجنوبية، يتَّضح أن القوة الناعمة ركن أساسي في سياستها الخارجية؛ فإن الحكومات المتعاقبة منذ التسعينيات تقريبًا، وعلى اختلاف توجُّهاتها، قد اتفقت على ضرورة دعم المنتجات الثقافية وتصديرها. ويرجع ذلك إلى سببين: أحدهما اقتصادي والآخر معنوي متجذر في هوية كوريا.

بالنسبة للدافع الاقتصادي، في أواخر التسعينيات ومع انتخاب أول رئيس من المعارضة بعد عقد من تحوُّل كوريا للديمقراطية، تعرَّض الاقتصاد الكوري لضربة موجعة على إثر الأزمة المالية الآسيوية التي بدأت في تايلاند، واضطر للجوء إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي. وبما أن الاقتصاد الكوري قد حقَّق نموًّا سريعًا في النصف الثاني من القرن العشرين اعتمادًا على التصدير، كان من الطبيعي أن يستمرَّ في هذا التوجُّه للخارج، ولكن مع تنويع الصادرات لتشمل المنتجات الثقافية كمورد اقتصادي جديد قد يساعد على الخروج من الأزمة، خاصة مع الصغر النسبي لحجم السوق الكوري بتعداد سكَّانه البالغ حوالي 50 مليون نسمة والذي طالما دفع كوريا للنظر للخارج. وقد كانت الحكومة الكورية على دراية بالفعل بالإمكانات الكامنة فيما يعرف بصناعة الثقافةCultural industry ، حيث أشار تقرير صادر عام 1994 من هيئة استشارية للرئاسة إلى أن العوائد التي حقَّقها الفيلم الأمريكي “جوراسيك بارك Jurassic Park” تساوي مبيعات 1.5 مليون سيارة هيونداي في الخارج[5]. هذه المقارنة بين فيلم أجنبي وسيارات هيونداي فخر الصناعة الكورية لعبت دورًا في لفت أنظار الحكومة والمجتمع إلى فكرة صناعة وتصدير الثقافة.

ومن هنا، لم يتوان الرئيس كيم دي جونغ Kim Dae-jung الذي تولى المنصب أوائل عام 1998 عن تبني فكرة دعم القطاع الثقافي كمسؤولية الدولة، ودفع لإصدار قانون يؤسس لهذا الدعم، مطلقا على نفسه لقب رئيس الثقافة، وممهدًا الطريق للحكومات التالية التي نهجت نفس النهج ولو بأدوات مختلفة. فمنها من أنشأ مجلسًا رئاسيًّا يختصُّ بالعلامة التجارية لكوريا Nation branding (وإن تمَّ حلُّه بعد ذلك)، ومنها من أصدر قانونًا ينظِّم ممارسة الدبلوماسية العامة وأشرف على زيادة عدد المراكز الثقافية الكورية حول العالم. وفي كل الأحوال، حظيت وزارة الثقافة والرياضة والسياحة باهتمام متزايد، وارتفعت ميزانيَّتها من 14 مليون دولار أمريكي عام 1998[6] إلى حوالي 5 مليارات دولار عام 2026[7].

تتعدَّد الإحصاءات حول حجم مساهمة صناعة الثقافة في الاقتصاد الكوري؛ ففي عام 2022 تفوَّقت صادرات كوريا من المحتوى -والتي تشمل ألعاب الفيديو والموسيقى وغيرها- على صادراتها من كلٍّ من السيارات الكهربائية والأجهزة المنزلية على حدة، متخطِّية 13 مليار دولار[8]، وتشير التقديرات إلى أن فرقة بي تي إس المشار إليها في أول التقرير ساهمت بنسبة 0.3 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للدولة في 2018[9]، ومن المؤشرات التي تعكس أيضًا الثقة في قدرة الموجة الكورية على الاستمرار في تحقيق أرباح هو إعلان الصندوق السيادي للمملكة العربية السعودية ضَخَّ حوالي مليار دولار في شركة كاكاو للترفيه Kakao Entertainment الكورية عام 2023[10]. كما أن من العوائد الاقتصادية للموجة الكورية ما يكون غير مباشر كارتفاع معدلات السياحة، وفي ذلك يفصح أعداد من السائحين عن انجذابهم لزيارة كوريا بسبب عناصر الموجة الكورية كالموسيقى والمأكولات[11].

وعلى الرغم من أهمية هذا العائد الاقتصادي، فإنه لا يكفي وحده لفهم حرص كوريا على تشكيل صورتها أمام العالم باستخدام القوة الناعمة، بل يتطلَّب الأمر النظر في حاجة كوريا لإثبات حضورها أمام العالم، وهي حاجة متجذِّرة نابعة من خصوصية السياق التاريخي والإقليمي لكوريا التي تظهر في عدَّة جوانب، منها:

أ) الاستمرارية الحضارية ووعي الكوريين بتراثهم؛ فإن تقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى دولتي كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية لا يعد إلا مرحلة متأخِّرة في تاريخ ممتد كانت فيه شبه الجزيرة كيانًا سياسيًّا موحَّدًا منذ القرن السابع الميلادي. وعلى الرغم من تأثُّر كوريا بالحضارة الصينية، ووعيها بأن موقعها الجغرافي جعلها منحصرة بين الصين واليابان الأكبر منها حجمًا بشكل يشبه -على حد وصف المثل الكوري- وضع الجمبري بين الحيتان، فإنها حافظت على خصوصية ثقافية مميزة حتى في فترات الغزو أو الانغلاق عن العالم. ومن أبرز الأمثلة على ذلك هو اتجاه كوريا في القرن الخامس عشر الميلادي إلى تطوير طريقة كتابة خاصة بها كبديل للكتابة الصينية السائدة، وهي الطريقة التي تعرف باسم الهانجل Hangeul وتعد من أهم أوجه تراث كوريا الحضاري اليوم.

ب) الاستعمار الياباني والحداثة؛ مما يميز السياق الكوري كذلك هو خضوعه للاستعمار ليس من قبل الإمبراطوريات الغربية، ولكن من قبل جارتها اليابان التي كانت قد قامت بدورها بالتحديث على النمط الغربي منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. وكانت فترة الاستعمار الياباني (رسميًّا من 1910 إلى 1945) قاسية ومؤلمة بالنسبة لكوريا؛ فقد كانت كوريا تعتبر نفسها أكثر تحضرًا من اليابان، وقامت بدور الجسر الذي ينقل الحضارة الصينية لليابان، ثم إذْ بها تتعرَّض لاستعمار ياباني عمل على محو هويَّتها وفرض عليها اللغة والأسماء اليابانية. ومن المفارقات أن الاستعمار الياباني ساهم أيضا في نقل مظاهر الحداثة الغربية إلى كوريا، بما شمله ذلك من وسائل إعلام كالراديو والسنيما، وبنية صناعية، ومفاهيم حديثة للدولة والسيادة. وقد دفع ذلك بعض المفكرين الكوريين إلى تفسير تفوق اليابان بوصفه مجرد نتاج لتبنِّيها الحداثة الغربية مبكرًا لا لخصوصية حضارية يابانية؛ ممَّا عزَّز نظرتَهم للحضارة الغربية كمفتاح خلاصهم من الاستعمار، ومعيار التقدُّم الواجب اللحاق به. وهذه النظرة لها آثارها حتى الآن تظهر في نوع من النزعة إلى تفضيل النموذج الغربي وخاصة الأمريكي.

ومع ذلك، تبلْورت القومية الكورية بشكل ملحوظ إبان الاستعمار؛ فبعد أن فقدت كوريا وجودها ككيان سياسي مستقل، اتَّجهت لتعزيز هويَّتها كأمَّة أو ما يُسمَّى “مينجوك minjok” التي تقوم على تصور مفاده أن الكوريين يشكلون أمة واحدة متجانسة عرقيًّا؛ ويظل للمينجوك دور معنوي اليوم في التأكيد على وحدة الأصل بين شعب الكوريَّتين في بعض الخطابات.

