عرض كتاب: العيش والعمل مع الذكاء الاصطناعي

Ethan Mollick, CO-Intelligence: Living and Working with AI, (New York: Portfolio/Penguin, 2024)

مقدمة

يُطرح سؤال الذكاء الاصطناعي ومساحته وأدواره بقوة الآن على الساحات الأكاديمية والعملية، لتدور الأسئلة حول علاقته بالمعرفة والإنسان ومدى طغيانه من عدمه على الحياة الإنسانية، وعليه نحاول قراءة أحد أهم الكتب التي صدرت عن الذكاء الاصطناعي منذ انطلاقه، وهو كتاب إيثان موليك (Ethan Mollick) بعنوان (الذكاء التشاركي: العيش والعمل مع الذكاء الاصطناعي Co-Intelligence: Living and Working with AI)[1] الذي صدر في ٢٠٢٤، والمؤلف إيثان موليك أستاذ مشارك في الإدارة في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، وتتركز أبحاثه في: الذكاء الاصطناعي وتأثيره في العمل، التعليم واستخدام التقنيات الجديدة فيه، والسلوك التنظيمي وطرق دمج الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.

والكتاب الذي نتعرَّض له يركِّز على التعرف إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه “ذكاءً مشتركًا” بكلِّ ما ينطوي عليه المصطلح من التباس، فعلى مدار تاريخ البشرية وقدرتها على الاختراع وتلبية الحاجات لم تنتج ذكاءً قادرًا على محاكاة البشر إلَّا الآن فقد باتتْ في متناول البشر أداة تحاكي طريقة تفكيرنا وكتابتنا، وتعمل كذكاء مشترك يحسن عملنا أو يحل محله، وعليه يحاول الكتاب طرح رؤى حول أفضل السبل التي تمكن البشرية، من العمل مع هذه الأنظمة. ومن ثم تحديد الكيفية التي قد يغير بها الذكاء الاصطناعي الحياة الإنسانية حين يعمل زميلًا ومدرِّسًا وخبيرًا، بل ورفيقًا. وينتقل المؤلف إلى ما قد يعنِيه ذلك للإنسان وإلى معنى أن نفكِّر مع عقل غريب عنَّا.

ولحداثة الموضوع فإن الكاتب استخدم العديد من الأدوات المنهجية في الاقتراب من الذكاء الاصطناعي، منها:  الحوار مع خبراء ومؤسسات عاملة في المجال، والتجريب المباشر والمتكرر لأدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل حالات وأمثلة تطبيقية؛ وذلك بهدف استكشاف القدرات والحدود المتغيرة للذكاء الاصطناعي وآثاره العملية في العمل والتعليم والإبداع والحياة اليومية، مع التركيز على المدى القريب واستخلاص مبادئ عامة قابلة للاستمرار نسبيًّا رغم سرعة التطور التقني؛ بالإضافة إلى أن الكاتب دمج نتائج الدراسات المنشورة مع تجاربه الشخصية والأمثلة والحالات العملية، وبناءً على تلك المنهجية فقد انقسم الكتاب إلى جزأين، الجزء الأول حول نشأة الذكاء الاصطناعي وماهيته ويضم ثلاثة فصول، أما الجزء الثاني فهو عن أدوار الذكاء الاصطناعي ويضم ستة فصول، وفيما يلي تفصيل حول مضمون الكتاب:

أولًا- نشأة الذكاء الاصطناعي وماهيته

الفصل الأول: إنشاء الذكاء

يبدأ الكاتب الفصل بالحديث حول مسار تطور فكرة إنشاء ذكاء اصطناعي منذ خمسينيات القرن الماضي مع نشأة الحواسيب أثناء الحرب العالمية الثانية خاصة نظريات ألان تورينج حول مساحات تطور الآلات لتحاكي الإنسان، وعليه بدأت مجموعة من علماء الحاسوب الأوائل العمل على برامج تدفع حدود ما سُمِّيَ بعد قليل “الذكاء الاصطناعي” وهو مصطلح صاغه عام ١٩٥٦ جون مكارثي من معهد ماساتشوستس للتقنية.

وعلى مدار العقود الماضية منذ منتصف القرن الماضي وحتى بدايات العشرينيات من القرن الحالي كان تطور الذكاء الاصطناعي يسير بوتيرة بطيئة لإشكاليات تقنية عدة، ومع زيادة حجم البيانات المتاحة على الإنترنت وبيانات المستخدمين ظهرت مساحات معالجة البيانات الضخمة واحتياجها لإدارة جديدة، وكانت اللحظة الفارقة في نشأة الذكاء الاصطناعي في  ٢٠١٧ نشرها خبراء الصناعة والأكاديميون، وحملت عنوانًا جذابًا “الانتباه هو كل ما تحتاج إليه” نشرها باحثو شركة Google قدمت تحوُّلًا مهمًّا في عالم  الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في كيفية فهم الحواسيب للغة البشرية ومعالجتها، يمكن استخدامها باعتبارها “المحوِّل” لمساعدة الحاسوب على معالجة الطريقة التي يتواصل بها البشر معالجة أفضل.

وساعدت آلية الانتباه في حل المشكلة، إذ تتيح للنموذج وزن أهمية الكلمات أو العبارات المختلفة في كتلة نصية. ومن خلال التركيز على أكثر أجزاء النص صلة، تستطيع المحوِّلات إنتاج كتابةٍ أكثرَ وعيًا بالسياق وتماسكًا من أنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤية الأسبق. وبناءً على التقدُّم الذي حقَّقته بنية المحوِّل، نجد أنفسنا اليوم في عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي توليد محتوى غني بالسياق، بما يكشف التطور اللافت في فهم الآلة وتعبيرها[2]. وهكذا أعلنت شركة OpenAI عن نشأة الذكاء الاصطناعي التوليدي في ٢٠٢٢.

الفصل الثاني: التوافق مع الذكاء الغريب

يركز الكاتب في الفصل الثاني على الإجابة عن أحد أهم الأسئلة التي تطرح على عالم الذكاء الاصطناعي وهو كيف يتوافق مع احتياجات ومصالح البشر ولا يضر بها؟ وذلك في ظل كل السيناريوهات التشاؤمية الموضوعة التي تدفع بالبعض إلى المطالبة بوقف تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي خوفًا من إضرارها بالبشرية والوصول بها إلى الفناء.

ويرى الكاتب أن تلك الأسئلة غير مجدية في تلك اللحظة خاصة مع عدم توقف تطوير الذكاء الاصطناعي في ظل حجم الاستثمار فيه وقدرته على الإنتاج، ويقترح أن نركز على مساحات الفعل والمسؤولية؛ فيما يتعلق بالبيانات وتصنيفها فالوضع الحالي يخلق تحيزات معرفية وإمكانات لانتهاك الخصوصية لدى كثير من المستخدمين مما ينتج عنه قدرة الذكاء التوليدي على إنشاء تمثيل منحاز ومشوَّه للواقع، لأن ذلك التحيز صادر عن آلة لا عن شخص أو منظمة بعينها، فقد يبدو أكثر موضوعية ويسمح للشركات بالتنصل من المسؤولية. ويمكن أن يشكل توقعاتنا بشأن مَن يصلح لأي عمل، ومَن يستحق الاحترام والثقة، ومَن يُرجح أن يرتكب جريمة. وينعكس ذلك على قرارات التوظيف والتصويت والحكم على الناس، كما يضر بالجماعات المهمشة[3].

ويتطلب تفادي تلك الإشكالات حكومات واعية قادرة على ضبط مسارات الذكاء الاصطناعي في بياناتها ولمواطنيها، وليست الحكومات فقط هي التي يقع على عاتقها بناء مساحات الفعل والمسؤولية، بل أيضًا يتطلَّب الطريق استجابة مجتمعية واسعة وتنسيقًا بين الشركات والحكومات والباحثين والمجتمع المدني؛ والأهم أن يتعلم الجمهور ما يكفي عن الذكاء الاصطناعي كي يضغط، بوصفه جمهورًا من الواعين[4].

الفصل الثالث: أربع قواعد للذكاء الاصطناعي

الحقيقة أننا نعيش في عالم توجد فيه أنظمة للذكاء الاصطناعي، وهذا يعني أن علينا أن نفهم كيف نعمل معها. ولذلك نحتاج إلى وضع بعض القواعد الأساسية، ويضع الكاتب في هذا الفصل أربع قواعد يرى أنها أساسية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وهي:

أ) استخدم الذكاء الاصطناعي دائمًا: وفي هذا المبدأ يرى الكاتب أن استخدام الذكاء الاصطناعي الدائم فيما يفعله الفرد (دون أي عوائق أخلاقية أو قانونية) قادر على تحديد مناطق الاستفادة والضرر وكيف يمكن أن تصبح تلك التقنية مهددة في عمله أو مساراته، فكثرة استخدام تلك التقنية تطور مهارات الفرد في الاستفادة منه في تحسين جودة عمله بل وفي تحديد حدود الذكاء الاصطناعي مما يمنحه ميزة الابتكار في مستوى فوق الذكاء الاصطناعي.

ب) كن الإنسان المتحكم: يركز الكاتب في ذلك المبدأ على إصرار المستخدم عندما يتعامل مع الذكاء الاصطناعي على التحكم في المخرجات من خلال المراجعة والنقد لتفادي الهلوسات أو محاولات الإرضاء التي برمجت عليها تلك الأدوات، ويضيف الكاتب أنه يجب على مستخدم الذكاء الاصطناعي أنه هو الإنسان الوحيد في محادثته مع تلك الأداة ليقرر هو لا الأداة، ليختبر هو لا الأداة، ليكون فاعلًا ومسؤولًا وليس متلقيًا سلبيًّا، لذلك عليه تعلُّم المهارات التي يحتاج إليها من الذكاء الاصطناعي لتطوير ذاته ولا يركن لقدرة الذكاء الاصطناعي على فعلها، حتى يظل الإنسان قادرًا على السيطرة على التكنولوجيا وآثارها.

ج) امنح الذكاء الاصطناعي شخصية، في هذا المبدأ وعلى الرغم من أن الكاتب يؤكد على أهمية وعي المستخدم بأن الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، إلا أنه يطرح فكرة أنه ومن أجل تحقيق الاستفادة القصوى من إمكانيات تلك الأداة يجب أن تمنحه شخصية المهمة المطلوبة، على سبيل المثال إذا أردت أن يكتب نكاتًا بشكل أفضل قل له “باعتبارك كوميديًّا…..”

د) هناك دائمًا مساحة للتطور، يفترض الكاتب في هذا المبدأ التطور الدائم للذكاء الاصطناعي مما يطرح إشكاليات على الإنسان في التنافس معه، وعليه يجب على الإنسان في عالم AI أن يكون منفتحًا على التغيير والتطور وتبنِّي تقنيات جديدة والحفاظ على القدرة التنافسية في بيئة عمل ستكون أكثر شراسة[5].

ثانيًا- أدوار الذكاء الاصطناعي

في هذا الجزء يستعرض الكاتب مجموعةً من الأدوار التي قد يقوم بها الذكاء الاصطناعي وكيف يمكن التعايش والاستفادة منها، وكيف يتفاعل معها المستخدم، وتلك الأدوار كالتالي:

الفصل الرابع: الذكاء الاصطناعي إنسانًا

يرى الكاتب أن الذكاء الاصطناعي يشبه الإنسان في كونه بعيدًا كل البعد عن القابلية للتنبؤ والموثوقية؛ فقد يقدِّم حلولًا مبتكرة، ثم ينسى قدراته نفسها، أو يهلوس بإجابات خاطئة. وتؤدي هذه الطبيعة غير المتوقعة وغير الموثوقة إلى طيف مدهش من التفاعلات.

فالذكاء الاصطناعي لا يتصرَّف كالبرمجيات، لكنه يتصرف بالفعل، في نواحٍ كثيرة، كما يتصرف الإنسان. ولا يقصد الكاتب بهذا الطرح أن أنظمة الذكاء الاصطناعي واعية مثل البشر، أو أنها ستصبح كذلك يومًا ما. إنما يقترح مقاربة عملية ألا وهي التعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان إنسانًا، لأنه يتصرَّف في جوانب عديدة كما لو كان كذلك. وهذه الذهنية، التي تعكس مبدأ “عاملْه كما تعامل شخصًا”، يمكن أن تحسِّن بدرجة كبيرة فهم المستخدم لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي ومتى  يمكن استخدامه، على المستوى العملي إن لم يكن التقني[6].

الفصل الخامس: الذكاء الاصطناعي مبدعًا

يرى الكاتب أن الذكاء الاصطناعي ليس وعاءً للمعرفة إنما يتعامل مع الأنماط في إنشاء الإجابات؛ فعلى سبيل المثال فإذا طلبت من الذكاء الاصطناعي مرجعًا أو اقتباسًا، فسوف يولد ذلك المرجع أو الاقتباس استنادًا إلى الروابط التي تعلَّمها بين البيانات، لا عبر استرجاعه من ذاكرة محفوظة[7].

وعند النظر في مدى إبداع الذكاء الاصطناعي فيمكن القول إنه يقدم مستوى متوسطًا مبنيًّا على الخبرات والمعارف التي أنتجها البشر، فهو يميل إلى إعطاء الإجابة التي ترضي الجمهور، لأنها الأكثر احتمالًا في بيانات تدريبه؛ غير أنه يمكن دفعه، بشيء من العمل، من الإجابة المتوسطة إلى إجابة مبدعة، ويمكن فعل ذلك -مرة أخرى- بتحديده كمسؤول عن العمل، والإلحاح عليه لتقديم إجابات مختلفة وأعلى من المتوسط، لتكون أكثر أصالة.

الفصل السادس: الذكاء الاصطناعي زميلًا في العمل

إن الخطابات الحذرة من الذكاء الاصطناعي تركِّز حول أثره على سوق العمل والعديد من الوظائف، ويرى الكاتب أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير كبير على الوظائف الأعلى أجرًا، والأكثر إبداعًا، والأعلى تعليمًا، وسيكون أقل تأثيرًا على الأعمال البدنية، لكنه في ذات الوقت يؤكِّد أن الأمر ليس بتلك الحدية التي تظهرها تلك الخطابات، فالأكيد أنه ستتأثر الوظائف بالذكاء الاصطناعي مهما تكن طبيعة العمل، إلا أن هذا لا يعني أن تلك الوظيفة ستُستبدل، فالأمر يتطلَّب الآن النظر إلى الوظائف بعناية أكبر، وعلى مستويات متعدِّدة. والوظائف تتكوَّن من حزم من المهام، كما أنها تعمل داخل أنظمة أوسع، ومن دون النظر إلى الأنظمة والمهام، لا يمكننا أن نفهم حقًّا أثر الذكاء الاصطناعي في الوظائف، فاختفاء بعض المهام  التي ستؤديها تلك الأداة لا يعني اختفاء الوظيفة، بل يمكن أن يمنحنا الحرية لأعمال تتطلب سمات بشرية متميزة مثل الإبداع والتفكير النقدي، أو ربما لإدارة المخرجات الإبداعية للذكاء الاصطناعي وانتقائها[8].

إلا أن الكاتب يحذر من أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في المساعدة في القيام بالوظائف يمكن أن يرتد بنتائج عكسية، فمن الممكن أن يصبح الأشخاص الذين استخدموا ذكاءً اصطناعيًّا عالي الجودة أكثر كَسَلًا وإهمالًا، وأضعف مهارة في إصدار أحكامهم الخاصة، ولتفادي ذلك يجب التفكير في الأشياء التي يجيدها الذكاء الاصطناعي وتلك التي لا يجيدها، وفي نفس الوقت تحديد المهام البشرية وهي مهام لا يكون فيها الذكاء الاصطناعي مفيدًا، بل قد يعوق.

الفصل السابع: الذكاء الاصطناعي بوصفه معلمًا

ومع الذكاء الاصطناعي أصبح الغش بالغ السهولة؛ بل تبدو قدراته الأساسية كما لو كانت مصمَّمة تقريبًا لخدمة هذا الغرض، بداية من تلخيص الكتب وحل التمارين الرياضية بل حتى كتابة المقالات حول موضوعات محدَّدة، ولأن الإنسان قادر على التكيُّف مع التطوُّرات التكنولوجية فمن الممكن أن نشهد في القريب العاجل حلولًا للتغلُّب على الإشكاليَّات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي في التعليم المدرسي مثل إمكانية تنفيذ تكليفات يُطلب فيها استخدامه، وأخرى يُمنع فيها؛ وستضمن مهام الكتابة داخل المدرسة على أجهزة غير متصلة بالإنترنت، إلى جانب الاختبارات الكتابية أن يتعلم الطلاب مهارات الكتابة الأساسية، والوصول إلى توافق عملي يسمح بإدماج الذكاء الاصطناعي في عملية التعلم من دون التضحية بتنمية المهارات الجوهرية. وأحد الحلول هو “قلب” الفصول الدراسية، حيث يتعلم الطلاب المفاهيم الجديدة في المنزل، غالبًا من خلال مقاطع فيديو أو موارد رقمية أخرى، ثم يطبقون ما تعلموه في الفصل عبر أنشطة تعاونية أو مناقشات أو تمارين لحل المشكلات. والفكرة الأساسية في الفصل المقلوب هي استغلال وقت الفصل للتعلم النشط والتفكير النقدي، بينما يُستخدم التعلم المنزلي لتقديم المحتوى، وتبدو قيمة الفصول المقلوبة متفاوتة، وتعتمد في النهاية على مدى قدرتها فعليًّا على تشجيع التعلُّم النشط[9].

الفصل الثامن: الذكاء الاصطناعي مدربًا

إن إشكالية الذكاء الاصطناعي في التعليم -كما يراها الكاتب- تكْمن في أن التعليم خطوة أولى ثم يأتي بعدها التدريب، حيث لا يتحوَّل الهُواة إلى خبراء إلا بالتعلُّم من أصحاب الخبرة الأكبر في المجال، وبالمحاولة والفشل تحت إشرافهم. غير أن هذا مرشح للتغير سريعًا مع الذكاء الاصطناعي، فبقدر ما يكره المتدرِّب أو الموظَّف في عامه الأول أن يُوَبَّخ لأنه أدَّى عملًا سيئًا، فإن رئيسه -في العادة- يفضِّل أن يرى العمل منجزًا بسرعة على أن يتعامل مع مشاعر إنسان حقيقي وأخطائه، وعليه فقد يرى أن استبدال الموظف المبتدئ أفضل بالذكاء الاصطناعي مما يوقف مسار نقل الخبرات في العمل.

والإشكالية الأكبر هي أنه لكي يتعلَّم الشخص التفكير النقدي، وحلَّ المشكلات، وفهم المفاهيم المجردة، والاستدلال في المسائل الجديدة، وتقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، يحتاج إلى خبرة حقيقية في موضوع مجاله، وعلى الرغم من أن استخدام الذكاء الاصطناعي هو ما طرح تلك الإشكالية من البداية لكنه ربما يكون قادرًا على حلِّها، كما يرى الكاتب، فيكون هو المدرب وناقل الخبرة إلى الأشخاص المبتدئين[10].

ويختتم الكاتب كتابه بطرح سيناريوهات حول مستقبل الذكاء الاصطناعي من سيناريو توقف تطور الذكاء الاصطناعي وهو ما لا يبدو في الأفق إلى أن يسيطر الذكاء الاصطناعي على الحياة البشرية، وعلى الرغم من أن الكاتب لا يتبنَّى أيًّا من هذه السيناريوهات، إلا أنه يحمِّل الإنسان مسؤولية تعامله مع الذكاء الاصطناعي ومآلات هذا التعامل[11].

