الحروب الأهلية في السياق العربي: رؤى مقارنة
(مع التطبيق على الحالة السودانية)

مقدمة:
شهد العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في الحروب الأهلية، والتي أصبحت تمثل أحد أبرز أنماط الصراعات المسلحة في النظام الدولي المعاصر، لما لها من تداعياتٍ عميقة لا تقتصر على الدولة المعنية فحسب، بل تمتد لتشمل السياقات الإقليمية والعالمية من حيث الأمن والاستقرار والتنمية. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن الحروب الأهلية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بضعف مؤسسات الدولة، وتراجع مستويات التنمية الاقتصادية، فضلًا عن تفاقم الفقر وعدم المساواة، وهو ما يجعلها ظاهرةً مركبة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.[1]
وقد تناولت الأدبيات الغربية الحروب الأهلية من خلال مجموعةٍ من التفسيرات التي ركزت بشكلٍ أساسي على الدوافع الاقتصادية، مثل التنافس على الموارد، أو ما يُعرف بنموذج “الطمع مقابل المظالم”، إلى جانب عوامل ضعف الدولة والانقسامات المجتمعية. إلا أن هذه التفسيرات، على أهميتها، قد لا تكون كافيةً لتفسير أنماط الحروب الأهلية كافة، خاصةً في السياقات غير الغربية، حيث تلعب الأبعاد الحضارية والثقافية دورًا أكثر تعقيدًا.
وفي المقابل، يُقدم التراث الفكري الإسلامي، كما عند ابن خلدون، تفسيرًا مختلفًا يقوم على مفاهيم مثل العصبية، وتماسك الجماعة، وضعف الدولة، وهو ما يفتح المجال لفهمٍ أعمق للصراعات الداخلية في المجتمعات ذات البنية الاجتماعية المركبة.
وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة للإجابة عن سؤالٍ رئيسي مفاده:
إلى أي مدى تلائم التفسيرات الغربية فهم أسباب الحروب الأهلية في السياق العربي؟ وما طبيعة الاختلاف بينها وبين المنظور الحضاري الإسلامي في هذا الشأن؟
وذلك من خلال تحليل التفسيرات الغربية، ومقارنتها بالمنظور الحضاري الإسلامي، ثم تطبيق ذلك على الحالة السودانية الراهنة.
أولا- التفسيرات الغربية للحروب الأهلية:
- التفسير الاقتصادي:
يُعد التفسير الاقتصادي من أبرز المداخل التي اعتمدت عليها الأدبيات الغربية في تحليل الحروب الأهلية، حيث يرى كل من Paul Collier وAnke Hoeffler أن اندلاع هذه الحروب يرتبط بدرجةٍ كبيرة بالحوافز الاقتصادية المتاحة أمام الجماعات المسلحة، وليس فقط بالمظالم السياسية أو الاجتماعية. ويُعرف هذا الاتجاه بنموذج “الطمع مقابل المظالم” (Greed vs Grievance)، والذي يفترض أن توفر الموارد القابلة للنهب، مثل النفط أو الماس، إلى جانب ضعف الفرص الاقتصادية، يزيد من احتمالية التمرد المسلح، حيث تصبح الحرب وسيلة لتحقيق مكاسب مادية. كما يشير هذا النموذج إلى أن الجماعات المسلحة تقوم بحساباتٍ عقلانية تتعلق بتكلفة الحرب وعوائدها، وهو ما يفسر انتشار الحروب الأهلية في الدول منخفضة الدخل ذات المؤسسات الضعيفة[2].
2– تفسير “ضعف الدولة والمؤسسات”:
إلى جانب التفسير الاقتصادي، تُركز أدبيات أخرى على أثر ضعف الدولة في تفسير الحروب الأهلية، حيث تشير تقارير البنك الدولي إلى أن غياب مؤسسات قوية قادرة على فرض القانون وتقديم الخدمات الأساسية يُعد عاملًا حاسمًا في اندلاع النزاعات الداخلية. فالدول التي تعاني من ضعف الحوكمة وغياب الشرعية تصبح أكثر عرضةً لظهور جماعات مسلحة تتحدى السلطة المركزية. كما أن انخفاض الدخل القومي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة في سياقٍ كهذا يسهم في خلق بيئة خصبة للتجنيد في الحركات المتمردة، مما يؤدي إلى تفاقم الصراع واستمراره لفتراتٍ طويلة[3].
3- تفسير “الانقسامات المجتمعية والهوياتية”:
تُبرز بعض الاتجاهات الغربية أيضًا دور الانقسامات المجتمعية، مثل العرقية والدينية، في تفسير الحروب الأهلية، حيث يُنظر إلى هذه الانقسامات باعتبارها عوامل تسهم في تعبئة الجماعات وتسهيل اندلاع العنف. إلا أن هذه الأدبيات لا ترى أن التنوع في حد ذاته يؤدي إلى الصراع، بل تؤكد أن تسييس الهوية، وارتباطها بتوزيع غير عادل للموارد والسلطة، هو ما يُحولها إلى عاملٍ محفز للحرب. وفي هذا السياق، يُشير البنك الدولي إلى أن التفاعل بين العوامل الاقتصادية والانقسامات الاجتماعية يزيد من احتمالية اندلاع الحروب الأهلية، خاصةً في الدول التي تعاني ضعف مؤسساتي[4].
وعلى الرغم من أهمية هذه التفسيرات الغربية في تقديم فهم منهجي لأسباب الحروب الأهلية، إلا أنها تميل إلى التركيز على العوامل المادية والمؤسسية، مع إغفال الأبعاد الحضارية والثقافية التي قد تلعب دورًا محوريًا في تفسير طبيعة هذه الصراعات، خاصةً في السياقات غير الغربية.
ثانيًا- تفسير الحروب الأهلية في المنظور الحضاري الإسلامي:
يُقدم المنظور الحضاري الإسلامي مقاربةً مختلفة تنطلق من فهم طبيعة الاجتماع الإنساني ذاته، والعلاقات التي تحكم تماسكه أو تفككه. ويظهر هذا بوضوح في مفهوم “البأس البيني”، الذي يُشير إلى حالة الصراع الداخلي بين مكونات المجتمع الواحد، وهو مفهوم متجذر في النصوص الإسلامية، كما في قوله تعالى: “بأسهم بينهم شديد”، وقوله أيضًا: “أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض”، حيث يعكس هذا الطرح إدراكًا مبكرًا لظاهرة العنف الداخلي بوصفها نتيجة لانقسام الجماعة وتحوّل الاختلاف إلى صراع.
ويكتسب هذا الفهم عمقًا تحليليًا في كتابات ابن خلدون، خاصةً في المقدمة، حيث يُقدم إطارًا نظريًا متكاملًا لتفسير نشأة الدول وانهيارها، ومن ثم تفسير الصراعات الداخلية. ويضع ابن خلدون “العصبية” في قلب هذا التحليل، باعتبارها الرابط الذي يحفظ تماسك الجماعة ويمنحها القدرة على إقامة السلطة السياسية. غير أن هذه العصبية لا تظل ثابتةً، بل تتعرض للضعف التدريجي مع انتقال الدولة من طور النشأة إلى طور الترف والاستقرار، وهو ما يؤدي إلى تفكك الروابط الداخلية، ويفتح المجال أمام صراعات بين قوى متعددة داخل المجتمع[5].
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الحروب الأهلية في التصور الخلدوني باعتبارها نتيجة طبيعية لمرحلة من مراحل تطور الدولة، حيث تتراجع العصبية الجامعة، وتظهر عصبيات فرعية متنافسة تسعى للسيطرة على السلطة. ولا يُنظر إلى هذا الصراع بوصفه مجرد نزاع على الموارد أو نتيجة لاختلال اقتصادي، بل بوصفه تعبيرًا عن خللٍ أعمق في البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع، يتمثل في فقدان التماسك الداخلي وانقسام الجماعة إلى فئاتٍ متصارعة.
كما يربط ابن خلدون بين الظلم واندلاع الصراعات الداخلية، حيث يرى أن غياب العدالة وتجاوز السلطة لحدودها يؤديان إلى تقويض شرعيتها، وهو ما يدفع الجماعات إلى التمرد. وفي هذا السياق، لا تكون الحروب الأهلية مجرد نتيجة لعوامل مادية، بل انعكاسًا لاختلال في منظومة القيم التي تقوم عليها الدولة، خاصةً فيما يتعلق بالعدل وتوزيع السلطة[6].
وبذلك، يتجاوز المنظور الحضاري الإسلامي التفسيرات الاختزالية التي تُركز على البعد الاقتصادي أو المؤسسي، ليقدم فهمًا مركبًا يدمج بين العوامل الاجتماعية والسياسية والقيمية. فالحروب الأهلية، وفق هذا المنظور، ليست فقط صراعًا على الموارد أو السلطة، بل هي في جوهرها نتيجة لتفكك البنية الاجتماعية، وتآكل القيم الحاكمة للعلاقات داخل المجتمع، وهو ما يجعلها ظاهرة حضارية بامتياز. الأمر الذي يُفسر خصوصية الحروب الأهلية في المجتمعات العربية، حيث تتداخل الروابط الاجتماعية والهوياتية مع الصراع السياسي بشكلٍ يصعب تفسيره فقط من خلال النماذج الاقتصادية الغربية[7].
ثالثًا- المقارنة بين التفسيرات الغربية والمنظور الحضاري الإسلامي:
يتضح من العرض السابق أن هناك اختلافًا جوهريًا بين التفسيرات الغربية للحروب الأهلية والمنظور الحضاري الإسلامي، سواء من حيث منطلقات التحليل أو طبيعة العوامل المفسرة للصراع. ففي حين تميل الأدبيات الغربية إلى التركيز على العوامل المادية والمؤسسية، مثل الموارد الاقتصادية وضعف الدولة، يقدم المنظور الإسلامي تفسيرًا أعمق ينطلق من طبيعة البنية الاجتماعية والقيم الحاكمة للعلاقات داخل المجتمع.
1– منطلق التفسير:
تنطلق التفسيرات الغربية، كما عند Paul Collier وAnke Hoeffler، من افتراض أن الأفراد والجماعات يتصرفون وفق منطق عقلاني قائم على حساب التكلفة والعائد، حيث تصبح الحروب الأهلية نتيجة لفرص اقتصادية أو مظالم قابلة للاستغلال. لكن في المقابل، ينطلق التحليل في مقدمة ابن خلدون من فهمٍ اجتماعي -حضاري، حيث تُفسر الصراعات باعتبارها نتيجة لتفكك العصبية وضعف التماسك الاجتماعي، وليس فقط نتيجة لحسابات مادية.
2– طبيعة العوامل المفسرة:
تُركز الأدبيات الغربية على مجموعة من العوامل الأساسية، أبرزها الموارد الاقتصادية، وضعف مؤسسات الدولة، والانقسامات المجتمعية، كما تشير تقارير البنك الدولي إلى أن هذه العوامل تتفاعل معًا لتزيد من احتمالية اندلاع الحروب الأهلية. بينما يركز المنظور الحضاري الإسلامي على عوامل مختلفة، مثل العصبية، والعدالة، وطبيعة العلاقات الاجتماعية، حيث يُنظر إلى الحروب الأهلية باعتبارها نتيجة لاختلالٍ في القيم التي تقوم عليها الدولة، وليس فقط نتيجة لظروفٍ اقتصادية أو مؤسسية.
3- مستوى التحليل:
تميل التفسيرات الغربية إلى تحليل الحروب الأهلية على مستوى الدولة أو الاقتصاد، حيث يتم التركيز على مؤشرات مثل الدخل القومي، أو توفر الموارد، أو قوة المؤسسات. أما في التحليل الخلدوني، فإن التركيز يكون على مستوى أعمق، يتمثل في بنية المجتمع ذاته، والعلاقات بين مكوناته، وهو ما يجعل التفسير أكثر قدرةً على فهم الديناميات الداخلية للصراع، خاصةً في المجتمعات ذات الروابط الاجتماعية المعقدة.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن التفسيرات الغربية، رغم أهميتها، تقدم فهمًا جزئيًا للحروب الأهلية، إذ تركز على الأبعاد الظاهرة للصراع، مثل الموارد والمؤسسات، بينما يغوص المنظور الحضاري الإسلامي في الجذور العميقة المرتبطة بطبيعة الاجتماع الإنساني. ومن ثم، فإن الجمع بين التفسيرين قد يوفر إطارًا أكثر شمولًا لفهم الحروب الأهلية، خاصةً في السياقات العربية، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية مع البنى الاجتماعية والهوياتية بشكلٍ معقد.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن التفسيرات الغربية، رغم أهميتها، تقدم فهمًا جزئيًا للحروب الأهلية، إذ تركز على الأبعاد الظاهرة للصراع، مثل الموارد والمؤسسات، بينما يغوص المنظور الحضاري الإسلامي في الجذور العميقة المرتبطة بطبيعة الاجتماع الإنساني. ومن ثم، فإن الجمع بين التفسيرين قد يوفر إطارًا أكثر شمولًا لفهم الحروب الأهلية، خاصة في السياقات العربية، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية مع البنى الاجتماعية والهوياتية بشكل معقد.
على الرغم من التركيز السابق على التفسير الغربي والمنظور الحضاري الإسلامي للحروب الأهلية، لا يمكننا اليوم إغفال حقيقة أن بعض الحروب الأهلية ليست مجرد نتيجة لعوامل داخلية، بل تتأثر أيضًا بتدخلاتٍ خارجية تُدار لتحقيق مصالح إقليمية ودولية. هذا البعد الخارجي أصبح عنصرًا محوريًا لفهم طبيعة النزاعات المعاصرة، واستمراريتها وتعقيدها.
رابعًا- تأثير العوامل الخارجية في الحروب الأهلية:
إن خبرات الحروب الأهلية المعاصرة، خاصة في العالم الإسلامي ودول الجنوب، تكشف عن دورٍ متزايد للعوامل الخارجية في اندلاعها واستمرارها. تلعب القوى الإقليمية والدولية أدوارًا متعددة تتراوح بين المباشر وغير المباشر، وتشمل التمويل، والتسليح، والدعم اللوجستي أو السياسي، وهو ما يُحول النزاع الداخلي إلى ساحة تنافس بين قوى خارجية، تتقاطع مصالحها مع مصالح الأطراف المحلية في الصراع.[8]
يمكن تحليل هذه العوامل الخارجية ضمن عدة مستويات:
1– الدعم العسكري واللوجستي:
تُقدم بعض الدول أو الجهات الإقليمية تسليحًا مباشرًا، أو تدريبات عسكرية لأحد أطراف النزاع. مثل هذا الدعم يُعزز القدرة القتالية للطرف المدعوم، ما يزيد من شدة الصراع ويُطيل مدته. في بعض الحالات، يتحول النزاع إلى صراعٍ مفتوح بين وكلاءٍ إقليميين، حيث يستخدم كل طرف الحرب الأهلية لتحقيق نفوذ جيوسياسي أوسع.
2– الدعم المالي والسياسي:
يشمل ذلك تمويل العمليات العسكرية، وتقديم المساعدات الاقتصادية، أو ممارسة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على الأطراف المحلية لدعم أجندات محددة. هذا النوع من الدعم يجعل الأطراف المحلية أكثر اعتمادًا على القوى الخارجية، ما يقلل من قدرتها على التوصل إلى تسويات داخلية مستقلة ويُطيل أمد النزاع.
3- الاعتبارات الجيوسياسية والاستراتيجية:
غالبًا ما تتدخل الدول الخارجية في الحروب الأهلية لتحقيق مصالح استراتيجية بعيدة عن طبيعة النزاع نفسه، مثل السيطرة على الموارد الطبيعية، وتأمين طرق التجارة، أو تحقيق نفوذ إقليمي على حساب المنافسين. في هذا السياق، يصبح النزاع الداخلي أداة لتحقيق أهداف خارجيّة، مما يزيد من تعقيد الصراع وصعوبة حله بالوسائل التقليدية.[9]
4- تأثير الإعلام والدعاية الخارجية:
تلعب القوى الخارجية أحيانًا دورًا في التأثير على الرأي العام المحلي أو الدولي لصالح طرفٍ محدد، عبر حملات إعلامية أو دعم سياسي في المنظمات الدولية. هذا يُعزز شرعية أحد الأطراف ويُضعف الطرف الآخر، ما يُغيّر ديناميكية النزاع ويؤثر على سلوك الأطراف الداخلية.
من خلال هذا التحليل، يمكن القول إن الحروب الأهلية الحديثة لم تعد مجرد صراعات محلية ناتجة عن مشكلات داخلية، بل أصبحت ظواهر متعددة الأبعاد تتداخل فيها العوامل الداخلية مع التدخلات الخارجية، بما يجعل فهم طبيعة هذه الحروب وتحليلها أمرًا أكثر تعقيدًا. بالتالي، فإن أي محاولة لتفسير الحروب الأهلية دون أخذ العوامل الخارجية في الاعتبار ستكون ناقصة، خاصةً في السياقات التي تتشابك فيها الحسابات الإقليمية والدولية مع الصراعات المحلية.
خامسًا- دراسة الحالة: الحرب الأهلية في السودان:
تعُد الحرب الأهلية في السودان، خاصةً منذ اندلاع الصراع في أبريل ٢٠٢٣ بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، نموذجًا معبرًا عن تعقيد الحروب الأهلية في السياق العربي والإفريقي، حيث تتداخل فيها العوامل الداخلية مع التدخلات الخارجية بشكلٍ واضح[10].
1– من منظور التفسيرات الغربية:
يمكن تفسير الصراع في السودان من خلال عدة عناصر:
- ضعف الدولة والمؤسسات
يُعاني السودان هشاشةً مؤسسية ممتدة منذ سقوط نظام عمر البشير عام 2019؛ حيث دخلت البلاد في مرحلةٍ انتقالية لم تنجح في بناء مؤسسات سياسية مستقرة أو إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية بشكلٍ واضح. وقد أدى التداخل بين السلطة المدنية والعسكرية، وغياب توافق سياسي حقيقي بين القوى المختلفة، إلى خلق حالة من الازدواج في مراكز القوة داخل الدولة. هذا الضعف المؤسسي انعكس في عجز الدولة عن احتكار استخدام القوة أو فرض سيطرتها على كامل أراضيها، مما أتاح المجال أمام الفاعلين المسلحين، مثل قوات الدعم السريع، للتمدد والتحول إلى قوةٍ موازية للمؤسسة العسكرية الرسمية، وهو ما مهّد لانفجار الصراع.
- التنافس على الموارد والسلطة
يبرز في الحالة السودانية بوضوح نموذج “الطمع مقابل المظالم”، حيث لا يقتصر الصراع على خلافٍ سياسي، بل يمتد ليشمل تنافسًا مباشرًا على الموارد الاقتصادية، خاصةً الذهب الذي يُمثل أحد أهم مصادر الدخل في البلاد. وتسيطر قوى عسكرية مختلفة على مناطق إنتاج الذهب، مما يمنحها مصادر تمويل مستقلة تعزز من قدرتها على الاستمرار في القتال. إلى جانب ذلك، يرتبط الصراع برغبة كل طرف في السيطرة على السلطة السياسية، لا سيما في ظل غياب نظام مدني مستقر، مما يجعل الحرب وسيلةً لإعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة.
- الانقسامات الداخلية
رغم أن الصراع الحالي لا يُصنف كحربٍ عرقية تقليدية، إلا أن البنية الاجتماعية في السودان، القائمة على التعدد القبلي والإثني، تُسهم في تعقيد المشهد. ففي مناطق مثل دارفور، تتداخل الصراعات المحلية القديمة مع الصراع الحالي، حيث تستغل بعض الأطراف هذه الانقسامات لتوسيع نفوذها أو حشد الدعم. كما أن ضعف الهوية الوطنية الجامعة مقارنةً بالانتماءات المحلية (قبلية أو جهوية) يجعل المجتمع أكثر عرضةً للانقسام، ويزيد من صعوبة احتواء النزاع أو إنهائه بسرعة.
2– من منظور ابن خلدون (المنظور الحضاري الإسلامي):
يُقدم التحليل الخلدوني تفسيرًا أعمق للحالة السودانية من حيث البنية الداخلية للمجتمع:
- تفكك العصبية الجامعة
بعد الثورة السودانية، لم تنجح الدولة في بناء “عصبية وطنية” موحدة تجمع مختلف مكونات المجتمع حول مشروعٍ سياسي واحد. وبدلًا من ذلك، برزت عصبيات فرعية قائمة على الانتماءات العسكرية أو القبلية أو الجهوية، وهو ما أضعف التماسك الداخلي للدولة. هذا التفكك جعل الولاء يتحول من الدولة إلى الجماعة، سواء كانت عسكرية أو اجتماعية، مما خلق بيئة خصبة للصراع.