ج) إعادة البناء في مواجهة الجار الشمالي؛ تفخر كوريا حاليًّا بأنها تحوَّلت من دولة فقيرة معتمدة على المعونة الخارجية إلى دولة تقدِّم المعونة للآخرين؛ ولكن لم يكن هذا التحوُّل بالأمر اليسير؛ ففي أعقاب الحرب بين الكوريتين في الخمسينيات، وجدت كوريا الجنوبية نفسها تعاني من قلة الموارد الطبيعية ومن حصول كوريا الشمالية على أغلب البنية التحتية الصناعية كأحد آثار الاستعمار الياباني؛ لذلك مع استحواذ الجنرال بارك جونج هي Park Chung-hee على السلطة في الستينيات، شرع في تطوير دولته؛ ووضع الخطط للاستثمار في الموارد البشرية مع تشجيع الشركات الكبرى على توجيه نشاطها لما يخدم أهداف الحكومة. وبهذا شهدت كوريا الجنوبية نموًّا اقتصاديًّا سريعًا في تجربة أُطلق عليها معجزة نهر الهان، إشارة إلى النهر الذي يقطع العاصمة سيول.

ومما يميز هذه التجربة أنها قامت في ظل حالة يخيم عليها شبح الجار / العدو الشمالي؛ فمع انتهاء الحرب باتفاقية وقف إطلاق نار دون معاهدة سلام، استمر التوتُّر بين الكوريَّتين، وأصبح بناء الدولة ضرورة لتعزيز قدرة سيول على حماية أمنها في مواجهة بيونج يانج. وبما أن الكوريَّتين تحملان الاسم نفسه، سَعَتْ كوريا الجنوبية إلى ترسيخ صورتها باعتبارها الجزء الأكثر نجاحًا من شبه الجزيرة الكورية والممثِّل الشرعي لمينجوك أو الأمة الكورية. ولذلك تفخر كوريا الجنوبية اليوم بنجاحات الموجة الكورية لأنها ساهمت في إعادة تشكيل الصورة الذهنية المرتبطة باسم “كوريا” لدى كثيرين حول العالم، بحيث لم يعد الاسم يرتبط فقط بكوريا الشمالية وصواريخها النووية أو نظامها الشمولي، بل أيضًا بالموسيقى والدراما والثقافة الكورية المعاصرة.

والملفت للنظر أيضًا أن هذه العملية لإعادة تشكيل الصورة لا تخاطب العالم فحسب، بل تخاطب الداخل في الوقت نفسه؛ فإن خطاب الحكومة عادة ما يشرك المجتمع في الاحتفاء بنجاحات الموجة الكورية، ويدعوه لمساندة جهود الحكومة في هذا الصدد. ومن هنا تظهر الموجة الكورية كمرآة ينظر المجتمع الكوري من خلالها لنفسه وإلى مكانته في العالم، خاصة مع تزايد الاهتمام والاعتراف الدولي بالثقافة الكورية. وقد يبالغ بعض الكوريين أحيانًا في هذا الفخر فيما يُسَمَّى جوكبونج gukppong وهي حالة شعبية تقوم على تمجيد كوريا أو الاحتفاء بإنجازاتها الدولية بصورة عاطفية وقومية مفرطة.

فعلى خلاف التصور التقليدي لناي للقوة الناعمة بوصفها أداة تستخدمها الدول لتعزيز نفوذها القائم والتأثير في سلوك الآخرين، يتَّضح أن كوريا الجنوبية تُضْفِي على المفهوم دلالات مرتبطة بخصوصية سياقِها؛ فالقوة الناعمة الكورية تسْهم في دعم الاقتصاد، وتنطلق من تجربة دولة تسْعى للخروج من ظلِّ “الحيتان” الأكبر الذي صاحبها معظم تاريخها، ولإبراز تفوقها على بيونج يانج، ولتعبئة المجتمع حول الخطوات التي تتَّخذها دولته لتحقيق حلم المناضل كيم جوKim Koo  الذي كتب في الأربعينيَّات عن رغبته في أن تصبح كوريا قوة ثقافية في المقام الأول[12].

إذا كانت القوة الناعمة تمثِّل أداةً توظِّفها كوريا من أجل ترسيخ حضورها الدولي، فإن التساؤل الذي يطرح نفسَه هو كيف توظِّفها كوريا في سياستها الخارجية؟ لا يمكن أن تكتمل الإجابة على هذا التساؤل بدون التطرُّق لإشكاليَّتين: علاقة الموجة الكورية بالقوة الناعمة الكورية، ودور الحكومة الكورية في هذا الشأن.

فيما يتعلَّق بالإشكالية الأولى، تُوصف كوريا بأنها تقدِّم قوةً ناعمةً نمطيةً[13]، بمعنى أن طغيان الجانب الثقافي عليها -متمثِّلًا في الموجة الكورية- يتماشى مع الفهم السطحي أو الضيق للقوة الناعمة الذي يقتصر على الثقافة، في حين أن جوزيف ناي -المنظِّر الأبرز لفكرة القوة الناعمة- قد حَدَّدَ القيم السياسية والسياسة الخارجية باعتبارها موارد أخرى لهذا النوع من القوة. فهل لدى كوريا ما تخاطب به العالم بجانب الموجة الكورية؟

الواقع أن حجم الموجة الكورية لا يُستهان به؛ فإن انتشار محتوى نابع من دولة غير غربية غير ناطقة بالإنجليزية في ساحةٍ عادةً ما يهيمن عليها المحتوى الناطق بالإنجليزية يُعَدُّ ظاهرةً تستحق التوقُّف والنظر. ففي بدايات الموجة الكورية، توقَّع البعض أن تقتصر شعبيَّتها على الدول الآسيوية المجاورة لكوريا بسبب اشتراكهم في العادات والتقاليد فيما يُعرف بأطروحة التقارب الثقافي Cultural proximity، ولكن اتَّضح عكس هذا الطرح بامتداد الموجة الكورية إلى مجتمعات مختلفة انجذبت إليها لأسباب متعدِّدة؛ فبالنسبة للأعمال الدرامية الكورية مثلًا، غالبًا ما تكْمن جاذبيَّتها في كونها مُحْكَمَةَ السَّرد ومكثَّفة في عدد حلقات محدود، ومتميزة من الناحية التقنية من حيث جودة التصوير وغيره، بالإضافة إلى محتواها الذي عادة ما يكون هجينًا يغرس نفسه في السياق الكوري بالقدر الذي يجعله مختلفًا ومثيرًا للاهتمام، ثم يتفرَّع منه إلى إطار عالمي قابل للتسويق في سياقات مختلفة، وذلك بطرحه سرديات أو قيم حول الأسرة والصداقة والتضحية، إلى جانب قضايا مجتمعية كالصحة النفسية والعمل وضغوطات المجتمع.

ومع ذلك، فإن الموجة الكورية لا تمثِّل وحدَها ضمانة لنجاح السياسة الخارجية الكورية؛ فمع خسارة كوريا ملف استضافة معرض “إكسبو 2030” مثلا، وُجِّهَت انتقادات لحملتها الدعائية لتركيزها بصورة أكبر على استدعاء مشاهير الموجة الكورية دون تقديم رؤية مقنعة لما يمكن أن تضيفه كوريا للدول الأخرى[14].

ومن هنا يتَّضح أن الموجة الكورية لا تعمل فقط باعتبارها مرآة يرى المجتمع الكوري فيها انعكاسًا لذاته، بل أيضًا نافذة يطل منها الآخر على كوريا، وإن كانت هذه النافذة رغم اتساعها لا تكشف سوى جزء معين من إنتاج كوريا دولةً ومجتمعًا، وخاصة جوانبها الأكثر جاذبية وقابليَّة للتصدير، مما يعطي صورة غير كاملة. ولذلك يطرح أحد المحللين الغربيين المقيمين في كوريا مثلا ثنائيةً تُمَيِّزُ بين الثقافة الكورية الأصيلة التي تعبر فعلًا عن المجتمع وبين الثقافة الكورية المخصَّصة للتصدير في المقام الأول[15]، مطلِقًا على الأولى Korean culture والأخيرة K-culture استنادًا لهذا الحرف K بالإنجليزية الذي أصبح يسبق مختلف عناصر الموجة الكورية مثل المأكولات K-food والأعمال الدرامية K-drama والموسيقى المعاصرة K-pop وغيرها.

وهذه الثنائية لا تنفي إمكانية التقاطع بين هذين الوجهين من الثقافة، حيث توجد عدَّة أعمال يلتفُّ حولها الجمهور الكوري والعالمي معًا ويتفاعلون معها؛ لكن هذه الرؤية تسْهم في التأكيد على أن الإعجاب بالموجة الكورية لا يكفي لفهم كوريا والتعارف عليها. فعلى الجانب الآخر من الصورة مثلا، لا تزال كوريا تعاني من تداعيات ما يعرف بالحداثة المضغوطة Compressed modernity، أي عملية التحديث السريعة والمكثفة التي مَرَّتْ بها[16]، والتي تركت خلفها وضعًا اقتصاديًّا مُشْكِلًا تسودُه حالةٌ من عدم المساواة في الدخول، وعدم التوازن في التنمية بين العاصمة سيول والأقاليم، ومناخ سياسي مشحون، ومجتمع شديد التنافس.

ولاستكمال الصورة وبحثًا عن نوافذ أخرى، نشير إلى أن لدى كوريا عناصر جاذبة أخرى غير هذه الموجة؛ فالموجة الكورية تتوِّج ثلاثية إنجازات كوريا التي تتمثَّل في الطفرة الاقتصادية، والتحول نحو الديمقراطية، والازدهار الثقافي؛ فكل من هذه الإنجازات قد يُعَدُّ مصدرَ جذبٍ في حَدِّ ذاته، فضلًا عمَّا قد ينتج عنهم، من حُسن إدارة الوضع أثناء جائحة كورونا أو القدرة على تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى مثل الألعاب الأوليمبية أو كأس العالم لكرة القدم.

أمَّا بالنسبة للمورد الثاني من موارد ناي وهو القيم السياسية، فيتَّضح أن كوريا تتمتَّع بتجربة تحول نحو الديمقراطية جاءت على إثر تضحيات واحتجاجات شعبية مطولة، ولكن غالبًا ما تتردَّد الحكومات الكورية في محاولة استدعاء هذه التجربة واستخدامها بصدد القوة الناعمة؛ وذلك لعدَّة أسباب، منها الرغبة في عدم إثارة حفيظة الصين باستخدام مصطلحات ليبرالية كحقوق الإنسان والحرية، كما أن بعض التصورات الكورية الرسمية تميل إلى اعتبار الديمقراطية عملية ينبغي أن تنمو بصورة تدريجية ومن داخل المجتمع نفسه مع تطور اقتصادي واجتماعي يدعمها؛ لذا يقلُّ التركيز على الحوكمة مثلا في برامج التعاون الدولي الكورية.

وبالنسبة للسياسة الخارجية، فإن كوريا تتمتَّع بما يمكن تسميتُه “افتراض حسن النية”، بمعنى أن كوريا الجنوبية لا تحمل -خاصة في نظر كثير من دول الجنوب العالمي- الإرث الاستعماري الواسع المرتبط بالقوى الغربية الكبرى، وإن كان هذا المورد ليس مطلقًا؛ فقد تَمَّ ملاحظة سلوك استعلائي من قبل بعض الأفراد والشركات الكورية في تعاملهم مع دول جنوب شرق آسيا التي عادةً ما ينظرُ إليها كثيرٌ من الكوريِّين كأقل تطوُّرًا منهم[17]، كما لم تسلم الموجة الكورية من انتقادات أو مخاوف بتهديدها الثقافات المحلية، مع أن الحكومة الكورية بدورها دائمة التأكيد في وثائقها الرسمية على رغبتها الصادقة في التعارف مع الشعوب الأخرى وليس فقط نقل الثقافة الكورية إليهم.

هذا ينقلنا للإشكالية الثانية الخاصة بدور الحكومة الكورية؛ فإذا كانا موردَا القيم السياسية والسياسة الخارجية يرتبطان بالدولة بطبيعة الحال، فإن الأمر يختلف بالنسبة للثقافة. فعلى عكس ما يدفع به البعض بكون الموجة الكورية مخطط حكومي، يصعب القول بأن الحكومة هي من أنتجت وخلقت هذه الموجة بنفسها؛ فهي لم تنتج فرقة بي تي إس ولا أوصلتها لشهرتِها العالمية، ولكنها في فترة رئاسة مون جيه إن Moon Jae-in مثلا، قامت بإصدار جوازات سفر دبلوماسية لأعضاء الفرقة، وأرسلتهم كمبعوثين مع وفد الرئيس للأمم المتحدة عام 2021؛ مما يظهر أن الحكومة قد تتبنَّى منتجًا ثقافيًّا حقَّق نجاحًا ملحوظًا على المستوى الدولي، ولكنها لا تُنتجه بالضرورة.

إن الموجة الكورية في أصلها تُعَدُّ نتاجًا لتضافُر حزمة من العوامل تشمل جودةَ المنتج الثقافي الكوري النابع من القطاع الخاص، وتطوير نظام إنتاج فني ذي كفاءة، ودعم متعدِّد الأوجه من قبل الحكومة (دعم مالي – تسهيلات – ترويج في الخارج) لدرجة اعتبار الثقافة صناعة وطنية، وجهود مجتمعات المعجبين Fandoms في الترويج لمشاهيرهم المفضلين، وتطور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي التي سرَّعت من تداول برامج الموجة الكورية والتفاف مجتمعات المعجبين حولها. لذلك، على الرغم من رغبة بعض الدول -مثل تايلاند[18]– في الاستفادة من دروس الموجة الكورية، فإنها ظاهرة لا يمكن استنساخها، حيث يصعب إعادة إنتاج جميع العوامل التي ساهمتْ في نجاح الموجة الكورية داخل سياقات أخرى بالدرجة نفسها.

وفي ظلِّ هذا التشابك، يتَّضح أن علاقة الحكومة بالقطاع الثقافي المحرِّك للموجة الكورية ليست خطية هي الأخرى؛ فمن ناحية، تبدو العلاقة ذات منفعة متبادلة، حيث يستفيد القطاع الثقافي من الدعم وتجْني الحكومة عوائد الموجة الكورية وتوظِّفها لخدمة قوَّتها الناعمة. ولكن من ناحية أخرى، قد لا تحترم جميع الحكومات المتعاقبة قاعدة الدعم والتسهيل دون تدخُّل أو تحكُّم، حيث قامت حكومة بارك جن هي Park Geun-hye (2013-2017) على سبيل المثال بحرمان عدد من الشخصيات الثقافية من الحصول على التسهيلات الحكومية بسبب آرائهم المعارضة لها[19].

عودة إلى التساؤل المطروح بين هاتين الإشكاليَّتين، وهو كيفية توظيف الحكومة لعناصر الموجة الكورية وغيرها من موارد الجذب في سياسة قوتها الناعمة.

يتم هذا التوظيف بشكل أساسي من خلال هيئات أبرزها وزارة الشؤون الخارجية، ووزارة الثقافة والرياضة والسياحة. بالنسبة للأولى، فإنها الهيئة الوحيدة المنوطة بممارسة الدبلوماسية العامة وفقًا للقانون الصادر عام 2016، كما أنها تشرف على الوكالة الكورية للتعاون الدولي (كويكا KOICA). فضلا عن ذلك، تشرف وزارة الشؤون الخارجية أيضًا على مؤسسة كوريا Korea Foundation المعنيَّة بالتعليم والتبادل الأكاديمي، حيث تعمل على إرسال أساتذة زائرين ودعم إنشاء برامج للدراسات الكورية في الجامعات خارج كوريا، وإن كانت منحة الدراسة في كوريا Global Korea Scholarship التابعة لوزارة التعليم تحظى بانتشار أوسع بين المهتمين بالدراسة في كوريا بصورة عامة.

أمَّا بالنسبة لوزارة الثقافة والرياضة والسياحة، فيتَّضح من اسمها أن كوريا تنتهج تعريفًا واسعًا للثقافة يتَّسع من الأدب على سبيل المثال إلى رياضة التايكوندو؛ ويشمل هذا التعريف ثقافة كوريا الشعبية المعاصرة جنبًا إلى جنب مع ثقافتها التقليدية التراثية؛ فنجد المركز الثقافي الكوري في مصر مثلا -والذي يخضع لإشراف الوزارة كنظائره حول العالم- يطرح دورات موسيقى الجوجاك Gugak الفولكلورية بالتزامن مع دورات موسيقى الكي بوب K-pop التي تنتمي إليها فرقة بي تي إس وغيرها من مشاهير الموجة الكورية. وارتباطًا بالمراكز الثقافية، يندرج تحت مظلة الوزارة معاهد سيجونج Sejong Institutes الخاصة بتعليم اللغة الكورية للأجانب، وهي تحمل اسم الملك سيجونج مبتكر نظام الكتابة الكورية الهانجل المشار إليه سابقًا.

والواقع أن الحكومة الكورية باختلاف هيئاتها تبدي اهتمامًا ملحوظًا بالمجال الرقمي، حيث تتمتَّع الوزارات والسفارات والمراكز الثقافية بحضور قوي على مواقع التواصل الاجتماعي، وتقوم بالتفاعل مع المستخدمين بعقد مسابقات وأنشطة متنوعة، منها على سبيل المثال برنامج السفراء الرقميين الذي تستدعي فيه السفارة مجموعة من الشباب في الدولة المضيفة لعمل مقاطع فيديو عن الثقافة الكورية والعلاقات بين الدولتين. فضلا عن ذلك، تشرف وزارة الثقافة أيضًا على موقع كوريا نت المتوفر بعشر لغات منها العربية والذي يستضيف مراسلين فخريين من حول العالم ليكتبوا مقالات عن تجربتهم مع الثقافة الكورية.

على ضوء ما سبق؛ يتَّضح أن تجربة كوريا الجنوبية تجربة ثرية تستحق النظر والبحث؛ فقد نجحت في خطف أنظار العالم عبر الموجة الكورية. وقد استعرض هذا التقرير ما وراء هذه الموجة، بوصفها مرآة تعيد كوريا من خلالها النظر إلى نفسها ومكانتها الدولية، ونافذة يطل العالم عبرها على كوريا الجنوبية، بما تحمله هذه النافذة من إمكانيات وحدود، وعلاقتها بالقوة الناعمة الكورية التي تشمل موارد أوسع وإن لم تكن كلها على نفس الدرجة من التوظيف. وعلى الرغم من مخاوف بعض المراقبين للشأن الكوري من تراجع الموجة الكورية أو وصولها إلى ذروتها، تشير الدلائل إلى استمرار توسُّعها واستمرار دعم الحكومة الكورية لها بوصفها موردًا اقتصاديًّا ورمزيًّا مهمًّا.

ومع ذلك، قد يظل هؤلاء المراقبون قلقين بشأن مدى قدرة الحكومة على تحويل الموجة الكورية إلى تأثير سياسي ملموس. غير أن هذا القلق يثير تساؤلا آخر: هل تعكس هذه النظرة حدود القوة الثقافية بالفعل، أم أنها تنطوي على تحيُّز يمنح الأولوية للقوة المادية على حساب أشكال التأثير الأخرى؟ فربما لا تكْمن المشكلة في عجز الثقافة عن التأثير، بقدر ما تكْمن في استمرار تقييم النفوذ الدولي بمعايير تركِّز أساسًا على القوة العسكرية والاقتصادية، وتتجاهل ما يمكن أن تحقِّقَه الثقافة من إعادة تشكيل الصورة الذهنية للدول وتعزيز حضورها الدولي وبناء روابط وثيقة مع المجتمعات الأخرى.

ومن ناحية أخرى، هناك من يؤمن بقوة الثقافة والعوامل غير المادية بحدِّ ذاتها، ولكنه ينتظر من كوريا دورًا أكبر؛ ليس فقط من خلال ما تنتجه من محتوى ومنتجات ثقافية، وإنما عبر تقديم نموذج قيمي أو حضاري يخدم الإنسانية بصورة أوسع. غير أن هذا الفريق قد يظلُّ منتظرًا؛ إذ تبدو القوة الناعمة الكورية، حتى الآن، أكثر انشغالًا بتعزيز المكانة الدولية لكوريا وترسيخ نجاحها الوطني عن تقديم نموذج حضاري إنساني عالمي.


المراجع

[1]K-pop stars BTS draw 50,000-strong crowd in Mexico, France 24, 7 May 2026, https://www.france24.com/en/live-news/20260507-k-pop-stars-bts-draw-50-000-strong-crowd-in-mexico

[2] Joseph S. Nye, Soft Power: The Means to Success in World Politics, (New York: Public Affairs, 2004), p. 11.

[3] أميرة أبو سمرة، معضلة التناقض: رؤية نقدية للقوة الناعمة الهندية بين الدولة والحضارة، (في): خالد حنفي علي (محرر)، دور القوة الناعمة في السياسة الخارجية للقوى المتوسطة، (أبو ظبي: مركز المستقبل للأبحاث والدراسـات المتقدمـة، 2024)، ص 28-29.

[4] Nadeen Hesham Samy Sadek, Revisiting Soft Power: South Korea since 2012, (Cairo University, Master’s Thesis, 2024).

[5] Doobo Shim, Hybridity and the rise of Korean popular culture in Asia, Media, Culture and Society, Vol. 28, No. 1, 2006, pp. 32, https://doi.org/10.1177/0163443706059278

[6] Nick Foster, Surfing the Hallyu: What Taiwan can learn from South Korea’s cultural diplomacy, Atlantic Council, 6 August 2025, https://www.atlanticcouncil.org/in-depth-research-reports/issue-brief/surfing-the-hallyu-what-taiwan-can-learn-from-south-koreas-cultural-diplomacy/

[7] Park Ga-young, W7.85tr budget set for 2026 cultural sector support, The Korea Herald, 3 December 2025, https://www.koreaherald.com/article/10629068

[8] Shin Ha-young, Cultural content exports hit all-time high in 2022 exceeding shipments of rechargeable batteries…EVs, Arirang News, 5 January 2024, https://m.arirang.com/news/view?id=264334

[9] Choi Jeong-yoon, Inside BTS economics: Will the multibillion-dollar purple power last?, Asia News Network, 27 March 2026, https://asianews.network/inside-bts-economics-will-the-multibillion-dollar-purple-power-last/

[10] Im Eun-byel, Saudi Arabia bets big on Hallyu with W1.2tr Kakao investment, The Korea Herald, 12 January 2023, https://www.koreaherald.com/view.php?ud=20230112000587

[11] Lee Dasom, Foreign tourists mainly visit Korea for K-pop…food…beauty, Korea.net, 11 October 2023, https://www.korea.net/NewsFocus/Culture/view?articleId=240020

[12] Address by President Moon Jae-in on 103rd March First Independence Movement Day, Korea.net, 1 Mar 2022, https://www.korea.net/Government/Briefing-Room/Presidential-Speeches/view?articleId=211292

[13] Daniele Carminati, Is South Korea the New Quintessential Representation of Soft Power? E-International Relations, 18 September 2022, https://www.e-ir.info/2022/09/18/is-south-korea-the-new-quintessential-soft-power/

[14] John Lee, South Korea’s overconfidence adds salt to the wound of failed World Expo bid, KoreaPro, 29 Nov 2023, https://koreapro.org/2023/11/south-koreasoverconfidence-adds-salt-to-the-wound-of-failed-world-expo-bid/

[15] David Tizzard, Korean culture without K, The Korea Times, 9 May 2026, https://www.koreatimes.co.kr/opinion/20260509/korean-culture-without-k

[16] طرح هذا المصطلح عالم الاجتماع الكوري تشانغ كيونغ سوب Chang Kyung-Sup؛ انظر مثلا:

Kyung-Sup Chang, The second modern condition? Compressed modernity as internalized reflexive 

cosmopolitization, The British Journal of Sociology, Vol. 61, 2010, pp. 444-464,

https://doi.org/10.1111/j.1468-4446.2010.01321.x

[17] انظر مثلا:

Mary J. Ainslie, Korean Overseas Investment and Soft Power: Hallyu in Laos, Korea Journal, Vol. 56, No. 3, 2016, https://kj.accesson.kr/assets/pdf/8404/journal-56-3- 5.pdf

[18] Farida Waller, What Thailand can learn from South Korea on cultural export for soft power, The Nation, 21 February 2023, https://www.nationthailand.com/thailand/general/40025059

[19] Park Si-soo, Culture minister admits government ‘blacklist’ of artists, The Korea Times, 9 January 2017, https://www.koreatimes.co.kr/southkorea/20170109/culture-minister-admits-government-blacklist-of-artists

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى