الرحالة العرب وتشكيل صورة أوروبا في العالم الإسلامي

مقدمة:
لم تكن صورة أوروبا في المخيال الإسلامي ذات ملامح ثابتة عبر التاريخ، فلم ينظر المسلمون إليها دومًا باعتبارها عدوًّا مستعمِرًا، ولا كانت عندهم نموذجًا للعلم والتقدم طوال الوقت. هذا ما تنقله نصوص “الرحلة” العربية، من العصور الوسيطة والعثمانية إلى لحظة النهضة العربية الحديثة وبدايات القرن العشرين. وتفترض هذه الدراسة أن الرحالة العرب لم يكونوا مجرَّد ناقلين لصورة أوروبا إلى القارئ المسلم، بل كانوا وسطاء معرفيِّين أساسيِّين في إعادة تركيب هذه الصورة داخل الإدراك والوعي الإسلامي، وكذا الحقول الفكرية والسياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي. وقد لعبت نصوصهم دورًا حاسمًا في تعيين موقع أوروبا في عقل المسلم؛ فما بين الازدراء والإعجاب، وبين “دار الحرب” و”فضاء التقدُّم”، وبين “المدرسة” التي يُقتبس منها و”العدو” الذي يُقاوَم؛ تشكَّلت صورة أوروبا في الإدراك الإسلامي عبر العصور.
تستند هذه الورقة إلى قراءة بينيَّة معمَّقة لثلاثة أعمال تُشَكِّلُ مدخلًا مركزيًّا لفهم هذا المسار: كتاب خالد زيادة “تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا”[1]، وكتاب رندة صبري “الرحالة العرب واكتشاف أوروبا: بدايات الاستغراب (1830–1920)” [2]، وكتاب نازك سابا يارد “الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة”[3]. يتتبع خالد زيادة تطوُّر نظرة المسلمين إلى أوروبا منذ القرن الثامن الهجري حتى العصر الحديث، مبينًا كيف انتقلت هذه النظرة من التجاهل والازدراء إلى الإعجاب، ثم إلى أشكال من الحذر والعداء، تبعًا لتحولات موازين القوى السياسية والعسكرية وصعود أوروبا الحديثة وما حملته من أفكار “تنويرية” شكلت تحديًا جديدًا للمجتمعات الإسلامية. أما رندة صبري فتعود إلى الفترة ما بين 1830 و1920 لتعيد قراءة نصوص الرحلة التي كتبها جيل من المصريين، وتبيِّن أن “اكتشاف أوروبا” تمَّ عبر نصوص تمزج بين الانبهار والنقد والانعكاس على الذات، بما يشكِّل ما تسمِّيه الكاتبة “بدايات خطاب استغرابي” في الثقافة العربية. وتركز نازك سابا يارد في كتابها على مصادر الفكر الذي نهل منه الرحالة (فلسفة الأنوار والمدرسة السانسيمونية والمفاهيم الليبرالية للحرية والدستور)، وعلى كيفيات ترجمتهم لهذه الأفكار في قضايا تعليم المرأة، وتنظيم الاقتصاد والعمل، ودور الصحافة ومدرسة الألسن في تعريب المعارف الأوروبية.
فتح إدوارد سعيد، منذ أكثر من أربعة عقود، بسؤال “الاستشراق” بابًا واسعًا على دراسة صور الشرق في المخيلة الغربية؛ وبرز بقوة التساؤل حول: كيف صاغ كتَّاب ومستشرقون وسياسيون أوروبيون عالمًا “شرقيًّا” ملائمًا لخيالهم ولمشروعاتهم الاستعمارية. لكن مقابل هذا ظلَّ سؤال الصورة المعكوسة أقلَّ حظًّا من الاهتمام المنهجي: كيف رأى المسلمون والعرب أوروبا عبر القرون، وكيف تغيَّرت هذه الرؤية بين لحظة كانت فيها القارَّة المجاورة مجرَّد أطراف مجهولة لـ”دار الإسلام”، ولحظة أخرى أصبحت فيها مركزًا للعلم والحداثة ومصدرًا للهيمنة الاستعمارية في آن واحد؟
تندرج الدراسة في هذا الأفق المعكوس؛ فتبحث في الكيفية التي رُسمت بها صورة أوروبا داخل الخطاب الإسلامي والعربي كما تعيد صياغتها الكتب الثلاث محل النظر. وانطلاقًا من ذلك، تطرح الدراسة مجموعة من الأسئلة المركزية: كيف وصف الرحالةُ العربُ أوروبا عبر العصور المختلفة من ابن خرداذبة والمسعودي، مرورًا بالرحالة العثمانيِّين، ووصولًا إلى الطهطاوي وخير الدين التونسي والشدياق وأحمد زكي باشا؟ ما العوامل الدينية والثقافية والفكرية والسياسية والتجارية التي أسهمت في تشكيل هذه الصورة، وفي تحويل أوروبا من “أرض بعيدة مجهولة” إلى “نموذج حضاري” يُستدعى في مشاريع الإصلاح أو يُخشى خطره الاستعماري؟ وكيف تأثرت هذه الرؤية بحالات الحرب والسلم، من الحروب الصليبية إلى معاهدة كارلوفيتز، ومن الحملة الفرنسية على مصر إلى الحقبة الاستعمارية، وكذلك باختلال موازين القوى بين الإمبراطوريات الإسلامية والدول الأوروبية؟
المحور الأول- تطور صورة أوروبا في الوعي الإسلامي والعربي عبر العصور
تناول خالد زيادة في كتابه محطات تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا: بدءًا من الجغرافيين والمؤرخين والرحَّالة والسفراء نصوصًا تكشف كيف كانوا يتخيَّلون أوروبا ويسمُّونها ويحدِّدون مكانها في خريطة العالم الإسلامي، من ابن خرداذبة والمسعودي في العصور المبكرة، إلى الجغرافيين العثمانيين، ثم رحلات القرن التاسع عشر التي مثَّلها رفاعة الطهطاوي وجيله. ويمكن استعراض أبرز هذه المحطات كما يلي:
أ) من الغموض والازدراء إلى الوعي الأول مع الحملات الصليبية
يرجع خالد زيادة بدايات تشكل صورة أوروبا في المعرفة الإسلامية إلى الجغرافي ابن خرداذبة، الذي يعتمد في جزء كبير من معلوماته على رواية أسيركان لدى البيزنطيين[4]، ثم يأتي المسعودي، الذي ظل ما كتبه أساسًا للمعرفة عن أوروبا في القرن العاشر الميلادي / الرابع الهجري، وقد اعتمد بدوره في معلوماته عن “الإفرنجة” على كتاب أهداه أسقف رندة* إلى الحكم بن عبد الرحمن* في الأندلس. ويشير زيادة إلى أننا سنضطر إلى انتظار القرن السادس عشر لنعثُر على “مواد معاصرة” عن أوروبا؛ فقبل ذلك، كانت المعرفة الإسلامية بأوروبا تعتمد على تقارير متوارثة، وحكايات تجار وأسرى، ومعلومات جغرافية عامة، أكثر مما تستبطن معرفة مباشرة بأحوال المجتمعات الأوروبية[5].
ويمكن القول إن صورة أوروبا في هذه المرحلة اتسمت بعدة سمات وفقًا لزيادة:
- غلبة طابع الجغرافيا العامة أو الأخبار العجائبية على معرفة أوروبا، مع غياب واضح للتفصيل الاجتماعي والسياسي.
- النظر إلى أوروبا في إطار ثنائية دار الإسلام / دار الكفر، فتُعرَّف بوصفها “بلاد الروم” أو “أرض النصارى” أكثر مما تُعرَّف بوصفها كيانات سياسية أو ثقافية متعددة.
- يُستخدم مصطلح جامع مثل “الإفرنج” ليضم مختلف الشعوب اللاتينية، من غير تمييز يذكر بين الفرنسيِّين والإنجليز والألمان وغيرهم؛ وهو ما يفسِّره زيادة بضعف الاهتمام التفصيلي بشعوب تُرى في موقع أدنى دينيًّا ومعرفيًّا[6].
ويوافق هواري تواتي ما ذهب إليه زيادة، حيث يرى تواتي أن المسلمين في البداية كانوا يرون أوروبا وريثة لما يصفه بـ “التصورات الهلنستية” للعالم، وهو ما اعتبره المسلم في ذلك الوقت -وفقًا لزيادة وتواتي- تدنِّيًا في الحضارة والعقيدة، ما يعمق نظرة “الازدراء” لهذه الشعوب. ويضيف تواتي أن العالم الإسلامي آنذاك كان أكثر انشغالًا ببلاد بيزنطة والهند والصين التي اعتبرها أكثر تحضُّرًا وثقافة[7]. استمرَّ ذلك لفترة طويلة على الرغم من هجوم الحملات الصليبية على عدد من بلدان العالم الإسلامي، حيث وقعت معارك واشتباكات طال أمد بعضها لسنوات. ويُرجع زيادة هذا الاستمرار في التعميم إلى عاملين رئيسيْن:
- أولًا، هيمنة البعد اللاهوتي–الحربي في تمثُّل الآخر؛ حيث نظر المسلمون إلى الغزاة أساسًا باعتبارهم “نصارى” جاؤوا يحملون صليبهم، لا باعتبارهم مجتمعات لها نظمها الاقتصادية والاجتماعية الخاصة.
- ثانيًا، استمرار شعور التفوق الحضاري والعلمي الإسلامي، الذي جعل من غير الضروري في نظر كثير من الكتَّاب بذل جهد منهجي في فهم “الشعوب الأدنى” عقيدةً ومعرفةً[8].
ب) بداية التحول في وعي المسلمين تجاه أوروبا مع العثمانيِّين
مع صعود الدولة العثمانية وفتح القسطنطينية (1453م)، تنتقل أوروبا من موقع “البعيد المجهول” إلى موقع “الجار المباشر” الذي تشترك معه الدولة الإسلامية الكبرى في الحدود والحروب والتحالفات. ويبيِّن زيادة أن هذا التحوُّل في الجغرافيا السياسية ترافق مع توسُّع ملحوظ في المعرفة الإسلامية بأوروبا، من خلال نصوص جغرافية وعسكرية ودبلوماسية جديدة، وإن ظلَّت هذه المعرفة في كثيرٍ من الأحيان موجَّهة بخلفية صراع القوى. ويستشهد خالد زيادة في هذا السياق بعدد من الأسماء والنصوص بوصفها علامات على انتقال الصورة من الغموض إلى مزيد من الوضوح المفصَّل، ومنها:
- أعمال البحارة والجغرافيين العثمانيين، مثل سيدي علي رئيس وبيري رئيس، التي استفادت من خرائط أوروبية ومن نتائج الكشوف الجغرافية الحديثة لرسم صورة أدق للعالم، بما فيه أوروبا.
- مشروع حاجي خليفة (كاتب جلبي) في “جهان نامه”، الذي يتبنَّى تقسيم القارات الحديث ويتوسَّع في ذكر الممالك الأوروبية، مستندًا إلى مصادر لاتينية وفرنسية، ما يعكس بداية اعتماد منهجي على المعرفة الجغرافية الأوروبية.
- سفرنامات* السفراء العثمانيين إلى العواصم الأوروبية، أي تقارير الرحلات الرسمية التي كان يكتبها السفراء العثمانيون بعد عودتهم من مهامهم الدبلوماسية، وتنقل للمركز العثماني صورًا مفصَّلة عن العمران والتنظيم والعلم في “بلاد النصارى”.
غير أن نقطة التحوُّل الأبرز، كما يقرأها زيادة، تقع مع هزيمة كارلوفيتز (1699م)، التي أنهت أربعة قرون من فتوح العثمانيين، وأجبرتهم على التنازل عن مناطق شاسعة في أوروبا. فظهر حينها اختلال غير مسبوق في ميزان القوى. في هذا السياق، بدأ التفكير في أوروبا لا بوصفها خصمًا دينيًّا فحسب، بل بوصفها قوة متقدِّمة علميًّا وعسكريًّا وسياسيًّا، يجب فهم أسباب تقدُّمها إن أرادت الدولة الإسلامية تجنُّب الانهيار؛ وهو ما مهَّد لمشاريع “إصلاحية” مبكِّرة من نمط كتاب إبراهيم متفرقة “أصول الحكم في نظام الأمم” في بدايات القرن الثامن عشر[9].
هكذا ينتقل الوعي بأوروبا من “عدو صليبي” إلى أوروبا بوصفها “قوة سياسية عسكرية حديثة”؛ وتبدأ صورة القارة في الخروج من التصور المقتصر على البعد الديني نحو تصور أكثر تنوُّعًا واتساعًا، وإن ظلَّ البُعد الصراعي حاضرًا بقوة.
ج) القرن التاسع عشر: لحظة الانقلاب في الوعي الإسلامي بأوروبا
يمثِّل القرن التاسع عشر، في قراءة خالد زيادة ومن بعده رندة صبري ونازك سابا يارد، لحظة انقلاب نوعي في صورة أوروبا لدى النخب العربية والإسلامية. فالثورة الصناعية والثورة الفرنسية أعادتا تعريف أوروبا في عيون العالم كله. ودخلت مفردات جديدة مثل: الحرية، والمساواة، والدستور، والبرلمان، إلى المعجم السياسي الذي سيطوِّره الرحَّالة العرب لاحقًا. في هذا القرن، ينتقل مركز ثقل المعرفة بأوروبا من إسطنبول إلى القاهرة وتونس وبيروت؛ وتتحوَّل الرحلة التعليمية والنهضوية (بعثات محمد علي، ورحلات الإصلاحية التونسية، ورحلات الأدباء والمفكرين) إلى الوسيط الرئيس لصياغة الصورة الجديدة لأوروبا.
ويبرز خالد زيادة رفاعة الطهطاوي بوصفه لحظة مفصليَّة في هذا التحوُّل؛ إذ يصف باريس في “تلخيص الإبريز” بوصفها مدينة العلم والقانون والتنظيم، ويُدخل إلى الوعي العربي صور البرلمان والمدارس والجمعيات العلمية والجامعة، لتصبح أوروبا نموذجًا لـ”الدولة الحديثة” لا مجرد قوة عسكرية. وهو ما تابعتْه رندة صبري ونازك سبا يارد فيما كتبتاه. ولكن مع اتِّساع المشروع الاستعماري الأوروبي في العالم الإسلامي من احتلال الجزائر وتونس، والحملة الفرنسية على مصر، ثم الاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882، وتعرَّضت صورة أوروبا لتحوُّل جديد؛ فأصبح يتجاور في وعي النُّخب العربية إعجاب حقيقي بالتقدُّم العلمي والتقني والتنظيمي، مع رفض متزايد للهيمنة السياسية والعسكرية والأخلاقية.
يلخِّص خالد زيادة هذه المرحلة بوصفها انتقالًا من “الإعجاب” إلى “الإعجاب الممزوج بالعداء”، حيث يُنظر إلى أوروبا على أنها “مصدر للتقدم” و”سبب للتخلُّف” في آن واحد بسبب سياساتها الاستعمارية[10]. وتظهر هذه الازدواجية بوضوح في نصوص الرحالة الذين يكتبون بعد الاستعمار؛ إذ يظل خطابهم يعترف بتفوُّق أوروبا في مجالات الصناعة والعلم والتنظيم، لكنه يُصِرُّ في الوقت نفسه على فضْح الاستغلال الاقتصادي، وزيف شعارات الحرية حين يتعلَّق الأمر بالشعوب المستعمَرة، والعنصرية الكامنة في كثير من الخطاب الأوروبي عن الشرق. في قراءتَي رندة صبري ونازك سابا يارد، تبرز هذه المرحلة بوصفها لحظة يتحوَّل فيها “الاكتشاف” إلى “مواجهة”، فالرحلة إلى أوروبا لم تعد فقط وسيلة لاقتباس النموذج الإصلاحي، بل أصبحت أيضًا أداة لفهم العدو الاستعماري وتسليح الذات ضدَّه بما اكتسبتْه من معارف ومؤسَّسات. فمثلًا تنقل نازك سابا يارد عن محمد فريد الذي كان خطابه معجبًا بـ”الإتقان” والتنظيم الأوروبي، نقده لكيفية معاملة الفرنسيين للمسلمين في المستعمرات (كالجزائر) رغم وجود قوانين الدستور التي تنادي بالمساواة[11].
المحور الثاني- الرحلة والرحّالة كوسيط للتعارف بين العالم الإسلامي وأوروبا
شهدت قضية التعارف تحوُّلًا جذريًّا انتقلَ به من “التصوُّرات النظرية” المبنيَّة على المرويات، إلى “المعاينة الميدانية” التي فرضتْها ضرورات الدولة الإسلامية وعلاقاتها بالدولة الأوروبية.
أولًا- مرحلة “الوساطة النظرية” والجغرافيا المبكرة
في القرون الأولى من عمر العالم الإسلامي، لم يكن المسلم يمتلك القدرة أو الوسيلة على التعرُّف المباشر على المجتمع الأوروبي، بل كانت صورة أوروبا عنده تُبنى عبر وسائط غير مباشرة، كما جاء في المحور السابق. وهو ما أشار إليه أيضًا زكي محمد حسن من اعتماد رائد الجغرافيا ابن خرداذبه في كتابه “المسالك والممالك” بشكل أساسي على رواية “مسلم الجرمي” الأسير الذي كان له اطلاع واسع على بلاد الروم والصقالبة، ممَّا جعل المعرفة التي نقلها هنا “معرفة اضطرارية” بحكم وقوعه في الأسر[12]. ولا يختلف هذا المصدر كثيرًا عما ذكره خالد زيادة حول اعتماد المسعودي في “مروج الذهب” على الكتاب الذي أهداه أحد الأساقفة لولي عهد الأندلس عام ٣٣٦هـ. في هذه المرحلة، كانت أوروبا تظهر في ثوب “بلاد العجائب” أو جزء من “الأقاليم السبعة”* التقليدية، حيث اختلطت الحقيقة بالأسطورة.
ثانيًا- الانعطاف العثماني والرحلة بوصفها ظاهرة دبلوماسية
أدَّى تمدُّد الدولة العثمانية في عمق القارة الأوروبية ومنطقة البلقان إلى تحوُّل جذري في طبيعة العلاقة مع “الآخر”؛ حيث انتقلت أوروبا في الوعي العثماني والإسلامي من ورائه من مجرد “دار حرب” بعيدة ومجهولة إلى “جار جغرافي” يفرض واقعًا جديدًا من الاحتكاك المباشر. وتبعًا لهذا التحول المكاني، انتقل مركز الثقل المعرفي من الجغرافي “المؤلف” الذي يستقي معلوماته من المرويات والكتب القديمة، إلى الرحَّالة “الموفد” الذي يُعاين الواقعَ بعينه، ممَّا جعل الرحلة في هذه الحقبة تتحوَّل إلى “وظيفة دبلوماسية” تخدم الدولة وتوجُّهاتها الإصلاحية.
وفي هذا السياق، يوضح خالد زيادة أن الرحلة العثمانية بدأت تتَّخذ طابع التقارير الرسمية أو ما عُرف بـ “سفرنامات” السفراء؛ إذ لم يعد الموفد العثماني (سواء كان سفيرًا أو قائدًا عسكريًّا) يكتب لغرض الترف الأدبي أو رصد العجائب، بل كان يرفع تقارير تهدف بالدرجة الأولى إلى فحص “سر قوة الخصم” وتقييم قدراته التنظيمية. وتتجلَّى هذه النزعة في رحلة محمد جلبي أفندي إلى باريس عام ١٧٢٠م، الذي قدم صورة “واقعية” ومفصلة تجاوزت الانبهار المظهري؛ إذ دخل “المرصد الفلكي” (مرصد كاسيني) وفتش في آليات “تنظيم الجيوش” ونظم “المصانع” (المانيفاكتورات)، معتبرًا إياها نماذج عملية يجب الاقتداء بها لتجاوز ما وصفه بـ”القصور الذاتي” وتحقيق “الإصلاح المنشود”[13].
وقد واكبَ هذا التحوُّل الوظيفي للرحلة انقلابٌ في المعايير الجغرافية أدَّى إلى قطيعة مع الموروث التقليدي (الجغرافيا البطليموسية)؛ حيث بدأ الكتاب الجغرافيُّون، وفي مقدَّمتهم حاجي خليفة في كتابه “جهان نامه”، يعتمدون بشكل مباشر على “مصادر لاتينية وفرنسية”، متبنِّين تقسيم القارَّات الحديث ومبتعدين عن نظرية “الأقاليم السبعة” القديمة. وبذلك، تحوَّلت “الوساطة” المعرفية في هذه المرحلة إلى وساطة علمية تقنية تهدف إلى تجاوز القصور المعرفي التاريخي، وهيَّأت المناخ الثقافي لظهور “الرحلة التعليمية” والنهضوية التي ستشكِّل ملامح القرن التاسع عشر.
ثالثًا- الرحلة التعليمية والنهضوية مع القرن التاسع عشر
مثَّلت “الرحلة التعليمية” في القرن التاسع عشر انعطافًا معرفيًّا كبيرًا أدَّى إلى كسر حاجز الهيبة والرهبة التقليدي تجاه الغرب، ومهَّد الطريق لظهور مناخ فكري جديد يتبنَّى “الاقتباس” كضرورة وجودية. ويرى خالد زيادة أن هذا التحوُّل لم يكن مفاجئًا، بل كان ثمرة مسار بدأ بـ”سفرنامات” السفراء العثمانيِّين ومشروع إبراهيم متفرقة؛ فمتفرقة في كتابه “أصول الحكم في نظام الأمم” (١٧٣١م) نقل الوعي الإسلامي من مرحلة “التجاهل والازدراء” إلى مرحلة “الاعتراف بالتفوق”، متسائلًا بـ “مرارة” عن سر تقدم الأمم المسيحية وتراجع الدولة العثمانية، مما حوَّل عواصم كباريس ولندن في مخيلة النخبة من “مدن كفر” إلى “مختبرات للتقدم” ودروس في النظام[14].
وقد تُوِّجَ هذا المسار برحلة رفاعة الطهطاوي عام ١٨٢٦م، التي اعتبرتْها نازك سابا يارد البداية الحقيقية للاحتكاك الذي أحدث “تغييرًا مزدوجًا” في الإنسان والمجتمع العربي؛ إذ لم يعد الطهطاوي يكتفي بالوصف المظهري، بل غاص في عمق “النظم السياسية” الأوروبية. وتُضيف رندة صبري بُعدًا تحليليًّا لهذا التحوُّل برؤية السفر إلى أوروبا بمثابة بحثٍ عن “الاقتباس النافع” الذي يهدف في جوهره إلى تحقيق “إصلاح الذات” وبناء “مصر الجديدة” كما تصور عدد من الرحالة المصريين، فنقلت مثلًا عن الطهطاوي ذكره لطموحه بأن يسهم كتابه في “أن يوقظ من نوم الغفلة سائر أمم الإسلام”[15]. ومن خلال ترجمة الطهطاوي لمواد الدستور الفرنسي وشرحه لآليات البرلمان، تحوَّلت الرحلة إلى وسيط رئيس لاستيراد مفاهيم “الحداثة” والعدل الاجتماعي، لتصبح أوروبا نموذجًا لـ”الدولة الحديثة” القائمة على القانون والتنظيم.
واشتبك الطهطاوي بعمق مع فلسفة التنوير؛ فغاص في أعمال فولتير وروسو ومونتسكيو، وتأثر بشكل خاص بالمدرسة السان سيمونية التي صاغت رؤيته حول تمجيد قيم العمل والإتقان وبناء المجتمع الصناعي[16]. ومن هنا أيضًا، تطوَّر مفهوم الحرية لديه من مجرد مساواة قانونية إلى “حقوق سياسية”، حيث قدَّم الدستور الفرنسي للوعي العربي بوصفه مرادفًا لـ“العدل والإنصاف” في الشريعة، والوسيلة المثلى لتقييد استبداد الحكَّام.
وتؤكِّد سابا يارد أن هذا الانقلاب المعرفي انتقل من حيِّز التجربة الفردية إلى “المأسسة النهضوية” عبر مراكز ثقل متعدِّدة؛ فبينما ركَّزت مدرسة الألسن (١٨٣٧م) في مصر على “توطين العلوم” والقوانين الغربية، برز خير الدين التونسي الذي وظَّف خبرتَه الأوروبية في كتابه “أقوم المسالك”[17] لشرعنة “التنظيمات” الإدارية والدستورية. وفي مقابل هذا المنزع التنظيمي، أضاف أحمد فارس الشدياق بعدًا نقديًّا جريئًا؛ فكان أول من رصد “الوجه المظلم” للحضارة الصناعية، فضح فيها الفوارق الطبقية وبؤس العمال وزيف شعارات المساواة أمام واقع الاستغلال الاقتصادي[18].
هذا التنوع في نماذج “التعرُّف من الداخل” تعمِّقُه رندة صبري من خلال تتبع مسارات نخبة من الرحالة الذين واصلوا هذا المشروع؛ فتبرز مساهمة محمد المويلحي وأحمد زكي باشا في رصد التقدم التقني (كما في معرض باريس ١٩٠٠)، وحسن توفيق العدل في دليله عن محاسن أوروبا؛ حيث ترى أن هؤلاء الرحالة استخدموا التقدُّم الأوروبي كـ“مرآة عاكسة” لعيوب مجتمعاتهم الوطنية بهدف لفت الأنظار إلى ضرورة الإصلاح.
المحور الثالث- العوامل المكوِّنة لصورة أوروبا في كتابات الرحَّالة العرب
يستعرض هذا المحور العوامل المتشابكة التي أسهمت في صياغة وتمثيل صورة أوروبا داخل الوعي الإسلامي، وهي عوامل لم تعمل بشكل منفصل، بل تضافرت لتنقل الرؤية من حيز “الاستكشاف الأولي” إلى “المجابهة الحضارية” الشاملة.
أولًا- المحرك الديني: التحول من “دار الحرب” إلى “ميزان العدل”
ظل العامل الديني هو المحدد الأول والأساسي للرؤية الإسلامية المبكرة؛ حيث قُسِّمَ العالمُ تقليديًّا إلى “دار إسلام” و”دار حرب”، وكانت أوروبا تقع ضمن الحيِّز الأخير بوصفها بلاد النصارى أو “الإفرنج”. ومع اندلاع الحروب الصليبية، تلوَّنت صورة أوروبا عند المسلمين بصبغة “عقائدية دفاعية”.
ومع حلول القرن التاسع عشر، شهد العامل الديني تحوُّلًا وظيفيًّا؛ فبدلًا من الرفض المطلق لكل ما هو “غربي / مسيحي”، بدأ الرحَّالة النهضويُّون، كما توضِّح نازك سابا يارد، في البحث عن “نقاط التَّماس” بين القيم الغربية والشريعة الإسلامية. فالطهطاوي وخير الدين التونسي لم يروا في الدستور والبرلمان بدعًا كفرية، بل حاولوا “أسلمة” هذه المفاهيم عبر ربطها بمقاصد الشريعة في “العدل والإنصاف”، فتقول يارد عنهما: أنهما “لم يجدا في الواقع فارقًا بين الشرائع السماوية والقوانين السياسية ما دام هدفها جميعًا هو المصلحة العامة”، وأنهما “آمنا بأن الشريعة قابلة لتطوير لا نهاية له، وليتحقق ذلك التطوير أجاز رفاعة الرجوع إلى أي المذاهب الفقهية الأربعة والاجتهادات المختلفة حسب مقتضى الحاجة، فهو شافعي ولكنه يلجأ إلى المذهب الحنفي مثلا، في سَنِّ قانون الضرائب على الطريقة الغربية”، أمَّا خير الدين “فقد دعا إلى الاجتهاد في تأويل الشرع حتى من غير التمسُّك بالمذاهب الفقهية، ما دامت غاية المجتهد أن يخدم الصالح العام”[19].
ثانيًا- العامل الثقافي والفكري.. صدمة الحداثة وسلاح الترجمة
شكَّلت العوامل الثقافية والفكرية المحرك الأساسي لنقل صورة أوروبا من حيِّز “التجاهل والازدراء” إلى طور “المأسسة المنهجية” التي استهدفت إعادة بناء الذات العربية والإسلامية. وقد تضافرت في هذه المرحلة بواعث دينية وفلسفية دفعت بالرحَّالة لاستكشاف الآخر، وتولَّدت عنها رؤى نقدية مؤسسية أحدثت حراكًا فكريًّا واسعًا. فقد تعدَّدت العوامل الثقافية التي دفعت بالرحَّالة للخروج نحو أوروبا، ويبرز في مقدِّمتها الباعث الديني المستند إلى النصوص القرآنية التي تحثُّ على “السير في الأرض” لتدبُّر أحوال الأمم واستنهاض القلوب.
وإلى جانب هذا الوازع، برز الباعث الإصلاحي الذي قادتْه الدولة؛ فيوضِّح خالد زيادة أن النخبة العثمانية والمصرية أدركت أن البقاء مرهون بامتلاك “سر قوة الخصم”، ممَّا حوَّل الرحلة من مجرد مذكرات فردية إلى مهمَّات تعليمية وبعثات رسمية تهدف لاستيراد العلوم العسكرية والتقنية، كما أوضحنا سابقًا.
ومن ناحية أخرى أثَّرت العوامل الثقافية والفلسفية الأوروبية بعمق على نظرة الرحَّالة وما نقلوه عن مجتمعاتها، والتي أحدثت ما يمكن وصفه بـ“صدمة الحداثة” عند مواجهة مظاهر التنظيم الاجتماعي والتقدُّم العلمي. يحلِّل خالد زيادة كيف تحوَّلت باريس في وعي الطهطاوي من مدينة “عجائب” إلى “مختبر للنظم والقوانين”، ما جعله يدرك الفجوة الحضارية بين الشرق والغرب. وتضيف نازك سابا يارد أن الاحتكاك بـ“فلسفة التنوير” شكَّل صدمة فكرية أعادت تعريف مفاهيم السلطة والحق، معتبرةً أن الحداثة الغربية تقدِّم نموذجًا لتقييد استبداد الحاكم.
ثم شكَّلت نتائج هذه الرحلات قاعدةً لحركة ثقافية وفكرية واسعة داخل العالم الإسلامي، تمثَّلت في “المأسسة النهضوية” التي نقلت التجربة من حيِّز النصِّ إلى حيِّز البناء الوطني. وتعتبر يارد أن الأثر الثقافي الأبقى تمثل في حركة الترجمة الكثيفة التي قادها أعضاء البعثات التعليمية بعد عودتهم؛ حيث لعبت مدرسة الألسن (1837م) دور “الجسر” الذي عبَرت منه الفنون والعلوم والقوانين الغربية إلى اللغة العربية.
وقد أدَّى هذا التفاعل إلى نشوء حركة فكرية حاولت “توطين” المفاهيم الحديثة عبر ابتكار مصطلحات عربية للمصطلحات السياسية والعلمية والثقافية الأوروبية، وذلك بعد أن ظهرت مشكلة عائق اختلاف اللغة العربية عن الفرنسية وغيرها من اللغات الأوروبية، مما جعل اللغة وسيلة لاستيعاب “الآخر” المتقدم. فتقول يارد إن الطهطاوي والشدياق “أحسَّا بتخلُّف اللغة العربية في مضمار العلم والفن، وإلا لما استخدما اللفظة الأجنبية في وصف مظاهر العلم والفن والصناعات في أوروبا، شارحين معناها ليفهمها قراؤها”[20]. وكذلك شهد الخطاب ذاته تحولات في الأساليب البلاغية، حيث تحرر رحَّالة عصر النهضة من قيود المحسِّنات البديعيَّة والكثير من خصائص البلاغة العربية، على رأسهم أحمد زكي باشا والذي دعا الأجيال الشابة للتخلِّي عمَّا وصفه بـ”الحذلقة اللفظية”، في مقابل اهتمام أغلب هؤلاء الرحَّالة بجعل اللغة العربية لغةً تواكب تحديات العصر.
كما استُخدمت الصحافة بمثابة “وسيط مؤسسي” لنشر هذه المعارف، وأكَّدت يارد أن الطهطاوي رأى الصحف لأول مرة في باريس، وأعجب بها خير الدين والشدياق كمنبر لنقد الدولة بغية إصلاحها، إلا أن الشدياق أخذ على حرية الصحافة الأوروبية مآخذ أخلاقية. وتضيف نازك يارد: “ومن ملاحظات رحالينا على حرية الصحافة الغربية وقيمتها وفائدتها انطلقت حركة الصحافة العربية فيما بعد”[21].
ثالثًا- المحرك السياسي والدبلوماسي للرحلات
كانت الحاجة السياسية للدولة العثمانية هي المحرك الرئيس للرحلة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. يوضح خالد زيادة أن الرحَّالة في هذه المرحلة كان غالبًا “دبلوماسيًّا موفدًا” يحمل مهمة رسمية تتمثل في فحص “سر قوة الخصم”. فمثلًا، كُلف محمد جلبي أفندي (سفرنامة باريس ١٧٢٠م) صراحة من قِبل السلطان أحمد الثالث ووزيره إبراهيم باشا بزيارة الحصون والقلاع وفحص “وسائل التمدن والتعليم” لنقل ما يمكن تطبيقه في الدولة العثمانية. وقد عكس هذا التكليف تحولًا في وظيفة الرحَّالة الموفد، الذي باتت تقاريره تعمل كأدوات استخباراتية حضارية تهدف لإنقاذ الدولة من التراجع أمام الصعود الأوروبي المتسارع[22].
ومع وقوع الاحتلال البريطاني والفرنسي لأجزاء من العالم العربي، تحوَّل العامل السياسي من “الاقتباس للإصلاح” إلى “الاقتباس للمقاومة”. وتذكر نازك سابا يارد أن رحالة مثل محمد فريد استخدموا مشاهداتهم في أوروبا لفضح التناقض بين شعارات “الديمقراطية” في الداخل الأوروبي وبين “الاستبداد الاستعماري” في المستعمرات، فتنقل عن محمد فريد قوله: “يعامل المسلمون في الجزائر بقوانين مخصوصة في غاية الشدة والصرامة فهم محرومون من حرية الكتابة وحرية الاجتماع، بل من حرية السفر والانتقال، وحرية مطالعة الكتب والجرائد.. نعم، يصعب على الذي يعرف حب الفرنساويين للحرية والمساواة ويرى هذه الألفاظ السامية منقوشة على أبواب جميع المصالح والإدارات الأميرية أن يصدِّق ذلك”[23].
رابعًا- العامل الاقتصادي والتجاري: من المسكوكات إلى الثورة الصناعية
بدأ التعارف الاقتصادي بين العالم الإسلامي وأوروبا منذ قرون مبكرة عبر التجارة؛ ويستشهد زكي محمد حسن بالكنوز الوافرة من النقود الإسلامية التي عُثر عليها في شمال أوروبا وبريطانيا كدليل مادي على وصول التجار المسلمين لأصقاع نائية حول العالم الإسلامي قبل الحروب الصليبية[24]. وفي هذا السياق، يوضِّح هواري تواتي أن التجار كانوا من القلائل الذين تجاوزوا حدود “دار الإسلام”. وقد انعكس هذا التعارف الاقتصادي في الطريقة التي صَنَّفَ بها المسلمون في العصر العباسي الأممَ الأخرى؛ إذ يُشير تواتي إلى أن “الروم” (الأوروبيِّين) وُضعوا جنبًا إلى جنب مع الصينيِّين في قمة “الأمم اليدوية”، وهي الأمم التي تُقدر لمهاراتها في الصناعة والمهن الحرفية والتقنية، رغم عدم تصنيفهم ضمن “الأمم العلمية” كاليونان والفرس والهنود. ويضيف تواتي بُعدًا اقتصاديًّا وتجاريًّا حيويًّا تمثَّل في نشوء “سوق دولية للكتاب” بفضل الرعاية الرسمية والخاصة في القرنين التاسع والعاشر الميلاديَّيْن، ممَّا وسَّع دائرة الارتحال والتبادل التجاري المرتبط بالمعرفة[25].
أمَّا في العصر الحديث، فقد شكلت الثورة الصناعية صدمة اقتصادية كبرى. وذكرنا من قبل تأكيد خالد زيادة على انبهار الرحالة العرب بـ “المانيفاكتورات” والمصانع والسكك الحديدية، مما جعل التقدم التقني معيارًا لتقييم “التمدن”. حتى إن عددًا منهم “تفهَّم” أو “برَّر” احتلال الغرب لعدد من البلدان في أفريقيا وآسيا بسبب الحاجة إلى الأسواق. وتذكر يارد أن “إعجاب الطهطاوي وخير الدين بالأرباح الطائلة التي جنتها أوروبا من هذه البلاد المحتلة، جعلهما يغفلان عن أضرار الاستعمار، بل سَمَّى رفاعةُ هذا “الفتح” حركة “تقدُّمية” تجني منها البلاد المفتوحة فوائد جمَّة، ولو بالتبعية”[26].
وزين الطهطاوي وخير الدين فوائد المؤسسات الاقتصادية الأوروبية، خاصة الشركات المساهمة التي اعتبروها عاملا في تطوير المجتمع الصناعي الأمثل. وتؤكد يارد أنهما تجاهلا اقتران “الفائدة” التي يربحها المساهمون في الشركة، أو أصحاب الودائع المصرفية، بالربا المنهيِّ عنه في الإسلام، بل كرَّس الطهطاوي جهوده ليبيِّن أن النظم الاقتصادية الغربية المستحدثة لا تنافي الإسلام. في المقابل رصد أحمد فارس الشدياق “الوجه المظلم للرأسمالية”؛ فوصف بؤس العمَّال في إنجلترا والفوارق الطبقية الصارخة، محذِّرًا من أن التقدُّم المادِّي الأوروبي يقوم على استغلال الإنسان للإنسان، وهو ما كَسَرَ صورةَ “الفردوس الأرضي” التي رسمَها البعض عن الغرب.
خامسًا- العامل الاجتماعي: أوروبا باعتبارها “مرآة عاكسة” للعيوب
مثَّل العامل الاجتماعي المختبر الحقيقي لمدى قبول الآخر؛ حيث رصد الرحالة العرب أدق تفاصيل الحياة اليومية الأوروبية، من نظام الشوارع والنظافة إلى مكانة المرأة. وهنا رأت رندة صبري أن الرحالة استخدموا أوروبا بوصفها (مرآة عاكسة Mirror effect) لعيوب مجتمعاتهم؛ فالثناء على “الإتقان” الفرنسي أو “النظام” الإنجليزي كان في جوهره دعوة ضمنية للمصريين والعرب لتقويم سلوكياتهم الاجتماعية، وظهر ذلك بوجه خاص فيما يتعلق بالمرأة.
وبحسب نازك سابا يارد، أعجب الطهطاوي والشدياق بأناقة المرأة الفرنسية وجمالها، وما وصفوه بالبساطة في مقابل ما اعتبروه مغالاة الشرقية في اقتناء الحُلِيِّ والجواهر. وركَّز الشدياق على أن المرأة الفرنسية تعمل بالمساواة بالرجل وأن لها ما له من حقوق فيما يتعلَّق بالحب والزواج. وتتابع يارد بأن الطهطاوي واصل إعجابه بالمرأة الأوروبية حتى في مسألة العفة والحجاب المادي، فتقول: “أعجب الطهطاوي كل الإعجاب بالنساء الفرنسيَّات وأكَّد أن خلاعة بعضهن لا تمتُّ إلى سُفورهن بصلة، وإنما تنشأ من حسن التربية أو رداءتها. حتى رقص المرأة الفرنسية بين ذراعي الرجل لا يُشَمُّ منه رائحة العهر أبدأ بخلاف الرقص في أرض مصر، فإنه من خصوصيات النساء لأنه لتهييج الشهوات”. في حين انتقد الشدياق فِسْقَ المرأة في أوروبا ورفع المرأة العربية فوقها من حيث سُمُوِّ الأخلاق ورقَّة العاطفة، ولم يَعِبْ على بنات وطنه إلا جهلهنَّ، في إشارة إلى عدم الاهتمام بتعليم المرأة في العالم الإسلامي آنذاك[27].
خاتمة
إن تضافُرَ العوامل الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية هو ما نقل صورة أوروبا في الوعي الإسلامي من كونها أرضًا مجهولة، تحكي عنها العجائب والغرائب وتُرى أدنى في العقيدة والفكر، إلى أن أصبحت في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين نموذجًا للتقدم ومحطًّا للإعجاب والاقتداء، وإن ظل هذا الاقتداء محاطًا بالريبة والنقد. وكانت الرحلة -بما هي انتقال جسدي ومعرفي ونصي في آن واحد- الوسيط الأبرز في هذا التحول؛ فمن خلال نصوص الرحَّالة، انتقلت أوروبا من هامش الخريطة الذهنية للمسلمين إلى مركز سجالهم حول التقدم، والنهضة، والحداثة، والاستعمار، والهوية.
وظلَّ العامل السياسي حاضرًا بقوةٍ في كلِّ نصوص هؤلاء الرحَّالة؛ فكما بيَّن خالد زيادة أن إدراك الفجوة بين نظم الحكم التقليدية في العالم العثماني والنظم الدستورية والنيابية في أوروبا كان أحد أهم دوافع الإعجاب بالنظام السياسي الأوروبي، دون أن يعني ذلك قبولًا أعمى به. فخير الدين التونسي، والطهطاوي، وأمثالهم، رأوا في الدستور والفصل بين السلطات والمساواة أمام القانون وسائل لمواجهة الاستبداد والفساد في بلادهم، لكنهم حاولوا أن يعيدوا تأويل هذه المفاهيم في إطار المرجعية الإسلامية؛ وهذا التوتُّر بين “الاقتباس” و”التكييف” هو أحد أهم وجوه مساهمة الرحلة العربية في تشكيل صورة أوروبا بوصفها فضاءً سياسيًّا قابلًا للاستلهام والنقد معًا.
أمَّا العامل الاقتصادي / التجاري، فقد جعل من أوروبا في نظر كثير من الرحَّالة “مجتمعًا للعمل والإنتاج والتنظيم”؛ مصانع النسيج والموانئ والشركات والمصارف ونظم الضرائب، كلها ظهرت في نصوص الرحلات بوصفها مظاهر لتقدُّمٍ مادِّيٍّ مرتبطٍ بقيمة العمل والانضباط والوقت. لكن رحَّالة مثل الشدياق ومحمد كرد علي، لم يغفلوا نقد الوجه الآخر للرأسمالية الأوروبية في الفوارق الطبقية الحادة والاستغلال والاستعمار.
وكان تصوُّر المسلمين لفترة طويلة عمَّا يمكن تسميتُه بـ”التحضُّر” ناتجًا عمَّا نقله الطهطاوي والشدياق وأحمد زكي وأمين فكري عن المجتمعات الأوروبية ونسائها. كل هذه العوامل لم تعمل بمعزل بعضها عن بعض، بل تفاعلت لتُنتج صورةً مركَّبة لأوروبا في الوعي العربي والإسلامي: صورة لا تختزل الآخر الأوروبي في عدوٍّ دينيٍّ ولا في نموذج مثاليٍّ للتقليد. هنا بالذات يُصبح مفهوم “الاستغراب” -كما طَوَّرَهُ لاحقًا مفكِّرون مثل حسن حنفي، وناقشه باحثون معاصرون- إطارًا مفيدًا لفهم ما فعله الرحَّالة العرب في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين: لقد شرعوا في بناء “معرفة بالغرب” من داخل تجاربهم هم، لا بوصف الغرب شبحًا متخيَّلًا، بل باعتباره صاحب حضور مادي ومعرفي وسياسي واقتصادي واجتماعي مُعاش. وفي هذا تقول رندة صبري: “إن هذا الخطاب (تقصد نصوص الرحَّالة) المعرفي المنفتح، غير المحدود بحدود ثابتة، المتشكل تدريجيًّا عبر الاحتكاك المباشر بالثقافة الأوروبية والمتبلور على أرضها نفسها، ثم الموجَّه لاحقًا إلى جمهور من القراء، هو ما يمكن تسميته بـ “الاستغراب”، والذي تحوَّل فيما بعد إلى حقل بحثي ينظر إلى إدراكنا لهذا الآخر المتجبر و”المتقدم”[28].
تذكِّرنا نصوص الرحَّالة العرب طوال الوقت بأن معرفة الآخر ليست رفاهية، بل شرط لفهم الذات نفسها، من خلال معرفة الآخر الذي يشاركها الفضاء الإنساني الواسع ويتفاعل معها طوال الوقت في زمن العولمة وما بعدها. كما أنها ضرورة لمعرفة “العدو” الذي ما زال يستعمر أجزاء من بلاد المسلمين. ويمتلك اليوم أدوات وأسلحة أكثر فتكًا تقنص الرؤوس كما تضرب العقول وتستهدف وعيها بذاتها وعقيدتها وواقعها وتراثها، وَتَصْرِفُهَا عن حقيقة دورها المنوط بها في هذه الحياة، والقدرات التي تملكها في مقابل سرديات التفوق الغربي والهيمنة الصهيونية المطلقة.
* باحثة في العلوم السياسية، حاصلة على ماجستير العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة.
[1] خالد زيادة، تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا، (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2016).
[2] رندة صبري، الرحَّالة العرب واكتشافات أوروبا: بدايات الاستغراب (١٨٢٥- ١٩٢٠)، (القاهرة: المرايا للثقافة والفنون، 2026).
[3] نازك سابا يارد، الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة، (بيروت: دار نوفل، ط2، 1992).
[4] خالد زيادة، تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا، مرجع سابق،ص ١٩.
* مدينة رندة، مدينة تاريخية من دلائل الحضارة الإسلامية في إسبانيا، تقع في منطقة جبال الأندلس الجنوبية إلى الشمال من الجزيرة الخضراء وإلى الغرب من مالقة. [المحرر]
* الحكم المستنصر بالله (302 – 366 هـ / 915 – 976 م) تاسع أمراء الدولة الأموية في الأندلس وثاني خلفاء الأندلس بعد أبيه عبد الرحمن الناصر لدين الله الذي أعلن الخلافة في الأندلس عام 316 هـ. كان عصره امتدادًا لفترة زهوة الدولة الأموية في الأندلس الذي بدأ في عهد أبيه، وقد اشتهر الحكم بعشقه للعلم واقتناء الكتب، حتى عجَّت مكتبتُه بنحو أربعمئة ألف مجلد، بذل جهدًا في جَمعها من مختلف الأقطار. [المحرر]
[5] المرجع السابق، ص١٣.
[6] المرجع السابق، ص ص ٣٥-٣٨.
[7] Houari Touati, Islam and Travel in the Middle Ages, Translated by: Houari Touati, (Chicago: University of Chicago Press, 2010).
[8] خالد زيادة، تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا، مرجع سابق، ص ص ٣٧-٣٩.
* كلمة سفرنامه هي لفظ فارسي الأصل يعني كتاب الرحلة أو سجل الرحلات، وهو نوع من الأدب يُدَوِّن فيه الكاتب مشاهداته ويوميَّاته أثناء رحلاته وتنقُّلاته في البلدان. [المحرر]
[9] المرجع السابق، ص ص ٥٨-٦٣.
[10] المرجع السابق، ص ٦.
[11] نازك سابا يارد، الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة، مرجع سابق، ص ص ١٦٠-١٦٢.
[12] زكي محمد حسن، الرحالة المسلمون في العصور الوسطى، (بيروت: دار الرائد العربي، ١٩٨١)، ص ٧٦.
* قسَّم الجغرافيون القدماء الأرض المعمورة إلى سبعة أقاليم مناخية وفلكية، وُضعت بناءً على طول النهار واختلاف طبائع البلدان، ومن أشهر هذه التقسيمات: الإقليم الأول: بلاد الهند، الإقليم الثاني: بلاد الحجاز وتهامة وجزء من الجزيرة العربية، الإقليم الثالث: أرض مصر، الإقليم الرابع: بابل وأرض العراق (وهو أوسطها وأعمرها)، الإقليم الخامس: بلاد الشام والروم، الإقليم السادس: بلاد الترك، الإقليم السابع: بلاد الصين وما وراءها. [المحرر]
[13] خالد زيادة، تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا، مرجع سابق، ص ص ١٠٠-١٠٧.
[14] المرجع السابق، ص ص ٥٩-١٥٣.
[15] رندة صبري، الرحَّالة العرب واكتشافات أوروبا: بدايات الاستغراب (١٨٢٥-١٩٢٠)، مرجع سابق، ص٤٢.
[16] نازك سابا يارد، الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة، مرجع سابق، ص ص ٢٣، ٨٥-٨٦.
[17] انظر: خير الدين التونسي، أٌقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، (القاهرة، مكتبة الإسكندرية ودار الكتاب المصري- اللبناني، 2012). [المحرر]
[18] نازك سابا يارد، الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة، مرجع سابق، ص ص ٤٢، ١٩٣.
[19] المرجع السابق، ص ص٨٠-٨٢.
[20] المرجع السابق، ص ١١٣.
[21] المرجع السابق، ص ص ١١٧-١١٨.
[22] خالد زيادة، تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا، مرجع سابق، ص ص٥٤-٥٥.
[23] نازك سابا يارد، الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة، مرجع سابق، ص ١٦٠.
[24] زكي محمد حسن، الرحالة المسلمون في العصور الوسطى، مرجع سابق، ص ٨-٩.
[25] Houari Touati, Islam and Travel in the Middle Ages, Op. cit.
[26] نازك سابا يارد، الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة، مرجع سابق، ص ٨٧.
[27] المرجع السابق، ص ص ١٠٤-١٠٥.
[28] رندة صبري، الرحَّالة العرب واكتشافات أوروبا، مرجع سابق، ص ٢٤.