خاتمة

يتمثَّل مدخل الكاتب في التعامل مع الذكاء الاصطناعي أنه لا يمكن تجاوز ما هو موجود بالفعل، فهو ينطلق من أن الذكاء الاصطناعي موجود ولا يمكن الهرب منه ومن تبعاته، والسؤال الذي يحاول أن يجيب عليه هو كيفية تعامل البشر معه، ويطرح أدوارًا متعدِّدة يمكن أن يؤثِّر فيها الذكاء الاصطناعي مثل استبداله للإنسان أو أن يكون مدرِّبًا أو معلِّمًا أو مبدعًا.

ويواجه الكاتب هذه الأدوار بتحميل البشر مسؤولية الوعي والتفكير النقدي والمراجعة وطرح الأسئلة مع استخدام الذكاء الاصطناعي لا تجنُّبه، حتى يمكن فهم مساحات حركته والوعي بها ومن ثَمَّ التحكُّم في مساراته، وهذا الاقتراب ربما يبدو منطقيًّا ولكنه لا ينظر في مستقبل الأجيال القادمة، تلك الأجيال التي ستنشأ وتتعلَّم وترى الكون والعالم من خلال عدسة الذكاء الاصطناعي، فهو يتعامل مع جيل لديه خبرات ومعارف ورؤى مسبقة ويطرح مسارات للاستفادة الكبرى لتلك التقنية الجديدة.

أمَّا فيما يتعلَّق بالعالمين العربي والإسلامي فإشكاليَّات الذكاء الاصطناعي تتعقَّد ولا يكْفي معها ما يقدِّمه الكاتب في كتابه، فتلك الأدوات والمسارات تنفع العالم الغربي الذي أنتج تلك التقنية، أما نحن المستهلكون بثقافة ورؤى مغايرة للعالم، فتطرح علينا تلك التقنية أسئلة أكثر تحديًا تتعلَّق بالإنتاج المعرفي المهيمن على الإنترنت الذي يستقي الذكاء الاصطناعي معلوماته منه وما يعنيه ذلك من احتمالية إعادة إنتاج الهيمنة المعرفية الغربية، بالإضافة إلى اتساع الفجوة المعرفية نتيجة تلك الهيمنة؛ ممَّا يضع العالمين العربي والإسلامي في مأزق المستهلك وحسْب، بصرف النظر عن رؤيته، وبالتبعية هذا يؤثِّر على التفكير النقدي الذي طرحه الكاتب باعتباره حلًّا لإشكاليات الذكاء الاصطناعي.


[1] Ethan Mollick, Co-Intelligence: Living and Working with AI, (New York: Portfolio/Penguin, 2024).

[2] Ethan Mollick, Co-Intelligence, Chapter 1, Creating Alien Minds.

[3] Ethan Mollick, Co-Intelligence, Chapter 2, Artificial Ethics for Alien Minds.

[4] Ethan Mollick, Co-Intelligence, Chapter 2, Artificial Ethics for Alien Minds.

[5] Ethan Mollick, Co-Intelligence, Chapter 3, Four Rules for Co-Intelligence.

[6] Ethan Mollick, Co-Intelligence, Chapter 4, AI as a Person.

[7] Ethan Mollick, Co-Intelligence, Chapter 5, AI as a Creative.

[8] Ethan Mollick, Co-Intelligence, Chapter 6, AI as a Coworker.

[9] Ethan Mollick, Co-Intelligence, Chapter 7, Flipped Classrooms and AI Tutors.

[10] Ethan Mollick, Co-Intelligence, Chapter 8, AI as a Coach.

[11] Ethan Mollick, Co-Intelligence, Chapter 9, AI as Our Future.

مروة يوسف

باحثة بمركز الحضارة للدراسات والبحوث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى