الذكاء الاصطناعي ومسارات العلم والتعلم: رؤية عامة

مقدمة

لم يكن من المعتاد أن يحتاج الدارس، في سياق الممارسة التقليدية، إلى أن يتوقف عند سؤال معنى التعلم، ولا كان الباحث مضطرًّا، في كلِّ مرة يباشر فيها بحثًا، إلى التساؤل عن منطق البحث، ولا أن يشغل المفكر باله بسؤال ما هي طبيعة التفكير، ولا أن يحتاج العالم إلى استحضار غائية العلم[1]!

فالمرء حينما يتعلَّم أو يفكِّر أو يبحث لا يقف عادةً خارج العملية التي يقوم بها لكي يلاحظها من خارجها أو يتساءل عن ماهيتها؛ وإنما يعيشها بوصفها نشاطًا طبيعيًّا ومباشرًا، ولذلك تتَّجه أسئلته إلى موضوع الفعل ومنهج القيام به ونتيجته: ماذا أتعلم؟ عن ماذا أبحث؟ كيف أبحث؟ ماذا أفترض وماذا أستنتج؟

أما سؤال ما معنى أن أتعلم؟ وما الذي يحدث ضمن فعل التعلم ذاته؟ وما الذي يجعل التفكير تفكيرًا؟ وما الغاية التي تقود إنتاج المعرفة؟ فهي أسئلة تتطلب مسافة تأمُّلية بين الإنسان والفعل الذي يمارسه. وهذه المسافة لم تكن ضرورية طالما لم يواجه الإنسان فاعلًا آخر يقدر على محاكاة الفعل الذي يقوم هو به، ولهذا ظلَّ الفارق بين “ممارسة الفعل” و”فهم طبيعة الفعل” غائمًا، من دون أن يترتَّب على ذلك إشكالات من أي نوع تقريبًا.

ولكن جاء الذكاء الاصطناعي التوليدي[2] ليبرز هذه التساؤلات، ويحوِّلها إلى إشكالات وجودية ومعرفية في ذات الوقت. فانبثاق هذا النوع من “ذكاء الآلة” كان إيذانًا بظهور أنظمة قادرة على إنتاج مخرجات تُحاكي، في جوانب متزايدة، كثيرًا ممَّا كنَّا نَعُدُّهُ أنشطةً بشرية حصرية، فهي أنظمة قادرة على أن تحلِّل المعلومات، وتولِّد النصوص، وتتوصَّل للحلول، وتتعامل مع كمٍّ هائلٍ من الإنتاج المعرفي البشري.

وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة لا تَعِي ولا تُفكِّر ولا تتعلَّم بالطريقة التي يعي ويفكِّر ويتعلَّم بها البشر؛ فإن ثمة تشابهًا وظيفيًا واضحًا بين مخرجاتها ومخرجات النشاط المعرفي البشري؛ الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في المعاني التي ننسبها إلى أفعال مثل التفكير والتعلُّم والبحث، بدلًا من التعامل معها بوصفها مفاهيم مستقرة لا تستدعي مزيدًا من الفحص والتأصيل.

بعبارة أخرى أصبح من المنطقي أن نتساءل: إذا كان بالإمكان إسناد هذه الأفعال الذهنية (أو الكثير منها) إلى نظم آلية، فما الذي تبقَّى لنا لنفعله -نحن البشر- حينما نتعلَّم ونبحث ونفكِّر؟ وما الذي يمنح أفعالَنا معناها وقيمتها الإنسانية، فيما وراء قدرتها على إنجاز المهام الموكلة إليها؟ وما الذي يميز النشاط المعرفي الإنساني عن العمليات التي تستطيع الآلة أداءها؟ وهل الفروق بينهما فروق في الدرجة، أم فروق في النوع؟ وما الوظائف التي يمكن أن تتقاسمها الآلة معنا، وما الذي يظل للإنسان فيه دور لا يمكن اختزاله؟ وإذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُدرَّب على كم هائل من الإنتاج البشري، وتستطيع معالجة هذا الإنتاج، وإعادة تركيبه، وتوليد مخرجات جديدة منه، فهل ينبغي أن نتصور العلاقة بين الإنسان والآلة بوصفها سباقًا يتنافس فيه طرفان، أم بوصفها علاقة جديدة لإنتاج المعرفة؛ يُعاد فيها توزيع بعض الوظائف والأدوار المعرفية بين الإنسان والآلة؟

إن الأسئلة التي يتناولها هذا التقرير، في صفحاته التالية، تتطرَّق لجوانب مختلفة ضمن إشكالية العلاقة بين العقل والتقانة الذكية والواقع، عبر عناوين مثل: تكوين الباحث والمتعلم في عصر الذكاء الاصطناعي، وقضايا النزاهة والأخلاق العلمية، وموقع الخصوصية المعرفية والثقافية في ظلِّ العولمة التقانية، وطبيعة التنافس الرأسمالي بين شركات التقانة الرقمية، فضلًا عن أثر الذكاء الاصطناعي في الفجوة بين الشمال والجنوب في مجال إنتاج المعرفة، إلى غير ذلك من القضايا المهمة والمتَّصلة بتحولات العلم والتعلم.

أمَّا هذه المقدِّمة فإنها تلقي الضوء وحسْب على أربعة محاور ضمن الإطار النظري الذي استعرضنا جانبًا منه حول التغير في طبيعة المعرفة والتعلم والبحث، وهي محاور نراها شديدة الصلة بالإشكالية الجامعة التي يتصدى لها هذا التقرير، والتي يمكن تلخيصها في سؤال: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل معنى العلم والمعرفة والتفكير، وما الذي يقتضيه ذلك من إعادة تعريف لدور الباحث / المتعلِّم في إنتاج المعرفة واستخدامها؟

يناقش المحور الأول طبيعة القيمة المضافة التي يمكن أن تقدِّمها المعرفة البشرية في زمن الذكاء الاصطناعي، ويحاول أن يجيب على سؤال: إذا أصبحت الأجوبة والحلول متاحة على نحو فوري، فما الأدوار المعرفية التي تبقى للباحث والمتعلم؟ أما المحور الثاني فيلقي الضوء على دور اللغة في فكِّ شفرة العقل البشري، ويتساءل: إذا كانت النماذج الذكية قد نجحت في محاكاة اللغة البشرية، فهل ثمة تجليات أخرى للعقل يمكن أن تحاكيها الآلة؟ وما تداعيات ذلك على الأدوار المعرفية البشرية؟ ويتناول المحور الثالث جدل العلاقة بين المنظورات البحثية؛ ويتساءل، في ظل هذا التَّماس بين مخرجات النماذج المادية وبين الأدوار المعرفية البشرية، هل سيظلُّ مدخل “نقد المادية” كافيًا في المستقبل لبيان الفارق بين المنظورات، وأخيرًا فإن المحور الرابع يلفت الانتباه لأهمية إعادة الاعتبار لـ”الوعي” بوصفه المكون المميز للخبرة المعرفية البشرية، مقارنة بالنماذج الذكية، والقادر من ثَمَّ على ضبط العلاقة بين الإنسان والتقانة والواقع.

المعرفة

عُرِف عن شيخ الإسلام ابن تيمية كثرة خصومه وأعدائه من جانب، وكثرة مريديه والمنافحين عنه من جانب آخر، وكان لكلٍّ من الفريقين ما يرويه ويعتقده في الرجل، وهو مما حفظته كتب التراث ويمكن الْتماسه في مظانِّه. غير أن أغرب ما نُسب إلى الشيخ من قبل خصومه، من وجهة نظرنا، قول أحدهم: “ذاك رجلٌ علمُه أكبرُ من عقله!”، في إشارة إلى أن حجم المعارف التي خلَّفها، قد تجاوز ما يمكن لعقله، بل لعقل أي إنسان، أن يستوعبه ويتدبره[3].

وتحمل هذه العبارة، إذا أخذت على ظاهرها، مفارقة يصعب قبولها؛ إذ كيف يمكن أن يكون محتوى العقل، أي العلم، أكبر من العقل ذاته؟ ولعلَّ العبارة لم تكن في حقيقتها سوى ضرب من المبالغة (الكيدية) من جانب معارضي الشيخ، إلا أن المفارقة الكامنة فيها تتيح لنا استعارةً مفيدة لفهم وضع معرفي مغاير لذلك الذي قيلت فيه.

فما كان يبدو في عصر ابن تيمية مبالغة أصبح اليوم وصفًا واقعيًّا لطبيعة العلاقة بين الإنسان والمعرفة. فالنماذج الذكية تتيح اليوم للفرد كمًّا من المعلومات والمعارف يفوق، في الغالب، قدرته الطبيعية على الاستيعاب والضبط والتذكر، بحيث لم تعد المشكلة الأساسية هي الوصول إلى المعرفة، وإنما القدرة على استيعابها وانتخاب أفضلها[4].

لقد هبط الذكاء الاصطناعي بعملية التعلم والبحث إلى مستوى “العمليات الاستهلاكية”، حيث تسارعت وتيرة استهلاك المعلومات على نحو يفوق قدرة العقل على تمثُّلها، وخلق “الوصول اللحظي” إلى المعلومة ضغطًا على الزمن اللازم لفهمها وتحليلها، فصار المستخدم / المتعلم / الباحث يغرق في كمٍّ هائلٍ من الحلول الجاهزة والإجابات الفورية، قبل أن يتوفر له المدى الزمني للتفكر الهادئ في هذه الحلول والأجوبة، واستيعابها عبر تجربة ذهنية أصيلة[5]. ولا يتوقَّف أثر أزمة “التضخُّم المعرفي” عند هذا الحد، بل يمتد إلى جانب آخر لا يقل خطورة يمكن أن نطلق عليه اسم “وهم المعرفة”، إذْ أدَّت سهولة الوصول المباشر إلى الإجابات بالكثيرين إلى المبالغة في تقدير مدى فهمهم لما بين أيديهم من معلومات، وكأن العلم والدراية قد أصبحا مرادفين فقط لإمكانية الوصول إلى المعلومة الجاهزة[6].

لقد كان التصوُّر السائد، في عصر ما قبل الذكاء الاصطناعي، يقوم على أن “البيانات” تمثل المادة الأولية التي إذا عولجت ونُظمت، تحوَّلت إلى معلومات، وأن المعلومات، إذا عولجت ووظِّفَت فإنها ترتقي إلى مستوى “المعرفة”؛ أي إن الانتقال من البيانات إلى المعلومات ثم إلى المعرفة كان يمثِّل تدرجًا في المعالجة ومن ثم في الأهمية والقيمة. ولكن إذا كانت “المعرفة” في زمننا هذا قد أصبحت هي نفسها مادة أولية، تطرح بصورة وفيرة ومجانية (ولو إلى حين)، فأين يمكن أن تكمن القيمة المضافة، وما العمليات التي يتعيَّن أن يمارسها العقل على ما صار متوفِّرًا لديه من دون عناء؟

ليس ثمة جواب راجح، ولكن “الخبراء” يرون أن كلمة السر هي “التفكير النقدي”، الذي بات المورد الأندر، والمهارة التي يفتقر إليها معظم الدارسين والباحثين حاليًّا، ويحتاجون من ثم إلى التعرف عليها والتدرب على ممارستها. ويُقصد بالتفكير النقدي القدرة على الحكم على المعلومة وتقييمها.ويذهب البعض إلى أن الوقت قد حان لتحرير العقل البشري من دور “وعاء التخزين” -الذي عجز عن مجاراة الآلة فيه- واستعادة دوره الأصلي المتمثل في نقد المعرفة وتمحيصها[7].

وتزداد أهمية هذا الدور عندما نعلم أن الذكاء الآلي يؤسِّس معرفتَه بناءً على نماذج إحصائية واحتمالية عُرضة للانحيازات والتلفيق. ولهذا فإن ممارسة التفكير النقدي، عبر تفكيك هذه المعرفة، وفحص اتساقها، والتحقق من سلامتها الداخلية، واكتشاف ثغرات المنطق وأوجه الانحياز الضمني بها، تمثل ممارسة لا غنى عنها، ضمن محاولات التعلم والبحث في زمن الذكاء الاصطناعي[8].

البعض الآخر يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي وإن كان يستطيع تركيب الحجج وتوليد المعلومات بمهارة، فإنه لا يظهر نفس المهارة في فحص مصادر هذه الحجج والمعلومات، وسياقاتها، وحدودها. وقد لاحظ معظمنا كيف تساير محركات الذكاء الاصطناعي المتاحة بين أيدينا وجهات نظر مستخدميها، في كثير من الأحيان، وذلك لكون النماذج الآلية التي تحركها مدربة، بطريقة ما، على الانحياز للتفضيلات المتضمنة في الأسئلة الموجهة إليها[9]. وعلى هذا فإن التعلم الحقيقي، حتى وإن لم يعد يتضمن عبء الوصول للمعرفة، فإنه ما زال يتضمن أهمية الدراية بسياقاتها وحدودها، فهذه العمليات لا يتيحها التجميع الآلي للبيانات والمعلومات، لكونها تتطلَّب وعيًا يمكن من خلاله التمييز بين المعرفة الصحيحة، والإجابات المتملِّقة.

من ناحية أخرى فإن الذكاء الآلي وإن كان بمقدوره المساعدة في تحقيق مهام معينة، وتقديم خيارات وتوصيات، وإجراء مفاضلات نوعية بين البدائل المحققة لهذه المهام، فإن السؤال عن ماهية الغايات التي ينبغي أن نسعى لها من وراء تحقيق هذه المهام يخرج عن حدود قدرات النماذج الذكية ويتجاوزها إلى مجال القيمة والحكم الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية. ويمكن تلخيص المعنى السابق بمعادلة مفادها أنه “كلما انخفضت تكلفة الوصول إلى المعرفة، ارتفعت قيمة القدرة على تحديد ما ينبغي معرفته ابتداءً، وتحديد ما يستحق أن يتخذ بناءً عليها من قرارات”[10]. ذلك أن اتخاذ القرارات الحاسمة في المواقف المعقدة أو المتناقضة أخلاقيًّا، وتحديد الأهداف التي تمثل أولوية، وتحمل المسؤولية الإنسانية والأخلاقية عن تلك القرارات وتلك الأهداف ما زالت مهامَّ بشريةً بامتياز[11].

وأخيرًا فإنه إذا كانت النماذج الذكية تبرع في تقديم إجابات وحلول بناءً على ما تحوزه وما تستطيع الوصول إليه من بيانات ومعلومات، فإن ذلك – بلغة الاقتصاديين – يمثل جانب العرض، أما جانب الطلب، أي “التساؤل” فما زال خصيصة تميز بني البشر، فالبشر هم الكائنات الوحيدة التي تتساءل (أو يُفترض أنها تتساءل) مدفوعة بإحساسها الواعي بالنقص. أما الآلات فسواء كانت ذكية أو غير ذكية، فإنها لا تستشعر هذا النقص، ولا تسأل كيما تتدارك حقيقة عدم اكتمالها. ولهذا فإنه إذا كان ثمة سوق للمعرفة، نتشاركه كفاعلين معرفيين مع الآلات الذكية، فإن ما يحرك هذا السوق ليس جانب العرض (المعرفة)، وإنما جانب الطلب (السؤال)، فالمعروض من المعلومات وفير، ولكن الأكثر أهمية أن يتواجد الطلب السليم، وذلك عبر توجيه السؤال الصحيح. بعبارة أخرى لم تعد القيمة المعرفية تكمن فقط في الإجابة، وإنما في جودة وصياغة السؤال الذي يوجه البحث والتفكير نحو آفاق غير مطروقة، وهذا ما يجيده البشر، بأكثر مما تجيده الآلات الذكية[12].

هذه الأمثلة ليست سوى نماذج لما يمكن للمعرفة البشرية أن تضيفه من قيمة نوعية في عصر الذكاء الاصطناعي، وهي بطبيعتها قائمة مفتوحة؛ فلكل باحث ومتعلِّم من الملكات والقدرات ما يؤهِّله لاقتراح واستنباط المزيد منها.

اللغة

ما نعرفه حتى اللحظة عن العقل أنه بنية شديدة التعقيد، وأنه قادر (ضمن أشياء أخرى) على ممارسة عمليات مثل الوعي، والإدراك، والفهم والتذكر، والحفظ، والتجريد، والمقارنة، والاستدلال، والتسبيب… إلخ. ونعرف أن اللغة هي إحدى الطرق التي يفصح بها العقل عن قدراته تلك، وأنها إحدى ملكاته التي يترجم بها مكنونه إلى العالم الخارجي. وهي -وإن لم تستغرق طاقات العقل كافة- تعد تجليًا فريدًا أودع البشر من خلالها رصيدهم المعرفي عبر التاريخ، وبها أداروا سجالاتهم حول القضايا والموضوعات المختلفة.

ومن رَحِمِ اللغةِ تحديدًا، انبثقت الفكرة المحورية وراء تطوير الذكاء الآلي؛ والمتمثِّلة في تدريب الآلة، عبر تعلُّم البنية العميقة للغة البشرية، لتوليد نصوص (وأشياء أخرى) تحاكي ما ينتجه العقل البشري، وإن عبر آلياتٍ مختلفة. فالآلة هنا لا تفكر بالمعنى البشري، بل تتعلم (بطرق إحصائية) منطق العقل في الانتقال من رمز لغوي إلى آخر على نطاق هائل، بما يكفل لها الكشف عن البنى والعلاقات بين العلامات والتركيبات اللغوية، كالعلاقة بين “بما أن” و”إذن”، أو بين “السبب” و”النتيجة”، وكذلك بين “السؤال” و”الجواب”، و”الفرضية” و”الدليل”. ومن خلال هذه المحاكاة، تظهر الآلة وكأنها تفكر وتحلل وتستنتج كالإنسان تمامًا.

نفهم من هذا أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا ترى عملية التفكير ذاتها وإنما تقف فقط على آثارها، ومن خلال هذه الآثار تتعلَّم الأنماط والعلاقات، ما يجعل الذكاء الاصطناعي قادرًا على أن ينتج آثارًا رمزية جديدة. ولهذا يعترض البعض على القول بأن الذكاء الاصطناعي “يفكر مثل الإنسان”، وهذا الاعتراض في محله تمامًا، فغاية ما هنالك أن ذكاء الآلة ينتج آثارًا تشبه ما ينتجه الإنسان عندما يفكر، ولكن النماذج اللغوية الآلية لا تعرف، ولا سبيل لها كي تعرف، كيف يفكر الإنسان، أو غيره من الكائنات[13].

بيد أن العمليات التي أصبح بمقدور الآلة ونماذجها اللغوية أن “تحاكيها”، قد تضخَّمت إلى حَدٍّ مثيرٍ للدهشة، إذ صار بمقدورها أن تعرف كيف تُبنى المفاهيم؛ وكيف ترتبط بعضها ببعض؛ وكيف تُطرح الأسئلة، وكيف تجاب، وكيف يُشرح المعنى؛ وكيف تعرَّف الظواهر؛ وكيف تُبنى الاستعارات، وكيف تُروى القصص؛ وكيف تُصنع الحبكات، وكيف تُكتب الشفرات (الأكواد)؛ وكيف تُصاغ الحُجج، وكيف تُؤَسَّسُ الحُجج المضادَّة؛ وكيف تُستخلص النتائج من المقدِّمات؛ وكيف يتغيَّر معنى العبارة بحسب السياق، بل إن النماذج اللغوية صارت قادرة على تذوُّق الأدب، وعلى القيام بالمجاراة والمعارضة الشعريَّتين!

وإذا كانت اللغة هي النافذة التي استخدمتها الآلة للاطلاع على العقل (وكانت بحق شديدة الثراء، حتى إنها أتاحت للذكاء الاصطناعي أن يكتسب كل هذه القدرات الفريدة)، فإنها تظل، على ثرائها، مجرد نافذة واحدة من نوافذ العقل على العالم، وإلا فإن آثار العقل وقدراته تتجلَّى في صور أخرى متعددة، مثل السلوك، والفن، والتقانة، والطقوس والرموز، والمؤسسات والأنظمة.

فالسلوك الحركي، مثلًا، يكشف عن جوانب من العقل تتعلَّق بالمهارات والعادات وأسرار المهن والحرف مما لا يترجم مباشرة إلى لغة. والتعبير الفني يكشف عن قدرة الإنسان على التخيُّل، والتجريد، ونقل المعاني، والتعبير عن مشاعر قد تعجز اللغة عن الإفصاح عنها. أما التقانة فليست مجرد منتجات مادية، وإنما يمكن النظر إليها بوصفها طريقة العقل في مساعدة الحواس وزيادة قدراتها، عبر تجسيد أفكار في صورة أدوات. وتكشف الطقوس والرموز، عن الطريقة التي يتفاعل بها العقل مع مفاهيم مثل المقدس، والهوية، والانتماء، والزمن… إلخ. وأخيرًا وليس آخرًا فإن المؤسسات والأنظمة (من الأسرة إلى الدولة والسوق والقانون) نشأت كتعبير عن تصورات عقلية حول معانٍ مجردة مثل السلطة والعدالة، والنظام، والثواب، والعقاب. هذه التجليات المختلفة للعقل تتشكَّل من خلال التفاعل الحي مع العالم؛ وهي خبرات لا تحتويها البيانات اللغوية التي تتعلَّم منها النماذج الذكية.

وهنا يثور التساؤل: إذا كانت محاكاة النماذج الذكية لتجلٍّ واحد للعقل (اللغة) قد أحدثت هذه الثورة المعرفية الهائلة، فماذا يمكن أن يحدث عندما تتجاوز النماذج محاكاة النصوص إلى محاكاة بقية تجليات العقل؟ وهل هذا التجاوز وارد أصلًا؟ الخبراء يؤكدون أن الانتقال من فكرة النموذج اللغوي إلى محاكاة أوسع للفاعلية الإنسانية أمر وارد، وأن النظام المرتقب لن يتعلَّم فقط العلاقة بين الكلمة والتي تليها، وإنما سيتعلَّم الشبكة الأوسع من العلاقات التي تربط القول بالفعل، والفعل بالمادة، والمادة بالبيئة، والفرد بالآخرين، والأفعال بالمؤسسات والأنظمة التي تنتظم داخلها[14].

وعلى أية حال فإن بوادر هذه النقلة قد بدأت في الظهور بالفعل، كما في الأنظمة التي تدمج الذكاء الاصطناعي بأجساد فيزيائية، كالروبوتات، والتي صار بمقدورها أن تستشعر البيئة المادية وتتفاعل معها، كما أن عملية تطوير نماذج قادرة على التعامل مع المشاعر والرموز والسياقات والبيئات الاجتماعية سائرة قدمًا، وإذا استمرت وتيرة التطوير في هذا السياق فإننا لن نكون أمام مجرد “آلات تتحرك وتتكلم”، وإنما أمام أنظمة تتَّسع قدرتها على تمثُّل مختلف جوانب الفاعلية الإنسانية؛ من الإدراك إلى الفعل، ومن القول إلى التفاعل، ومن التعامل مع الرموز إلى الانخراط في التفاصيل الاجتماعية. وقد يفتح ذلك المجال أمام النماذج الذكية لقفزات غير مسبوقة، لن تقتصر على التعلم من آثار التجارب التي يتركها البشر، وإنما ستكون قادرة، ربما، على خوض التجارب بنفسها، والتفاعل مع العالم، والتعلم من نتائج أفعالها فيه[15].

إن نجاح النماذج اللغوية، بوصفها أحد أبرز تجليات الذكاء الاصطناعي المعاصر، كشف لنا، على نحو غير متوقَّع، أن قدرًا كبيرًا مما نسمِّيه “ذكاءً” كان متجسِّدًا في “الآثار” التي راكمها البشر في تراثهم اللغوي. أما المستقبل فقد يكشف أن قدرًا آخر من الذكاء الإنساني ما زال موزعًا خارج اللغة، في السلوكيات، والتعبير الفني، والتقانات، والمؤسسات. وعلى الباحث / المتعلم أن يتأمَّل هذه التجليات المختلفة للعقل البشري، ويبحث فيما تنطوي عليه من ذكاء، وأن ينعكس ذلك على مضمون ما يتعلمه ويبحث فيه، تفعيلًا لمنهج النظر القائم على السير في الأرض، والتعلم من الموجودات في علاقتها بالعقل البشري. فهذه المساحة من الفعل والانفعال لا تزال متاحة أمام الفاعلية البشرية، ولا يُتوقع للنماذج الذكية أن تحرز فيها (أو في كثير منها) تقدُّمًا بنفس النوعية أو المعدَّل الذي أحرزتْه في تعلُّمها من منظومة اللغة البشرية.

المنظور

لا يكاد يشك أحدٌ في أن الذكاء الاصطناعي قد وضعنا أمام مفارقة حقيقية. إذ كنا دائمًا نؤكِّد على أن اختزال الإنسان في المادة، على نحو ما يفعل المنظور الغربي (المادي)، يحرمه ويحرمنا معه، إن نحن اقتفينا أثره، من فهم قدراتنا الحقيقية كبشر. وفي إطار هذا التصور، كنا نضع المادة، عادة، في مواجهة كل ما هو حي، وإنساني، وتأملي. فالإنسان يفكر ويفهم، فيما المادة لا تفكر ولا تفهم، والإنسان قادر على الحكم والتأمُّل، أمَّا المادة، فمهما بلغت درجة تعقيدها، تظل فاقدة للقدرة على الحكم والتأمُّل.

غير أن النموذج المادي قد فاجأنا بتطوير “نماذج مادية”، شديدة الشبه بنا كبشر، وبعيدة بدرجة كبيرة عن القوالب الجافة التي كنا نحصر المادة فيها، ومتجاوزة لكل ما أقمناه سابقًا من حدود تفصل بيننا وبين عالم المادة. فلم تعد المادة ومنتجاتها مجرد موضوع يقع خارج الذات الإنسانية، وإنما غدت، من خلال هذه النماذج “الذكية”، قادرة على الدخول معها في نوع من الحوار، ومشاركتها واحدة من أهم خصائصها (الذكاء)!

هذا النظام المادي المحض، الذي يتكون من شرائح إلكترونية ونبضات كهربائية ومعدات حاسوبية، صار بإمكانه أن يناقش الإنسان، ويناظره، ويجادله، ويدفع بأن الحجة التي يستخدمها تنطوي على مغالطة؛ والاستنتاج الذي ينتهي إليه لا يلزم عن مقدماته؛ والمفهوم الذي يؤسِّس عليه حجته ملْتبس؛ بل ويقدر على أن يشجِّعه ويُواسيه، ويقدِّم له زوايا بديلة للنظر إلى المشكلات الاجتماعية والنفسية. والأخطر أنه يستطيع، بناءً على تفاصيل الحوار، أن يرسم لمُحَاورِه نفسه صورة ثاقبة عن طبيعة شخصيته، وطريقة تفكيره، وأن يقترح عليه طرقًا وأفكارًا لكي يحسِّن منهما!

لقد لفت ذكاء الآلة أنظارنا بقوة إلى أن المادة (التي طالما انتقدنا الاقتصار عليها كأساس لرؤية العالم) ليست فقط الكتلة والطاقة والحركة… إلخ، وإنما هي أيضًا المعلومات، والتنظيم، والتمثيل، والعلاقات، والتعلم، والوظيفة، والتغذية الراجعة، والتعقيد. وهذه المفاهيم ليست مجرد مفردات فيزيائية أولية (تقليدية)، فهي، وإن كانت تتطلَّب حاملًا ماديًّا، تقود تصورنا للمادة ولعالمها إلى مستويات أكثر غموضًا وثراءً وعمقا[16].

وهذا يعيدنا إلى سؤالنا الأصلي: هل سيظل مدخل “نقد المادية” كافيًا في المستقبل لبيان الفارق بين المنظورات؟ الأمر المرجح أنه لن يكون كافيًا وحده. ليس لكون المادة قد أصبحت كلية أو واعية، ولكن لأن الطريقة الديكارتية التقليدية لتصنيف الموجودات إلى ثنائيات متقابلة، والتي اعتنقناها وصدَّقناها بشكل أو بآخر، أصبحت غير معبِّرة عن طبيعة الوجود، أو تجاوزها الوجود، الذي ظهر أنه لا يخضع لهذه التبسيطات الاختزالية[17].

وتأسيسًا على ما سبق فإن النقاش المستقبلي بين المنظورات، وموقع الباحث أو المتعلِّم بينها، يُتوقع له أن يتجاوز مسألة الكفر بالمادية أو اعتناقها، نحو التساؤل عن موقع الوعي ضمن هذا المنظور أو ذاك، ففي إطار المنظورات “المادية”، ينظر إلى الوعي بوصفه نتيجة منبثقة عن ترتيب معين لعناصر الوجود، أما في إطار المنظور الحضاري الإسلامي، فلا ينظر إلى الوعي كصفة يمكن أن تنبثق من أسفل لأعلى، وإنما كخاصية “مخلوقة” أودعت في الموجودات (من أعلى إلى أسفل). ولذا فإنه مهما بلغ تعقيد النموذج أو ذكاؤه، لا يُتصور “إيمانيًّا” أن ينبثق فيه وعيٌ من أيِّ نوع.

الوعي

في لحظات الوحدة أو الشعور بالكآبة، قد يلجأ البعض إلى محركات الذكاء الاصطناعي، طالبًا منها اقتراح طرفة أو دعابة تخرجه من عزلته أو تخفف عنه كآبته. والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي أحرز ما أحرزه من نجاح مذهل في محاكاة كافة أنماط السلوك اللغوي، يبدو أقل إقناعًا حين يتعلق الأمر بالدعابة والسخرية.

فالنموذج الذي يستطيع أن يحلِّل المفارقة الكامنة في طُرفة ما، وأن يشرح لماذا يجدها الناس مضحكة، لا يملك “حسَّ الدعابة”، الذي يجعل المرء يدرك موقفًا ما بوصفه ساخرًا أو طريفًا ويرغب في مشاركته مع الآخرين. وهنا يظهر فارق دقيق بين القدرة على محاكاة الفعل (وهي القدرة التي باتت متوفِّرة للآلة)، والوعي بالفعل نفسه (وهي القدرة التي ينفرد بها الإنسان)؛ فحتى حين تنتج الآلة ما يشبه الطُّرفة، فإنها تظلُّ بعيدةً تمامًا عن أن تَعِيَ معنى السخرية، أو أن تعرف لماذا يكون أمرٌ ما مضحكًا بالنسبة إلينا، نحن البشر[18].

ونفس ما يقال عن الفكاهة يمكن أن يقال عن “الحزن”؛ فأنظمة الذكاء الاصطناعي تستطيع أن تتعرَّف إلى التعبيرات الدالَّة عليه، وأن تصنِّفها وتحلِّل أنماطها، لكنها لن تختبر الفقد بوصفه فقدًا، ولن تدرك الألم بوصفه تجربة معيشة. فالمشاعر البشرية لا يمكن أن تُختزل إلى مجرد معالجة معلوماتيَّة، فهي نتاج تجربة حيَّة يَعِي فيها الإنسان نفسَه والعالم والآخرين؛ ومن ثم فإن محاكاة الآثار اللغوية لا تعني بالضرورة قدرة الآلة على امتلاك التجربة الواعية التي أنشأت تلك الآثار[19].

وما يُقال عن الفرح والحزن يقال عن بقية الخبرات الواعية التي يمارسها البشر، فبشكل عام يمثل الوعي البشري نقطة التفرُّد التي تستعصي على الآلة. ورغم صعوبة الإحاطة بتعريفٍ جامع للوعي، إلا أنه يمكن مقاربته بوصفه “حالة” للعقل، تشبه حالة “اليقظة” بالنسبة للعين؛ فكما أن سلامة العين كعضو مادِّي لا تكفي لممارسة “تجربة الإبصار” أثناء النوم العميق (حتى لو فُتح جفنا العين)، وإنما لا بدَّ من اليقظة كشرط للرؤية، فإن الوعي هو الشرط الذي يتحوَّل به الدماغ إلى عقل؛ وفي غيابه، يفقد العقل قصديته، وقدرته على القيام بمعظم وظائفه، مهما بلغت كفاءته كعضو بيولوجي[20].

والوعي، بهذا المعنى، يتجاوز الإدراك والفهم (وهي الخصائص التي باتت تشاركنا فيها الآلات الذكية جزئيًّا). فإذا كان الإدراك يبدأ باستقبال الإشارات الحسية -كاستقبال العين لمحفز بصري، كالضوء الأحمر مثلًا- ثم ينتقل إلى تفسير هذا المحفز وإسناد معنى إليه، كفهم الضوء الأحمر بوصفه إشارة مرور تستدعي التوقُّف، فإن الوعي يضيف إلى ذلك الإدراك مستوى آخر، يتمثَّل في الخبرة الذاتية التي تنتظم فيها الإدراكات والمعاني ضمن سياق أوسع من الغايات والمقاصد.

فالمشاة الذين يتوقَّفون عند الإشارة الحمراء لا يستجيبون لموجة ضوئية ملوَّنة فحسْب، ولا حتى لمعنى اصطلاحي مجرَّد، وإنما يربطون هذا المعنى بغاية أوسع، كالحفاظ على الأرواح وتجنُّب الأذى. ومفهوم مثل “الحفاظ على الحياة” لا يوجد بوصفه خاصية فيزيائية في الإشارة الحمراء، وإنما يظهر داخل عالم من المعاني والقيم والغايات التي يختبرها الإنسان ويدرك علاقاتها بعضها ببعض. ومن هنا لا يقتصر الوعي على استقبال المحسوسات أو تفسيرها، بل يُتيح للعقل أن يربط بينها وبين معانٍ مجردة، وأن ينتقل من الإشارة إلى الدلالة، ومن الدلالة إلى الغاية[21].

ولهذا السبب يصعب تصوُّر أن تُنافس الآلات الذكية العقل البشري في مضمار الوعي، مهما بلغت قدرتها على محاكاة مظاهره اللغوية (أو السلوكية أو التعبيرية أو التقانية… إلخ). فالرمز اللغوي لا يُفصح عن “معناه” لمجرد أن تمَّ ربطُه بالرموز الأخرى؛ وإنما يصبح كذلك، في التجربة الإنسانية، حين يرتبط بوعي يتمثَّل معناه بطريقته الخاصة. ومن هنا قد تستطيع الآلة أن تحاكي آثار المعنى، وأن تُعيد تركيبها على نحو مدهش، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها تلمسُ المعنى الذي تُحاكي آثارَه، لأنها تفتقر إلى التجربة الحية والخبرة الواعية[22].

من هنا تظهر مفارقة لافتة، فالوعي الذي هو، في أحد أهم وجوهه، ما يميز الإنسان عن الآلة، هو في الوقت نفسه ما يبدو أنه يتعرض للتراجع بازدياد اعتمادنا عليها في أداء العمليات التي كانت تستدعي منا توظيفه واستغلاله. وإذا كانت الآلة “تحاكي” دون أن “تَعِي”، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تصبح الآلة أكثر شبهًا بالإنسان، وإنما في أن يصبح الإنسان نفسه أقل ممارسة وتوظيفًا لما يجعله إنسانًا.

إن التراجع الواضح الذي نشهده اليوم في بعض مستويات الوعي لدى الدارسين والباحثين لا يرجع بالضرورة إلى تراجع في القدرات البيولوجية لأدمغتهم، بقدر ما يعكس ضمورًا وظيفيًّا ناتجًا عن الاعتماد المفرط على النماذج الآلية في أداء عمليات تقع ضمن صميم وجودهم الواعي. فكلما انتقلت وظيفة عقلية من الإنسان إلى الآلة، تراجعت لديه، مع الوقت، مهارة ذهنية كانت تكسبه القدرة على أداء تلك الوظيفة بمستوى تميُّز معيَّن.

ومن هنا يبرز سؤال أكثر عمقًا: ما الذي يضمن بقاء الوعي البشري حيًّا وفاعلًا إذا أخذت الآلات الذكية في تولِّي المزيد من مهامه ووظائفه؟ ربما لا تكمن الإجابة في مقاومة الذكاء الاصطناعي أو في إنكار قدرات الآلة، وإنما في إعادة تعريف دور الإنسان في علاقته بهما؛ بحيث ينتقل من موقع “المستهلك” للحلول الجاهزة إلى موقع “الفاعل الناقد” الذي يستعين بالذكاء الاصطناعي ويتفاعل معه، من دون أن يفوِّض إليه مهام التفكير والحكم بدلًا منه[23].

إن الضمان الحقيقي لاستمرار حيوية الوعي البشري، واستمرار جدوى عمليَّات التعليم والتعلُّم، يكمن في أن يظل الإنسان فاعلًا في إطار التجربة الإنسانية والمعرفية بكل ما ينطوي عليه معنى الفاعلية، من مبادرة، وإبداع، وإيجابية، وثقة في الذات، وبكل ما تنطوي عليه ملكاته الإنسانية الأصيلة من قدرات ومعانٍ مثل الإحساس، والحدس، والتروِّي، والتأمُّل، وتحمُّل المسؤولية الأخلاقية، بل والقابلية للوقوع في الخطأ؛ وهي المساحات التي ينبغي للإنسان أن لا يتبرَّأ منها أو يتخلَّى عنها، حتى لو استطاعت الآلة أن تشاركه القيام بها، أو ببعضها.

تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن حفظ التوازن بين الإنسان والآلة في مسارات العلم والتعلُّم يبدأ بإعادة هندسة منظومتي التعليم والبحث لتجعل حماية الوعي البشري غايتها القصوى، بأن تضع في صدارة أولوياتها:

  • تأصيل التفكير النقدي لتجاوز السطحية المعرفية، بحيث يتعامل الباحث مع مخرجات الذكاء الاصطناعي بعقلية فاحصة، لا بمجرد التلقي والقبول.
  • إقامة صلة عضوية بين المعرفة والأخلاق من خلال ترسيخ مبدأ أن التحصيل المعرفي لا يكتسب معناه إلا إذا انضبط بمنظومة قيمية معيارية نزيهة.
  • تنمية مهارة “صناعة السؤال” على اعتبار أن الهدف من البحث والتعلم ليس فقط امتلاك الإجابة وإنما أيضًا امتلاك القدرة على صياغة التساؤل السليم الموصِّل للإجابة المناسبة.
  • التأكيد على عدم الاكتفاء بخطوة إنجاز المهام، والذهاب إلى الخطوة الأبعد المتعلِّقة بتوجيه المهام وفق غايات ومقاصد نهائية.
  • تأصيل عقلية “السير في الأرض”، وتفعيل “مناهج النظر”، و”إعمال العقل”، و”توليد الأفكار”، فهذه الممارسات البحثية تشكِّل مساحة محجوزة للإنسان المستحضر لمهام الاستخلاف ومقتضياته.
  • التأكيد على أن مجرد حيازة المتعلم أو الباحث للمعرفة لا يقوم دليلًا على تمثُّله لهذه المعرفة، واستيعابه لها، وتمكُّنه من مضمونها، ومن هنا تكْمن أهمية استعادة “التروِّي البحثي” بوصفه منهجًا أصيلًا، يؤكد على أهمية استكناه المعرفة، ومعايشتها، والاقتناع العميق بمضامينها قبل تقريرها، أو توظيفها، أو تبنِّيها.
  • التأكيد على أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي ينبغي أن تكون دعمًا للفهم والتحليل، لا تفويضًا مطلقًا يحلُّ محلَّ الجهد البشري؛ فالاكتفاء بمراكمة وتكديس المعلومات والحلول (المولَّدة آليًّا) يفرغ البحث العلمي من مضمونه، ويجرد الباحث من الاستفادة الحقيقية التي لا تتحقّق إلا بالمعاناة الحقيقية في طلب العلم.
  • تنمية المهارات الحوارية (لدى الباحثين والمتعلمين) عمومًا، ومع النماذج الذكية على وجه الخصوص، بحيث لا يقتصر التفاعل معها على الاستفهام، وإنما يمتد إلى الحوار، والنقاش، والجدل، والمراجعة، فالنماذج الذكية يمكن أن تخطئ، وتحتاج من ثم إلى أن تُراجع وتُصوب.
  • التيقُّن من أن الآلة لا تَعِي، ولن تَعِي، وأن الوقوع في فخِّ الدعاية التي تروِّج لعكس ذلك، هو مما يناقض أبسط خصائص الوعي السليم. فالوعي مساحة محجوزة للإنسان في هذا العالم، بشرط ألَّا يفرِّط هو فيها طواعية.
  • وأخيرًا وليس آخرًا، فإن مشكلة الباحث المسلم ليست مع المادة، من حيث هي مادة، ولكن في نسبة خصائص لها، تضْفي عليها نوعًا من “الصنمية”، ويسري هذا على كلِّ ما يُمنح قدرًا وأهمية أكبر مما يستحقُّه، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي نفسه.

والله تعالى أعلى وأعلم


[1] اللهم إلا في السياقات التي تنهض على مناقشة هذه التساؤلات مثل حقول فلسفة العلم ونظرية المعرفة.

[2] نوع من الذكاء الاصطناعي قادر على تعلُّم الأنماط والبنى الكامنة في بيانات واسعة النطاق، ثم توليد محتوى جديد يحاكي تلك الأنماط، كالنصوص والصور والأصوات والفيديو والبرمجيات، استنادًا إلى مدخلات أو أوامر يقدِّمها المستخدم.

[3] نقل هذا القول المحدث ولي الدين أبو زرعة العراقي (المتوفى ٨٢٦هـ)، في كتابه الأجوبة المرضية على الأسئلة المكية، أثناء نقده لبعض فتاوى ومواقف ابن تيمية التي رأى أنه خرق فيها الإجماع أو انحرف فيها عن المسلك المعتاد. كما ينقل هذا القول عن صلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ).

[4] انظر:

Pablo J. Boczkowski, Abundance: On the Experience of Living in a World of Information Plenty, (New York: Oxford University Press, 2021).

[5] انظر:

Leonid Rozenblit and Frank Keil, The Misunderstood Limits of Folk Science: An Illusion of Explanatory Depth, Cognitive Science, Vol. 26, No. 5, (2002), pp. 521-562, https://doi.org/10.1207/s15516709cog2605_1

[6] انظر:

Kristy A. Hamilton and Li Qi, Search Fluency Mistaken for Understanding: Ease of Information Retrieval from the Internet Inflates Internal Knowledge Confidence, Social Media + Society, Vol. 9, No. 3, (2023), https://doi.org/10.1177/20563051231195547

[7] رغم وجاهة هذا الطرح، فإنه يتطلب مزيدًا من النقاش والتقييم؛ فهل صحيح أن تخزين المعلومات ليس من الأدوار الأصيلة لعقولنا؟ وهل يمكن أخذ هذا القول على إطلاقه، أم أن ثمة “حدًّا أدنى” من المعرفة المخزونة لا غنى عنه لكي يمارس العقل عمليات التفكير والنقد والتوجيه الأخلاقي على أساس منه؟

[8] انظر:

Fengchun Miao and Wayne Holmes, Guidance for Generative AI in Education and Research, (Paris: UNESCO, 2023), https://doi.org/10.54675/EWZM9535; Ziwei Ji et al., Survey of Hallucination in Natural Language Generation, ACM Computing Surveys, Vol. 55, No. 12, (2023), Article 248, pp. 1-38, https://doi.org/10.1145/3571730

[9] يشار إلى هذه الظاهرة باسم التملق (sycophancy)، انظر:

Mrinank Sharma et al., Towards Understanding Sycophancy in Language Models, paper presented at International Conference on Learning Representations (ICLR), 2024, https://proceedings.iclr.cc/paper_files/paper/2024/hash/0105f7972202c1d4fb817da9f21a9663-Abstract-Conference.html

[10] انظر:

Anastasia V. Sergeeva, Paul M. Leonardi, and Samer Faraj, Beyond the Tool View of AI: Intelligent Technologies and the Emergence of New Epistemic Regimes, Strategic Organization, Vol. 24, No. 2, (2026), pp. 463-478, https://doi.org/10.1177/14761270261436479

[11] انظر:

Stuart Russell, Human Compatible: Artificial Intelligence and the Problem of Control, (New York: Penguin Books, 2020).

[12] انظر:

Haoyu Wang et al., Why Did Apple Fall: Evaluating Curiosity in Large Language Models, in: Maria Liakata et al. (eds.), Findings of the Association for Computational Linguistics: ACL 2026, (San Diego, CA: Association for Computational Linguistics, 2026), pp. 39197-39215, https://doi.org/10.18653/v1/2026.findings-acl.1954

[13] انظر:

Haerim Hwang, Can Large Language Models Be Viewed as a Cognitive Model of Human Language? Not Yet, Regardless of Reasoning Capability and Size, Acta Psychologica, Vol. 267, (2026), Article 107025, https://doi.org/10.1016/j.actpsy.2026.107025

[14] وهناك من يضيف إلى القائمة الماضية، التفاعل بين النماذج اللغوية نفسها (نماذج الذكاء الاصطناعي)، بعد أن تحولت إلى فواعل اجتماعية تتفاعل مع بعضها البعض، انظر:

Angjelin A. Hila, Communicative Action in the Age of Artificial Intelligence: Theorizing LLMs as Communicative and Strategic Agents, Philosophy & Technology, Vol. 39, (2026), Article 159, https://doi.org/10.1007/s13347-026-01168-4; Zhiting Hu and Tianmin Shu, Language Models, Agent Models, and World Models: The LAW for Machine Reasoning and Planning, preprint, arXiv, 8 December 2023, https://doi.org/10.48550/arXiv.2312.05230; Jiannan Xiang et al., Language Models Meet World Models: Embodied Experiences Enhance Language Models, preprint, arXiv, 18 May 2023, https://doi.org/10.48550/arXiv.2305.10626; Zonghan Yang et al., Position: Towards Unified Alignment Between Agents, Humans, and Environment, in: Proceedings of the 41st International Conference on Machine Learning, Proceedings of Machine Learning Research, Vol. 235, (2024), pp. 56251-56275, https://proceedings.mlr.press/v235/yang24p.html

[15] فإذا ما أضيف إلى ما سبق الإمكانات المنتظرة للحوسبة الحيوية، التي تستهدف توظيف أنظمة أو مكونات حية في عمليات معالجة البيانات، فضلًا عن إمكانات الحوسبة الكمومية التي تستند إلى مبادئ فيزيائية مختلفة جذريًّا عن الحوسبة التقليدية، فإن السؤال عن حدود ما يمكن أن تبلغه هذه النظم يصبح أكثر انفتاحًا، وأشد استعصاءً على التنبؤ.

[16] انظر:

César A. Hidalgo, Why Information Grows: The Evolution of Order, from Atoms to Economies, (New York: Basic Books, 2015), p. 165; Herbert A. Simon, The Sciences of the Artificial, (Cambridge, MA: MIT Press, 3rd edition, 1996).

[17] انظر:

G. E. R. Lloyd, The Ambivalences of Rationality: Ancient and Modern Cross-Cultural Explorations, (Cambridge: Cambridge University Press, 2018), https://doi.org/10.1017/9781108328951

[18] يمكن أن نتخيل أن محاولة الذكاء الاصطناعي اختزال الفكاهة إلى مجموعة من القواعد أو “المعادلات” المنطقية ستنتج في أفضل الأحوال نصًا يستوفي شروطًا شكلية للفكاهة، لكنها لن تضمن أن تكون فيه تلك اللمسة التي تجعل الطرفة حية وملائمة للموقف. فالفكاهة، كسلوك واعٍ، لا تنهض على اتباع القواعد فحسب، بل كثيرًا ما تقوم على خرقها في اللحظة المناسبة وبالطريقة المناسبة، وتستمد قوتها من السياق الثقافي، الذي يتضمن العديد من الرموز والإيحاءات والذاكرة الجمعية، ومن ترجمة كل ذلك بطريقة موحية وتهكمية، في توقيت ملائم، وبأسلوب صادم، يحكي التناقض بدل أن يكتفي بوصفه أو تقريره. انظر:

Sophie Jentzsch and Kristian Kersting, ChatGPT is Fun, but It Is Not Funny! Humor Is Still Challenging Large Language Models, in: Jeremy Barnes, Orphée De Clercq, and Roman Klinger (eds.), Proceedings of the 13th Workshop on Computational Approaches to Subjectivity, Sentiment, & Social Media Analysis, (Toronto: Association for Computational Linguistics, 2023), pp. 325-340, https://doi.org/10.18653/v1/2023.wassa-1.29

[19] حول مفهوم التجربة المعيشة (الفرق بين امتلاك بنية التعبير عن المعنى وبين امتلاك التجربة التي يتولد منها المعنى) انظر:

Rudolf A. Makkreel and Frithjof Rodi (eds.), Wilhelm Dilthey: Selected Works, (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1991); Nicholas Davey, Lived Experience: Erlebnis and Erfahrung, in: Niall Keane and Chris Lawn (eds.), A Companion to Hermeneutics, (Chichester: Wiley-Blackwell, 2015), pp. 326-332, https://doi.org/10.1002/9781118529812.ch38

[20] انظر:

Ned Block, On a Confusion about a Function of Consciousness, Behavioral and Brain Sciences, Vol. 18, No. 2, (1995), pp. 227-247, https://doi.org/10.1017/S0140525X00038188

[21] انظر:

Thomas Nagel, What Is It Like to Be a Bat?, The Philosophical Review, Vol. 83, No. 4, (1974), pp. 435-450, https://doi.org/10.2307/2183914

[22] انظر:

Ahmad Mugableh and Hissah Mohammed Alruwaili, Functional vs. Phenomenological Empathy in Large Language Models: Rethinking Artificial Empathy through Experimental Evidence, East European Journal of Psycholinguistics, Vol. 13, No. 1, (2026), pp. 307-332, https://doi.org/10.29038/eejpl.2026.13.1.mug

[23] انظر:

Betsy Sparrow, Jenny Liu, and Daniel M. Wegner, Google Effects on Memory: Cognitive Consequences of Having Information at Our Fingertips, Science, Vol. 333, No. 6043, (2011), pp. 776-778, https://doi.org/10.1126/science.1207745

د. شريف عبد الرحمن

مدرس بقسم الحوسبة الاجتماعية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى