الحالة الفكرية للأمة خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين… رؤية في الملامح، والتحديات، والآفاق

مقدمة:
يُمثل الربع الأول من القرن الحادي والعشرين مرحلةً مهمة في التاريخ المعاصر، بالنظر إلى ما شهده من أحداثٍ وتحولات مسَّت جوانب متعددة من الحياة الإنسانية، وأعادت تشكيل بيئات السياسة والاقتصاد والثقافة والاتصال والمعرفة. وقد تزامنت هذه المرحلة مع تطوراتٍ تقنية متسارعة، ومع تغيرات سياسية كبرى أعادت صياغة موازين القوة والعلاقات الدولية، وكان للعالم العربي والإسلامي نصيب بارز من تداعيات ذلك.
وقد شهدت البدايات الأولى لهذه المرحلة انتفاضة الأقصى التي اندلعت في سبتمبر 2000، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ثم الربيع العربي في نهاية العقد الأول من القرن، ثم طوفان الأقصى والعدوان على غزة، بعد نحو اثنى عشر عامًا من الربيع العربي، وفي ختام الربع الأول، جاءت الحرب الأمريكية على إيران.
لم تكن هذه التطورات مجرد وقائع سياسية متعاقبة، وإنما مثلت محطات كاشفة للحالة الفكرية؛ إذ طرحت أسئلة جديدة، وأعادت أسئلة قديمة في سياقاتٍ مختلفة، واختبرت قدرة الفكر على تفسير الواقع والتفاعل معه. كما تزامنت معها تحولات أخرى في بيئة إنتاج الفكر وتداوله، بفعل الثورة الرقمية واتساع فضاءات النشر، والذكاء الاصطناعي.
من هنا، تأتي أهمية النظر في الحالة الفكرية للأمة خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، ليس بقصد استقصاء النتاج الفكري أو حصر التيارات والاتجاهات، وإنما للكشف عن أبرز القضايا والأسئلة التي شغلت المجال الفكري، وما طرأ عليها من استمرارٍ أو تحول، وكيف تفاعل الفكر مع البيئة التاريخية والحضارية الجديدة التي تحرك فيها[1].
وتتمثل إشكالية البحث في الآتي:
إذا كان من شأن التحولات الكبرى أن تفرض على الفكر مراجعة أسئلته ومفاهيمه وأدواته، فإنه في محاولة فهم طبيعة استجابة الحالة الفكرية العربية والإسلامية (وما تعنيه من أبرز القضايا والمفاهيم التي تنتظم المجال الفكري) لمرحلة اتسمت بتسارع الأحداث والتحولات وعمق آثارها، يُصبح السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى استطاعت الحالة الفكرية مواكبة المرحلة موضع التناول (الربع الأول من القرن الحادي والعشرين)، كيف تعاملت مع المحطات الكبرى التي مرت بها الأمة؛ من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلى الربيع العربي، وطوفان الأقصى والعدوان على غزة، والحرب الأمريكية على إيران؟ فهل أفضت هذه المحطات إلى مراجعاتٍ فكرية وإعادة بناء معرفي للأسئلة والمفاهيم، أم ظل جانب مهم من الفكر أسيرًا لأطر وأسئلة تشكلت في مراحل سابقة؟
وانطلاقًا من هذه الإشكالية، يسعى البحث إلى الإجابة عن عدد من الأسئلة:
- ما أهم الأحداث والتحولات التي أثرت في البيئة التي تشكل فيها الفكر العربي والإسلامي خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين؟
- ما أبرز ملامح الحالة الفكرية للأمة، وما أهم القضايا والأسئلة التي تصدرت المجال الفكري خلال هذه المرحلة، وما الذي استمر منها من مراحل سابقة، وما الذي استُجد؟
- ما أبرز التحديات التي حدّت من فاعلية الحالة الفكرية، وما طبيعة الفجوة بين الحيوية الفكرية والقدرة على التأثير في الواقع؟
- ما المتطلبات الفكرية التي يفرضها الانتقال إلى الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين؟
واتصالا بما سبق، تكتسب الورقة أهميتها البحثية من كونها تحاول قراءة مرحلة لا تزال آثار كثير من أحداثها وتحولاتها فاعلة في تشكيل الحاضر والمستقبل. كما أن مراجعة الحالة الفكرية لا تنفصل عن سؤال قدرة الأمة على فهم موقعها في عالم سريع التغير، وعلى تطوير أدواتها الفكرية بما يمكّنها من التعامل مع تحدياته والمشاركة في صياغة مستقبله.
يُضاف لذلك، أن هذا البحث يندرج ضمن عمليات المراجعة وسؤال الذات والنقد الذاتي، وهي العمليات المطلوبة باستمرار؛ لأنها تعين على فهم ما حدث، والوقوف على مواطن الخلل، وصولاً إلى الاستعداد لما سيحدث تأهيلاً واستشرافًا وتطويرًا للفكر والأدوات.
ذلك بما يتطلب أن تعتمد الورقة منهجًا مركبًا يجمع بين الرصد والتحليل، مع الإفادة من المنهج التاريخي في تتبع نشأة بعض الأسئلة والقضايا وتحولاتها خلال فترة الدراسة، والاستعانة بالمقاربة الاستشرافية في قراءة الاتجاهات المحتملة للحالة الفكرية مع الانتقال إلى الربع الثاني من القرن. ويقوم الجانب التحليلي في الدراسة على تفكيك أبرز القضايا والمحطات الفكرية، والكشف عن العلاقات بينها، بما يتيح بناء قراءة تفسيرية للحالة العامة، لا مجرد رصد مفرداتها.
ولا تستهدف هذه الورقة الإحاطة بمجمل اتجاهات الإنتاج الفكري العربي والإسلامي خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وإنما ترصد ملامح عامة لأمثلة من مشاريع بعض المفكرين، وفق معايير تتصل بالأهمية والتأثير والتمثيل، بالتوقف على القضايا والمحطات الأبرز التي يمكن أن تسهم في تكوين صورة تفسيرية عن الحالة الفكرية العامة.
وبشأن المصادر، ففي هذا السياق، نعتمد على بعض كتابات مفكري الأمة العربية والإسلامية البارزين، بجانب الدراسات السابقة التي تناولت بالرصد والتحليل مجمل الحالة الفكرية للأمة.
وتنتظم الورقة، بعد هذه المقدمة، في مدخلٍ منهجي وثلاثة محاور؛ يتناول المدخل كيفية قراءة الربع الأول من القرن بوصفه مرحلة ذات دلالة تاريخية وحضارية.
ثم يتناول المحور الأول ملامح الحالة الفكرية للأمة خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، ويرصد أبرز القضايا والأسئلة التي طبعت المجال الفكري خلال هذه المرحلة.
وينتقل المحور الثاني إلى تناول تحديات الحالة الفكرية للأمة، سواء التي ترتبط ببنية الفكر ومناهجه وأدواته، أو بالسياق العام والعوامل الخارجية.
ليُناقش المحور الثالث آفاق الحالة الفكرية في الربع الثاني من القرن، وما تفرضه المرحلة المقبلة من مراجعة للأسئلة والمفاهيم، وإعادة بناء للعلاقة بين الفكر والواقع.
وتنتهي الورقة بخاتمة تتضمن موجزًا لأهم ما خلصت إليه، وأبرز التوصيات.
مدخل منهجي:
كيف نقرأ الربع الأول من القرن الحادي والعشرين؟
أولاً- الربع الأول بوصفه مرحلة ذات دلالة تاريخية:
ليست الأزمنة التاريخية مجرد وحدات زمنية متعاقبة، وإنما تمثل في كثيرٍ من الأحيان مراحل تتفاوت في كثافة أحداثها وعمق تحولاتـها وآثارها في مسار التاريخ. فقد تمر عقود طويلة دون أن تُحدث تغييرًا جوهريًا في بنية المجتمعات أو أنماط التفكير، بينما قد يحمل عقد أو ربع قرن من التحولات ما يكفي لإعادة تشكيل البيئة التي تتحرك فيها الأمم، وتُنتج فيها الأفكار.
من هنا، فإن دراسة الربع الأول من القرن الحادي والعشرين لا تستند إلى الاعتبارات الزمنية فحسب، وإنما إلى كونه مرحلة اتسمت بكثافةٍ استثنائية في الأحداث، وتسارع كبير في التحولات، وتداخل بين المتغيرات التقنية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
فقد دخل العالم مع مطلع هذا القرن طورًا جديدًا تزامنت فيه الثورة الرقمية مع العولمة المتسارعة، وصعود اقتصاد المعرفة، واتساع شبكات الاتصال والفضاء الرقمي، ثم جاءت تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتفتح أفقًا جديدًا تجاوز أثره المجال التقني إلى التعليم والإعلام والعمل والثقافة، بل امتد إلى أسئلةٍ تتصل بطبيعة المعرفة والإنسان نفسه.
ولم تكن التحولات السياسية أقل عمقًا؛ فقد شهد الربع الأول من القرن سلسلة من المحطات الكبرى (ثورات، ومواجهات عسكرية) التي تركت آثارًا ممتدة في الوعي العربي والإسلامي، وفي تصور الأمة لذاتها وللعالم من حولها، وفي الأسئلة التي طرحت نفسها على الفكر.
ثانيًا- المحطات الكبرى بوصفها اختبارات للفكر:
شهدت هذه المرحلة محطات كبرى تركت آثارًا ممتدة في الوعي العربي والإسلامي؛ من انتفاضة الأقصى التي اندلعت في سبتمبر 2000، وحملت دلالات سياسية وفكرية أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الوعي العربي والإسلامي، وطرحت مجددًا أسئلة المقاومة والاحتلال والعدالة. ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، التي تجاوز أثرها المجال السياسي والأمني إلى المجال الفكري، فأعادت إلى صدارة النقاش قضايا الإسلام والغرب، والهوية، والتطرف، وصورة المسلمين في الوعي العالمي. ثم جاء الربيع العربي وما أثاره من أسئلة حول الدولة والإصلاح والتغيير والحرية والمواطنة، إضافةً إلى طوفان الأقصى وحرب الإبادة على غزة، وما أعاداه إلى مركز الاهتمام من قضايا فلسطين والمقاومة والعدالة والقوة في النظام الدولي. وفي ختام الربع الأول، جاءت الحرب الأمريكية على إيران لتُضيف أبعادًا أخرى إلى النقاش، تتصل بالعلاقة مع الغرب، وفاعلية المؤسسات الدولية، وموقع القوة في العلاقات الدولية.
لا تستمد هذه المحطات أهميتها، في إطار هذه الورقة البحثية، من كونها أحداثًا سياسية كبرى فحسب، وإنما من كونها اختبارات لقدرة الفكر على فهم الواقع وإعادة بناء أسئلته في ضوء ما يطرأ عليه من تغيرات.
من ثم، لا تستهدف الورقة تأريخ هذه الأحداث أو تحليل تفاصيلها السياسية، وإنما تستحضرها بالقدر الذي تساعد فيه على الكشف عن طبيعة الاستجابة الفكرية لها: هل تحولت إلى أسئلة جديدة ومراجعات فكرية ومعرفة متراكمة، أم ظل جانب مهم منها في مستوى التفاعل اللحظي والتعليق على الأحداث؟
ثالثًا- البيئة الحضارية وتشكيل الفكر:
تنطلق الورقة من فرضية منهجية مؤداها أن الفكر لا يتطور في فراغ، ولا يتشكل بمعزلٍ عن بيئته الحضارية؛ فكل تغير في الاقتصاد أو التكنولوجيا أو وسائل الاتصال أو النظام السياسي والدولي ينعكس، بدرجاتٍ متفاوتة، على طبيعة القضايا التي تتصدر الاهتمام، والمفاهيم التي يُقرأ بها الواقع وتُفسَّر بها الظواهر.
ولهذا، فإن فهم الحالة الفكرية يقتضي مع تحليل الأفكار في ذاتها، فهمَ السياق الحضاري الذي نشأت فيه، والوقائع الكبرى التي اختبرت قدرتها على فهم الواقع والاستجابة له.
وتتخذ هذه البيئة الحضارية، في المجال الفكري، صورة شبكات من المفكرين والمؤسسات والتيارات تتفاعل فيما بينها، بما يُسهم في إنتاج الأفكار وتداولها وتطورها؛ وهو ما يلفت إليه راندال كولينز في دراسته لعلم اجتماع الفلسفات، حيث ينظر إلى «الشبكات الفكرية» بوصفها عنصرًا أساسيًّا في تفسير ظهور الأفكار وتغيرها وانتقالها. ومن ثم، فإن الحالة الفكرية كما تتشكل من الأفكار والنصوص، تتأثر كذلك بالبيئة التي تحتضن إنتاجها وبتفاعل أصحابها وتداولها[2].
ولا يعني ذلك أن الفكر مجرد انعكاس للواقع؛ فالعلاقة بينهما تفاعلية، إذ يستطيع الفكر أن يفسر الواقع وينقده، ويعيد صياغة أسئلته، ويسهم في توجيه الفعل تجاهه.
رابعًا- مفهوم «الحالة الفكرية» ووحدة التحليل:
تتعامل الدراسة مع «الحالة الفكرية» بوصفها أوسع من مجرد رصد النتاج الفكري أو حصر الاتجاهات؛ ٍفهي ٍتشمل طبيعة القضايا التي تنتظم المجال الفكري، والأسئلة التي تتصدر اهتمام النخب، والمفاهيم التي يُقرأ بها الواقع، والمؤسسات والفضاءات التي يجري فيها إنتاج الفكر وتداوله. كما تتأثر هذه الحالة بالبيئة المعرفية والتقنية التي تتحرك داخلها؛ ولذلك تُستحضر التحولات في هذه المجالات بالقدر الذي تساعد فيه على تفسير التغيرات التي طرأت على الفكر نفسه.
وتأسيسًا على ذلك، يمكن النظر لمفهوم «الحالة الفكرية» باعتباره: مجمل النشاط الفكري في فترةٍ ما، من حيث أبرز الأسئلة الفكرية التي تتولد من المحطات السياسية والاجتماعية والعلمية والتقنية فيها، وما ترتب على ذلك من تحديات واستجابات وتفاعلات.
ولا تدّعي هذه الورقة الإحاطة بمجمل الفكر في الأمة، وإنما تهتم بفحص مجموعة الاتجاهات والاستجابات الفكرية التي حاولت مقاربة قضايا الأمة وتحولاتها خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، مع التركيز على نماذج فكرية وحضارية ذات طابع كلي. وتتخذ الورقة من المجال الفكري بهذا المعنى وحدةً للتحليل.
وإذا كان النظر هنا إلى «الاستجابة الفكرية» بوصفها قدرة الحالة الفكرية على التفاعل مع التحولات والمستجدات التي يشهدها الواقع، وليس مجرد الانشغال بها أو الكتابة عنها؛ فإنها تستعين بعدد محدود من المؤشرات الإجرائية في قراءة هذه الاستجابة، تتمثل في: مدى إدراك التحولات الجديدة، والقدرة على إعادة صياغة الأسئلة الفكرية في ضوء هذه التحولات، وتطوير المفاهيم والأطر التفسيرية اللازمة لفهمها، والانتقال من تشخيص الواقع إلى المشاركة في توجيه الفعل والاستجابة له.
المحور الأول: ملامح الحالة الفكرية للأمة
تمهيد- من سؤال النهضة إلى تعدد الأسئلة:
دخلت الأمة العربية والإسلامية القرن الحادي والعشرين وهي تحمل إرثًا فكريًّا تشكل في جزءٍ كبير منه حول سؤال النهضة: لماذا تأخرت الأمة؟ وكيف يمكن تجاوز أسباب التخلف؟ وما الموقف من التراث؟ وكيف يمكن التعامل مع الحداثة؟ وما حدود العلاقة بين الأصالة والمعاصرة؟ وكيف يمكن بناء الدولة الحديثة وتحقيق الإصلاح؟
ولم تكن هذه الأسئلة طارئة؛ فقد ظلت منذ القرن التاسع عشر محورًا رئيسًا في الفكر العربي والإسلامي الحديث، وتنوعت الإجابات عنها بتنوع الاتجاهات والمناهج. وقد اتخذت عند بعض المفكرين صورة السؤال الحضاري الشامل، بينما اتجهت عند آخرين إلى نقد التراث أو نقد العقل أو إعادة بناء المفاهيم الإسلامية أو مساءلة الحداثة الغربية.
وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين، بلغت هذه الأسئلة درجةً عاليةً من النضج النظري مع مشروعاتٍ فكرية كبرى، سعت إلى إعادة بناء الوعي الإسلامي ومراجعة علاقته بالتراث والحداثة والواقع؛ ومن ذلك مشروع الشيخ محمد الغزالي في تجديد الخطاب الإسلامي وتحريره من الجمود والتقليد، وربط الفكر الإسلامي بفقه الواقع والأولويات وبالتحديات؛ وفي مشروع المستشار طارق البشري في إعادة قراءة التاريخ والواقع السياسي والاجتماعي من منظور حضاري، والكشف عن إمكانات التفاعل بين المرجعية الإسلامية ومقتضيات الدولة والمجتمع الحديث؛ وفي مشروع الدكتور محمد عمارة في تجديد الفكر الإسلامي والدفاع عن قدرته على استيعاب قضايا العصر؛ إلى جانب مشروع الدكتور محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي والكشف عن بنياته المعرفية، ومشروع الدكتور عبد الوهاب المسيري في نقد النموذج المعرفي الغربي وتفكيك مرجعياته المادية، ومشروع الدكتور طه عبد الرحمن في تأسيس حداثة أخلاقية ذات مرجعية إسلامية.
ولم تكن هذه المشروعات مجرد اجتهادات فكرية منفردة، وإنما مثلت، في مجموعها، محاولات متعددة لإعادة صياغة السؤال النهضوي نفسه: سؤال كيفية بناء الإنسان والمجتمع والدولة، واستعادة الفاعلية الحضارية.
لكن الربع الأول من القرن الحادي والعشرين لم يجرِ في البيئة التاريخية نفسها التي تشكلت فيها هذه المشروعات. فقد افتُتحت المرحلة بانتفاضة الأقصى التي أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الوعي العربي والإسلامي والاهتمام العالمي، ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما ترتب عليها من تحولات سياسية وأمنية وفكرية واسعة، أعادت إلى صدارة النقاش أسئلة العلاقة بين الإسلام والغرب، وصورة المسلمين في العالم. ثم تتابعت تحولات أخرى، من الثورة الرقمية والعولمة وتحول أنماط إنتاج المعرفة وتداولها، إلى الربيع العربي وما أثاره من أسئلة الدولة والحرية والإصلاح، ثم صعود الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى طوفان الأقصى والعدوان على غزة، والحرب الأمريكية على إيران.
ومن ثم، فإن الربع الأول لم يلغِ سؤال النهضة، لكنه وضعه في بيئةٍ جديدة، وأضاف إليه أسئلةً أخرى؛ فأصبح أكثر تعقيدًا وتشعُّبًا. ويمكن القول: إن إحدى السمات الأساسية للحالة الفكرية في هذه المرحلة تتمثل في انتقالها من وحدة السؤال النهضوي إلى تعدد الأسئلة وتداخلها؛ فالسؤال لم يعد فقط: كيف ننهض؟ وإنما أصبح أيضًا: أي نهضة؟ وبأي نموذج؟ وكيف ننتج المعرفة؟ وكيف نبني الدولة؟ وكيف نحافظ على الهوية في عالم متصل بلا حواجز؟ وكيف نفهم القوة والنظام الدولي؟ وكيف نقرأ التحولات الكبرى التي تمر بها الأمة؟
أولاً- استمرار أسئلة كبرى من القرن العشرين:
رغم التحولات الهائلة التي شهدها العالم، فإن جانبًا مهمًّا من المجال الفكري العربي والإسلامي خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين ظل مشغولاً بأسئلة سابقة.
ويأتي في مقدمة هذه الأسئلة سؤال العلاقة بالتراث؛ فما زال الجدل حول التراث حاضرًا بقوة: هل يمثل مصدرًا لبناء المستقبل، أم عبئًا ينبغي تجاوزه؟ كيف يمكن قراءته قراءة تاريخية ونقدية؟ وما الذي يمكن استعادته منه؟ وما حدود التوظيف المعاصر للنصوص والمفاهيم التراثية؟ وهنا تبدو أهمية استمرار المشاريع التي أعادت قراءة التراث في القرن العشرين، لا بوصفها مشروعات انتهى أثرها، وإنما باعتبارها خلفية أساسية لكثير من النقاشات التي استمرت في القرن الجديد.
وفي هذا السياق، يمثل مشروع الجابري مثالاً واضحًا؛ إذ جعل نقد بنية العقل مدخلاً إلى معالجة مأزق النهضة، وربط بين طريقة التعامل مع التراث وبين إمكانية بناء عقل قادر على استيعاب الحداثة. وقد أثار المشروع، وما يزال، نقاشًا واسعًا حول المنهج، ومفهوم العقل العربي، وحدود القراءة البنيوية والتاريخية للتراث[3].
كما استمر سؤال الحداثة بوصفه أحد أكثر الأسئلة حضورًا وإثارةً للجدل. غير أن التعامل معه بدأ يتجاوز تدريجيًا ثنائية القبول والرفض؛ فظهرت محاولات لنقد الحداثة من داخلها، أو إعادة بنائها انطلاقًا من مرجعيات أخلاقية وحضارية مختلفة.
ويبرز هنا مشروع طه عبد الرحمن، الذي جعل الأخلاق مدخلاً لنقد بعض الأسس التي قامت عليها الحداثة الغربية، وطرح إمكان تأسيس حداثة ذات مضمون أخلاقي وروحي مختلف[4].
ومن ثم، فإن استمرار الأسئلة الكبرى للقرن العشرين لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دليلاً على جمود الفكر أو عجزه عن إنتاج أسئلة جديدة، وإنما بوصفه مؤشرًا على عمق هذه الإشكالات وتجذرها، وعلى الحاجة إلى إعادة صياغتها بما يتناسب مع تحولات الواقع.
ثانيًا- سؤال الهوية وأبعاد جديدة:
ظل سؤال الهوية حاضرًا بقوة في الفكر العربي والإسلامي خلال الربع الأول من القرن الحالي، لكنه لم يعد يُطرح بالطريقة نفسها التي كان يُطرح بها في العقود السابقة؛ فقد كانت الهوية في جانب من الخطاب السابق تُطرح باعتبارها مسألة دفاعية، أي: كيف نحافظ على الذات ونحمي الخصوصية أمام التغريب والعولمة؟ أما البيئة الجديدة فقد جعلت السؤال أكثر تعقيدًا.
فالفرد العربي والمسلم يعيش في الوقت نفسه داخل فضاءات وطنية، وقومية، ودينية وعالمية، ورقمية. وأصبحت الهوية تتشكل عبر تفاعلات متعددة لا تمر كلها عبر المؤسسات التقليدية؛ بل أصبحت المنصات الرقمية، وشبكات التواصل، والإعلام العالمي، مؤثرة في تشكيل الوعي والانتماء. ومن ثم، لم يعد السؤال مقتصرًا على: كيف نحافظ على الهوية؟ بل اتسع ليشمل: كيف نعيد بناء هوية قادرة على التفاعل مع العالم دون أن تفقد خصوصيتها[5]؟
وقد اكتسب سؤال الهوية بعدًا جديدًا بعد طوفان الأقصى وحرب الإبادة على غزة؛ إذ أعادت الأحداث القضيةَ الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العربي والإسلامي، وكشفت عن استمرار حضورها بوصفها قضية تتصل بالهوية والعدالة والكرامة، لا مجرد قضية سياسية منفصلة عن الوعي الجمعي للأمة، كما أبرزت دور القضايا الجامعة في استدعاء الوعي بالانتماء والذات، وربط الهوية بالموقف من قضايا الأمة ومصيرها، فضلاً عن إثارة أسئلة متجددة حول العدالة وطبيعة النظام الدولي. وهنا لا تكمن أهمية الحدث في آثاره السياسية والعسكرية فحسب، وإنما في كونه كشف عن قدرة القضايا الحضارية الكبرى على إعادة ترتيب بعض الأولويات والأسئلة التي تُشكل وعي الأمة بذاتها وبالعالم[6].
ثالثًا- صعود سؤال المعرفة:
إذا كان سؤال النهضة قد احتل موقعًا مركزيًا في الفكر العربي الحديث، فإن الربع الأول من القرن الحادي والعشرين شهد صعودًا واضحًا لسؤال المعرفة. وهذا التحول لم يكن مجرد نتيجة للاهتمام الأكاديمي، وإنما فرضته طبيعة العصر نفسه. فمنذ بداية القرن أصبح واضحًا أن قوة الأمم لم تعد تقاس بالموارد الطبيعية وحدها، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوظيفها وتحويلها إلى اقتصاد وتقنية ومؤسسات وقدرات استراتيجية.
ولذلك؛ جاء تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003 ليضع المعرفة في قلب النقاش حول مستقبل المنطقة. وقد خلص التقرير إلى وجود قيود تعوق اكتساب المعرفة ونشرها وإنتاجها، مع التأكيد على أن المعرفة يمكن أن تكون محركًا للنمو الاقتصادي، وتعزيز الحريات، وتحقيق العدالة والكرامة الإنسانية[7].
وتكشف أهمية هذا التقرير عن تحول في جدول الأعمال العربي: فلم تعد القضية فقط إصلاح الفكر، وإنما أصبحت أيضًا إنتاج المعرفة. وهنا ينبغي التمييز بين الأمرين؛ فقد تنتج الأمة خطابًا فكريًا واسعًا حول النهضة، لكنها لا تنتج القدر الكافي من المعرفة العلمية والإنسانية التي تمكنها من بناء سياسات ومؤسسات واقتصاد قادر على المنافسة.
رابعًا- التحول من «النخبة الفكرية» إلى الفضاء الفكري المفتوح:
من أبرز التحولات التي يصعب تجاهلها أن إنتاج الفكر وتداوله لم يعودا حكرًا على الجامعات ودور النشر والصحف والمجلات والمؤسسات الثقافية كما كان الحال في القرن العشرين؛ لقد أحدث الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي تحولاً في بنية المجال الفكري نفسه؛ حيث أصبح بإمكان الباحث المستقل والكاتب والصحفي والمثقف، وحتى القارئ العادي، أن يُنتج مادة فكرية وينشرها ويصل بها إلى جمهور واسع دون المرور بالوسائط التقليدية.
وهذا التحول يحمل وجهين متناقضين؛ فمن ناحية، أتاح ديمقراطية نسبية في تداول الأفكار، وفتح المجال أمام أصوات لم تكن تجد طريقها إلى النشر التقليدي، ووسّع إمكان الوصول إلى الكتب والمقالات والمحاضرات والدورات والوثائق.
ومن ناحيةٍ أخرى، أدى إلى سيولة شديدة في المجال الفكري، بحيث لم يعد من السهل التمييز بين الباحث المتخصص وصانع المحتوى، وبين المعرفة والرأي، وبين النقد العلمي والانطباع الشخصي[8].
خامسًا- تراجع «المشروعات الفكرية الكبرى» وصعود الأسئلة الجزئية:
من الملامح الجديرة بالتوقف أن الربع الأول من القرن الحادي والعشرين لم يشهد -في حدود ما يمكن رصده- ظهور عدد كبير من المشروعات الفكرية الكلية التي تماثل مشروعات العقود السابقة، من حيث قدرتها على تقديم تفسير شامل للواقع العربي والإسلامي.
فقد كان القرن العشرون، خصوصًا في نصفه الثاني، عصر المشروعات الكبرى: القومية، والماركسية، والإسلامية، والليبرالية، ومشروعات نقد التراث والعقل والحداثة. أما القرن الجديد، فشهد قدرًا أكبر من التخصص والتجزؤ والانشغال بالقضايا التفصيلية.
أصبح المفكر والباحث ينشغل بالديمقراطية، أو الدولة، أو الهوية، أو المرأة، أو الخطاب الديني، أو الاقتصاد، أو الإعلام، أو العلاقات الدولية، دون أن تندمج هذه القضايا دائمًا في نموذج تفسيري شامل.
وهذا لا ينبغي تفسيره كله بوصفه تراجعًا؛ فالتخصص قد يكون علامة نضج معرفي، كما أن عصر التعقيد لا يسمح بسهولة بإنتاج النظريات الشاملة التي تفسر كل شيء. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التخصص إلى تجزؤ معرفي و«جزيرة منعزلة»، بحيث يفقد الفكر القدرة على رؤية العلاقات بين الظواهر.
وهنا يمكن الاستفادة من رؤية عبد الوهاب المسيري في نقد النماذج الاختزالية؛ فقد سعى إلى بناء نموذج تفسيري أوسع لا يكتفي بتفسير الظاهرة في بعدها السياسي المباشر، وإنما يربطها بنموذج معرفي أشمل[9].
فالحاجة إلى الرؤية المركبة لم تختفِ في القرن الجديد، بل ربما زادت؛ وإن لم تتخذ شكل مشروعات كبرى كما كان في القرن العشرين. المهم أن ينبع تناول القضايا التفصيلية عن رؤى كلية مركبة، لا عن تصورات جزئية محدودة أو مبتسرة.
خلاصة، تكشف ملامح الحالة الفكرية للأمة خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين عن حالة مركبة جمعت بين استمرار أسئلة من القرن العشرين وظهور أسئلة جديدة فرضتها تحولات القرن الجديد؛ فقد ظلت أسئلة النهضة والتراث والحداثة والهوية حاضرة في المجال الفكري، كما فرضت الثورةُ الرقمية والعولمة وتطور المعرفة والتحولات السياسية قضايا جديدة تتصل بمستقبل الإنسان، وإنتاج المعرفة، وموقع الأمة في عالم متغير. وبذلك انتقل الفكر تدريجيًا من الانشغال بسؤال نهضة مركزي إلى تعدد الأسئلة وتداخلها.
وفي الوقت نفسه، اتسع المجال الذي يُنتج فيه الفكر ويتداول، بفعل التحول الرقمي وتراجع احتكار المؤسسات التقليدية لإنتاج المعرفة، وظهرت إمكانات أوسع للباحث والمثقف في الوصول إلى مصادر المعرفة والتواصل مع الجمهور، غير أن هذا الاتساع لم يصاحبه بالقدر نفسه نمو في المشروعات الفكرية الكلية؛ إذ غلبت التخصصات والمقاربات الجزئية.
وتكشف هذه الصورة في مجملها عن مفارقةٍ أساسية: حيوية فكرية واضحة واتساع في الإنتاج والتداول، يقابلهما قصور نسبي في التراكم المؤسسي والقدرة على تحويل الأفكار إلى معرفة متراكمة ومشروعات مؤثرة. ولهذا، فالقضية الأهم التي تطرحها حصيلة الربع الأول ليست غياب الفكر أو انعدام الحيوية، وإنما الفجوة بين حيوية الإنتاج الفكري وفاعليته الحضارية؛ وهي فجوة تجعل السؤال في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بما ينتجه الفكر، وإنما بقدرته على بناء الرؤية، والتأثير في الواقع، وهذا ما ينقلنا إلى التحديات.
المحور الثاني:
تحديات الحالة الفكرية للأمة
التحديات التي تواجهها الحالة الفكرية العربية والإسلامية كثيرة ومتنوعة، وبعضها يرتبط ببنية الفكر ومناهجه وأدواته، وبعضها الآخر يتصل بالسياق السياسي والاجتماعي والحضاري الذي يتحرك فيه، وما ينشأ عن التفاعل بينهما من فجوات تحد من فاعليته. ويمكن بلورة أهم هذه التحديات في المستويين التاليين:
أولاً- تحديات بنية الفكر وممارسته:
يتناول هذا الجزء التحديات المرتبطة ببنية الفكر وطبيعة الممارسة الفكرية، ومدى قدرتهما على مواكبة التحولات، وتجديد الأسئلة والأدوات في ضوء متطلبات الفاعلية الحضارية.
1- استمرار هيمنة الأسئلة القديمة
لم يكن استمرار أسئلة التراث والحداثة والهوية والنهضة في ذاته مشكلة؛ إذ لا يمكن لأي أمة أن تتقدم من خلال القطيعة المصطنعة مع أسئلتها المؤسِّسة. المشكلة تكمن في تحول السؤال التاريخي إلى إطارٍ مغلق يمنع إنتاج الأسئلة الجديدة؛ فقد ظل جزء من الخطاب الفكري يتحرك داخل ثنائيات مألوفة: التراث والحداثة، الأصالة والمعاصرة، الإسلام والعلمانية، العقل والنقل، الشرق والغرب.
وهي ثنائيات أسهمت تاريخيًا في إنتاج قدر مهم من الفكر، لكنها لم تعد وحدها كافية لتفسير عالم يتشكل فيه الإنسان تحت تأثير الخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، والاقتصاد المعرفي، والشبكات العابرة للحدود.
ويمكن صياغة أحد تحديات المرحلة في السؤال التالي: هل استطاع الفكر العربي والإسلامي أن يُضيف إلى أسئلته التاريخية أسئلة العصر، أم إنه ظل يحاول تفسير القرن الحادي والعشرين بأدوات تكونت أساسًا في القرن العشرين؟
وهذه ليست دعوة إلى التخلي عن الأسئلة القديمة، وإنما هي دعوة إلى إعادة ترتيبها داخل جدول أعمال أوسع. فالهوية مثلاً، لا ينبغي أن تظل سؤالاً دفاعيًا فقط، بل عليها أن تتحول إلى سؤالٍ عن الإنسان الذي نريد بناءه، وعن منظومة القيم التي نريدها في عصر التقنية، وعن موقع الأمة في عالم متعدد المراكز.
وكذلك سؤال الحداثة، من المهم ألا يظل محصورًا في قبول النموذج الغربي أو رفضه، وإنما ينتقل إلى سؤال أكثر تركيبًا: ما الذي نحتاج إلى استيعابه من المنجز الحضاري الحديث؟ وما الذي ينبغي نقده؟ وما الذي يمكن أن نضيفه نحن إلى النقاش العالمي حول الإنسان، والعلم، والأخلاق، والتقنية؟
2- الفضاء الرقمي بين تحرير الفكر وتسطيحه
كان الفضاء الرقمي أحد أكبر التحولات التي عرفها المجال الفكري خلال الربع الأول من هذا القرن. وقد أحدث هذا الفضاء مكاسب حقيقية مثل: سهولة الوصول إلى المصادر، وانتشار الكتب الرقمية، وإتاحة المحاضرات والدورات، واتساع دائرة النقاش، إضافة إلى تجاوز احتكار المؤسسات التقليدية للنشر والتوجيه.
لكن الوجه الآخر للتحول الرقمي يتمثل في مشكلاتٍ كثيرة نتجت عنه، أخطرها تسطيح المعرفة؛ فالفكرة التي تحتاج إلى كتابٍ كامل قد تُختزل في منشور، والبحث الذي يحتاج إلى سنوات من العمل قد يتحول إلى مقطعٍ قصير. وهنا لا تكمن المشكلة في المحتوى القصير ذاته -فالإيجاز يمكن أن يكون وسيلة لها اعتبارها لنشر المعرفة- وإنما في استبدال الاختصار بالتفكير، والركون إلى حالة من الكسل العقلي تتحول تدريجيًا إلى البلادة العقلية والعجز الفكري.
كما أن الفضاء الرقمي أتاح تدفقًا غير مسبوق في الخبر والرأي، واستسهالاً في طرح القضايا ذات الإشكالية والتركيب؛ مما أوجد حالةً من «السيولة المعرفية» و«الارتباك المعرفي»، لا سيما مع غياب القدرة على التحليل والتعمق بسبب «اللهاث» وراء سيل الأخبار المتدفق والقضايا المثارة التي تتجدد مع كل يوم[10].
والمفارقة، كما يرصد لوتشيانو فلوريدي، أننا ما زلنا معتادين النظر إلى تكنولوجيات المعلومات والاتصال على أنها أدوات للتواصل والتفاعل مع العالم ومع بعضنا البعض، بينما الواقع أنها صارت قوى بيئية وأنثروبولوجية واجتماعية وتفسيرية، تَخلق وتُشكل واقعنا الفكري والمادي، وتُغيّر فهمنا لذواتنا، وتُحوّر الكيفية التي تربطنا بعضنا ببعض، كما تربطنا بذواتنا.. وكل هذا يجري بصورةٍ واسعة الانتشار، وبعمقٍ، وبلا هوادة[11].
3- ضعف تحويل المعرفة إلى قوة حضارية
أصبح الحديث عن المعرفة حاضرًا بقوة منذ بداية القرن؛ حتى إن تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003 جعل بناء مجتمع المعرفة موضوعًا مركزيًّا، وربط المعرفة بالنمو الاقتصادي والحريات والقدرة على تحقيق القيم الإنسانية[12].
لكن السؤال الذي بقي مثارًا هو: هل تحولت المعرفة إلى قوة؟ فالأمة يمكن أن تترجم الكتب ولا تنتج المعرفة، وتستهلك التقنية ولا تطورها، وتمتلك الجامعات ولا تنتج مدارس علمية مؤثرة. وهنا نصل إلى التمييز بين الحضور المعرفي والفاعلية الحضارية؛ فالحضور المعرفي يعني أن تكون لدينا كتب وباحثون ومؤتمرات ودراسات، أما الفاعلية الحضارية فتتطلب أن تتحول المعرفة إلى قدرة على تفسير الواقع وبناء المؤسسات وتطوير التقنية وإنتاج البدائل.
فأحد تحديات الحالة الفكرية يتمثل في ضعف تحويل المعرفة إلى قوةٍ حضارية؛ بحيث لا تقتصر عملية إنتاج المعرفة على الكتابة والتداول، وإنما تتجاوز ذلك إلى إنتاج معرفة قادرة على الاستجابة للتحولات المحيطة، وذات صلة بالواقع، تُفضي إلى مبادرات ومشروعات ذات أثر.
ثانيًا- تحديات السياق العام والعوامل الخارجية:
تتشكل الحالة الفكرية في سياق التحولات السياسية والاجتماعية والتاريخية، وما تطرحه من تحدياتٍ تنعكس على طبيعة الأسئلة المثارة وإمكانات الاستجابة لها، كما أن العوامل الخارجية تؤثر في توجيه هذه الحالة الفكرية وفي مدى فاعليتها الحضارية. ويمكن توضيح ذلك في العناصر الآتية:
1- تسارع التحولات التاريخية وبطء الاستجابة الفكرية
ربما كان التحدي الأعمق هو الفجوة بين سرعة التحولات التي شهدها العالم وبين سرعة استجابة الفكر لها؛ فالربع الأول من القرن لم يكن مجرد امتداد هادئ للقرن العشرين؛ بل شهد تغيرات متسارعة في التقنية والاقتصاد والإعلام والنظام الدولي وأنماط الحياة -على نحو ما أشير. وفي العالم العربي والإسلامي أضيفت إلى ذلك تحولات سياسية واجتماعية كبرى، من أحداث 11 سبتمبر والحروب التي تلتها، إلى الربيع العربي، ثم جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وطوفان الأقصى وحرب الإبادة على غزة، والحرب الأمريكية الإيرانية، وصولاً إلى التحولات الإقليمية والدولية المتلاحقة.
والسؤال هنا ليس: هل كتب المفكرون عن هذه الأحداث؟ فقد كتبوا كثيرًا؛ وإنما: هل أدت هذه الأحداث إلى مراجعة حقيقية للمفاهيم والأطر التفسيرية التي كان الفكر العربي والإسلامي يقرأ بها ذاته والعالم؟
فالكتابة عن الحدث ليست بالضرورة استجابة فكرية له، وقد تتعدد المقالات والكتب والتعليقات بينما تبقى البنية المفاهيمية نفسها دون مراجعة؛ وهنا يظهر الفارق بين التفاعل الإعلامي مع الحدث والاستجابة الفكرية للتحول. فالاستجابة الفكرية الحقيقية تعني أن الحدث يدفع إلى إعادة النظر في سؤالٍ سابق، أو إسقاط مفهوم لم يعد قادرًا على تفسير الواقع، أو إنتاج مفهوم جديد.
وهذه المسألة تبدو بوضوح عند مقارنة حجم الأحداث التي مرت بها المنطقة، بحجم التحولات التي طرأت على بعض الأطر الفكرية التي حكمت النقاش العربي والإسلامي. ولعل هذا أحد أسباب استمرار أسئلة القرن العشرين في الحضور بقوة خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.
ومن المهم أن نشير هنا إلى أن حدثًا تاريخيًا ضخمًا زلزل العالم العربي سياسيًّا، وهو هزيمة 1967، قد أدى إلى مراجعة أو نقد الكثير من الأفكار التي كانت قد سادت البلاد العربية حينئذ، حتى رأينا شهادات كثير من المفكرين على أن تلك الهزيمة كانت بداية لمراجعة الذات، ومناقشة التصورات والمفاهيم لا سيما التي كانت وافدة من خارج البيئة الفكرية العربية والإسلامية؛ مثل شهادات زكي نجيب محمود وطارق البشري وعادل حسين والمسيري[13].
2- الاستقطاب وأثره في المجال الفكري
شهد الربع الأول من القرن تصاعدًا واضحًا في الاستقطاب السياسي والأيديولوجي، وانعكس ذلك على المجال الفكري. فبدلا من أن تكون الأسئلة الفكرية مجالاً للاجتهاد والنقاش، تحولت بعض القضايا إلى اختباراتٍ للانتماء. وأصبح السؤال في بعض السياقات لا يدور حول صحة الفكرة وجديتها، وإنما حول: من صاحبها؟ وإلى أي تيار ينتمي؟ ومن المستفيد منها؟ وهنا تتحول المناقشة من نقد الفكرة إلى تصنيف قائلها.
وهذا النمط من التفكير يُضعف المجال الفكري؛ لأنه يدفع الباحث إلى اختيار موقفه قبل النظر في الأدلة، ويجعل الانتماء سابقًا على البرهان. وتزداد خطورة ذلك في الفضاء الرقمي؛ حيث تعمل الخوارزميات على تعزيز المحتوى الذي يلقى التفاعل، مما يمكن أن يؤدي إلى تكوين دوائر فكرية مغلقة يرى أفرادها العالم من خلال مصادر متشابهة ويزداد اقتناعهم بمواقفهم السابقة.
والنتيجة هي أن المجال الفكري يُصبح أكثر صخبًا دون أن يكون بالضرورة أكثر عمقًا، وأن يكون تعبيرًا عن الولاءات والأيديولوجيا أكثر من تمحيص الأفكار ومناقشة القضايا بشيءٍ من التحليل والمنهجية. وبالتالي، يظل الفكر متوقفًا عند لحظة زمنية لا يتخطاها، ومحصورًا في قضايا بعينها، بينما الواقع الاجتماعي يتحرك وبسرعة لا ينتظر، ويطرح أسئلة وقضايا جديدة لا تجد من يتلقّاها ويتفاعل معها؛ فتزداد الهوة بين الفكر والواقع، والتحدي والاستجابة.
3- تأثيرات الأبعاد الخارجية
التحديات التي تواجه الحالة الفكرية للأمة، خاصةً في القرنين الأخيرين، لا تقتصر على مشكلات بنية هذه الحالة داخليًّا، وقصور مناهجها وأدواتها، وإنما تمتد إلى تأثيرات الأبعاد الخارجية، لا سيما في ظل اختلال موازين القوى الدولية، واستمرار أشكال الهيمنة السياسية والاقتصادية والمعرفية، وما يصاحبها من تدخلات تؤثر في واقع الأمة ومستقبلها[14].
فآثار هذه التحديات تتجاوز حدود الضغوط السياسية والاقتصادية إلى المجال الفكري؛ وذلك من خلال التأثير في أولويات البحث والنقاش، وتشكيل أنماط الوعي، وتعزيز بعض مظاهر التبعية الثقافية، بما قد يحد من استقلالية الفكر وقدرته على إنتاج المفاهيم والأدوات المتصلة بهوية الأمة وواقعها واحتياجاتها.
وبالتالي، فإن مواجهة هذه التحديات تتطلب تطوير قدرة الفكر على فهمها وتحليلها، وصولاً إلى التمييز بين الاستفادة من المنجز المعرفي والحضاري العالمي، والوقوع في التبعية؛ وذلك بما يُعزز في المحصلةِ استقلاليةَ الرؤية الفكرية وفاعليتها في التعامل مع المشكلات والتحديات[15].
4- الفجوة بين الفكر والفاعلية
تمثل الفجوة بين القدرة على التفكير والقدرة على الفعل واحدةً من أهم التحديات التي تواجه الأمة؛ إذ لا تتعلق المشكلة بغياب المفكرين أو فقر الإنتاج الفكري فحسب، وإنما بمدى قدرة الفكر على الاشتباك مع الواقع، وفهم تحولاته، والإسهام في توجيه الفعل فيه. فالفكرة لا تجد دائمًا طريقها إلى المعرفة المتراكمة، والمعرفة لا تتحول بالضرورة إلى مؤسسة، والمؤسسة لا تتحول إلى قرار، والقرار لا يتحول إلى إنجازٍ حضاري.
ويمكن صياغة هذه السلسلة في شكلها الصحيح على النحو التالي:
فكرة ← معرفة ← مؤسسة ← قرار ← أثر حضاري
وإن أي انقطاع في هذه السلسلة يُقلل من القيمة الحضارية للفكر. وهذا يجعل السؤال عن الحالة الفكرية أوسع من سؤال: ماذا أنتجنا من أفكار؟ ليكون: ماذا فعلنا بهذه الأفكار في الواقع[16]؟
وهذا المعنى نجده راسخًا عند مالك بن نبي، الذي لم يتعامل مع الفكرة باعتبارها قيمة ذهنية مجردة، بل جعل لها صلةً مباشرة بالديناميكية الحضارية؛ فالفكرة لا تكتمل قيمتها الحضارية بمجرد وجودها، وإنما بقدرتها على الدخول في شبكة الفعل الاجتماعي والتاريخي[17].
وفي ضوء ما سبق، يمكن ردّ عدم تحول الحالة الفكرية لفاعلية حضارية إلى عدة عوامل، من أبرزها: ضعف الصلة بين الفكر والواقع، وغياب المؤسسات الحاضنة، وحالة الاستقطاب الحاد والتشرذم التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية، إضافة إلى انفصال بعض المشروعات الفكرية عن دوائر صنع القرار والسياسات العامة، وغلبة ردود الأفعال على المبادرة والتخطيط، وعدم تحول الأفكار بالقدر الكافي إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ.
خلاصة، وهكذا، فإن التحديات التي تواجه الحالة الفكرية للأمة لا ترجع إلى عامل واحد، وإنما تنشأ عن تفاعل الاختلالات الداخلية في بنية الفكر وممارسته مع التحولات السياسية والاجتماعية والحضارية المحيطة به، فضلاً عن تأثيرات الأبعاد الخارجية؛ مما يكشف عن ثقل هذه التحديات وما تُمثله من ضغطٍ على الحالة الفكرية، قد يحد من قدرتها على مراجعة التصورات والأدوات والاستجابة بما يكفي للأسئلة التي تطرحها التحولات، الأمر الذي ينعكس على قدرة هذه الحالة على الانتقال من الحيوية الفكرية إلى الفاعلية الحضارية.
وهذا يدفعنا للتساؤل الذي يعالجه المحور الثالث عن الآفاق؛ أي: ما الأسئلة التي يجب أن يحملها الفكر العربي والإسلامي إلى الربع الثاني من القرن؟
المحور الثالث:
آفاق الحالة الفكرية للأمة
إذا كان المحوران السابقان قد سعيا إلى تشخيص الحالة الفكرية للأمة والوقوف على أبرز التحديات التي واجهتها خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا تكشف هذه الحصيلة عن الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه الفكر العربي والإسلامي في المرحلة المقبلة؟
ولا يُقصد بهذا السؤال التنبؤ بمستقبل الفكر، وإنما محاولة استقراء الاتجاهات التي أفرزتها المرحلة، والكشف عن التحولات التي باتت ضرورية إذا أراد الفكر أن يتجاوز حدود الاستجابة للأحداث إلى الإسهام في تشكيلها.
أولاً- إعادة بناء العلاقة بين الفكر والواقع:
من أهم ما ينبغي أن يحمله الربع الأول من القرن الحالي إلى الربع الثاني منه ضرورة إعادة بناء العلاقة بين الفكر والواقع؛ فقد عانى الفكر العربي والإسلامي من اتجاهين متقابلين: الانغماس في الواقع إلى درجة فقدان الرؤية الكلية، والانفصال عن الواقع إلى درجة فقدان القدرة على فهم التحولات والتأثير فيها. فالأول يحوّل الفكر إلى مجرد تعليق على الأحداث، والثاني يحوله إلى بناءٍ نظري لا يختبر نفسه في الحياة.
والمطلوب هو إنتاج فكر مشتبِك مع الواقع ومتفاعل معه دون أن يكون أسيرًا له، وفكر يقوم على التنظير والتأطير دون أن يكون غارقًا في التجريد. ومن هنا، تصبح الأحداث الكبرى التي شهدها الربع الأول ليست مجرد موضوعات سياسية أو وقائع تاريخية، وإنما اختبارات لقدرة الفكر على فهم الواقع ومراجعة مفاهيمه وأدواته وإنتاج أسئلة جديدة.
فطوفان الأقصى والعدوان على غزة، مثلًا، يُثيران أسئلة تتجاوز الحدث العسكري المباشر إلى قضايا القوة والعدالة والمقاومة، وطبيعة النظام الدولي، ودور الإعلام والرأي العام في تشكيل المواقف والتأثير في مسارات الصراع؛ فالصراع لا يقتصر على الميدان العسكري، بل يمتد إلى ميادين المعرفة والإعلام والقانون واللغة والمفاهيم؛ الأمر الذي يتطلب بناء معرفة متخصصة ومتراكمة في هذه المجالات، تكون قادرة على تحليل القضية في أبعادها المتشابكة، وتطوير أدوات التعامل معها.
وعليه، فإن إعادة بناء العلاقة بين الفكر والواقع تقتضي الانتقال من مجرد متابعة الأحداث إلى تحليلها، ومن الاكتفاء بتفسير الوقائع إلى استكشاف دلالاتها ومآلاتها؛ فالأحداث الكبرى ليست مجرد موضوعات للكتابة أو مناسبات لإبداء المواقف، وإنما فرص لاختبار صلاحية المفاهيم، وتجديد الأسئلة. وبهذا المعنى، يصبح الواقعُ مجالًا لاختبار الفكر وتطويره، والفكرُ أداةً لفهم الواقع وتوجيه التعامل معه، بما يعزز الصلة بين المعرفة والفاعلية الحضارية.
ثانيًا- من سؤال الهوية إلى سؤال بناء الإنسان:
كان سؤال الهوية أحد أكثر الأسئلة حضورًا في الفكر العربي والإسلامي خلال العقود الأخيرة، وقد اكتسب في الربع الأول أهميةً إضافية بفعل العولمة والتحولات السياسية. ولا يبدو أنه سيفقد أهميته في المستقبل، لكنه يحتاج إلى إعادة صياغة؛ فبدلا من أن يظل السؤال: كيف نحافظ على هويتنا؟ ينبغي أن يُضاف إليه سؤال أكثر عمقًا: ماذا تصنع هذه الهوية في الإنسان؟
فالهوية التي تتحول إلى مجرد شعارات دفاعية قد تحافظ على الانتماء، لكنها لا تنتج بالضرورة إنسانًا قادرًا على الإبداع والعمل. وهنا تتلاقى قضية الهوية مع قضايا التعليم، والثقافة، والتربية.
كما أن التركيز وبشكلٍ حصري على سؤال الهوية قد يؤدي إلى تضخم الذات وربما انغلاقها على نفسها، بينما الانشغال بسؤال بناء الإنسان يفتح الأفق واسعًا على التجربة الإنسانية والإفادة من منجزاتها، والبحث عن المشتركات والجسور أكثر من المفاضلات.
ثالثًا- إعادة بناء سؤال النهضة:
ربما كان من أهم الأسئلة التي ينبغي إعادة النظر فيها هو سؤال النهضة ذاته؛ فمنذ القرن التاسع عشر دار جانب كبير من التفكير العربي الحديث حول سؤال: لماذا تأخرنا؟ وكيف نلحق بالآخرين؟ وقد كان هذا السؤال مفهومًا في سياقه التاريخي، ولا تزال بعض جوانبه حاضرة ومهمة. لكن التحولات التي شهدها العالم خلال القرن الحادي والعشرين تجعل استمرار هذا السؤال بصورته القديمة غير كافٍ؛ فالعالم نفسه يواجه أزمات عميقة في نماذج التنمية والعدالة والديمقراطية والتقنية والحرب والسلام. ومن ثم، لا يصح أن يكون هدف النهضة مجرد اللحاق بالآخر، بل عليه أن يتسع ليشمل القدرة على الإسهام في معالجة مشكلات العالم المعاصر.
نعم، عند الآخرين ما ينبغي أن نبحث عنه ونفيد منه، لكن أيضًا عندهم مشكلات وأزمات من الضروري ألا نغفل عنها، خاصةً في الجوانب الروحية والاجتماعية بل والسياسية والاقتصادية. وفي خطوةٍ متقدمة، علينا أن نبحث عن حلول لهذه المشكلات والأزمات؛ لأنها من جهةٍ باتت تؤثر على مجمل أحوال العالم المعاصر، ومن جهةٍ أخرى فهذا البحث عن الحلول هو من مقتضيات الوظيفة الحضارية لأمتنا باعتبارها الأمة الخاتمة الشاهدة.
رابعًا- إلى سؤال «الفاعلية الحضارية»:
يمكن أن تجتمع الخلاصات السابقة كلها في أفقٍ واحد، هو «الفاعلية الحضارية». وتعني هذه الفاعلية قدرة الأمة على الانتقال من: مستهلكٍ للمعرفة إلى منتجٍ لها، ومن متلقٍ للنماذج إلى مشاركٍ في بنائها، ومن معلّق على الأحداث إلى دارسٍ لها، ومن الفكر الفردي المتفرق إلى العمل المؤسسي والمتراكم. وهنا، يستعيد مفهوم الحضارة معناه العملي؛ فالحضارة ليست مجموعة أفكار براقة، ولا تراكمًا من المنتجات المادية وحدها، وإنما هي قدرة مجتمع على تحويل الإنسان والموارد والزمن والمعرفة إلى عملٍ منظم ذي أثر.
فالفاعلية الحضارية ليست مجرد امتلاك القوة، وإنما تعني: القدرة على فهم الذات والعالم، وإنتاج العلم والمعرفة، وبناء الإنسان والمجتمع، وتحويل القيم والأفكار إلى سياسات ومشروعات، وصولاً إلى الإسهام في معالجة المشكلات الإنسانية.
والبحث عن الفاعلية، على مستوى الفرد والمجتمع، هو ما ينبغي أن يشغلنا؛ بحيث ننتقل من القوالب إلى الحقائق، ومن النظريات إلى التطبيقات، ومن الأفكار إلى الجوانب العملية دون انزلاق إلى النفعية والتلون.
كما أن الفاعلية في جانب الفكر الإسلامي تعني الانتقال من الاكتفاء بوعود النصر والتمكين إلى التحقق بالشروط والقيام بالمسؤولية، ومن انتظار النتائج إلى بناء أسبابها؛ وذلك تأكيدًا على دور الإنسان وقدرته على الإسهام في تغيير مجرى التاريخ، وتجاوز العقبات والتحديات.
ولذلك يمكن أن يكون سؤال «الفاعلية الحضارية» أفقًا جديدًا للفكر العربي والإسلامي، وأحد محاور التفكير في العقود القادمة. وإذا كان «سؤال النهضة» قد انشغل طويلاً بكيفية خروج الأمة من حالة الركود والتأخر، فإن سؤال «الفاعلية الحضارية» ينقل الاهتمام إلى أفقٍ آخر، هو: ماذا تستطيع الأمة أن تضيف إلى عالم المستقبل؟
خلاصة، في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الربع الأول من القرن الحادي والعشرين كشف للفكر العربي والإسلامي عن حدود بعض أسئلته وأدواته، وفتح أمامه مجالات جديدة لإعادة التفكير. لقد كشف عن حيوية فكرية لا تزال بحاجة إلى التحول إلى فاعلية أكبر، وعن ضرورة إعادة وضع الإنسان في مركز سؤال الهوية، كما أظهر أن سؤال النهضة يحتاج إلى أن يتجاوز مجرد اللحاق بالآخر إلى سؤال المشاركة والتأثير، وأن الأحداث الكبرى والتقنيات الجديدة هي مصادر لإنتاج الأسئلة والمفاهيم، فضلاً عن كونها «جرس إنذار» لمراجعة الخطوات والسياسات وممارسة النقد الذاتي بوعيٍ وشفافية.
ولعل الدرس الأهم الذي تحمله هذه الورقة البحثية إلى «الربع الثاني» هو أن مستقبل الفكر لن يتحدد فقط بقدرته على الإجابة عن أسئلة الماضي، وإنما بإنتاج الأسئلة التي يحتاجها المستقبل، وبناء شروط تحويل الإجابات إلى فعلٍ حضاري مؤثر؛ فلكل زمن أسئلته التي تحتاج إجابة، وتحدياته التي تتطلب استجابة. وما لم يحدث ذلك على المستوى المطلوب، فإن الحالة الفكرية للأمة -وما يترتب عليها من الحالة الحضارية عمومًا- ستظل تواجه خطر الدوران في دوائر الاستجابة المتأخرة، بدل الانتقال إلى موقع المبادرة والتأثير.
خاتمة:
القراءة السابقة للحالة الفكرية للأمة خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين أوضحت جملةً من الملامح والتحديات التي تتصل بطبيعة الأسئلة المطروحة، وطرائق التعامل مع التحولات. ومن ثم، تسعى الخاتمة إلى استخلاص أبرز النتائج التي انتهت إليها الدراسة، وتحديد جملة من التوصيات التي يمكن أن تسهم في تطوير «الحالة الفكرية» واستشراف متطلبات الربع الثاني من هذا القرن.
أولاً- النتائج
- الربع الأول من القرن الحادي والعشرين شهد تحولات سياسية واجتماعية وتقنية ومعرفية عميقة أعادت ترتيب عدد من الأسئلة الكبرى في المجال الفكري، ولم تعد بعض الثنائيات التقليدية كافية وحدها لاستيعاب طبيعة هذه التحولات.
- «الحالة الفكرية» للأمة أظهرت قدرًا من الحيوية والتنوع في تناول قضايا الواقع، لكن الاستجابة الفكرية ظلت متفاوتةً في قدرتها على إدراك التحولات، وإعادة صياغة الأسئلة وتطوير المفاهيم، والانتقال من التشخيص إلى المشاركة في توجيه الفعل.
- اتساع فضاءات إنتاج الفكر وتداول المعرفة، ولا سيما في البيئة الرقمية، لا يعني بالضرورة تحقق تراكم معرفي أو فاعلية حضارية؛ إذ يمكن أن يصاحب هذا الاتساعَ تسطيح للمعرفة، وسيولة في المفاهيم، واتساع لدوائر الاستقطاب.
- الفجوة بين الفكر والفاعلية تمثل إحدى أبرز التحديات التي تواجه «الحالة الفكرية»، والمشكلة لا تكمن فقط في إنتاج الأفكار، وإنما في ضعف انتقالها إلى معرفة متراكمة، ومؤسسات فاعلة، وصولاً إلى إحداث إنجاز حضاري.
- الاستقطاب والتشرذم يُضعفان المجال الفكري حين تتحول القضايا الفكرية إلى اختبارات للانتماء، ويتقدم الاصطفاف على الحوار والمناقشة الحرة.
- العوامل الخارجية وموازين القوة الدولية لا تؤثر في الواقع السياسي والاقتصادي فحسب، وإنما تمتد آثارها إلى المجال الفكري، بما يجعل بناء الاستجابة الفكرية بحاجةٍ إلى وعيٍ نقدي بالمنجز الإنساني، واستقلال في إنتاج المفاهيم.
- الانتقال إلى الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين يفرض على الفكر إعادة النظر في أجندة أسئلته، بحيث لا يظل أسير الأسئلة الموروثة، بل ينتج أسئلة تتصل بالتحولات الجديدة في مختلف الأصعدة.
ثانيًا- التوصيات
- إعادة بناء منهجية التعامل مع الواقع، بحيث يصبح مجالاً لفهم التحولات واختبار الأفكار ومراجعة المفاهيم، لا مجرد مادة للتعليق أو رد الفعل على الأحداث.
- تطوير أجندة القضايا الفكرية بما يُوازن بين الأسئلة المركزية المتصلة بالهوية والنهضة والدولة والحرية، وبين الأسئلة الجديدة التي تفرضها التحولات العلمية والتقنية.
- تعزيز الصلة بين الفكر والسياسات العامة، من خلال تطوير قنوات مؤسسية تسمح بانتقال الأفكار والدراسات من المجال الفكري إلى دوائر صناعة القرار، وتحويل المعرفة المتراكمة إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ.
- مواجهة الاستقطاب والتشرذم الفكري والمجتمعي من خلال ترسيخ ثقافة الحوار، وبناء مساحات فكرية مشتركة تعزّز النسيج الاجتماعي، وترسّخ التنوع في إطار الوحدة.
- الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة، بحيث لا ينتظر الفكر وقوع التحولات الكبرى حتى يبدأ في تفسيرها، وإنما يعمل على استشراف الاتجاهات والتحولات المحتملة، وإنتاج الأسئلة والبدائل قبل تحولها إلى أزمات.
* باحث في الشأن الإسلامي والفكري – دكتوراه في الدراسات الإسلامية.
[1] تكونت فكرة هذه الدراسة لديّ بعد مطالعة العدد الأخير من حولية «أمتي في العالم» بعنوان “في الحالة الحضارية للعالم الإسلامي خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين”، والصادر عن مركز الحضارة للدراسات والبحوث بالقاهرة عام 2026، خاصةً بمقدمته الرائعة للدكتور مدحت ماهر الليثي، وبافتتاحيته المعمقة للأستاذة الدكتورة نادية مصطفى.
[2] راندال كولينز، علم اجتماع الفلسفات- التأثير الاجتماعي والسياسي في نشأة الفلسفات والأفكار، ترجمة: فريق جسور، مراجعة: خليفة الميساوي، (بيروت: جسور للترجمة والنشر، 2019)، ص 13- 15.
[3] يوضح الجابري أن: «الأمم لا تستعيد في وعيها، ولا يمكن أن تستعيد إلا تراثها أو ما يتصل به؛ أما الجانب الإنساني العام في التراث البشري كله فهي تعيشه داخل تراثها لا خارجه». انظر: محمد عابد الجابري، نحن والتراث- قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، (المغرب: المركز الثقافي العربي، ط4، 1985)، ص 52- 53.
[4] راجع: نور الدين بن قدور، الاستقلال الفلسفي والتجديد عند طه عبد الرحمن، مجلة «إسلامية المعرفة»، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، العدد 93، صيف 2018، ص ص 119 – 143.
[5] راجع: هاني نسيرة، ألغام الهويات- تحديات الدين والدولة في العالم العربي، (القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2026).
[6] راجع: السنوسي محمد السنوسي، أسئلة مهمة استدعاها «طوفان الأقصى»، موقع «مجلة المجتمع»، 27 نوفمبر 2023، متاح عبر الرابط التالي:
https://mugtama.com/a/az4geonj
وأيضًا: السنوسي محمد السنوسي، 3 مستويات لقضايا متراكمة.. «طوفان الأقصى» جدد التذكير بها، موقع «مجلة المجتمع»، 15 أبريل 2024، متاح عبر الرابط التالي:
https://mugtama.com/a/a7WXk64j
[7] مجموعة مؤلفين، تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003م- نحو إقامة مجتمع المعرفة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ص 37.
ويُعرّف التقرير المعرفة بأنها مجموع البيانات والمعلومات والإرشادات والأفكار، وما يرتبط بها من معارف وتصورات وقيم ومعانٍ يمتلكها الفرد أو المجتمع، وتوجّه السلوك البشري، فرديًّا ومؤسسيًّا، في مختلف مجالات النشاط الإنساني، بما فيها إنتاج السلع والخدمات، ونشاط المجتمع المدني والسياسة والحياة الخاصة. وتشمل المعرفة ما يكتسبه الإنسان من خلال التعليم والخبرات العملية والحياتية، وما يتصل بذلك من حقائق وقصص وصور وموجهات للسلوك، سواء كانت موثقة أو شفاهية أو ضمنية. ويُشير التقرير إلى أن المعرفة تتجاوز مجرد الحصول على المعلومات، في حين تمثل الحكمة مستوى أرقى منها، لارتباطها بالالتزام بالقيم الأخلاقية العليا، كالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. المصدر نفسه، بتصرف يسير، ص 36.
[8] راجع المزيد عن إيجابيات وسلبيات وسائل التواصل الاجتماعي في هذ الصدد، في: السنوسي محمد السنوسي، أخلاقيات وسائل التواصل الاجتماعي.. ضرورة، مجلة «الوعي الإسلامي»، العدد 720، صفر 1447هـ/ أغسطس 2025م، ص 22- 25.
[9] انظر: عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (مجلدان)، (القاهرة: دار الشروق، ط1، 2002).
[10] السنوسي محمد السنوسي، الإعلام ووعي المسلم المعاصر.. التحدي والمطلوب، مجلة «الوعي الإسلامي»، العدد 678، المحرم 1443هـ- سبتمبر/ أكتوبر 2021م، ص 24- 26.
[11] لوتشيانو فلوريدي، الثورة الرابعة- كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني، ترجمة: لؤي عبد المجيد السيد، سلسلة «عالم المعرفة»، الكتاب رقم 452، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سبتمبر 2017)، ص 10.
[12] تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003، مرجع سابق، ص 163.
[13] راجع كمثال: السنوسي محمد السنوسي، بين طارق البشري وعمارة: شهادة فكرية على تحولات القرن العشرين، موقع «إسلام أون لاين»، 11 فبراير 2018، متاح عبر الرابط التالي: https://islamonline.net/24350
([14] راجع: طارق البشري، العرب في مواجهة العدوان، (القاهرة: طبعة دار الشروق ضمن مكتبة الأسرة، 2003).
[15] راجع المزيد عن إشكالية العاملَيْن الداخلي والخارجي في النظر لواقع الأمة وكيفية النهوض بها، في: السنوسي محمد السنوسي، العاملان الداخلي والخارجي.. بين مالك بن نبي ومنير شفيق، موقع «إسلام أون لاين»، 3 مايو 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://islamonline.net/21248
[16] أذكر هنا أن صديقًا عزيزًا كتب عن ضرورة تجاوز تراث العلماء والمفكرين، وعدم البقاء في عباءاتهم. وضرب مثالاً لذلك بالشيخ محمد الغزالي والشيخ محمد متولي الشعراوي والدكتور مصطفى محمود، رحمهم الله.. موضحًا أننا بحاجة إلى تجاوز تراث هؤلاء الأعلام إلى «أفق أرحب وأنسب لواقعنا»، بحسب تعبيره.
فكتبت مقالاً تدور فكرته الأساس عن أننا قبل الحديث عن «التجاوز»، علينا أن ننشغل بـ «الاستيعاب»؛ فكثير من مشاريع المصلحين والمفكرين، من الغزالي وبن نبي والبشري وغيرهم، لم تحظَ بعد بالاستيعاب الكافي الذي يسمح بالحكم على ما تجاوزه الزمن منها وما يزال قادرًا على الإسهام في واقعنا؛ فالغزالي مثلًا لم يقدم مجرد معالجات لظروف عصره، بل طرح جملة من المبادئ والقضايا التي تتصل بتجديد فهم الإسلام، وتعظيم الشورى، ومقاومة الاستبداد، والتمييز بين النص والاجتهاد البشري، وإعلاء الكليات والأولويات، وربط التدين بعمارة الحياة. فهل يزعم أحد أننا استوعبنا ذلك كلَّه تمامًا، حتى ننشغل بتجاوزه؟! ولهذا، فالمطلوب ليس البقاء في عباءة السابقين ولا التعامل مع آرائهم باعتبارها حقائق نهائية، وإنما استيعاب مشاريعهم ونقدها وتمييز الثابت فيها من المتغير، ثم تجاوز ما يحتاج إلى تجاوز، والبناء على ما يظل صالحًا ومثمرًا.
راجع مقالي: حوار مع صديق عن تجاوز تراث العلماء والمفكرين، موقع «إسلام أون لاين»، 13 يونيو 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://islamonline.net/30123
[17] مالك بن نبي، مشـكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ترجمة: د. بسام بركة، د. أحمد شعبو، إشراف وتقديم: عمر مسقاوي، (بيروت: دار الفكر المعاصر، دمشق: دار الفكر، 2002).



