تنافس شركات الذكاء الاصطناعي وأثره على الإنتاج المعرفي

مقدمة
غالبًا ما تقترن كل حقبة تاريخية بتقنية أو اختراع يقود مسار التحولات الاقتصادية والاجتماعية فيها؛ فمثلًا اُعتُبِر البخار محركًا محوريًا للتحول الإنتاجي في القرن التاسع عشر، واقترن القرن العشرون بالكهرباء باعتبارها أساس الإنتاج الصناعي، وعلى هذا الأساس يُعد الذكاء الاصطناعي الركيزة الأساسية التي تُعيد تشكيل عالم القرن الحادي والعشرين؛ وفي تصور كلاوس شواب، مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي، يمثل الذكاء الاصطناعي أحد الأعمدة الرئيسة للثورة الصناعية الرابعة، التي تتلاشى فيها الحدود الفاصلة بين المجالات المادية والرقمية والبيولوجية[1].
وقد أسهم تغلغل الذكاء الاصطناعي -باعتباره مظلة واسعة تضم العديد من الفروع والتقنيات المتداخلة- من إنترنت الأشياء والبيانات الضخمة والروبوتات والخوارزميات وغيرها من الآليات المستخدمة في مجالات الأمن والاقتصاد والمجتمع والثقافة، أسهم في تشكيل خارطة الواقع الذي نحياه؛ إذ أثّر الذكاء الاصطناعي الذي يُحاكي الذكاء الإنساني ووظائفه في الإدراك والتعلم والاستدلال واتخاذ القرار بل والإنتاج المعرفي. ولم يكن حقل العلاقات الدولية ومن ثم نظرياته المفسرة بمنأى عن هذا التغلغل؛ فأعاد تعريف مفاهيم مركزية كالقوة والعدالة والسيادة والأمن وأنماط الصراع والتعاون على الثروة والهويات والسلطة[2]. وذلك انطلاقًا من أن المعرفة أضحت الأساس المؤثر في تراكم الثروة في المجتمعات متجاوزةً في أهميتها النسبية عوامل الإنتاج التقليدية المتمثلة في رأس المال، والعمل، والأرض[3].
وأدى التطور المطرد في الابتكارات التكنولوجية المتقدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى إثارة موجة من التفاعلات ليس فقط بين الدول ولكن بين المنظمات الدولية متعددة الأطراف –باعتبارنا نحيا “بنظام متعدد الأوجه” -Multiplex World Orderلوضع الأطر التشريعية والتنظيمية الحاكمة للتعامل مع ذلك المتغير في معادلة العلاقات الدولية، حيث تُشير التغيرات المتسارعة على الساحة الدولية إلى تصاعد حدة التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى مدفوعًا برغبة كل طرف في ترسيخ السيادة الرقمية وتعزيز الهيمنة على الفضاء الرقمي العالمي، والذي أفضى لظهور تنافس بين قوى كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والصين في مجال تطوير الخوارزميات المتقدمة أو الاستحواذ على البيانات الضخمة أو اجتذاب الكفاءات العلمية والاستثمارات المالية، وعلى ما بات يُعرف بـ “حوكمة الذكاء الاصطناعي”[4]، حيث إن الاقتصاد ليس مجرد مجال لإنتاج الثروة أو تنظيم التبادل أو رفع كفاءة الأسواق؛ بل سلاح يقع في القلب منه الهيمنة على الأدوات التكنولوجية وإنتاجها وحوكمتها[5].
وتلعب الشركات التكنولوجية العملاقة دورًا محوريًا في تشكيل موازين القوة الرقمية العالمية؛ إذ تتنافس على تطوير النماذج الذكية الأكثر تقدمًا وتسعى نحو السيطرة على البيانات والبنية التحتية الحاسوبية اللازمة لتدريبها وتشغيلها. وقد انعكس هذا التنافس على عملية إنتاج المعرفة، حيث باتت تمتلك قدرات -ربما تضاهي قدرات الدول- على توجيه أولويات البحث والتطوير، وتحديد اللغات المهيمنة على النماذج الذكية، فأضحى الفضاء الرقمي ساحةً للتنافس الاقتصادي والجيوسياسي بين تلك الشركات ويعبر في الوقت ذاته عن التنافس المحتدم بين الدول.
وتأسيسًا على ما سبق، ينقسم هذا التقرير إلى أربعة محاور، يتطرق المحور الأول إلى التغييرات التي طرأت على مفاهيم مركزية في العلاقات الدولية كالقوة والعدالة والسيادة والاستعمار، تمهيدًا لمناقشة أهم الفاعلين في خارطة القوى الجديدة ومن بينها الشركات المتنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي سيتم التعرف عليها في المحور الثاني، وينتقل المحور الثالث لمناقشة تباين الرؤى حيال استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات التكنولوجيا الحديثة بين مختلف القوى التكنولوجية المختلفة (بالتركيز على الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، والاتحاد الأوروبي بشكلٍ أساسي)، ثم بيان تأثير ذلك التنافس على الإنتاج المعرفي في المحور الرابع، حيث البحث في إمكانية مساهمة هذا السياق في تعزيز الابتكار وتسريع إنتاج المعرفة في دول الجنوب، أو ما إذا كان هذا التنافس سينتج أنماط جديدة من الهيمنة المعرفية في العصر الرقمي.
المحور الأول- ماهية الذكاء الاصطناعي وإعادة تعريف مفاهيم مركزية في العلاقات الدولية: القوة، والعدالة، والسيادة، والاستعمار
تعددت التعريفات المستخدمة للوصول إلى ماهية الذكاء الاصطناعي؛ فمن بين التعريفات اعتباره “نظام تعلم مستقل غير بيولوجي”، و”محاكاة الذكاء البشري بواسطة الآلات خاصةً أنظمة الكمبيوتر”، ويمكن اعتباره “مجال تقني وعلمي مخصص للنظام الهندسي الذي يُولد مخرجات مثل المحتوى، أو التنبؤات، أو القرارات لمجموعة معينة من الأهداف يحددها الإنسان”[6].
وقد تطور الذكاء الاصطناعي بسرعةٍ فائقة من اعتباره مجرد مجال تقني ضيق إلى إحداثه ثورة في تشكيل توازنات القوة والتأثير في ديناميكياتها. ففي مطلع القرن الحادي والعشرين، لم يقتصر الذكاء الاصطناعي على مجرد إنتاج روبوتات صناعية، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الجيوش، ووسيلة لتعزيز تنافسية الاقتصادات، ودعم الرقابة المجتمعية، والتنافس الجيوسياسي. وتُشكّل هياكل الأنظمة المستقلة، والتحليلات التنبؤية، واتخاذ القرارات القائمة على الخوارزميات، والتعلم الآلي، اليوم، ملامح الحوكمة الداخلية والعلاقات الدولية. ونتيجة لذلك، أصبحت مسألة حوكمة الذكاء الاصطناعي إحدى أبرز قضايا السياسة العالمية المعاصرة[7].
وتستخدم الحكومات الذكاء الاصطناعي في إجراءات تخطيط الأمن القومي، ومراقبة الحدود، وإجراء بعض العمليات العسكرية. كما تستخدمه الشركات للتأثير على مليارات المستخدمين من خلال هياكل الاتصالات، وشبكات البيانات، والاقتراحات الخوارزمية. ومن ثم، تبين وجود آثار بالغة لهذه الاستخدامات الحديثة على مفهوم السيادة التقليدي وما بات يُعرف بالسيادة الخوارزمية، وامتد هذا التأثير إلى مفهومي العدالة والحوكمة، إذ بات الذكاء الاصطناعي يُشكّل تحديًا للحدود الجغرافية التي تُسيطر عليها الحكومات بشكلٍ تقليدي.
لقد كانت السيادة أحد أهم المفاهيم التي تُعرِّف قدرة الدولة على حكم إقليم معين وممارسة سلطتها المطلقة عليه. إلا أن هذا التعريف لم يعد كما هو بفعل تطور الذكاء الاصطناعي؛ إذ إن الأنظمة الرقمية لا تعمل وفق الحدود المادية والجغرافية المتعارف عليها؛ فعملية اتخاذ القرار الخوارزمي تعتمد في كثيرٍ من الأحيان على معلومات تُجمع في مكانٍ ما، وتُخزَّن في آخر، وتُعالَج في ثالث، ثم تُطبَّق نتائجها في مكانٍ رابع. ومما يزيد المشهد تعقيدًا، أن الشركات، وليس الحكومات، هي التي تمتلك البنى التحتية للحوسبة السحابية ومراكز البيانات. ولذلك يصعب إخضاع هذه الأنظمة لأدوات القانون التقليدية القائمة على الهيمنة الجغرافية[8]. ومن هنا، باتت سيطرة الخوارزميات على عمليات صنع القرار من التوغل، مما دفع عالم الاجتماع أنيش بالقول إننا نحيا نهاية عصر الحكومات التقليدية ببيروقراطيتها وآليات إدارتها للأسواق وأنماط رقابتها للمواطنين ليحل محلها حكم الخوارزميات AIgocracy، ومن ثم خلق واقع جديد تؤدي فيه الخوارزميات أدوارًا لا نهائية كانت تقوم بها الحكومات بشكلٍ تقليدي[9].
يترتب على ذلك إعادة توزيع في تراتبية القوة والسيادة على المستويين الوطني والدولي. فعلى الرغم من أن الدول لا تزال تملك سلطات لا يُستهان بها، لكنها لم تعد تحتكر البنية التحتية التي تُحدد كيفية صنع القرارات. إذ تعتمد الحكومات على الشركات في مجالاتٍ حيوية كالأمن السيبراني، وإنشاء قواعد البيانات، وإدارة شبكات الاتصالات. ويؤدي هذا الاعتماد إلى حالةٍ من الهشاشة عندما تفوق قدرات الشركات واتجاهاتها نفوذ الدول نفسها. فعلى سبيل المثال، تمتلك شركات التكنولوجيا أقمارًا صناعية وكابلات بحرية ومنصات سحابية تحتوي على كمياتٍ هائلة من المعلومات عالية القيمة. وتعد هذه البنى التحتية أمر حيوي للأمن القومي، إلا أن الحكومات لا تُحكِم سيطرتها عليها بشكلٍ كامل، بل قد لا تكون على درايةٍ كاملة بآليات عملها، ومن ثم ابتعد مفهوم السيادة عن كونه سلطة آمرة مطلقة ليصبح مفهومًا أكثر تعقيدًا يقوم على التفاعل بين الدولة والفاعلين في المجال التكنولوجي من غير الدول[10].
وذهبت إحدى الدراسات[11] إلى أن الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي قد أدى إلى تعميق الروابط بين دول العالم، خاصةً في مجالات الرقابة الرقمية وحوكمة بنيتها التحتية. ومع تزايد استخدام أنظمة الرقابة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في الأمن العام وإدارة ملف الهجرة والاستخبارات، تواجه دول الجنوب العالمي تحديًا جديدًا يتمثل في السيادة الخوارزمية، أي قدرة الدولة على التحكم الكامل في البيانات والبنية التحتية والخوارزميات التي تعمل داخل حدودها؛ إذ تعتمد العديد من هذه الدول على منصات رقابة أجنبية دون امتلاك حق التحكم في إدارة البيانات، مما يخلق مخاطر أمنية وسياسية كبيرة ويجعلها عرضةً للتبعية التقنية. وتوضح الدراسة أن هذه التقنيات تُعيد تشكيل استقلالية الدول من خلال أنظمة لا تتمتع بالشفافية، وتدفقات بيانات عابرة للحدود، وغموض خوارزمي يحد من الرقابة والمساءلة.
وبالاستعانة بحالاتٍ من إفريقيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، تُظهر الدراسة سالفة الذكر أن البنى التحتية المستوردة للذكاء الاصطناعي تمثل شكلًا من الاستعمار الرقمي الجديد، إذ تعزز علاقات قوة غير متكافئة، وتُضعف بناء القدرات المحلية، وتُشوّه أولويات الأمن السيبراني، وتحد من الرقابة المجتمعية، وتضر بمبدأ المساءلة.
وتخلص الدراسة إلى ضرورة تبني أطر إقليمية لحوكمة الخوارزميات، ودعم تطوير قدرات وطنية في الذكاء الاصطناعي، ووضع سياسات تضمن السيطرة الوطنية على البيانات وأنظمة اتخاذ القرار. فمسألة السيادة الخوارزمية ليست قضية تقنية فقط، بل هي جزء أساسي من حماية الاستقلال السياسي والحريات المدنية في العصر الرقمي، الأمر الذي دفع مجموعة من الباحثين في دراسة أخرى إلى ضرورة التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره جزء لا يتجزأ من سيادة الدول واعتبار التكنولوجيا كأساس/ بنية تحتية للسيادة Infrastructure of Sovereignty، ودعوا إلى إعلان حالة طوارئ للتعامل مع قضية الذكاء الاصطناعي في قارة إفريقيا على اعتبار أنها تضم بلدان تُعاني هشاشةً في مجال الذكاء الاصنطاعي[12].
بالتبعية، تتحدى تقنيات الذكاء الاصطناعي مفهوم “العدالة” بشكله التقليدي، حيث يرى أنصار النظرية النقدية في العلاقات الدولية أن هناك تمييز عرقي وعدم تكافؤ في فرص الوصول إلى المعلومات والخدمات، حيث تسكن في بنية التفاعلات الخوارزمية ما يُسمى بـ “التحيز المشفر”، وتُعيد الأنظمة الخوارزمية إنتاج التحيزات الاجتماعية في البيانات المجمعة، وتُمارس التمييز ضد فئات اجتماعية محددة كما حدث مع تحيز النظام الطبي الأمريكي ضد أصحاب البشرة السوداء أثناء أزمة كورونا[13].
نتيجة لذلك، تركز النقاشات المعاصرة على مفهوم “العدالة الخوارزمية”، التي تتطلب توفر الشفافية والمساءلة والإنصاف في أنظمة الذكاء الاصطناعي. وتحذر المنظمات الدولية من أن الذكاء الاصطناعي قد يفاقم التفاوتات الاجتماعية ما لم يتم وضع آليات حوكمة لحماية حقوق الإنسان وضمان تحقيق نتائج عادلة[14].
كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي أثار الكثير من المعضلات الأخلاقية بعد ان اُستُخدمت تقنياته في الأغراض العسكرية لتحديد الأهداف المراد إصابتها دونما وضع اعتبار للخسائر البشرية، وما فعلته إسرائيل أثناء حرب الإبادة الجماعية التي شنتها على قطاع غزة في أعقاب عملية طوفان الأقصى أكتوبر ٢٠٢٣ المثال الأبرز، حيث أدانت منظمة هيومن رايتس ووتش استخدام الجيش الإسرائيلي تقنيات الذكاء الاصطناعي في حربه على غزة، إذ صرَحت في تقريرٍ لها نشرته في ١٠ سبتمبر ٢٠٢٤ بأن “استخدام إسرائيل للذكاء الاصطناعي في تعقب أهداف هجماتها في غزة يُلحق أضرارًا بالغة بالمدنيين ويُثير مخاوف أخلاقية وقانونية خطيرة”[15]؛ الأمر الذي دفع اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) لدعوة الدول إلى التحرك بصورةٍ عاجلة لوضع قواعد جديدة ملزمة قانونًا، تتضمن حظرًا وقيودًا واضحة على أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل [16](AWS).
وقد كشف تقرير صادر عن الأمم المتحدة في يونيو ٢٠٢٥ تحت عنوان ” من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية”[17] من قبل فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، عن تورط شركات التكنولوجيا الكبرى مثلMicrosoft وGoogle وAmazon وPalantir وHP في توفير خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والمراقبة الرقمية لإسرائيل، وهي القدرات التي أسهمت في تعزيز جمع المعلومات ومعالجتها واتخاذ القرارات التشغيلية والعسكرية أثناء حرب الإبادة في غزة، توافقًا مع رؤية “المشروع الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي” كما جاء نصًا في التقرير.
وفرت شركة مايكروسوفت Microsoftخدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي عبر منصة Azure للهيئات الحكومية والعسكرية الإسرائيلية، وساهمت في دعم البنية التحتية الرقمية ومعالجة البيانات خلال الحرب، كما ساعدت خدماتها السحابية في توسيع قدرات التحليل والمراقبة واتخاذ القرار.
بينما شاركت جوجل Google/Alphabet مع شركة أمازون في مشروع Nimbus-وهو عقد بقيمة ١٫٢ مليار دولار بتمويل من ميزانية وزارة الدفاع الإسرائيلية، لتوفير البنية التحتية التكنولوجية الأساسية في إسرائيل- الذي يُزود الحكومة الإسرائيلية بخدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، كما وفرت أدوات متقدمة لتخزين البيانات الضخمة وتحليلها وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتوفر بالانتير Palantir Technologiesمنصات متخصصة في دمج البيانات وتحليلها بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي لدعم العمليات العسكرية والاستخباراتية. وتساعد أنظمتها في ربط بيانات ساحة المعركة، وتوليد تحليلات تدعم اتخاذ القرار والاستهداف. ووفرت شركة HP/ HPE خوادم وبنى تحتية حاسوبية تُستخدم في تشغيل الأنظمة الحكومية والأمنية الإسرائيلية، كما ارتبطت بتقديم خدمات تقنية لأنظمة إدارة التصاريح وقواعد البيانات الحكومية.
وقد أشار باحثون إلى بروز ما يُسمى “القطبية التكنولوجية Technopolarity”، التي تعني انتقال جزء كبير من السلطة التقليدية للدول إلى شركات التكنولوجيا الكبرى، التي تهيمن على البنى التحتية والأنظمة الرقمية. وهذه الشركات، كونها عابرة للحدود، باتت تتدخل في الانتخابات، وتتحكم في منصات الاتصال، وتتجسس على مليارات الأفراد، وتتخذ قرارات تؤثر في حياة الناس بدرجةٍ قد تفوق تأثير الحكومات ذات السيادة[18].
وتضرب قضية شركة كامبريدج أناليتيكا مثالًا صارخًا على خرق قواعد بيانات المستخدمين؛ حيث استغلت شركة “كامبريدج أناليتيكا” البريطانية بيانات ملايين مستخدمي فيسبوك من أجل التأثير على آرائهم قُبيل انتخابات الرئاسة الأمريكية التي أفضت إلى فوز دونالد ترامب عام ٢٠١٦، كما فعلت الأمر نفسه قبيل التصويت في استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقد تدخلت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC) والكونجرس، مما أدى إلى فرض غرامة بقيمة ٥ مليارات دولار على فيسبوك عام ٢٠١٩، هذا فضلًا عن تحرك ملايين المستخدمين المتضررين لرفع دعوى قضائية مشتركة، متهمين الشركة بإخلالها في حماية بياناتهم. وبعد سنوات من التقاضي، وافقت “ميتا” في عام ٢٠٢٣ على دفع ٧٢٥ مليون دولار لتسوية هذه الدعوى، وهي واحدة من أكبر التسويات ذات الصلة بمجال الخصوصية الرقمية[19].
المحور الثاني- أهم الشركات المتنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي
لا يمكن النظر إلى التنافس بين شركات الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد سباق تكنولوجي، بل هو صراع على الموارد الأساسية التي تستطيع هذه الشركات من خلالها إنتاج المعرفة نفسها، ومن أهم هذه الموارد القدرة الحاسوبية (Compute)، وتوافر البيانات، والكفاءات، والبنية التحتية، وقنوات التوزيع. وتُشير تحليلات حديثة لقطاع الذكاء الاصطناعي إلى أن الحوسبة والبيانات والكفاءات والتوزيع هي المصادر الرئيسية للميزة التنافسية[20].
ومن ثم، تتنافس اليوم شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى على أربعة موارد استراتيجية؛ أولًا قوة القدرة الحاسوبية أي الوصول إلى كميات ضخمة من المعالجات المتخصصة(GPUs) ، ومراكز البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. فكلما زادت القدرة الحاسوبية، زادت احتمالية تدريب نماذج أكبر وأكثر تعقيدًا وتشغيلها بسرعة وكفاءة أعلى. ثانيًا البيانات اللازمة لتدريب النماذج، وثالثًا باحثون ومهندسون ذوو مهارات عالية قادرون على تصميم النماذج وتطويرها وتحسينها، ورابعًا شبكات ومنصات التوزيع، وتشير تحليلات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الوصول إلى بيانات عالية الجودة وموارد حوسبة متطورة أصبح عائقًا رئيسيًا أمام دخول قطاع الذكاء الاصطناعي.
وينبغي الإشارة إلى أن الشركات المساهمة في سوق صناعة الذكاء الاصطناعي ليست على مستوى واحد، بل تتكون من ثلاثة مستويات مختلفة، وهذه المستويات بمثابة سلسلة القيمة الأساسية للذكاء الاصطناعي، مع إمكانية عمل بعض الشركات في أكثر من مستوى في الوقت نفسه، وتتشكل هذه المستويات الثلاثة على النحو التالي:
أولًا- شركات النماذج الرائدة (Frontier Models): وهي الشركات التي تُطور النماذج الأساسية الضخمة للذكاء الاصطناعي مثل OpenAIوGoogle DeepMind و AnthropicوBaidu، هذه الشركات تمتلك القدرة التقنية والبيانات والحوسبة اللازمة لتطوير النماذج الأكثر تقدمًا[21].
ثانيًا- منصات أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستخدم النهائي: وهي المنصات والتطبيقات التي تُتيح خدمات الذكاء الاصطناعي مباشرةً للمستخدمين النهائيين، وتعتمد غالبًا على النماذج الأساسية التي تطورها الشركات الرائدة مثلChatGPT، وGemini، وCopilot، وClaude.
ثالثًا- شركات البنية التحتية السحابية والذكاء الاصطناعي: وهي الشركات التي تُوفر مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية والخدمات السحابية اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي، مثل Microsoft Azure، وAmazon Web Services (AWS)، وGoogle Cloud، وNVIDIA. وهذا المستوى يُعد أساسيًا لأن جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي تعتمد عليه.
ويوضح الجدول التالي أهم الشركات في مجال الذكاء الاصطناعي، وبلد المنشأ، وأهم مخرجاتها، وميزتها التنافسية.
جدول (١): أهم الشركات المتنافسة في سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي
| الشركة | بلد المنشأ | أهم المنتجات/ النماذج/ الخدمات التي تقدمها الشركة | الميزة التنافسية للشركة |
| OpenAI | أمريكية | ChatGPT ونماذجه المتعددة منGPT-4o وGPT-5 | تستحوذ على الحصة الأكبر من سوق الذكاء الاصطناعي للمستهلكين[22]. |
| Google DeepMind | تأسست في عام ٢٠١٠ في لندن، وتم الاستحواذ عليها من قبل شركة جوجل في عام ٢٠١٥ | Gemini, DeepMind models | الريادة في أبحاث الذكاء الاصطناعي، مع الاستفادة من قاعدة بيانات جوجل، وبنيتها التحتية السحابية، ومنظومتها المتقدمة للبحث. |
| Anthropic | أمريكية | نموذج Claude | أبرز الشركات الأمريكية العاملة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، اشتُهرت بتطوير نموذج Claude إلى جانب تبنيها مقاربة “الذكاء الاصطناعي الدستوري” لضبط سلوك النماذج وضمان توافقها مع القيم الإنسانية[23]. |
| Microsoft AI | أمريكية | Copilot, Azure AI, GitHub Copilot | تدمج Microsoft AI تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر أنظمة Windows وMicrosoft 365 وAzure وCopilot، وتُوفر أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي للمؤسسات والمستهلكين[24]. |
| Meta AI | أمريكية | Llama, Meta AI Assistant | تطوِّر Meta AI تقنيات الذكاء الاصطناعي لتطبيقات Facebook و InstagramوWhatsApp وتقنيات الواقع الافتراضي، بما في ذلك نماذج Llama للذكاء الاصطناعي ذات المصدر المفتوح. |
| XAI | أمريكية | Grok | التكامل مع منصةX، مع إمكانية الوصول إلى تدفقات ضخمة من البيانات. |
| Mistral AI | فرنسية | Mistral Large, Le Chat | تُعد شركة رائدة مجال الذكاء الاصطناعي في أوروبا، مع قدرات قوية في معالجة اللغات المتعددة، والتركيز على السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي[25]. |
| Cohere | كندية | Command, Embed, Rerank | تتخصص الشركة في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي الموجهة لقطاع الأعمال والمؤسسات. كما توفر حلولًا تدعم لغات متعددة، بما يسهم في تعزيز كفاءة العمليات وتحسين إدارة المعرفة واتخاذ القرار داخل المؤسسات[26]. |
| DeepSeek | صينية | DeepSeek-R1 ونماذج أخرى ذات الصلة | نماذج استدلال عالية الأداء بتكلفة أقل، مع تركيز على الكفاءة وإتاحة نماذج مفتوحة المصدر[27]. |
| NVIDIA | أمريكية | Blackwell GPUs, CUDA, DGX | تُهيمن على سوق البنية التحتية اللازمة لتدريب النماذج، وتُعد موردًا أساسيًا لما يقرب من جميع الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي. |
| Amazon AI (AWS) | أمريكية | Bedrock, SageMaker, Alexa AI | تبني أمازون للذكاء الاصطناعي خدمات قائمة على الحوسبة السحابية من خلال AWS وAlexa وAmazon Bedrock، مما يساعد الشركات على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي ونشرها[28]. |
| Moonshoot AI | صينية | Kimi apps, Moonshot API, open weights (Kimi K3, K2) | نماذج مفتوحة الأوزان بمستوى أداء يُضاهي نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة، تتميز بقدرتها على معالجة سياقات طويلة، ودعم تطبيقات الوكلاء الذكية ومهام البرمجة المتقدمة[29]. |
يُلاحظ من الجدول السابق هيمنة الشركات الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي الرائد، حيث تتخذ الشركات الرائدة في تطوير النماذج والبنية التحتية ونشرها مثل OpenAI وAnthropic وMicrosoft وGoogle وMeta وNVIDIA وAmazon من الولايات المتحدة مقرًا رئيسيًا لها أو تعمل ضمن منظومتها التكنولوجية. ويعكس هذا التركيز مزايا هيكلية ناتجة عن سهولة الوصول إلى رأس المال الاستثماري، والجامعات البحثية، والعمالة الماهرة، والبنية التحتية السحابية، وأسواق التكنولوجيا المتقدمة[30].
وبالإشارة إلى الشركات المهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي، يُلاحظ وجود فجوة متزايدة بين استراتيجيات الذكاء الاصطناعي الاحتكارية والمفتوحة، حيث تعتمد OpenAI وAnthropic وGoogle DeepMind وxAI بشكلٍ أساسي على نماذج احتكارية، مما يُقيد الوصول إلى أوزان النماذج ويتم جني الربح من تقنياتها عبر برمجة التطبيقات والاشتراكات. في المقابل، تركز نماذج Llama من Meta، وMistral، وDeepSeek على استراتيجية الأوزان المفتوحة، والذي يرى مؤيدوه أنه يقلل الاعتماد على محدودية مزودي الخدمات المهيمنين، ويُمكّن الحكومات والشركات من الحفاظ على سيطرة أكبر على بياناتها وتطبيقاتها. ونتيجةً لذلك، قد يتشكل مستقبل سوق الذكاء الاصطناعي ليس فقط من خلال الأداء التكنولوجي للشركات، بل أيضًا من خلال التنافس بين نماذج الابتكار المغلقة والمفتوحة[31].
وتلعب جنسية الشركة وموقعها الجيوسياسي دورًا بارزًا في تشكيل ميزتها التنافسية وتعزيز قدرتها على المنافسة. فعلى سبيل المثال، تُقدّم شركة Mistral نفسها كبديلٍ أوروبي لشركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية، مُركّزةً على سيادة البيانات، والامتثال التنظيمي، ودعم لغات متعددة للنموذج. تُشير التقارير الحديثة إلى أن الشركة قد حظيت بدعمٍ مالي كبير، وذلك في سبيل ترسيخ مكانتها كشركة أوروبية رائدة قادرة على منافسة شركتي OpenAI وAnthropic. وبالمثل، تستفيد شركات صينية مثل DeepSeek من قدرتها على خدمة أسواق محلية واسعة النطاق وتطوير بدائل أقل اعتمادًا على الأنظمة التكنولوجية الغربية. ولذلك، تتشابك المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي بشكلٍ متزايد مع الجهود الجيوسياسية الأوسع التي تبذلها الدول والمناطق لضمان الاستقلال التكنولوجي، وتقليل الاعتماد الاستراتيجي على المنصات الأمريكية[32].
بالنظر إلى هذه التطورات مجتمعة، يُشير ذلك إلى ضرورة فهم صناعة الذكاء الاصطناعي المعاصرة على اعتبارها صراع بين ثلاثة أشكال من القوة. أولها قوة المعرفة، التي تمارسها شركات مثل OpenAI وAnthropic وGoogle DeepMind من خلال سيطرتها على النماذج الرائدة وقدرات البحث المتقدمة. وثانيها قوة البنية التحتية، التي تمارسها شركات مثل NVIDIA وMicrosoft Azure وAmazon Web Services وGoogle Cloud من خلال سيطرتها على سعة الحوسبة ومراكز البيانات. أما العنصر الثالث، فهو قوة المنصات والبيانات، التي تمارسها شركات مثل ميتا وجوجل وXai من خلال وصولها إلى قواعد المستخدمين واسعة النطاق.
المحور الثالث- التنافس بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي حول إعادة تشكيل توازنات القوة الرقمية: أنماط العلاقة بين الدولة وشركات الذكاء الاصطناعي
تُشير التغيرات المتسارعة على الساحة الدولية إلى تصاعد حدة التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، مدفوعًا برغبة كل طرف في ترسيخ سيادته الرقمية وتعزيز سيطرته على الفضاء الرقمي العالمي؛ فإنتاج وتطوير أدوات التكنولوجيا المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية وتقنيات تحليل البيانات الضخمة، من أهم الركائز الأساسية لإعادة موازين القوى الدولية في العصر الرقمي، وتأمين مصالح الدولة الاستراتيجية وبسط نفوذها السياسي[33].
لا تجري المنافسة العالمية حول الذكاء الاصطناعي في إطار نموذج موحد ثابت، بل يقود هذا التنافس ثلاث رؤى متمايزة ومتعارضة إلى حدٍ كبير بشأن كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره وتنظيمه وحوكمته، وانطلاقًا من اختلاف الفلسفات السياسية والسياقات التاريخية لكل قوة فاعلة. تُمثل مقاربات كل من الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي نماذج متنافسة لتنظيم التقدم التكنولوجي وتحديد الدور الذي ينبغي أن يؤديه في المجتمع ويقدم كل نموذج من هذه النماذج تصورًا متماسكًا، وإن كان محل خلاف، لمستقبل الذكاء الاصطناعي، يستند إلى منطقه الاستراتيجي الخاص، وأدواته السياسية والتنظيمية، فضلًا عن التحديات الكامنة التي يواجهها[34].
تتبنى الولايات المتحدة نموذجًا يعتمد على الابتكار وريادة القطاع الخاص، ويستهدف تحقيق الهيمنة الرقمية Digital Hegemony، حيث تقود شركات كبرى مثل Microsoft وOpenAI، وGoogle، وAmazon، وMeta، وNvidia عملية تطوير النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الحاسوبية المرتبطة بها. تعتمد الاستراتيجية الأمريكية على اللامركزية في إدارة مجالها الرقمي، وتنظيم نقل وتبادل البيانات من خلال مجموعة من القوانين الفيدرالية التي تُغطي قطاعات محددة مثل الصحة والتمويل. وتحاول الولايات المتحدة الاحتفاظ بالتفوق التكنولوجي من خلال الاستثمار المكثف في البحث والتطوير، وفرض قيود على وصول المنافسين إلى التقنيات والرقائق الأكثر تقدمًا. ولا يقتصر مفهوم الهيمنة الرقمية على الحضور المؤثر على الساحة الرقمية الدولية بل في وضع معايير الحوكمة الرقمية وتوجيه سياسات الابتكار عالميًا، حيث تستحوذ الولايات المتحدة على حصةٍ كبيرة من البنية التحتية العالمية المتقدمة للحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي ومنظومة أشباه الموصلات[35].
وقد بلغ الاستثمار الخاص الأمريكي عبر الشركات في مجال الذكاء الاصطناعي ١٠٩٫١ مليار دولار في عام ٢٠٢٤، أي ما يقارب ١٢ ضعفًا مقارنةً بالصين التي بلغ استثمارها ٩٫٣ مليار دولار، ونحو ٢٤ ضعفًا مقارنةً بالمملكة المتحدة التي بلغ استثمارها ٤٫٥ مليار دولار في العام نفسه. وتزداد الفجوة وضوحًا في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ إذ تجاوز الاستثمار الأمريكي إجمالي استثمارات الصين والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة مجتمعةً بمقدار ٢٥٫٤ مليار دولار، مقارنةً بفجوة بلغت ٢١٫٨ مليار دولار في عام ٢٠٢٣[36].
في المقابل، تنظر الصين إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره محرك رئيسي للنمو الاقتصادي، حيث تسعى نحو تحقيق الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي بقيادة الدولة وليس إطلاق يد الشركات، والوصول إلى الاكتفاء الذاتي التكنولوجي بما يُمكّنها من تحقيق الريادة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي. وما يميز الاستراتيجية الصينية أنها تجمع بين التخطيط الحكومي المُحكم، والسوق المحلية الضخمة، وامتلاكها كم هائل من البيانات. وتستثمر الصين بكثافة في الذكاء الاصطناعي، والتصنيع الذكي، والمدفوعات الرقمية، والاتصالات، وتطوير أشباه الموصلات، وإدخال أنظمة رقابية ضمن مشاريع البنية التحتية في الدول النامية[37]. وتسعى الصين من خلال هذه الاستراتيجية نحو بناء منظومة رقمية موازية، ويجري دمج الذكاء الاصطناعي بصورةٍ متزايدة في التعليم والإدارة والصناعة والبنى التحتية الأمنية، بما يُعزز طموح الصين طويل الأمد إلى تقليص اعتمادها على التكنولوجيات الغربية، بالتوازي مع تصدير أنظمتها التكنولوجية الخاصة إلى بعض الدول النامية[38]. وتتصدر الصين المنافسة في المجال الرقمي في حجم المنشورات والاستشهادات ومنح براءات الاختراع، بينما تواصل الولايات المتحدة قيادتها في إنتاج النماذج الرائدة.
وعلى خلاف النهج الأمريكي التقليدي القائم بدرجة أكبر على آليات السوق، اتبع الاتحاد الأوروبي استراتيجية تنظيمية واسعة تهدف إلى توجيه تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه من خلال وضع أطر قانونية شاملة. ويستند النموذج الأوروبي على مبدأ السيادة الرقمية Digital Sovereignty والحوكمة القائمة على القواعد بما يبرر التدخل التنظيمي للحد من الأضرار المحتملة في ظل عدم اليقين. ومن ثم، يُعطي هذا النهج أولوية لحماية الحقوق الأساسية والنزاهة والشفافية على حساب السرعة المطلقة في الابتكار.
ويُجسد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) هذا التوجه من خلال تصنيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي وفق مستويات المخاطر، وفرض التزامات أكثر صرامة على الأنظمة عالية الخطورة ونماذج الذكاء الاصطناعي ذات الأغراض العامة. ويختلف ذلك عن النهج الأمريكي الذي يميل إلى الإطلاق السريع للمنتجات والنماذج. وتتمثل إحدى أهم أدوات القوة الاستراتيجية الأوروبية فيما يُعرف بـ (تأثير بروكسل) (Brussels Effect)؛ إذ تستفيد أوروبا من حجم سوقها الموحدة لفرض معاييرها التنظيمية بصورةٍ غير مباشرة على الشركات العالمية الراغبة في الوصول إلى المستهلكين الأوروبيين. ويمنح ذلك الاتحاد الأوروبي قوةً معيارية تُتيح له تقديم نفسه بوصفه طرفًا رئيسيًا في صياغة المعايير العالمية للذكاء الاصطناعي، قائمًا على مفهوم (السيادة الأخلاقية).
ومع ذلك، يواجه النموذج الأوروبي مفارقةً أساسية؛ فصرامة التنظيم قد تؤدي إلى إبطاء الابتكار وتحمل الشركات تكاليف امتثال مرتفعة. فعلى الرغم من قوة أوروبا في البحث العلمي والتنظيم، فإنها لا تزال متأخرة في تحويل المعرفة البحثية إلى شركات ومنتجات قادرة على منافسة عمالقة الذكاء الاصطناعي الأمريكيين، مثل OpenAI وDeepMind، وبالتالي، يتمثل التحدي الأساسي أمام دول الاتحاد الأوروبي في إثبات إمكانية بناء نموذج للذكاء الاصطناعي يقوم على الأخلاقيات والحقوق دون التضحية بالابتكار والسرعة والقدرة على التوسع عالميًا[39].
من ثم، فإنه من الطبيعي ألا يتبوأ الاتحاد الأوروبي مقعدًا قياديًا في مجال النماذج الرائدة Frontier Models مقارنةً بالولايات المتحدة والصين. وتشير التقديرات الحديثة إلى تفوق الشركات الصينية على نظيراتها الأمريكية في السنتين الأخيرتين (٢٠٢٤ و٢٠٢٥)، وليس أدل على تفوق الشركات الصينية مقارنةً بالأداء الأمريكي في الثلاث سنوات الأخيرة مما ذكره تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام ٢٠٢٦ الصادر عن جامعة ستانفورد إلى أن فجوة الأداء بين أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية والصينية تقلصت إلى ٢٫٧ نقطة مئوية، بعد أن كانت تتراوح بين ١٧٫٥ و٣١٫٦ نقطة مئوية في مايو ٢٠٢٣، وذلك رغم أن الولايات المتحدة أنفقت ٢٣ ضعف ما أنفقته الصين على الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي، وصل هذا الإنفاق إلى ٢٨٥٫٩ مليار دولار مقابل ١٢٫٤ مليار دولار في عام ٢٠٢٥.
وتتفوق الصين على نظيراتها الأمريكية في عددٍ من المؤشرات، إذ تستحوذ على ٦٩٫٧٪ من طلبات براءات الاختراع العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، وتمثل٢٣٫٢٪ من الإنتاج العالمي للمنشورات العلمية، كما تتجاوز الولايات المتحدة بنحو ٩ أضعاف في معدل تركيب الروبوتات الصناعية، وتتمتع بتفوق في البنية التحتية للطاقة اللازمة لدعم الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، انخفضت هجرة العقول المتخصصة في الذكاء الاصطناعي إلى الولايات المتحدة بنسبة ٨٩٪ منذ عام ٢٠١٧[40]. في التقرير نفسه، ذُكر تفوق الصين في مجال الروبوتات الصناعية، إذ قامت الصين بتركيب ٢٩٥ ألف روبوت صناعي خلال أحدث فترة تتوافر عنها بيانات، أي ما يقارب تسعة أضعاف العدد المُركب في الولايات المتحدة، والذي بلغ ٣٤٫٢٠٠ روبوت.
من ثم، لا يمكن اعتبار الشركات التكنولوجية الكبرى مجرد فاعلين اقتصاديين يسعون إلى تعظيم الأرباح، بل أصبحوا في قلب عملية التنافس الرقمي بين القوى الكبرى، نظرًا لسيطرتها على الموارد الأساسية اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها البيانات والرقائق المتقدمة والبنية التحتية السحابية والنماذج الرائدة. فالتفوق الأمريكي في المجال الرقمي يعتمد بدرجة كبيرة على شركات مثل OpenAI وMicrosoft وGoogle وAmazon وNVIDIA، التي أصبحت مسؤولة عن إنتاج نسبة كبيرة من النماذج الرائدة عالميًا. وفي المقابل، تدعم الصين شركات وطنية مثل Huawei وAlibaba وBaidu وDeepSeek لتعزيز الاكتفاء الذاتي التكنولوجي وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، ويرى كل طرف أن نجاح الشركات في تطوير نماذج أكثر كفاءة أو تأمين موارد الحوسبة والرقائق المتقدمة يُترجم مباشرةً إلى مكاسب جيوسياسية للدولة التي تنتمي إليها[41].
المحور الرابع- تأثير تنافس الشركات على الإنتاج المعرفي: مخاوف الاستعمار الرقمي وتشظي المعرفة
تمخض عن المنافسة المحتدمة بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي في مجال الذكاء الاصطناعي نتائج ذات طبيعة مزدوجة لعملية إنتاج المعرفة؛ حيث ساهمت هذه المنافسة في تسريع وتيرة الاكتشافات العلمية والابتكار التكنولوجي، وفي الوقت نفسه عمّقت الفجوة بين من يمتلكون ركائز البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومن لا يملكونها، إذ يفرض هذا الوضع تحديًا كبيرًا على الدول النامية، ويزداد الطلب على مواردها الأولية -المتمثلة في البيانات والمهارات والقدرات العقلية والأسواق- بينما تتقلص المسارات المتاحة لتحويل هذه الأصول إلى قدرات تُعزز من إنتاجها المعرفي.
لا تقتصر هذه المنافسة على سباق لتطوير نماذج أفضل فحسب، بل إنها تُعيد تشكيل آلية إنتاج المعرفة ذاتها على مستوى العالم. فقد أظهرت دراسة حللت أكثر من خمسة ملايين منشور علمي أن الأبحاث التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء (HPC) هي على الأرجح تحصد أعلى معدلات استشهاد؛ غير أن فرص الوصول إلى هذه الإمكانات الضخمة تتركز في أيدٍ محدودة، وهذا يمنح القوى الكبرى ميزة تنافسية لا يُستهان بها؛ إذ تشير الدراسة ذاتها إلى هيمنة الولايات المتحدة والصين على موارد الحوسبة الفائقة وخبرات الذكاء الاصطناعي، في حين يحتفظ الاتحاد الأوروبي بقدرته التنافسية التي قد تبعد قليلًا من الطرفين المهيمنين على المشهد الرقمي. وبالنسبة للدول النامية، فتبقى معتمدة على المعرفة المُنتجة في أماكن أخرى[42].
وهذه الفجوة نابعة من عدم تكافؤ الفرص بين الدول المتقدمة (في الشمال العالمي) التي تمتلك هذه القدرات وبين الدول النامية (في الجنوب العالمي) في مراكمة المعلومات ومعالجتها خوارزميًا[43]، ففي حين تمتلك دول الشمال معظم موارد البنية التحتية الرقمية ومرافق الحوسبة السحابية ومنصات الذكاء الاصطناعي وقدرات معالجة البيانات، تمثل العديد من دول الجنوب في المقام الأول كمصادر للبيانات لا كجهات تتحكم فيها. وقد دفع هذا التفاوت الباحثين إلى وصف الظاهرة بـ “الاستعمار الرقمي”؛ حيث تقوم شركات -يقع مقر معظمها في دول الشمال العالمي- بجمع البيانات التي تولدها شعوب الجنوب العالمي ومعالجتها وتحقيق أرباح منها. ونتيجة لذلك، تتركز القيمة الاقتصادية والقدرات التكنولوجية وسلطة اتخاذ القرار في أيدٍ قليلة من الدول والشركات، مما يعزز التفاوتات العالمية في العصر الرقمي[44].
علاوة على ذلك، يتجه المشهد العالمي لأبحاث الذكاء الاصطناعي نحو الاستقطاب لا التقارب؛ فقد كشف تحليل لشبكات التعاون البحثي في هذا المجال عن تباعد أهداف كل من الولايات المتحدة والصين واستراتيجياتهما البحثية، حيث تشكل كل منهما قطبًا مستقلًا. ورغم نجاح بعض الدول في لعب دور “الجسر” الرابط بين هذين القطبين، إلا أن الهيكل العام يتجه نحو التكتل، مما يحد من انتشار المعرفة ويُضعف الثقة المتبادلة[45].
وما يعزز هذا الاستقطاب، هيمنة الولايات المتحدة عام ٢٠٢٤ على سلاسل إمداد رقائق الذكاء الاصطناعي، كما استحوذت على ٥٠٪ من خوادم الإنترنت الآمنة Safe Servers المتاحة عالميًا، بينما استحوذت الدول مرتفعة الدخل الأخرى على ٤١٪ منها، تاركةً ٩٪ فقط لبقية دول العالم. وفي يونيو ٢٠٢٥، استضافت الدول مرتفعة الدخل ٨٦٪ من أفضل ٥٠٠ نظام الحوسبة فائقة الأداءHPC في العالم، و٩٧٪ من إجمالي قدراتها الحاسوبية. كما استحوذت هذه الدول أيضًا على ٧٧٪ من القدرة العالمية لمراكز البيانات، مقابل ١٨٪ للدول متوسطة الدخل العليا، و٥٪ للدول متوسطة الدخل الدنيا، وأقل من ٠٫١٪ للدول منخفضة الدخل[46].
رغم ذلك، تبرز في هذا السياق فرصة حقيقية أمام الدول متوسطة الدخل -وفقًا لما جاء في تقرير صادر عن البنك الدولي تحت عنوان The Promise of Artificial Intelligence- في ظل الانتشار المتسارع وغير المسبوق للذكاء الاصطناعي؛ إذ يشير البنك الدولي إلى أن نحو نصف حالات الولوج إلى موقع ChatGPT جاءت من دول متوسطة الدخل خلال ستة أشهر فقط من إطلاقه، بما يعكس سرعة تبني هذه الدول لتقنيات الذكاء الاصطناعي وإمكاناتها في الاستفادة منها. كما يُتيح نموذج “الذكاء الاصطناعي كخدمة” للدول النامية الاستفادة من الخوارزميات والنماذج المتقدمة دون الحاجة إلى بناء منظومات متكاملة أو امتلاك بنية حاسوبية ضخمة، وهو ما قد يُخفف من تكاليف الدخول إلى الاقتصاد الرقمي ويتيح فرصًا أسرع لتبني الابتكارات الحديثة وتكييفها مع الاحتياجات المحلية[47].
في المقابل، هناك اتجاه يدعو البلدان النامية إلى انتهاج مسار ثالث في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، يتجاوز ثنائية الاعتماد الكامل على النماذج العالمية أو الانعزال عنها. ويقوم هذا المسار بالنظر إلى البيانات بوصفها قضية تمس سيادتها وأمنها القومي، انطلاقًا من أن السيطرة على البنية التحتية الرقمية والمعرفية أصبحت مصدرًا أساسيًا للقوة في العصر الرقمي؛ فمن يملك البنية التحتية يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة وتوجيهها، ومن يملك المعرفة يمتلك النفوذ والقوة. وفي هذا السياق، تؤكد دراسة AI and the Future of Work in Africa أن التحدي لا يكمن في رفض النماذج العالمية للذكاء الاصطناعي[48]، وإنما في بناء منظومة ذكاء اصطناعي متمركزة حول أفريقيا Africa-Centered AI -باعتبارها من أكثر الأماكن المعرضة لمخاطر التبعية الرقمية- تستند إلى تصميم النماذج والتطبيقات انطلاقًا من الواقع الإفريقي واحتياجاته التنموية، مع دعم اللغات المحلية، ومراعاة الخصوصيات الثقافية والقيم المجتمعية الإفريقية، وتطوير حلول وتطبيقات تستجيب لأولويات القارة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
وعلى ذكر بناء نماذج ذكاء اصطناعي تستجيب لمتطلبات المجتمعات المحلية في الدول النامية، هناك أشكال متفاوتة تتخذها الشركات في تلك الدول ليس لمجابهة الهيمنة الأمريكية بالمعنى الحرفي في صناعة هذا المجال، ولكن لمحاولة خلق مساحات موازية ومناوِرة لتطويع استخدام التكنولوجيا لتلبية احتياجات البنى الاقتصادية والاجتماعية المحلية.
وتتمثل أولى أشكال هذه المقاومة في إعطاء الأولوية للسياقات الثقافية المحلية ومحاولة إزالة الطابع الاستعماري عن الفضاء الرقمي من خلال نماذج تضع اللغات المحلية والثقافات المهمشة في قلب تصميمها، فتم على سبيل المثال إنشاء مشروع InkubaLM والذي يُعد مبادرة لتطوير نماذج لغوية كبيرة في إفريقيا بواسطة مبرمجين محليين، وذلك في سبيل تمكين المجتمعات الإفريقية من الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بلغاتها الخاصة، وأيضًا جاء مشروع Huqariq في بيرو على النهج ذاته بغرض حفظ ومعالجة لغات السكان الأصليين التي تتعرض للانقراض نتيجة هيمنة اللغات الاستعمارية كاللغات الإسبانية والإنجليزية، هذا فضلًا عن المبادرات الهندية لتطوير قواعد بيانات صوتية للغات المحلية[49].
وفي البرازيل، تم إطلاق الخطة البرازيلية للذكاء الاصطناعي (PBIA 2024-2028)، التي تتضمن استثمارات مستهدفة تبلغ نحو ٢٣ مليار ريال برازيلي، وتسعى صراحةً إلى تطوير نماذج باللغة البرتغالية باستخدام البيانات الوطنية، وذلك بالاعتماد على بنية تحتية حوسبية متقدمة، وقدرات تكنولوجية محلية، بهدف تعزيز السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي[50].
أما عن إندونيسيا، أثمر التعاون بين شركتي GoTo وIndosat عن إطلاق نموذج Sahabat-AI، وهو نموذج لغوي متعدد اللغات بسعة ٧٠ مليار معامل (Parameter) يدعم اللغة الإندونيسية واللغات المحلية. ويُدار هذا النموذج عبر بنية تحتية مستضافة محليًا، في ربط مباشر بين الملكية التقنية والسيادة الرقمية الوطنية[51].
وفي منطقتنا العربية، وعلى الأخص في المملكة العربية السعودية، قاد التحالف بين الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) والشركة الوطنية HUMAIN نحو إطلاق نموذج علاّم (ALLaM) ضمن الرؤية السعودية التي تهدف إلى بناء منظومة معرفيّة عربية متكاملة، وفي أغسطس ٢٠٢٥ أطلقت HUMAIN تطبيق HUMAIN Chat المعتمد على النسخة المتقدمة ALLAM 34B، في إطار التوجه السعودي نحو بناء منظومة ذكاء اصطناعي عربية وسيادية. ويُتيح النموذج معالجة البيانات وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن بنى تحتية وطنية، بما يسهم في تقليل الاعتماد على المنصات الأجنبية عند التعامل مع البيانات الحساسة وتعزيز السيادة الرقمية للمملكة[52].
وفي مجمل هذه المحاولات، تمثل تحولاً نوعيًا نحو إرساء السيادة الرقمية وكسر الاحتكار اللغوي، من خلال امتلاك قدرات حوسبية وطنية وتطوير نماذج سيادية ومفتوحة المصدر تُبقي البيانات تحت نطاق الولاية المحلية. غير أن هذه المكاسب تظل رهينة اختلالات هيكلية قائمة؛ في مقدمتها التبعية المطلقة لاحتكارات دول الشمال في صناعة الرقائق، واتساع فجوة القدرات الحوسبية والتمويلية مقارنةً بعمالقة التكنولوجيا الغربية، فضلاً عن تحديات استدامة التمويل وضغوط هروب الكفاءات البشرية نحو المراكز الرأسمالية الكبرى.
خاتمة
أحدث الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته انقلابًا في العديد من المفاهيم المركزية في حقل العلاقات الدولية. فقد شهد مفهوم القوة انتقالًا تدريجيًا من التركيز على الموارد العسكرية والاقتصادية التقليدية إلى التركيز على امتلاك البيانات، والقدرات الحاسوبية، والخوارزميات المتقدمة، والبنى التحتية الرقمية. كما أصبح مفهوم السيادة أكثر تعقيدًا في ظل اعتماد الدول المتزايد على المنصات والشبكات والشركات العابرة للحدود التي باتت تتحكم في تدفقات المعلومات وإنتاج المعرفة، الأمر الذي أدى إلى بروز أشكال جديدة من “السيادة الرقمية” وطرح تحديات غير مسبوقة أمام قدرة الدول على التحكم في فضائها السيبراني وبيانات مواطنيها. كذلك لم يعد توازن القوى مقتصرًا على التوازن العسكري أو الاقتصادي بين الدول، بل أصبح يشمل التوازن التكنولوجي والمعرفي، حيث تتنافس القوى الكبرى -ممثلةً في الشركات العملاقة- على السيطرة على حلقات سلسلة القيمة العالمية للذكاء الاصطناعي، من أشباه الموصلات والحوسبة السحابية إلى النماذج اللغوية المتقدمة والتطبيقات الذكية.
وأظهرت الدراسة أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي لا يقتصر على تطوير التقنيات نفسها، بل يمتد إلى بناء منظومات متكاملة للابتكار والتنظيم والتمويل والسيطرة على الأسواق العالمية. ففي حين تستفيد الولايات المتحدة من ريادة شركات التكنولوجيا العملاقة مثل OpenAI وMicrosof وGoogle وAmazon وNVIDIA، تسعى الصين إلى تعزيز استقلالها التكنولوجي عبر الاستثمار المكثف في الشركات الوطنية والبنية التحتية الرقمية، بينما يُركز الاتحاد الأوروبي على بناء نموذج قائم على التنظيم والحوكمة وحماية البيانات، وتعكس رؤية كل قوة من القوى المتنافسة خصوصيتها الثقافية والسياسية. غير أن هذا التنافس خلق مخاطر متزايدة بالنسبة للدول النامية، التي تُعاني فجوة رقمية ومعرفية متسعة نتيجة محدودية الوصول إلى رأس المال التكنولوجي والبيانات والقدرات الحاسوبية. وفي هذا السياق، تبرز مخاوف من نشأة أشكال جديدة من الاستعمار الرقمي تقوم على التبعية للخدمات والبنى التحتية الأجنبية.
مع ذلك، فإن هذا التنافس الدولي لا يُمثل تهديدًا حتميًا للدول النامية، بل يمكن أن يُتيح فرصًا استراتيجية إذا ما أُحسن توظيفه من خلال تبني سياسات وطنية تستثمر في التعليم والبحث العلمي والبنية التحتية الرقمية ودعم الشركات المحلية الناشئة. كما يمكن لهذه الدول الاستفادة من تعدد مراكز الابتكار العالمية لتجنب الارتكاز على نموذج موحد، وتعزيز نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية.
ورغم أن نموذج “الذكاء الاصطناعي كخدمة” الذي طرحه البنك الدولي في تقريره The Promise of Artificial Intelligence يُتيح للدول النامية الوصول السريع إلى القدرات المتقدمة دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية الحاسوبية، إلا أنه لا يخرج عن سياق استمرار الدول النامية في اتباع نمط التبعية التكنولوجية، نظرًا لاستمرار تمركز ملكية النماذج الأساسية، والبنية التحتية الحاسوبية والبيانات لدى عدد محدود من الشركات والدول المتقدمة. ومن ثم، فلا يكمن الحل للتخلص من تلك التبعية في رفض الاستفادة من نماذج الذكاء الاصطناعي المقدمة كخدمة، وإنما بتوظيفها كمرحلةٍ انتقالية ضمن استراتيجية أوسع لبناء القدرات الوطنية، الأمر الذي يتطلب الاستثمار في البنية التحتية الرقمية المحلية، وتنمية رأس المال البشري، وتعزيز البحث العلمي والابتكار، وتطوير نماذج لغوية تراعي الخصوصية الثقافية، وألا يقتصر دور الدول النامية على استهلاك التقنيات دون مراعاة مدى ملاءمتها لاحتياجاتها وتطلعاتها وخصوصياتها.
[1] Maria Zaffaroni and Jerry Haar, The Global Competition for Dominance in Artificial Intelligence, NYU Digital Resilience Initiative, October 2025, https://l1nq.com/cyapd34
[2] خالد حنفي، كيف يغير الذكاء الاصطناعي فهم العلاقات الدولية، مجلة السياسة الدولية، ملحق اتجاهات نظرية، المجلد ٥٨، العدد ٢٣١، (٢٠٢٣)، ص ٣.
[3] زياد عبدالتواب، تأثير انتشار الذكاء الاصطناعي في مستقبل الرأسمالية، مجلة السياسة الدولية، ملحق اتجاهات نظرية، المجلد ٥٨، العدد ٢٣١، (٢٠٢٣)، ص ٢٠.
[4] أسامة منير، التنافس حول حوكمة الذكاء الاصطناعي بين أمريكا وأوروبا وإعادة تشكيل توازنات القوة الرقمية، السياسة الدولية، المجلد ٦١، العدد ٢٤٣، (٢٠٢٦)، ص ١٤٢.
[5] عبدالرحمن عاطف أبو زيد، كيف تحولت الأدوات الاقتصادية إلى وسائل إكراه في صراع القوى الكبرى، مجلة السياسة الدولية، ملحق تحولات استراتيجية، المجلد ٦١، العدد ٢٤٥، (٢٠٢٦)، ص ١١.
[6] عبير ياسين، الذكاء الاصطناعي في عالم الحروب: مخاوف وتحديات، مجلة السياسة الدولية، العدد ٢٣٧، (يوليو ٢٠٢٤)، ص ٢٧٥.
[7] Muhammad Aamir Latif and Syed Shuja Uddin, Artificial Intelligence Governance and Global Power Politics: Psychological Perceptions, Strategic State Behavior, And Organizational Adaptation in the Era of Autonomous Systems, TPM, Vol. 31, No. S2, (2024), https://doi.org/10.5281/ZENODO.19629773
[8] Abdul Qudoos Khan Lodhi, Basit Aziz, and Malik Altamash Ahmad Noori, Exploring the Influence of Artificial Intelligence on Sovereignty, Legal Autonomy, and Global Power Dynamics: A Qualitative Study in the Context of International Law and Political Decision-Making, Research Journal for Social Affairs, Vol. 3, No. 8, (2025), pp. 1-7, https://doi.org/10.71317/RJSA.003.08.0584
[9] أميرة أبو سمرة، المنظور النقدي للعدالة الخوارزمية بين التحيز والرقابة، مجلة السياسة الدولية، ملحق اتجاهات نظرية، المجلد ٥٨، العدد ٢٣١، (٢٠٢٣)، ص ٢٤.
[10] Abdul Qudoos Khan Lodhi, Basit Aziz, and Malik Altamash Ahmad Noori, Exploring the Influence, pp. 4-5.
[11] Sheriff deen Folaranmi Abiade, Algorithmic Sovereignty and the New Security Dependencies: How Foreign AI Surveillance Technologies Reshape Domestic Autonomy in the Global South, World Journal of Advanced Research and Reviews, Vol. 27, No. 2, (2025), pp. 162-180, https://doi.org/10.30574/WJARR.2025.27.2.2845
[12] Desmond Onyemechi Okocha and Jude Terkura Zoho, Is Africa Being Recolonized in the Era of Technological Advancements? Critiquing Africa’s Sovereignty in the Era of Artificial Intelligence, Journal of World Affairs: Voice of the Global South, Vol. 2, No. 2, (2026), https://doi.org/10.1177/29769442261448656
[13] أميرة أبو سمرة، المنظور النقدي للعدالة الخوارزمية، ص ٢٥.
[14] UNESCO, Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence, (UNESCO, 2022), https://l1nq.com/a5swx9k
[15] أمين بركة، أسلحة الذكاء الاصطناعي التي استخدمتها إسرائيل في حرب غزة، الجزيرة نت: موسوعة الجزيرة، ٢٥ مايو ٢٠٢٥، https://acesse.one/xco4sxh
[16] International Committee of the Red Cross (ICRC), Autonomous Weapon Systems and International Humanitarian Law: Selected Issues, Position Paper, (International Committee of the Red Cross, December 2025), p. 4, https://l1nq.com/2g4blch
[17] Francesca Albanese, From Economy of Occupation to Economy of Genocide: Report of the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in the Palestinian Territories Occupied since 1967, A/HRC/59/23, (Geneva: United Nations Human Rights Council, 2025), pp. 10-11, https://docs.un.org/A/HRC/59/23
[18] Abdul Qudoos Khan Lodhi, Basit Aziz, and Malik Altamash Ahmad Noori, Exploring the Influence, p. 5.
[19] أنور فتح الرحمن أحمد دفع الله، تسوية فيسبوك وفضيحة كامبريدج أناليتيكا، الجزيرة نت، ١٩ نوفمبر ٢٠٢٥، https://acesse.one/fv6n3nz
[20] Rak Garg and Daniel LaBruna, The Next Phase of Competition in AI, Bain Capital Ventures, 16 October 2024, https://baincapitalventures.com/insight/the-next-phase-of-competition-in-ai/
[21] David Veksler, Frontier AI Labs List: Companies, Models & Strategy (2026), Cheatsheets by David Veksler, 9 August 2026, https://cheatsheets.davidveksler.com/ai-frontier.html
[22] Travis Johnson, The LLM Provider Landscape in 2025: Who’s Winning and Why, Deepest Blog, 18 December 2025, https://www.deepest.app/blog/llm-provider-landscape
[23] أنثروبيك.. عملاق الذكاء الاصطناعي الذي تحدى البنتاغون، الجزيرة نت: موسوعة الجزيرة، ٢٠ أبريل ٢٠٢٦، https://bit.ly/4BdbdTB
[24] Top AI Companies in 2026: Leading Artificial Intelligence Companies Worldwide, UpdatedPlus, 28 June 2026, https://www.updatedplus.com/post/top-ai-companies
[25] Machine Brief, Mistral, Machine Brief, https://www.machinebrief.com/companies/mistral
[26] AI Company Profiles, Swfte AI, https://www.swfte.com/ai-company-profile
[27] AI Company Profiles.
[28] Top AI Companies.
[29] David Veksler, Frontier AI Labs List: Companies, Models & Strategy (2026).
[30] Stanford Institute for Human-Centered Artificial Intelligence, “Economy,” chap. 4 in Artificial Intelligence Index Report 2025, Text and analysis by: Njenga Kariuki, (Stanford, CA: Stanford University, 2025), https://hai.stanford.edu/assets/files/hai_ai-index-report-2025_chapter4_final.pdf
[31] Stanford Institute for Human-Centered Artificial Intelligence (HAI), Chapter 4: Economy, pp. 4-5.
[32] Ambia Staley, Mistral AI Explained: The French Startup Challenging OpenAI, Quartz, updated 20 July 2026, https://qz.com/what-is-mistral-ai
[33] أسامة منير، التنافس حول حوكمة الذكاء، ص ١٤٢.
[34] Cuihong Cai, Triadic Contest: The US, China, EU, and the Battle for the Soul of AI, Chinese Journal of International Review, Vol. 8, No. 1, (2026), https://doi.org/10.1142/S2630531326500058
[35] أسامة منير، التنافس حول حوكمة الذكاء، ص ١٤٣.
[36] Stanford Institute for Human-Centered Artificial Intelligence (HAI), Chapter 4: Economy, p. 5.
[37] Alicia García-Herrero and Théo Storella, China’s artificial intelligence goals and strategic choices for Europe, Analysis 24/2026, Bruegel, https://doi.org/10.64153/IQNE5739
[38] Nicu Ilie, The Geopolitics of Artificial Intelligence: US vs. China vs. EU, Cultura, 21 January 2026, https://blog.revistacultura.ro/2026/01/21/the-geopolitics-of-artificial-intelligence-us-vs-china-vs-eu/
[39] Cuihong Cai, Triadic Contest.
[40] Stanford Institute for Human-Centered Artificial Intelligence (HAI), The 2026 AI Index Report, Top Takeaways, https://hai.stanford.edu/ai-index/2026-ai-index-report
[41] Stanford Institute for Human-Centered Artificial Intelligence (HAI), 2026 AI Index Report, Top Takeaways.
[42] Stefano Bianchini, Aldo Geuna, and Fazliddin Shermatov, Scientific discovery in the age of AI and supercomputing, Scientific Reports, (2026), https://doi.org/10.1038/s41598-026-63438-7
[43] أميرة أبو سمرة، المنظور النقدي للعدالة الخوارزمية، ص ٢٥.
[44] Bitange Ndemo, Addressing Digital Colonialism: A Path to Equitable Data Governance, UNESCO Inclusive Policy Lab, 8 August 2024, https://bit.ly/4yUfEkV
[45] Luca Gallo, Riccardo Di Clemente, and Balázs Lengyel, Polarization and Integration in Global AI Research, preprint, arXiv, 2604.17602, 19 April 2026, https://arxiv.org/html/2604.17602v1
[46] World Bank, Digital Progress and Trends Report 2025: Strengthening AI Foundations, (World Bank, 2025), pp. xiii-xiv, https://bit.ly/4zyw0iU
[47] World Bank, World Development Report 2026: The Promise of Artificial Intelligence, (World Bank, 2026), https://bit.ly/4k2tkWc
[48] Jacki O’Neill et al., AI and the Future of Work in Africa, White Paper, (Microsoft Research Africa; AUDA-NEPAD; University of Pretoria; Oxford University and partners, June 2024).
[49] World Economic Forum, How the Global South Is Reimagining the Future of AI, 10 February 2026, https://www.weforum.org/stories/all/how-the-global-south-is-reimagining-the-future-of-ai
[50] United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), Launches the Brazilian Artificial Intelligence Plan 2024-2028, Investment Policy Monitor (UNCTAD), 30 July 2024, https://bit.ly/4yy0nFj
[51] Indonesia’s Indosat and GoTo Unveil Sovereign AI Project, Yahoo Tech, 2 June 2025, https://tech.yahoo.com/ai/articles/indonesia-indosat-goto-unveil-sovereign-080000824.html
[52] HUMAIN Launches HUMAIN Chat, Powered by ALLAM 34B The World’s Most Advanced Arabic-First AI Model – Fluent in Islamic Culture, Values and Heritage, HUMAIN, 25 August 2025, https://www.humain.com/en/news/humain-chat-launch



