الدور التركي وتطورات الأوضاع في سوريا ما بعد عملية ردع العدوان

مقدمة:
سبقت عملية “ردع العدوان” تحولات إقليمية ودولية عملت على إعادة تشكيل موازين القوى، فقد شكَّلت عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 نقطة تحول مفصلية أجبرت إيران وحزب الله على الدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل، مما أدَّى إلى سحب جزء كبير من القوات والميليشيات التابعة لهما من الأراضي السورية وتعرُّضها لضربات أضعفت قدراتها القيادية واللوجستية بشكل كبير، وفي ظل هذا التراجع، وجد النظام السوري نفسه في عزلة نسبية بعد أن تبنَّى سياسة “الحياد السلبي” رافضًا الانجرار خلف طهران في المواجهة الإقليمية، وهو قرار سعى من خلاله لتجنُّب الاستهداف الإسرائيلي المباشر لكنه أدَّى في الوقت ذاته إلى تراخٍ أمني خطير وانهيار في معنويات قواته العسكرية التي رأت حلفاءه يفقدون قوتهم ويتراجع وجودهم على الأرض، كما أن انشغال روسيا الحليف الاستراتيجي الأبرز بحرب أوكرانيا قلَّص بشكل كبير من الدعم الجوي والبري والاستخباراتي الذي كان يعتمد عليه النظام لبسط سيطرته، مما خلق فراغًا استراتيجيًّا بدا واضحًا في ترهُّل خطوط الجبهة الداخلية أمام تزايد نفوذ الفصائل المعارضة.
على الصعيد الدبلوماسي، حاولت تركيا على مدار عامين تقريبًا الدخول في مفاوضات مباشرة مع نظام الأسد لمعالجة ملفَّات حسَّاسة، وعلى رأسها أزمة اللاجئين السوريِّين الذين يتجاوز عددهم ثلاثة ملايين على الأراضي التركية، والتي تحوَّلت إلى عبء سياسي واجتماعي واقتصادي يضغط على الاستقرار الداخلي التركي، بالإضافة إلى السعي لتفاهمات بشأن الملف الكردي وضرورة إضعاف “وحدات حماية الشعب” التي تعتبرها أنقرة تهديدًا وجوديًّا لأمنها القومي، بيد أن النظام السوري، وبدعم إيراني، رفض هذه المبادرات مشترطًا انسحابًا تركيًّا كاملًا كشرط مسبق لأيِّ حوار، وهو ما مثَّل فشلا ذريعًا للمسار الدبلوماسي، ومع فشل هذا المسار، وتزامُنًا مع تدهور قدرة الحلفاء التقليديِّين للنظام (روسيا وإيران) وانشغال الولايات المتحدة بالانتخابات الرئاسية الداخلية، وجدت تركيا نفسها أمام فرصة استراتيجية لتغيير موازين القوى، فدعمت “إدارة العمليات العسكرية” التابعة للمعارضة في إطلاق عملية “ردع العدوان” لتكون الرد الحاسم والضربة الاستباقية التي تعيد رسم الخريطة السورية بما يخدم المصالح التركية ويحقق أهداف الثورة السورية.
عسكريًّا، أثارت العملية التي انطلقت في 27 نوفمبر 2024 مفاجأة كاملة للنظام وحلفائه، حيث استعدت فصائل المعارضة وعلى رأسها “هيئة تحرير الشام” والفصائل المنضوية تحت “غرفة عمليات الفتح المبين” لتنفيذ هجوم سريع ومنظم استثمر الفراغ الأمني والتشتُّت الحاصل في صفوف النظام، ولم يكن الدعم الروسي المحدود ولا الميليشيات الإيرانية كافيين لوقف هذا الزحف السريع، خاصة وأن محاولات النظام تصوير الخسائر على أنها “انسحابات تكتيكية” انكشفتْ أمام تقدُّم المعارضة السريع، وحقَّقت العملية في أيام قليلة نتائج ميدانية تجاوزت كل التوقُّعات المعلنة، حيث انهارت جبهات النظام بشكل متسارع مما أتاح للمعارضة السيطرة على مدينة حلب بالكامل وكامل محافظة إدلب، ليتطوَّر التقدُّم لاحقًا ليشمل المدن الاستراتيجية مثل حماة وحمص ودرعا والسويداء والقنيطرة، منتزعة مساحات شاسعة تقدَّر بآلاف الكيلومترات المربعة ومواصلةً زحفها نحو العاصمة، لينتهي الأمر بدخول دمشق في 8 ديسمبر 2024 والإعلان رسميًّا عن إسقاط نظام حكم عائلة الأسد الذي دام لأكثر من خمسة عقود.
وقد مثَّلت لحظة دخول دمشق نقطة تحوُّل جذرية في مسار الثورة السورية، حيث أعلنت فصائل المعارضة تحقيق الأهداف الاستراتيجية المتمثِّلة في إسقاط النظام، وإعادة المهجَّرين إلى ديارهم، وإبعاد نفوذ الميليشيات الإيرانية وفلول النظام السابق، ومع انهيار قوات النظام السابق، سيطرت القوات الجديدة على معظم المحافظات، بينما استغلَّت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” الفراغ الناتج عن انسحاب قوات النظام وانشغال قوات الثوَّار بإسقاط النظام لتعزيز سيطرتها على دير الزور والمعابر الحدودية في الشرق، في حين سيطرت “غرفة عمليات الجنوب” على مناطق واسعة من درعا والسويداء، هذا التغير الدراماتيكي في خريطة النفوذ وضع سوريا أمام مرحلة انتقالية جديدة ومعقَّدة، تتطلَّب من الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع تحويل انتصارها العسكري إلى مشروع سياسي ودولي قادر على إدارة الدولة وتجاوز عقوبات الحرب والانقسامات الداخلية، في بيئة إقليمية ودولية لم تَنْتَهِ فصولُ صراعاتها بعد.
أولًا- سياق عملية ردع العدوان
سبقت عملية “ردع العدوان” تحولات إقليمية ودولية حاسمة أضعفت منظومة حلفاء النظام السوري، فمنذ عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، انشغلت إيران وحزب الله في مواجهة مع إسرائيل، مما أدى إلى انسحاب جزء كبير من قوات حزب الله من سوريا وتعرضها لضربات قاصمة أضعفت قدراتها القيادية والعسكرية، وفي الوقت ذاته، كانت روسيا منهمكة بحرب أوكرانيا، مما قلص دعمها الجوي والبري للنظام السوري، أما على الصعيد الداخلي، فقد حاول النظام عزل نفسه عن التصعيد الإقليمي، رافضًا الدخول في المواجهات الإسرائيلية-الإيرانية، مما أتاح للمعارضة فرصة استغلال هذا “الحياد السلبي” كنقطة ضعف استراتيجية؛ وفي المقابل، استعدت فصائل المعارضة -وعلى رأسها هيئة تحرير الشام- لهجوم سريع ومنظم، مستغلةً الفراغ الأمني والتشتت الحاصل في صفوف حلفاء النظام[1].
وقد أطلقت عملية “طوفان الأقصى” سلسلة تفاعلات إقليمية مهَّدت الأرضية لعملية “ردع العدوان” في سوريا. فقد استغلَّت فصائل المعارضة السورية الانشغال الروسي بحرب أوكرانيا وتضرُّر قدرات حزب الله -بسبب الضربات الإسرائيلية ومقتل قادته- لتنفيذ هجومها في نوفمبر 2024. كما أدَّى “طوفان الأقصى” إلى إضعاف “محور المقاومة” الإيراني عبر عزل جبهة لبنان عن غزة بوقف إطلاق النار، مما شكَّل فراغًا استراتيجيًّا استغلَّته المعارضة السورية. وعلى الصعيد النفسي، أعاد “طوفان الأقصى” الثقةَ في قدرة الحركات الإسلامية على تحقيق انتصارات ضد أنظمة مدعومة إقليميًّا ودوليًّا، مما شجَّع المعارضة السورية على المبادرة بإسقاط نظام الأسد[2].
تمثَّل الفاعلون الرئيسيون في عملية “ردع العدوان” من فصائل المعارضة السورية المسلَّحة، التي أطلقت العملية في 27 نوفمبر 2024 تحت مسمى “إدارة العمليات العسكرية”، وضمت هيئة تحرير الشام (الفصيل الأبرز)، والجبهة الوطنية للتحرير، وحركة أحرار الشام، ومجموعات من الحزب التركستاني. وفي مواجهتها، وقفت قوات النظام السوري النظامية والميليشيات الإيرانية المتحالفة معه. كما تدخلت أطراف خارجية؛ حيث قدم الطيران الروسي دعمًا جويًّا للنظام، بينما نفَّذت الطائرات المسيرة الأميركية ضربات في دير الزور ضمن دعمها لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي سيطرت على مناطق شرق سوريا بعد انسحاب النظام[3].
وفي عملية ردع العدوان وفي سياق مواجهة التحالف الإيراني الروسي الداعم للنظام، حرصت تركيا على الحفاظ على قنوات التواصل مع موسكو وطهران عبر مسار أستانا، مع ضمان عدم الانجرار لمواجهة مباشرة مع أيٍّ منهما، مستغلَّةً في الوقت ذاته انشغال روسيا بحرب أوكرانيا وتعرُّض إيران لحرب استنزاف مع إسرائيل لتمرير عملية “ردع العدوان” دون تدخُّل دولي فاعل، أمَّا مع الولايات المتحدة، فتجمع تركيا بين التحالف الاستراتيجي ضمن حلف الناتو والخلافات العميقة حول دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية (YPG) في شرق الفرات، وهو ما دفع أنقرة لتعزيز علاقاتها ببديلها الروسي في بعض الملفات، مع الحفاظ على التنسيق الأمني المحدود مع واشنطن لمنع قيام كيان كردي مستقل. وهكذا، يظهر الدور التركي كلاعب أساسي في معادلة التوازنات، حيث تستخدم أنقرة علاقاتها المتعدِّدة لفرض واقع جديد في سوريا يخدم أمنَها القومي ويمنع قيام كيانات معادية على حدودها، مستغلَّةً التناقضات بين القوى الكبرى وتغيُّر أولوياتها الإقليمية. وتشير بعض التقارير إلى دور تركي مباشر في التحضير للعملية العسكرية قبل أشهر وفي تحديد توقيتها بعد فشل المساعي الدبلوماسية للوساطة والحل بين أنقرة ودمشق[4].
وهدفت عملية ردع العدوان التي أطلقتْها فصائل المعارضة السورية في 27 نوفمبر 2024 إلى تحقيق عدَّة أهداف رئيسة أعلنها الناطق باسم “غرفة عمليات الفتح المبين” حسن عبد الغني، تتمثَّل في: توجيه ضربة استباقية مدروسة لمواقع الميليشيات الموالية للنظام لكسر مخططاتها الهجومية، والدفاع عن المدنيين في المناطق المحرَّرة ضد تهديدات قوَّات النظام السابق، وإعادة المهجَّرين إلى ديارهم التي نزحوا منها سابقًا، وإبعاد نفوذ النظام والميليشيات الإيرانية عن مناطق سيطرة المعارضة في شمال غرب سوريا، والحد من استهدافها المتكرر لتلك المناطق بالقصف المدفعي والصاروخي[5].
وحقَّقت عملية “ردع العدوان” نتائج ميدانية سريعة وحاسمة تجاوزت بكثير الأهداف المعلنة. ففي غضون أيام قليلة، انهارت قوات النظام السوري بشكل متسارع، وتمكَّنت المعارضة من السيطرة على مدينة حلب بالكامل (باستثناء الأحياء الكردية)، وكامل محافظة إدلب، ووصلت إلى مشارف مدينة حماة، منتزعة مساحة تقدر بنحو 7400 كم[6]. وتطوَّر الأمر لاحقًا ليشمل السيطرة على مدن حماة وحمص ودرعا والسويداء والقنيطرة، وانتهى بدخول المعارضة العاصمة دمشق في اليوم الثاني عشر للعملية 8 ديسمبر 2024، وإعلانها إسقاط نظام حكم عائلة الأسد. وفي جنوب سوريا، سيطرت “غرفة عمليات الجنوب” على 80% من محافظة درعا ومناطق حيوية في السويداء، وفي شرق سوريا، استلمت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” السيطرة على دير الزور والمعابر الحدودية بعد انسحاب النظام[7]. ويمكن القول إن هذا النجاح يعود بالدرجة الأولى للدور التركي ودعمه فصائل عملية ردع العدوان وهو ما صرح به الرئيس الأمريكي وأكَّده معتبرًا النصر السوري في عملية ردع العدوان بمثابة نجاح تركي في الهيمنة والسيطرة على الساحة السورية[8].
ثانيًا- تطورات سوريا ما بعد ردع العدوان
تشهد السياسة الداخلية في سوريا حالة من السيولة والضبابية في ظل المرحلة الانتقالية، حيث تتجه الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع نحو ترسيخ شرعيَّتها وتحويل قيادة الأمر الواقع إلى سلطة انتقالية راسخة، وتشكيل النظام السياسي السوري في مرحلة ما بعد عملية “ردع العدوان” وفق المخرجات الرسمية لمؤتمر الحوار الوطني، على أنه نظام دولة مدنية يرتكز على مبدأ “المواطنة” كأساس للحقوق والواجبات، مع رفض صريح للمحاصصة الطائفية والعرقية كآلية للمشاركة السياسية، وتتَّسم الهيكلة السياسية بالسعي نحو احتكار الدولة للسلاح وبناء جيش وطني مهني، يتوافق مع حصرية العمل العسكري بيد المؤسسات الرسمية وتفكيك التشكيلات المسلَّحة خارج إطار القانون، وفيما يتعلَّق بالسلطة التشريعية، نَصَّتِ المخرجات على الإسراع بتشكيل “مجلس تشريعي مؤقَّت” يضطلع بمهامِّ التشريع وفق معايير الكفاءة والتمثيل العادل لِسَدِّ الفراغ الدستوري، إلى جانب التأكيد على التحوُّل الديمقراطي وتوسيع المشاركة السياسية واستقلال القضاء[9].
أمَّا من حيث الإطار الزمني، فقد حدَّد الإعلان الدستوري الصادر في 13 مارس 2025 مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ نفاذ الإعلان، وذلك استنادًا إلى المادة 52 التي تنظم آلية الانتقال، وتمتد هذه المدة لتغطي عمل المؤسسات المؤقتة، بما في ذلك مجلس الشعب الذي تبلغ ولايته 30 شهرًا قابلة للتجديد، وتنتهي المرحلة الانتقالية رسميًّا بعد إقرار دستور دائم للبلاد وتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة وفقًا لأحكامه، مما ينهي العمل بالإعلان الدستوري ويحول النظام من حالة انتقالية مؤقَّتة إلى نظام دستوري راسخ[10].
وتكْمن التحديات الرئيسة أمام هذه الترتيبات في غياب الثقة المتبادلة بين المكوِّنات السورية وتنافس القوى السياسية والمحاصصة، فضلًا عن الضغوط الخارجية التي قد تفرض خيارات معيَّنة، ممَّا يجعل نجاح المرحلة الانتقالية مرهونًا بقدرة الإدارة الانتقالية على احتواء هذه الانقسامات ودمج الفصائل المسلَّحة، ضمن مؤسَّسات الدولة، وفيما يتعلَّق بنظام الحكم، يسود توجُّه نحو بناء دولة مركزية ذات مرجعية إسلامية تضْمن المشاركة السياسية للمكوِّنات المختلفة وفق مبدأ الكفاءة، مع استمرار السيطرة على المناصب السيادية خلال المرحلة الانتقالية، وذلك في مواجهة مخاطر الثورة المضادة التي قد تبثُّها فلول النظام السابق، رغم أن تفكك مؤسسات النظام القديم والانتصار العسكري للثورة يقلل من احتمالات نجاح هذه المخاطر، إلا أن الهواجس الأمنية تظل قائمة في ظل وجود خلايا نائمة وتحالفات خارجية سابقة[11].
وعلى الصعيد الاقتصادي، تشير المؤشرات الأولى إلى بداية مسار للتعافي الاقتصادي وتجاوز التداعيات الكارثية للحرب، حيث حقَّقت سوريا بعد عام من سقوط النظام نموًّا في الناتج المحلي الإجمالي فاق تقديرات البنك الدولي، مدفوعًا بعودة أعداد كبيرة من اللاجئين وتحسُّن الثقة بالعُملة الوطنية التي شهدت استقرارًا نسبيًّا مع طرح حزمة نقدية جديدة تتضمَّن حذف الأصفار، وقد نجحت الحكومة في تحقيق إنجاز دبلوماسي ومالي مهم تمثَّل في رفع العقوبات الدولية والعودة إلى النظام المالي العالمي “سويفت” (SWIFT)، بالإضافة إلى استئناف العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي، مما يسمح بضخ استثمارات أجنبية تجاوزت 28 مليار دولار، وترافق هذه التحولات الماكرو اقتصادية مع إجراءات إصلاحية على مستوى البنية التحتية، حيث شهد مرفأي طرطوس واللاذقية أعمال تأهيل واسعة لرفع الطاقة الاستيعابية، كما تحسنت خدمات الكهرباء بشكل ملحوظ لتصل إلى 10 ساعات يوميًّا وتغطِّي كامل الساعات للمدن الصناعية، فضلًا عن تدخل الحكومة لتخفيف الأعباء المعيشية عبر خفض أسعار المشتقَّات النفطية ورفع الرواتب بنسب كبيرة لتحسين القدرة الشرائية للمواطنين ودعم عودة الحركة الاقتصادية[12].
في السياق الاجتماعي والسياسي الداخلي يكشف تقييم الوضع بعد مرور عام على التغيير عن استمرار توتُّرات عميقة تهدِّد النسيج الاجتماعي، رغم إجراء الانتخابات التشريعية الأولى كخطوة نحو الاستقرار المؤسَّسي، حيث أُجريت الانتخابات بنظام غير مباشر وباستثناء مناطق ذات حساسية أمنية مثل السويداء والرقة والحسكة، وتبرز التحديات الأمنية والاجتماعية بوضوح في اندلاع أعمال عنف، لا سيما في محافظة السويداء بين المقاتلين الدروز والعشائر البدوية، وفي مناطق الساحل ذات الغالبية العلوية، مما أسْفر عن سقوط مئات الضحايا، ويتعقَّد المشهد الاجتماعي مع استمرار معضلة حصر السلاح بيد الدولة، حيث لا تزال القوات الكردية (قسد) تحتفظ بنفوذها وتطالب بنظام لامركزي يتقاطع مع رؤية الحكومة المركزية، مما يجعل مسار المصالحة الوطنية وتهدئة مخاوف المكونات المختلفة أمام اختبارات حقيقية تتطلَّب مرونة سياسية وضمانات أمنية فعلية لتفادِي انزلاق البلاد إلى صراعات جديدة[13].
أمَّا على الصعيد الإقليمي والدولي، فقد تبنَّت الإدارة السورية الجديدة سياسة خارجية ذات طابع انكفائي تهدف إلى تجنُّب الصراعات والمحاور، مع ميل واضح نحو إعادة ضبط العلاقات الجيوسياسية لصالح التوجه الغربي، حيث تعتبر الولايات المتحدة المحور الرئيسي لتحقيق الانفتاح الدولي ورفع العقوبات، مع اعتماد سياسة الخطوة مقابل الخطوة في العلاقات مع واشنطن وأوروبا، وفي المقابل تحافظ دمشق على تحالف استراتيجي حيوي مع تركيا ضروري للأمن والدفاع في مواجهة التهديدات الإسرائيلية والمشروع الكردي، مع توظيف العلاقة مع روسيا كورقة مساومة وضغط ضد الغرب نظرًا لأهمية القواعد الروسية في سوريا لتحقيق وصول موسكو للبحر المتوسط وتعزيز مكانتها الدولية، وتتَّسم العلاقات مع إيران بالتوتُّر والبرود كمحصِّلة لسنوات من الحرب دعمًا للنظام الذي سقط ورغبة دمشق في التقرُّب من الغرب والخليج، بينما تتشكَّل العلاقات العربية ضمن موازنات دقيقة، حيث يُتَوَقَّعُ توثيق العلاقات مع السعودية وقطر كجزء من الاستراتيجية العربية، في ظلِّ استمرار مخاوف الإمارات ومصر من عودة “الإسلام الحركي” وتزايُد النفوذ التركي، ممَّا يخلق بيئة خارجية معقَّدة تتطلَّب من دمشق مناورة دقيقة لضمان استقرار النظام والحصول على الشرعية الدولية اللازمة لإعادة الإعمار[14].
وسعت تركيا إلى ترسيخ حضورها العسكري المباشر عبر توقيع اتفاقيات دفاع مشترك مع الإدارة السورية الجديدة تُتيح تأسيس قواعد عسكرية في عمق الأراضي السورية، بهدف قطع الطريق على المشروع الكردي وتأمين حدودها الجنوبية. وفي هذا السياق باتت أنقرة اللاعب الأبرز في تفكيك “الخطر الكردي” من خلال الضغط العسكري والسياسي لدمج الميليشيات الكردية في المؤسسة العسكرية السورية الموحَّدة، مستغلةً إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه. ونجحت تركيا في توظيف التراجع الأمريكي وانسحاب القوات الأمريكية المحتمل من سوريا، خاصة في ظل إدارة أمريكية تميل لتقليص وجودها العسكري وتعترف بشرعية النفوذ التركي كبديل لإدارة الملف السوري، وتتجلى البراجماتية التركية في وجود تفاهم ضمني لتقاسم النفوذ مع إسرائيل؛ ففيما تركز تل أبيب على تأمين حدودها الجنوبية واستهداف التهديدات الإيرانية، تُمنح أنقرة مساحة لإدارة الشمال السوري ومواصلة ضربها للوحدات الكردية، مما يخلق توازن رعب يضمن أمن الطرفين دون الاحتكاك المباشر. وتسعى تركيا لتحويل انتصارها السياسي إلى مكاسب مادية ضخمة من خلال ملف إعادة إعمار سوريا، حيث تتطلَّع الشركات التركية المقرَّبة من الحكومة للاستحواذ على حصة كبيرة من عملية الإعمار التي تقدَّر بمئات المليارات، بهدف تعزيز الاقتصاد الوطني ودعم الرؤية الانتخابية لحزب العدالة والتنمية. ويتكامل هذا التوجُّه مع سعيِ أنقرةَ للسيطرة على قطاع الطاقة السوري، لا سيما عبر ربط الحدود البحرية ومد خطوط الأنابيب الناقلة للنفط والغاز من سوريا والعراق، وذلك بهدف تأمين احتياجاتها الطاقية، وتحييد المشروع الكردي المرتبط بالحقول النفطية في الشمال الشرقي، وتعزيز دورها الاستراتيجي كمحور رئيسي لعبور الطاقة في شرق المتوسط[15].
ثالثًا- محددات الدور التركي في سوريا
- المحددات الداخلية:
- ملف اللاجئين واستخدام المعارضة له كأداة ضغط سياسي:
يُشكل ملف اللاجئين السوريين أحد أبرز المحددات الداخلية التي دفعت أنقرة لتبنِّي سياسة حازمة في سوريا، حيث تحوَّل هذا الملف من قضية إنسانية إلى “قضية سياسية مُلِحَّةٍ” تؤثر في استقرار النظام السياسي التركي. إذ استخدمت أحزاب المعارضة هذا الملف لتأجيج الخطاب الشعبوي، مُلصقةً المشكلات الاقتصادية والاجتماعية بالوجود السوري في تركيا، لا سيما في الحملات الانتخابية التي شهدتْها البلاد. وفي هذا السياق، جاءت عملية ردع العدوان كأداة سياسية وعسكرية تهدف إلى تهيئة مناطق آمنة وتسهيل عودة جزء من اللاجئين البالغ عددهم نحو 3 ملايين، محاولةً بذلك امتصاص غضب الرأي العام الداخلي وانتزاع ورقة ضغط من يد المعارضة التي كانت تتَّخذ من استمرار الوجود السوري مادةً للهجوم على الحكومة[16].
- ملف حزب العمال الكردي ومشروع “تركيا بلا إرهاب”:
يُعَدُّ الخوف من تشكُّل كيان كردي معادٍ على الحدود الجنوبية لتركيا جوهر الاستراتيجية الأمنية التركية، انطلاقًا من رؤية “تركيا بلا إرهاب”. تعتبر أنقرة أن “وحدات حماية الشعب” (YPG) وقوات “سوريا الديمقراطية” (قسد) هي امتداد لحزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف كمنظمة إرهابية. وتستند السياسة التركية في هذا السياق إلى دروس تاريخية، إذ سبق للنظام السوري سابقًا أن استضاف القيادات الكردية لاستنزاف تركيا، ما يجعل عملية “ردع العدوان” ضرورة وجودية لمنع تكرار هذا السيناريو. وتهدف العملية إلى تفكيك الهياكل العسكرية الكردية على الشريط الحدودي، وضمان عدم تحويل سوريا إلى قاعدة انطلاق للعمليات الانفصالية التي تهدد وحدة الأراضي التركية وأمنها القومي[17].
- المحددات الإقليمية
- سوريا باعتبارها امتدادًا للأمن القومي التركي والعمق الاستراتيجي
تنظر تركيا إلى الجغرافيا السورية باعتبارها امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، لا سيما في المناطق الحدودية (إدلب – ريف حلب – شرق الفرات)، ووفقًا لهذه الرؤية، فإن السيطرة على هذا الشريط الحدودي ضرورة لحماية “العمق الاستراتيجي” الجنوبي لتركيا وتسعى السياسة التركية عبر عملية ردع العدوان إلى تأمين هذا العمق لمنع أي اختراق أمني، وضمان اتصال جغرافي بري آمن مع العالم العربي عبر سوريا، مما يعزز من مكانة تركيا الجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة[18].
- التنافس الإقليمي ومواجهة دعم الانفصاليين الأكراد
يتشكَّل الموقف التركي تجاه سوريا في ضوء تنافس إقليمي شرس مع قوى فاعلة مثل إيران وإسرائيل، تدرك أنقرة أن هناك دعمًا إيرانيًّا وإسرائيليًّا وغربيًّا للانفصاليين الأكراد والميليشيات الحليفة، والذي يهدِّد بتغيير التوازنات الديموغرافية وخدمة مصالح هذه القوى على حساب الأمن القومي التركي، وفي مواجهة هذا التهديد تعمل تركيا على تضييق الخيارات أمام قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وتحديدًا الدعم الإسرائيلي لبعض الشرائح العرقية والمذهبية (مثل الدروز والأكراد) الهادف إلى تعميق الانقسامات، وتأتي عملية “ردع العدوان” ضمن منطق ضبط النفوذ الإقليمي المنافس ومنع تمدُّد الميليشيات المدعومة من طهران أو تل أبيب التي تشكِّل تهديدًا مباشرًا للاستقرار في الجنوب التركي[19].
ردًّا على خسارة مسارها الاستراتيجي نحو البحر المتوسط عبر سوريا، تلجأ طهران لاستغلال الملف الكردي وتقريب المسافة مع بعض الفصائل الكردية في الشمال السوري، كأداة براجماتية للموازنة ومواجهة النفوذ المتزايد لأنقرة، حيث يرتكز التنافس الإقليمي الحالي بين أنقرة وطهران بشكل جوهري على الصراع على طرق نقل الطاقة وعمق النفوذ الجغرافي، حيث ترى إيران في مشاريع الربط التركية (مثل ممر زنجزور) تهديدًا وجوديًّا يعزلها عن أرمينيا ويُقصيها من المبادرات الإقليمية الكبرى[20].
- المحددات الدولية
- إدارة التوازن بين قوى الشرق وقوى الغرب
تتَّسم السياسة الخارجية التركية في سوريا بالمرونة الاستراتيجية في إدارة العلاقات بين القوى العظمى، ممثَّلة في روسيا (الشرق) والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي (الغرب). ورغم التعاون مع روسيا ضمن مسار “أستانا” والتنسيق العسكري، إلا أن تركيا تحافظ على علاقات معقدة مع واشنطن التي تدعم الأكراد تحت ذريعة مكافحة داعش، وتهدف عملية “ردع العدوان” إلى تعزيز موقع تركيا كلاعب لا غنى عنه، مع سعي أنقرة لتجنب أي صدام مباشر مع هذه القوى، وإدراكها أن حدود قوتها تتطلَّب مناورة دقيقة لتحقيق مصالحها دون تدويل المواجهة، وفي نفس الوقت الاستفادة من انشغال هذه القوى بالحرب الأوكرانية والتغيير في النظام السياسي الأمريكي[21].
- البعد الشخصي والقيادي في العلاقات الدولية
يلعب البُعد الشخصي المتعلِّق برؤساء الدول دورًا محوريًّا في توجيه دفَّة السياسة الخارجية، حيث تظهر أهمية العلاقة بين الرئيس التركي والرئيس الأمريكي كعنصر فاعل في حسم القضايا الخلافية، وقد استغلَّت القيادة التركية هذه العلاقة الشخصية في الضغط من أجل رفع العقوبات عن سوريا وتقديم الدعم للنظام الجديد، ممَّا يعكس أن القرارات السياسية الكبرى لا تحكمها المصالح الحيوية فقط، بل أيضًا التفاعل والنفوذ الشخصي بين القادة في رسم خرائط التحالفات والعداوات الإقليمية والدولية[22].
- أدوات السياسة الخارجية التركية تجاه سوريا
وظَّفت تركيا مجموعة متكاملة من الأدوات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والإنسانية في تعاملها مع الأزمة السورية، بهدف تحقيق أقصى قدرٍ من النفوذ والمصالح القومية في سوريا، ففي البعد السياسي والدبلوماسي، شكَّل دعم المعارضة السياسية السورية حجر الزاوية في استراتيجية أنقرة، حيث فتحت أبوابها أمام مختلف التوجُّهات السياسية والائتلافات، واستضافت مؤتمرات حاسمة مثل “مؤتمر أصدقاء الشعب السوري” في إسطنبول، بهدف عزل النظام السوري دوليًّا وتقديم بديل شرعي، كما لعبت تركيا دورًا محوريًّا في جميع مسارات التفاوض الدولية، سواء في جنيف أو أستانة أو سوتشي، مستغلة عضويتها في الناتو وعلاقاتها مع القوى الكبرى لتكون طرفًا لا غنى عنه في أي حلٍّ مقترح للأزمة، ممَّا عزَّز مكانتَها كوسيطٍ أساسي وفاعل مؤثِّر في تشكيل مستقبل سوريا.
أمَّا على الصعيد العسكري، فقد اتَّخذت السياسة التركية منحى أكثر مباشرة وحزمًا، من خلال شَنِّ سلسلة من العمليات العسكرية البرية داخل الأراضي السورية. بدأت بعملية “درع الفرات” عام 2016 بهدف طرد تنظيم داعش من الحدود ومنع قيام كيان كردي، تَلَتْها عملية “غصن الزيتون” عام 2018. وتُوِّجت هذه العمليات بعملية “نبع السلام” عام 2019 التي رسَّمت منطقة آمنة بعمق 30 كم على طول الحدود التركية السورية، لتكون هذه العمليات أدوات لفرض أمر واقع على الأرض وتغيير التوازنات العسكرية والديموغرافية لصالح تركيا. ثم الدعم العسكري واللوجستي لقوات عملية ردع العدوان في الشمال السوري، ودعمها ضد قوات النظام السابق.
لم تقتصر الأدوات التركية على الجانبين السياسي والعسكري، بل امتدَّت لِتَبْنِيَ أبعادًا إنسانية واقتصادية. ففي الجانب الإنساني، استضافت تركيا ملايين اللاجئين السوريين على أراضيها، وقدَّمت مساعدات إنسانية ضخمة للمناطق المتضرِّرة في سوريا، كما استخدمت الأداة الاقتصادية من خلال عقد اتفاقيات تجارية وإعادة إعمار في المناطق التي تسيطر عليها، بهدف تعزيز استقرار هذه المناطق وخدمة مصالحها الاقتصادية، سعت تركيا من خلال هذه الأدوات إلى تحقيق أهداف متعدِّدة، منها تخفيف العبء الإنساني عن كاهلها، وتعزيز صورتها كقوة إقليمية، وخلق بيئة اقتصادية مرتبطة بها في شمال سوريا[23].
رابعًا- سيناريوهات المستقبل لسوريا
- السيناريو الأول: الدولة المركزية المستقرة (السيناريو الأرجح)
وذلك عن طريق نجاح الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع في تكريس دولة مركزية في دمشق، تُسيطر على كامل الجغرافيا السورية (أو أغلبها)، وتنجح في دمج الفصائل المسلَّحة في مؤسسة عسكرية رسمية، يترافق هذا مع رفع العقوبات وانتعاش اقتصادي طفيف بفضل الدعم التركي والخليجي (قطري – سعودي بالدرجة الأولى)، وغربي، ويدعم هذا السيناريو الآتي:
- تبنِّي تركيا بناء ودعم النظام السوري الجديد في طور إنشائه، وفق سوريا الموحدة المستقرة كونه يدعم أهداف أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية[24].
- الموقف الدولي والإقليمي: ميل الإدارة الجديدة للتوجُّه غربًا للولايات المتحدة، وبناء تحالف استراتيجي مع تركيا، مما يضمن دعمًا سياسيًّا وأمنيًّا يمنع الانهيار[25].
- الإرادة الشعبية: وجود رغبة جامحة لدى الشعب في الاستقرار ورفض الفوضى، مما يعزِّز شرعية “مؤتمر الحوار الوطني”[26].
- القوة العسكرية: امتلاك الإدارة الجديدة مزيجًا من المرونة السياسية والقوة العسكرية التي يمكِّنها من تفكيك الفصائل ودمجها[27].
- توافق المصالح: رغبة دول إقليمية مثل تركيا والدول الكبرى في استقرار سوريا لتجنُّب تداعيات الفوضى وموجات اللجوء.
ويواجه هذا السيناريو التحديات التالية: استمرار التهديد الإسرائيلي والاحتلال للمنطقة العازلة[28]، والصعوبات الاقتصادية الهائلة وانهيار العملة التي تتطلب وقتًا للإصلاح[29].
- السيناريو الثاني: النموذج الفيدرالي أو التقسيم الفعلي
ويتمثَّل في فشل دمشق في فرض سيطرتها المركزية على كامل الأراضي السورية، ممَّا يقود إلى تبلور نظام فيدرالي على غرار النموذج العراقي أو تقسيم أمر واقع على الأرض دون اعتراف قانوني، يسيطر مركز ضعيف في دمشق، بينما تتمتَّع مناطق الشمال الشرقي الكردية والجنوب (تحت النفوذ الإسرائيلي) بحكم شبه ذاتي، مع استمرار وجود قواعد أجنبية أمريكية، روسية، تركية، والأسباب التي قد تدعم هذا السيناريو هي:
- تعارض المصالح الخارجية: دعم دولي وإقليمي (إسرائيل، والولايات المتحدة، وفرنسا) لنموذج فيدرالي يُضعف الحكومة المركزية بحجَّة أمن الأقليات[30].
- الصراع بين الفصائل: عجز الحكومة عن دمج فصائل “قسد” أو فصائل الجنوب، واستمرار وجود ميليشيات منفصلة عن وزارة الدفاع.
- الفراغ الأمني: عدم قدرة الدولة على بسط سيطرتها الأمنية بشكل كامل، مما يسمح بظهور كانتونات منفصلة[31].
ويواجه هذا السيناريو التحديات التالية: التوتر الطويل الأجل مع تركيا التي تعارض الفيدرالية الكردية[32]، واستنزاف الموارد الطبيعية (النفط والزراعة) من قبل الأطراف المحلية، مما يبقي وسط البلاد فقيرًا[33].
- السيناريو الثالث: الفوضى وحرب الاستنزاف (سيناريو الكارثة)
ويحصل هذا التصور في حال فشل مؤتمر الحوار الوطني، وتصاعد الصراعات الداخلية بين الفصائل، وعودة فعالية “الثورة المضادة” المدعومة من فلول النظام أو إيران، وتصاعد نشاط تنظيم الدولة (داعش)، مع تدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل كارثي، وتشهد البلاد احتجاجات عنيفة وأعمال شغب بسبب الفقر، وممَّا يساعد على وقوع هذا السيناريو ما يلي:
- الانهيار الاقتصادي: تدهور قيمة الليرة، وتوقف الإنتاج، وعجز الدولة عن توفير الخدمات الأساسية (الكهرباء، والمياه)، مما يولِّد بيئة خصبة للفوضى[34].
- التمدُّد الإرهابي: استغلال الفراغ الأمني من قبل تنظيم الدولة الذي بدأت خلاياه تنشط في المدن والبادية[35].
- التدخُّلات الخارجية السلبية: استمرار إيران في دعم المجموعات الموالية، وتصعيد العدوان الإسرائيلي ليصل إلى عمق الأراضي السورية[36].
- غياب الثقة: انسداد الأفق السياسي وتضارب المصالح الدولية مما يؤدِّي إلى تجميد العملية السياسية[37].
خاتمة:
يمثِّل التغيُّر الكبير في المشهد السوري عقب عملية “ردع العدوان” نقطة تحوُّل تاريخية تُنهي حقبةً استمرَّت لأكثر من خمسة عقود، لتدخل سوريا في مرحلة انتقالية غامضة المعالم تتشابك فيها فرص إعادة البناء مع تحديات الاستقرار، وتُواجه الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع مسؤولية تاريخية لتحويل الانتصار العسكري إلى نظام سياسي راسخ، مسترشدةً بالإعلان الدستوري ومدة انتقالية مدتها خمس سنوات لتأسيس دولة مركزية مدنية ذات مرجعية إسلامية، ورغم المؤشِّرات الأولية للتعافي الاقتصادي ورفع العقوبات، فإن البيئة الداخلية لا تزال هشَّة، إذ يتطلَّب الأمر تجاوزَ انقسامات الماضي، ودمج الفصائل المسلَّحة في مؤسسة عسكرية وطنية مهنيَّة، مع معالجة التوتُّرات الاجتماعية والطائفية العميقة، لضمان عدم انزلاق البلاد نحو الفوضى.
في هذا السياق، يبرز الدور التركي المحوري في تشكيل مستقبل سوريا، حيث انتقلت أنقرة من موقع داعم للمعارضة إلى شريك استراتيجي لا غنى عنه للنظام الجديد، وتستند السياسة التركية إلى محدِّدات داخلية مُلِحَّةٍ تتمثَّل في أزمة اللاجئين والتهديد الأمني لحزب العمال الكردستاني، بالإضافة إلى طموحات إقليمية لتأمين العمق الاستراتيجي، وقد نجحت تركيا في توظيف أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية ببراعة لفرض واقع جديد على الأرض يخدم مصالحها القومية، معتمدةً سياسةَ النَّأْيِ بالنفس عن المحاور والمرونة في التعامل مع القوى الدولية، إن التنسيق التركي-السوري يعتبر الركيزةَ الأساسية لضمان أمن الحدود ومنع قيام كيانات انفصالية، ممَّا يجعل العلاقة مع أنقرة ركيزة أساسية لأي استقرار مستقبلي.
وتستند الرؤية المستقبلية لسوريا إلى ترجيح سيناريو “الدولة المركزية المستقرَّة” بفضل الإرادة الشعبية الرافضة للفوضى وتوافق المصالح الإقليمية والدولية الراغبة في الاستقرار، إلا أن هذا المسار يظل عرضة لمخاطر جسيمة قد تعيده إلى سيناريوهات التقسيم أو حرب الاستنزاف، ويبقى النجاح مرهونًا بقدرة الإدارة الجديدة على تحقيق الأمن والتنمية، واحتواء التهديدات الخارجية لا سيما الاحتلال الإسرائيلي، واستكمال المسار الديمقراطي الذي يضمن مشاركة جميع المكونات، وفي المحصلة، يتوقَّف نجاح التجربة السورية الجديدة وتجاوز مخاطر السيناريوهات الكارثية مثل “التقسيم” أو “الفوضى” على استدامة التحالف الاستراتيجي بين دمشق وأنقرة، وقدرة الإدارة السورية على المناورة الذكية بين القوى الدولية لضمان رفع العقوبات وجلب الاستثمارات، ويبقى الدور التركي هو حجر الزاوية في هذه المرحلة، ليس فقط كضامن أمني وحدودي، بل كجسر اقتصادي وسياسي يعيد ربط سوريا بمحيطها الإقليمي والعالمي، وتشكِّل السنوات القادمة مسرحًا لاختبار ومعرفة ما إذا كانت سوريا ستتمكَّن من تحويل انتصارها العسكري إلى دولة راسخة وقانون مؤسساتي، أو ستسقط في فخ الصراعات والانقسامات.
⁕ باحث في العلوم السياسية.
[1] انظر:
– علي باكير، سوريا الجديدة: سيناريوهات إعادة تشكل موازين القوى والتحولات الاستراتيجية المحتملة في الشرق الأوسط، مركز الجزيرة للدراسات: مجلة لباب، تاريخ النشر: مايو 2025، العدد 26، ص ص18-23.
– عملية ردع العدوان وانهيار قوات النظام السوري، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – تقدير موقف، 3 ديسمبر 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/52cprkj4
[2] أحمد مولانا، الأنظمة العربية وتداعيات طوفان الأقصى، مجلة سبل – العدد 22، 5 يونيو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://subulmagazine.com/?p=4359
[3] ردع العدوان.. عملية عسكرية أسقطت حكم آل الأسد في 12 يوما، الجزيرة نت، 29 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://h7.cl/1i6z0
[4] 5 أسئلة تشرح ما تأمله تركيا من هجوم المعارضة السورية، الجزيرة نت، 3 ديسمبر 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://h7.cl/1i6Bf
[5] المرجع السابق.
[6] المرجع السابق.
[7] المرجع السابق.
[8] ترامب: أردوغان كان مسؤولا عن المساعدة بإزاحة نظام الأسد في سوريا، سي إن إن بالعربية، 25 سبتمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yjkfund6
[9] أصدر 18 مخرجًا.. مؤتمر الحوار الوطني السوري يختتم أعماله في دمشق، موقع التلفزيون العربي، 25 فبراير 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://h7.cl/1i6zS
[10] نص الإعلان الدستوري لسوريا 2025، الجزيرة نت، 14 مارس 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://h7.cl/1i6z-
[11] تقرير حالة دولة سوريا، مجلة أسباب – العدد 16، فبراير 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://h7.cl/1i6Ai
[12] شاهر الأحمد، ماذا حققت سوريا اقتصاديا بعد عام على سقوط الأسد؟، الجزيرة نت، 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://h7.cl/1n5JH
[13] سوريا: ما الذي تحقق بعد عام من سقوط نظام الأسد؟، بي بي سي عربي، 7 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4t3xzckp
[14] تقرير حالة دولة سوريا، مرجع سابق.
[15] محمد عز العرب، تعزيز النفوذ.. كيف توظف تركيا التحولات الجيوسياسية بعد سقوط الأسد؟، مركز الأهرام للدراسات، مارس 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://acpss.ahram.org.eg/News/21437.aspx
[16] تركيا وحسابات عملية ردع العدوان في سوريا: دور معقد وأهداف استراتيجية، ترك برس، 5 ديسمبر 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://www.turkpress.co/node/103723
[17] المرجع السابق.
[18] الحواس تقية، سوريا الجديدة: تغيير النظام وإعادة رسم خريطة القوى الإقليمية، مركز الجزيرة للدراسات، التقرير الاستراتيجي – مراجعة الاستراتيجيات المتصارعة في ضوء الحرب على غزة والتغيير في سوريا، فبراير 2025، ص ص 67-69، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4httj3cx
[19] سعيد الحاج، تركيا وسوريا الجديدة تحديات كبيرة أمام المكاسب الإستراتيجية وسعي لتجنب المواجهة مع إسرائيل، مركز الجزيرة للدرسات، 22 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://studies.aljazeera.net/ar/article/6384
[20] المنافسة التركية – الإيرانية الجديدة في الشرق الأوسط ما بعد الأسد، ترك برس، 15 فبراير 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://www.turkpress.co/node/104564
[21] تركيا وحسابات عملية ردع العدوان في سوريا: دور معقد وأهداف استراتيجية، مرجع سابق.
[22] سعيد الحاج، تركيا وسوريا الجديدة تحديات كبيرة أمام المكاسب الإستراتيجية وسعي لتجنب المواجهة مع إسرائيل، مرجع سابق.
[23] يوسف الخزاعلة، أثر الأزمة السورية على المكانة الدولية لتركيا 2011-2023، الجامعة الهاشمية – الأردن – كلية الآداب – قسم العلوم الإنسانية المساندة، 1 مايو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/86s8a5bz
[24] تركيا: مستقبل سوريا يمر من الوحدة والاندماج لا من الإرهاب والانقسام، وكالة الأناضول للأنباء، 19 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://h7.cl/1n5Ky
[25] تقرير حالة دولة سوريا، مرجع سابق.
[26] يوسف خطاب، سوريا بعد عام من سقوط نظام بشار الأسد: تحولات الداخل وتوازنات الإقليم في مرحلة ما بعد السلطوية، مركز الخليج للأبحاث، 14 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/8FOE
[27] تقرير حالة دولة سوريا، مرجع سابق.
[28] المرجع السابق.
[29] يوسف خطاب، سوريا بعد عام من سقوط نظام بشار الأسد، مرجع سابق.
[30] تقرير حالة دولة سوريا، مرجع سابق.
[31] يوسف خطاب، سوريا بعد عام من سقوط نظام بشار الأسد، مرجع سابق.
[32] تقرير حالة دولة سوريا، مرجع سابق.
[33] المرجع السابق.
[34] يوسف خطاب، سوريا بعد عام من سقوط نظام بشار الأسد، مرجع سابق.
[35] تقرير حالة دولة سوريا، مرجع سابق.
[36] المرجع السابق.
[37] يوسف خطاب، سوريا بعد عام من سقوط نظام بشار الأسد، مرجع سابق.
نشر في العدد 40 من فصلية قضايا ونظرات – يناير 2026