- الصراع بين العصبيات
يمكن فهم الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع باعتباره صراعًا بين عصبيتين رئيسيتين تسعيان للهيمنة على السلطة. فكل طرف يمتلك قاعدة دعم خاصة به، ويسعى إلى تعزيز نفوذه على حساب الآخر، في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على ضبط هذا التنافس. ووفقًا لابن خلدون، فإن هذا النوع من الصراع يظهر عندما تضعف العصبية الجامعة، وتبرز عصبيات بديلة تتنافس على الحكم، وهو ما ينطبق بشكلٍ واضح على الحالة السودانية.
- غياب العدالة وفقدان الشرعية
يرتبط اندلاع الصراع أيضًا بتآكل شرعية الدولة نتيجة استمرار الأزمات الاقتصادية، وتدهور الأوضاع المعيشية، وعدم تحقيق مطالب الثورة المتعلقة بالحرية والعدالة. فغياب العدالة، سواء في توزيع الموارد أو في إدارة السلطة، أدى إلى فقدان الثقة في مؤسسات الدولة، وهو ما يفتح المجال أمام التمرد والصراع الداخلي. ووفقًا للتحليل الخلدوني، فإن الظلم يُعد من أبرز أسباب انهيار الدول، لأنه يُقوض أساس الشرعية ويؤدي إلى تفكك المجتمع، وهذا ينطبق على الحالة السودانية[11].
3-دور العوامل الخارجية:
- ارتباط الصراع بمصالح استراتيجية (الموارد، الموقع الجغرافي)
يرتبط الصراع في السودان بجملةٍ من عوامل استراتيجية تجعل منه نقطة جذب للتدخلات الخارجية:
الموقع الجغرافي: يقع السودان على البحر الأحمر، وهو من أهم الممرات البحرية العالمية، ما يجعله ذا أهمية كبرى في تأمين التجارة الدولية وحركة الطاقة.
الموارد الطبيعية: فيُعد الذهب أبرز الثروات التي تجذب اهتمام القوى الخارجية، إلى جانب موارد أخرى مثل النفط والزراعة، وهو ما يفتح المجال لمحاولات التأثير على طرق الإنتاج والتصدير.
الأمن الإقليمي: استقرار السودان يؤثر بشكلٍ مباشر على دول الجوار، خاصةً في ظل قضايا مثل الهجرة غير الشرعية، وانتشار الجماعات المسلحة، مما يدفع بعض الدول للتدخل لمنع انتقال الفوضى إليها.
- لعبة التوازنات السياسية ووجود دعم إقليمي ودولي غير مباشر لبعض الأطراف
في إطار المصالح والاعتبارات سالفة الذكر، يتضح من مسار الصراع في السودان أن عددًا من القوى الإقليمية والدولية قد انخرطت بشكلٍ غير مباشر عبر دعم أطراف النزاع المختلفة، بما يعكس تداخل المصالح الاستراتيجية مع الديناميات الداخلية للحرب. ذلك حيثيمثل السودان ساحة مهمة في توازنات القوى داخل المنطقة، سواء بين الدول العربية أو بين القوى الدولية، وهو ما يدفع كل طرف لمحاولة ضمان وجود نظام حليف أو على الأقل غير معادٍ لا يهدد مصالحه.
تميل مصر إلى دعم القوات المسلحة السودانية، انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بالأمن القومي، خاصةً استقرار الحدود الجنوبية، وأمن البحر الأحمر، وملف مياه النيل، إلى جانب الحفاظ على مؤسسات الدولة.
في المقابل، يُشار إلى أن الإمارات العربية المتحدة لعبت دورًا مؤثرًا في دعم قوات الدعم السريع بشكلٍ غير مباشر، عبر ارتباطات اقتصادية مهمة، خاصةً بقطاع الذهب، ما يُعزز من قدرة هذه القوات على الاستمرار في الصراع.
أما المملكة العربية السعودية، فتتبنى موقفًا أقرب إلى الوساطة ومحاولة التهدئة، مع ارتباطها بعلاقاتٍ مع مؤسسات الدولة السودانية، حيث تُركز على استقرار البحر الأحمر وحماية الممرات البحرية وتقليل التصعيد.
وعلى المستوى الدولي، تسعى الولايات المتحدة إلى دعم مسار الانتقال المدني والضغط نحو وقف إطلاق النار دون تدخل عسكري مباشر. هذا بينما تتحرك روسيا وفق مصالح استراتيجية ترتبط بتوسيع نفوذها في البحر الأحمر، من خلال علاقات مع أطرافٍ متعددة داخل الصراع، إلى جانب اهتمامها بالموارد مثل الذهب وإمكانية إنشاء قواعد بحرية، بما يعزز حضورها الجيوسياسي في إفريقيا. أما الصين، فتعتمد نهجًا اقتصاديًا بالأساس، حيث تهتم بتأمين الاستثمارات في البنية التحتية والموانئ والموارد، مع الحفاظ على علاقاتٍ مرنة مع جميع الأطراف لضمان استمرار مصالحها التجارية دون الانخراط المباشر في الصراع.[12]
هذا التباين يعكس أن تدخل هذه القوى لا يقوم على اعتباراتٍ إنسانية بالأساس، بل على حساباتٍ استراتيجية تتعلق بالنفوذ والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية.
وبذلك يتضح أن اختلاف أهداف هذه القوى يجعل السودان ساحة تتقاطع فيها مصالح الأمن القومي، والاقتصاد، والتوسع الجيوسياسي، وليس مجرد ساحة دعم عسكري لأطرافٍ داخلية. وفي ظل هذا التداخل بين الفاعلين المحليين والدوليين، لم يعد الصراع في السودان مجرد نزاعٍ داخلي، بل بات أقرب إلى حربٍ بالوكالة، حيث تعتمد الأطراف المحلية على دعمٍ خارجي من قوى إقليمية ودولية لتعزيز قدرتها على الاستمرار في القتال. ويؤدي هذا النمط من الصراع إلى إطالة أمد الحرب، وتعقيد مساراتها، وإضعاف فرص التوصل إلى تسويةٍ سياسية شاملة، في ظل استمرار تضارب المصالح الخارجية وتعدد حسابات القوى الإقليمية والدولية على الساحة السودانية.
4- آفاق إنهاء الصراع في ضوء التحليل:
في ضوء تحليل الحالة السودانية، يتضح أن إنهاء الحرب الأهلية لا يمكن أن يتحقق من خلال حلولٍ جزئية تركز على جانبٍ واحد من الصراع، بل يتطلب معالجة متكاملة للأسباب المختلفة التي تقف وراءه. فمن منظور التفسيرات الغربية، يظل تعزيز مؤسسات الدولة وبناء سلطة مركزية قادرة على احتكار استخدام القوة شرطًا أساسيًا لوقف النزاع. إلا أن هذا المسار يظل غير كافٍ دون معالجة أعمق للبنية الاجتماعية، كما يُشير التحليل الخلدوني، حيث يتطلب الأمر إعادة بناء “عصبية وطنية جامعة” تقوم على الثقة والعدالة، بما يُعيد ترسيخ شرعية الدولة ويحد من صعود العصبيات الفرعية المتنافسة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال دور العوامل الخارجية، إذ يظل تقليص التدخلات الإقليمية والدولية، أو على الأقل تنسيقها في اتجاه دعم التسوية بدلًا من تغذية الصراع، عنصرًا حاسمًا في أي مسارٍ للحل. وعليه، فإن إنهاء الحرب في السودان يظل رهينًا بقدرة الفاعلين الداخليين والخارجيين على الانتقال من منطق الصراع على النفوذ إلى منطق بناء الدولة، وهو ما يعكس الطبيعة المركبة لهذا النزاع[13].
تكشف الحالة السودانية أن الحروب الأهلية في السياق العربي لا يمكن تفسيرها بتفسيرٍ واحد؛ فالتفسيرات الغربية تشرح عوامل مثل ضعف الدولة والتنافس على الموارد، بينما يوضح المنظور الخلدوني تفكك المجتمع من الداخل عبر مؤشرات العصبية والقيم والشرعية، ويضيف البعد الخارجي مستوى آخر من التعقيد من خلال دعم قوى إقليمية ودولية للأطراف المتصارعة، مما يعني أن فهم الصراع يتطلب الجمع بين هذه الأبعاد جميعًا.
خاتمة:
في ضوء التحليل السابق، يمكن تقديم إجابة واضحة على السؤال البحثي: إلى أي مدى تلائم التفسيرات الغربية فهم أسباب الحروب الأهلية في السياق العربي؟
يمكن القول إن الحروب الأهلية في السياق العربي لا تختلف بشكلٍ مطلق عن التفسيرات الغربية، لكنها تتجاوزها وتضيف إليها أبعادًا أعمق. فالتفسيرات الغربية، بما تتضمنه من تحليلٍ للعوامل الاقتصادية وضعف الدولة والانقسامات المجتمعية، تقدم إطارًا مهمًا لفهم الشروط الموضوعية لاندلاع الحروب الأهلية، إلا أنها تظل محدودة في قدرتها على تفسير الديناميات الداخلية العميقة، خاصةً في المجتمعات التي تقوم على روابط اجتماعية وهوياتية معقدة.
في المقابل، يُقدم المنظور الحضاري الإسلامي، كما عند ابن خلدون، تفسيرًا أكثر عمقًا، حيث يربط الصراع بتفكك العصبية، وغياب العدالة، وتآكل القيم الحاكمة للعلاقات داخل المجتمع. وهو ما يسمح بفهم الحروب الأهلية ليس فقط كصراع على الموارد أو السلطة، بل كأزمة في بنية المجتمع ذاته.
كما أظهر التحليل أن العوامل الخارجية أصبحت عنصرًا حاسمًا في الحروب الأهلية المعاصرة، حيث لم تعد هذه الحروب محلية خالصة، بل تحولت إلى صراعاتٍ مركبة تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، لا سيما في دول الجنوب والعالم الإسلامي.
وبالتالي، يمكن التوصل إلى أن: التفسيرات الغربية ضرورية لكنها غير كافية، والمنظور الحضاري الإسلامي مكمل وأساسي لفهم العمق الاجتماعي للصراع. إذن، الجمع بين التفسيرين، مع إدماج البعد الخارجي، هو الأكثر قدرة على تقديم تحليل شامل في مجتمعاتنا.
وعليه، فإن خصوصية الحروب الأهلية في السياق العربي لا تكمن في اختلاف أسبابها بشكلٍ جذري، بل في طبيعة تفاعل هذه الأسباب داخل بنية اجتماعية وحضارية خاصة، وهو ما يتطلب مقاربة تحليلية متعددة الأبعاد تتجاوز الاختزال وتدمج بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع والقيم.
قائمة المراجع
[1] Paul Collier, The Bottom Billion: Why the Poorest Countries Are Failing and What Can Be Done About It, )Oxford: Oxford University Press, 2007(, P17-63.
[2] Paul Collier, and Anke Hoeffler, “Greed and Grievance in Civil War”, Oxford Economic Papers, Vol. 56, No. 4, Oct 2004, P 563–595.
[3] World Bank, World Development Report 2011: Conflict, Security, and Development, )Washington, DC: World Bank, 2011(, P 9-22.
[4] James Fearon, and David Laitin, “Ethnicity, Insurgency, and Civil War”, American Political Science Review, Vol. 97, No. 1, February 2003, P 75–90.
[5] ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، (القاهرة: دار نهضة مصر، 2004)، ص29، 69، 101، 102.
[6] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٩٠)، ص 129-164.
[7] عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ٢٠١٢)، ص 22-28.
[8] David E. Cunningham, Blocking Resolution: How External States can Prolong Civil Wars, Journal of Peace Research, Vol. 47, No. 2, March 2010, P. 115-127.
[9] إبراهيم فريحات (محرر)، فهم الصراعات العربية، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024)، متاح عبر الرابط التالي: https://share.google/LJEFVNBUsAysT1ZFI
[10] محمد عبد الله ألتير، د. يوسف أحمد احمادي، د. علي أحمد شنيب، الحرب الأهلية في السودان وفرص بناء السلام، المجلة الليبية للدراسات الأكاديمية المعاصرة، المجلد 3، العدد 2، 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://ljcas.ly/index.php/ljcas/article/view/187?utm_source
[11] Barry R. Posen. “The Security Dilemma and Ethnic Conflict”, Survival, Vol. 35, No. 1 (1993), P 27–47.
[12] السودان.. حرب بالوكالة، مجلة منبر الدفاع الإفريقي (ADF)، 15 أغسطس 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://share.google/JWQjkI2G8MN0sw7q8
[13] تقرير أمريكي: لا مؤشرات لوقف قريب للحرب في السودان، دبنقا، 22 إبريل 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://share.google/4cVoSOZF2tcyJUqKg




