تحول الخطاب القيمي لمنظمة التعاون الإسلامي تجاه القضية الفلسطينية في ضوء اتفاقيات أبراهام (2020-2025)

يهدف هذا التقرير إلى دراسة مدى التحول في اللغة والمضامين القيمية التي استخدمتها منظمة التعاون الإسلامي في بياناتها الرسمية بعد توقيع اتفاقيات أبراهام، وما إذا كانت تلك التحولات تعكس تراجعًا في المرجعية الحضارية للأمة الإسلامية أو إعادة صياغةٍ جديدةٍ لمفاهيمها من خلال تحليل الخطاب.

تعد القضية الفلسطينية عنصرًا جوهريًّا في الأجندة الإسلامية والعربية، فهي قضية هُوِيَّة وعدالة ووجود تاريخي. ومنذ تأسيس منظمة التعاون الإسلامي عام 1969، كانت القضية الفلسطينية في أولويات أجندتها، كما تُعَدُّ المبرِّر الأساسي لوجود المنظمة، وأحد أهم مظاهر وحدة الأمة الإسلامية في مواجهة التحديات.

وجدير بالذكر أن التغيُّرات الإقليمية والدولية في العقود الأخيرة، قد زادت من تحديات المنظمة. ولا سيما مع توقيع بعض الدول الأعضاء مثل الإمارات والبحرين اتفاقيات إبراهام 2020، ممَّا أدَّى إلى إبراز تساؤلات جوهرية حول مدى قوة ووحدة المنظمة في دعم القضية الفلسطينية، إذ إن المواقف متباينة بين الدول الأعضاء، فيري البعض التطبيع خيارًا استراتيجيًّا لتحقيق مصالحه الوطنية، وعلى الجانب الآخر هناك دول أعضاء ما زالت ترفض التطبيع وترى في ذلك تهديدًا للحقوق الفلسطينية والتضامن الإسلامي.

وتنطلق هذه الدراسة من منظور حضاري إسلامي، يقوم على أن السياسة لا تنفصل عن القيم، وأن دراسة القضايا الدولية من منظور حضاري إسلامي سوف يكشف أبعادًا أعمق من مجرَّد توازنات مصالح بلا بُعد قيمي. حيث تُعَدُّ وحدة الأمة الإسلامية قيمة جوهرية، ودعم القضية الفلسطينية، واجب ديني، وأخلاقي، وحضاري. وبناء عليه ستتم دراسة منظمة التعاون الإسلامي باعتبارها رمزًا للتعبير عن الوحدة الإسلامية، لا سيما أن اتفاقيات إبراهام تطرح تساؤلات حول مدى قدرة المنظمة على القيام بهذا الدور. ولذلك سوف تقوم الباحثة بدراسة الخطابات الختامية للمنظمة وقياس البُعد القيمي بها؛ وبناءً عليه تسْعى الدراسة للإجابة على السؤال البحثي التالي: لماذا تحوَّل الخطاب القيمي لمنظمة التعاون الإسلامي؟

وتنطلق الدراسة من مجموعة من التساؤلات المحورية، أهمها:

1- كيف عبَّرت منظمة التعاون الإسلامي عن موقفها من القضية الفلسطينية قبل توقيع اتفاقيات إبراهام وبعد التوقيع؟
2- ما أبرز القيم والمفردات التي شكَّلت مضمون خطابها؟
3- إلى أيِّ مدى حافظَ الخطاب الرسمي للمنظمة على الطابع القيمي والحضاري للأمة الإسلامية في ظلِّ المتغيرات الإقليمية الراهنة؟

كما تقوم الدراسة على فرضية أساسية وهي: أن اتفاقيات إبراهام أدَّت إلى تراجُع الخطاب القيمي لمنظمة التعاون الإسلامي، وذلك من خلال تحوُّل لغتها من المفردات المبدئية ذات المرجعية الحضارية الإسلامية إلى مفردات أكثر دبلوماسية وبراجماتية.

ستعتمد الدراسة الفترة الضابطة (2015-2020)، لاختبار صحة الفرض الأساسي وتم اختيار هذه الفترة نظرًا لما تشهده من أحداث مهمَّة مثل إعلان القدس الشريف عاصمة لإسرائيل، بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الفترة تسبق تحوُّلات إقليمية ودولية كبرى مثل توقيع بعض الدول الأعضاء في المنظمة اتفاقيات إبراهام.

لقد تناولت العديد من الدراسات في السنوات الأخيرة قضية اتفاقيات إبراهام وانعكاساتها على المواقف العربية والإسلامية من القضية الفلسطينية، إلا أن معظمها انطلق من منظور سياسي واقعي ركَّز على توازنات القوى والمصالح الدبلوماسية للدول الأطراف في الاتفاقيات.

أولًا- دراسات ركَّزت على منظمة التعاون الإسلامي والقضية الفلسطينية

١- دراسة بعنوان: Assessing the OIC’s Role in the Israel-Palestine Conflict: Challenges and Effectiveness[1]، وهناك دراسة أخرى بعنوان: The Israel-Palestine War and the Failure of the OIC: A Deep Dive into Ineffectiveness[2].

ركَّزت الدراستان على تحليل دور المنظمة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأن المنظمة تعاني من قيود جوهرية منها تضارب المصالح بين الدول الأعضاء، وضعف القدرة التنفيذية، والقيود الدولية. بالإضافة إلى ذلك تفتقر إلى تأثير جيوسياسي قوي، كما أنها تُعاني من وجود تبايُن بين الخطاب والواقع، كما ذكرت أن اتفاقيات أبراهام أثَّرت على المنظمة وتراجُعها، والقضية الفلسطينية أصبحت مهمَّشة.

ثانيًا- دراسات ركَّزت على اتفاقيات إبراهام وتأثيرها 

١-دراسة بعنوان: The Impact of Abraham Accords on the Palestine Cause[3]، ودراسة أخرى بعنوان “اتفاقات إبراهيم وعملية السلام في الشرق الأوسط: مراجعة نقدية للاتفاقيات نحو تسوية النزاع الفلسطيني”[4].

تناولت الدراسات أثر الاتفاقيات على القضية الفلسطينية، وما إذا كانت الدول قادرة على الضغط على إسرائيل والحد من سياستها تجاه الشعب الفلسطيني، لكن إسرائيل استمرَّت في بناء المستوطنات وانتهاك الحقوق الفلسطينية، والتطبيع لم يؤثِّر على سياستها. وجدير بالذكر أن الأحداث اللاحقة 2021 و2023 أثبتت العكس تمامًا، بل إن الاتفاقيات عملت على الحدِّ من الدعم لدولة فلسطين.

ثالثًا- دراسات ركَّزت على أثر الاتفاقيات على المنظمات

١- دراسة بعنوان: The Impact of the Abraham Accords on the Arab Peace Initiative[5]، دراسة أخرى بعنوان: The Regional Impact of the Abraham Accords. West Point, NY[6]، دراسة أخرى بعنوان: The Abraham Accords After Gaza: a change of context[7].

تشير هذه الدراسات إلى أنَّ الاتفاقيات أدَّت إلى انقسام المواقف العربية تجاه إسرائيل، والتي أضعف التضامن العربي والإسلامي أيضًا زيادة على ذلك قد أثَّرت على فاعليَّة مبادرة السلام العربية. وجدير بالذكر أن فاعليَّة المنظمة وأهدافها تجاه فلسطين تأثَّرت بالاتفاقيات، فضلًا عن أن الاتفاقيات صمدت إلى حَدٍّ بعيد على الرغم من سياسات الانتهاك والعدوان الإسرائيلي على غزة والذي امتدَّ ليشمل دولًا عربية إسلامية أخرى مثل لبنان وسوريا وإيران.

ركَّزت الدراسات في السنوات الأخيرة على قضية اتفاقيات إبراهام وانعكاساتها على المواقف العربية والإسلامية من القضية الفلسطينية، إلا أن معظمها انطلق من منظور سياسي واقعي ركَّز على توازنات القوى والمصالح الدبلوماسية للدول الأطراف في الاتفاقيَّات.

فعلى سبيل المثال، ركَّزت بعضُ الدراسات على تحليل السياسات الخارجية للدول الموقِّعة وتأثير التطبيع على تماسك النظام الإقليمي العربي، بينما تناولت دراسات أخرى دور منظمة التعاون الإسلامي من زاوية مؤسسية أو قانونية تامة. غير أن هذه الدراسات -رغم أهميتها- لم تتناول التحولات القيمية والحضارية في خطاب المنظمة، ولم تَسْعَ إلى الكشف عن مدى حضور أو غياب المرجعية الإسلامية في مواقفها الرسمية.

ومن هنا تنبع أهمية هذا التقرير الذي يسْعى إلى سَدِّ هذه الفجوة البحثية من خلال تحليل الخطاب القيمي للمنظمة في ضوء نظرية الأمة الإسلامية والمنظور الحضاري، للكشف عن دلالات التحوُّل في اللغة والمفردات والمواقف تجاه دعم القضية الفلسطينية بعد اتفاقيات أبراهام.

كما تمَّت الإشارة فإن هذه الدراسة تنطلق من منظور حضاري، وهذا المنظور يُعَدُّ نسقًا معرفيًّا يتجاوز التفسيرات المادية والوضعية للظواهر السياسية، مركِّزًا على دراسة الأحداث ليس من حيث واقعها الملموس فحسب، بل من حيث تأثيرها على المعنى، والهوية، والقيمة، والانتماء الحضاري[8].

أولًا- نظرية الأمة الإسلامية

تُعَدُّ نظرية الأمة الإسلامية مفهومًا محوريًّا في الفكر السياسي الإسلامي والمنظور الحضاري، وهي تنبثق من نصوص القرآن والسنة لتأسيس جماعة عالمية موحدة على أساس العقيدة والقيم، وليست على أساس العرق أو الجغرافيا[9].

في تصور د. منى أبو الفضل، تُعَدُّ الأمة -خاصة في نموذج «الأمة القطب»- جماعة ذات رسالة حضارية، تحتضن الهوية الإسلامية كنواة، وتتشكَّل عبر جدلية القيم والعقيدة مع الواقع التاريخي والمادي، فتُجسّد منظومة قيم تشمل التوحيد والوحدة، والاعتدال، والدعوة إلى الحق والعدل، والتنشئة الجماعية الفاعلة[10].

إن نظرية الأمة الإسلامية تنطلق من افتراض أن الأمة ليست مجرد إطار ديني أو سياسي، بل هي كيان حضاري يحمل منظومة من القيم والمعايير التي تنظّم سلوكها في العالم. فالأمة –وفق هذا التصور– هي فاعل حضاري يمتلك رسالة أخلاقية تتجلَّى في التوحيد والوسطية (أي التوازن بين العقائد والواقع والانفتاح) والعدل والرحمة والتكافل ونصرة المظلوم. بالإضافة إلى ذلك فإن الأمة لا تنغلق على ذاتها، بل هي في حالة انفتاح وعالمية في النظام العالمي[11]، ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى منظمة التعاون الإسلامي بوصفها أحد المظاهر الرئيسية التي تمثِّل الأمة الإسلامية في النظام الدولي، ويتيح تحليل خطابها الكشف عن مدى حضور هذا الوعي الحضاري في مواقفها الرسمية من القضايا المركزية، وفي مقدِّمتها القضية الفلسطينية.

ثانيًا- المدخل القِيمي كإطار للتحليل

تتبنَّى الدراسة المدخل القيمي الذي يفسِّر الظواهر السياسية والاجتماعية في إطار منظومة القيم الحاكمة للأمة، وليس على أساس المصالح المادية أو التوازنات الواقعية. في سياق هذه الدراسة، تُعد قيم مثل العدل، والتضامن، ونصرة المظلوم، والكرامة الإنسانية، ركائز أساسية لهذا المنهج.

إن اعتماد هذا المنهج يجعله إطارًا مناسبًا لدراسة دور منظمة التعاون الإسلامي، كونها رمزًا للأمة الإسلامية، في دعم القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية حضارية وأخلاقية ودينية بامتياز، وليست مجرد ملف سياسي عابر.

ثالثًا- التحليل النقدي للخطاب باعتباره أداة إجرائية

لترجمة المنهج القيمي إلى تحليل عملي، تعتمد الدراسة على التحليل النقدي للخطاب (Critical Discourse Analysis – CDA) باعتباره أداة منهجية رئيسية. يهدف هذا التحليل إلى الكشف عن الأبعاد الخفية في البيانات الرسمية للمنظَّمة، تحديدًا:

1- المرجعية الأيديولوجية: الكشف عن مدى حضور أو غياب المرجعية الحضارية الإسلامية في الخطاب.

2- المقارنة اللغوية: قياس مدى تحوُّل لغة المنظمة من “الخطاب القيمي المبدئي” (الذي يستخدم مفردات ثابتة ومُلزمة أخلاقيًّا) إلى “الخطاب الدبلوماسي البراجماتي” (الذي يستخدم مفردات مرنة وموجَّهة لإدارة الأزمة والموازنة بين المصالح القُطرية)[12].

رابعًا- الإجراءات التطبيقية والأدوات البحثية

لتحقيق أهداف الدراسة، سيتم الاعتماد على:

1- التحليل الوثائقي: كأداة لجمع البيانات، عبر تحليل البيانات والتقارير والقرارات الختامية الرسمية الصادرة عن منظمة التعاون الإسلامي في الفترة المحدَّدة.

2- التحليل المقارن: وذلك لمقارنة مضمون مواقف المنظمة وسياساتها قبل توقيع اتفاقيات أبراهام (2020) وبعدها والوزن القيمي لها، للكشف عن دلالات التحول في المرجعية الحضارية.

أوضح تحليل الخطابين الصادرين عن القمة الإسلامية الطارئة (2017)[13] لبحث الوضع في أعقاب اعتراف الإدارة الأمريكية بمدينة القدس الشريف واللجنة التنفيذية (2018)[14] ردًّا على التطورات الخطيرة في دولة فلسطين، أن الخطاب الرسمي لمنظمة التعاون الإسلامي في هذه المرحلة اتَّسم بقوة المرجعية الحضارية الإسلامية إلى حد كبير. حيث برزت مفردات مثل “الأمة الإسلامية” و“الاحتلال” و“العدالة” والتضامن” بشكل متكرر، ما يعكس وعيًا قيميًّا واضحًا بدور المنظمة -التي تمثِّل الأمة- كفاعل حضاري يحمل رسالة في مواجهة العدوان. كما حافظ الخطاب على طابع ديني وأخلاقي لا بأس به، مؤكدًا أن دعم فلسطين هو واجب ديني وإنساني، وأن العدوان الإسرائيلي يمثِّل تحدِّيًا حضاريًّا للأمة جميعًا.

على الجانب الآخر، تراجع استخدام المفردات ذات الطابع الدبلوماسي البراجماتي مثل “القانون الدولي” أو “حل الدولتين”، إذ وردت في سياقات هامشية تأكيدًا على شرعية الموقف لا كمصدر رئيس للمرجعية. كما ظهرت في سياقات تدعم الموقف الفلسطيني وتدين السياسات التي تمارسها قوى الاحتلال المتمثلة في إسرائيل.

 فقد بلغ عدد تكرارات مفردة “الأمة الإسلامية” نحو أربع مرات في كل بيان، مقابل تكرار محدود لمفردات “القانون الدولي” أو “حل الدولتين” (مرة واحدة أو أقل)، كما تكرر ذكر قيم عدَّة مثل “العدل” و”المقاومة” و”التضامن” و”الأخوة الإسلامية” و”السيادة” و”الاستقلال” و”الرسالة” و”الهوية” و”العدل الحضاري” ممَّا يعكس الفارق بين المرجعية القيمية والمرجعية القانونية في الخطاب قبل اتفاقيات أبراهام. كما أن المرجعية القيمية كانت متواجدة بشكل أساسي حيث كانت لغة البيان قوية متماسكة ضدَّ الاحتلال. وتم ذكر مفردة “الاحتلال” بعدد كبير للغاية مرافقة لذكر إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، فقد ظهرت القيم الدينية والروحانية من خلال ذكر “القدس الشريف” والتأكيد على أهميته الدينية والروحانية والتاريخية، والتشديد في لغة البيان على أن المساس به يعد اعتداء على الأمة الإسلامية كلها.

ومن ثم، يمكن القول إن خطاب المنظمة في هذه المرحلة مثَّل ذروة الحضور القيمي للأمة الإسلامية، حيث كانت فلسطين تُقدَّم باعتبارها “قضية الأمة” لا مجرد قضية سياسية أو قانونية.

إن تحليل البيان الصادر عام 2023[15] حول العدوان الإسرائيلي على غزة أوضح استمرار لغة الإدانة السياسية القوية ضد سلطة الاحتلال، غير أن الخطاب القيمي للحضارة الإسلامية بدا أقل حضورًا مما كان عليه قبل اتفاقيات إبراهام. فقد وردت مفردة “الأمة الإسلامية” مرتين فقط، وتراجعت الإشارات إلى قيم مثل “الهوية” و”الرسالة الحضارية” و“التضامن”، مقابل تزايد في استخدام مفردات مثل “حل الدولتين” و“الشرعية الدولية” و“السلام الشامل”.

وبناءً عليه، يشير ذلك إلى أن الخطاب الرسمي للمنظمة بدأ يتحرك تدريجيًّا من المرجعية الحضارية الإسلامية إلى مرجعية قانونية دولية، حيث أصبحت القضية الفلسطينية تُقدَّم في إطار سياسي-دبلوماسي أكثر من كونها “قضية الأمة” ذات البعد القيمي والروحي. وعلى الرغم من ذلك، يظل استخدام مفردات مثل “العدوان الصهيوني” و“الاحتلال” بكثرة دلالة على أن المنظمة لم تتخلَّ تمامًا عن لغتها الأخلاقية في توصيف الظلم والعدوان، بل باتت تمزج بين الخطابين: الخطاب القيمي المبدئي والخطاب السياسي البراجماتي.

إن البيان الختامي الصادر عن القمة الإسلامية الطارئة عام 2024[16] غير العادية ردًّا على العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، بالمملكة العربية السعودية يعكس تحوُّل الخطاب الرسمي لمنظمة التعاون الإسلامي إلى خطاب سياسي تغيب عنه المرجعية الحضارية التي كانت تميِّز مواقف المنظمة في مراحل سابقة. فعلى الرغم من استمرار استخدام مفردات الإدانة السياسية القوية مثل “الاحتلال” و“العدوان الإسرائيلي”، فإنَّ مفاهيم محورية كـ “الأمة الإسلامية” و“التضامن” و “العدالة” و“الهوية الحضارية” تراجعت إلى حدِّ الغياب شبه الكامل.

وفي المقابل، زادت الإشارات إلى مصطلحات ذات طابع قانوني ودبلوماسي مثل “حل الدولتين” و“السلام الشامل” و“القانون الدولي” بشكل ملحوظ، ممَّا يشير إلى تحوُّل المرجعية من المنظور القيمي الإسلامي إلى المرجعية الواقعية القانونية الدولية.

وبناءً عليه، يمكن القول إن خطاب المنظمة في عام 2024 مثَّل مرحلة انقطاع للغة الحضارية، حيث غابت فيه لغة الأمة والرسالة القيمية، وحلَّ محلَّها خطاب سياسي إداري يركِّز على إدارة الأزمة لا التعبير عن هوية الأمة في مواجهتها.

وقد شهد البيان الختامي الصادر عن القمة الإسلامية في قطر عام 2025[17] ردًّا على العدوان الإسرائيلي على دولة قطر، ذروة التحوُّل في خطاب منظمة التعاون الإسلامي نحو المرجعية القانونية والسياسية البحتة، حيث غاب البعد القيمي والحضاري تمامًا عن لغته. ولم تَرِدْ مفردات محورية مثل “الأمة الإسلامية” أو “العدل” أو “الكرامة” أو “الهُوية الإسلامية”، بينما تصدَّرت الخطابَ مفرداتٌ دبلوماسيةٌ مثل “القانون الدولي” و“الحل السلمي” و“الوساطة”.

وقد تم وصف التزام قطر بالحل السلمي بأنه “موقف حضاري”، في سياق يعكس إعادة تعريف المفهوم الحضاري بمعناه السياسي الغربي، لا بمعناه الإسلامي القيمي. ومن ثمَّ يمكن القول إن هذه القمة مثَّلت لحظة انقطاع أخرى للحضاري في خطاب المنظمة، حيث غابت مفردات الأمة والرسالة، وحلَّ محلها خطاب إداري تقني يعبِّر عن منطق الدولة الحديثة أكثر ممَّا يعبِّر عن وعي الأمة بذاتها ورسالتها.

ويتَّضح من ذلك أن استخدام البيان لمصطلح “الموقف الحضاري” لوصف التزام قطر بالحل السلمي لا يعبِّر عن المفهوم الإسلامي الأصيل للحضارة، التي ترتكز على منظومة قيمية تحمل رسالة أخلاقية وروحية. بل يبدو أنه إعادة تبنٍّ للمفهوم الغربي للحضاري، والذي يُختزل في سلوك منضبط يستند إلى إطار القانون الدولي.

يعكس هذا ما يمكن اعتباره انزياحًا دلاليًّا في الخطاب، حيث احتُفظ بالشكل اللفظي لكلمة “الحضاري”، لكن مع تفريغها من محتواها الإسلامي الأصلي، واستبداله بمضمون ذو طابع قانوني وسياسي. الأمر الذي يشير إلى تحوُّل المرجعية من رؤية حضارية ذات طابع قيمي إلى منظور واقعي مستوحًى من الفكر الغربي.

إن المقارنة بين خطابات منظمة التعاون الإسلامي في الفترة الممتدَّة من عام 2017 إلى عام 2025 تكشف عن مسارٍ متدرِّج من الخطاب القيمي الحضاري إلى الخطاب الدبلوماسي الإداري. ففي مرحلتي 2017 و2018، حافظت المنظمة على قدرٍ من الحضور القيمي في لغتها، إذ ظهرت مفردات مثل “الأمة الإسلامية” و“العدل” و“التضامن” بشكل منح الخطاب روحًا حضارية تعبِّر عن وعي الأمة بذاتها ورسالتها، رغم أن هذا البعد كان رمزيًّا أكثر منه فعليًّا.

وجدير بالذكر، أن التحليل يبيِّن أن هذا البعد القيمي لم يكن متجذِّرًا في الواقع السياسي، بل ظلَّ في مستوى اللغة والشعارات، وهو ما يفسِّر لماذا لم يكن تراجعه بعد عام 2020 صادمًا أو مثيرًا للانتباه، لأن الخطاب الحضاري في جوهره لم يكن متصلًا بالممارسة الواقعية للمنظمة. ومع توقيع عدد من الدول الأعضاء على اتفاقيات إبراهام وزيادة الانخراط في العلاقات الإقليمية الجديدة، بدأ الخطاب الرسمي يتبنَّى تدريجيًّا لغة القانون الدولي والتسويات السياسية بدلًا من لغة الأمة والمرجعية الإسلامية.

وبحلول عامي 2024 و2025، بلغ هذا التحول ذروته؛ حيث غاب البُعد القيمي تمامًا، وأصبحت البيانات الختامية تتبنَّى مفردات دبلوماسية تُركِّز على “السلام الشامل” و”الوساطة” و”الالتزام بالقانون الدولي”، دون أي إشارة إلى مفاهيم الهوية أو الرسالة أو الواجب الديني.

وبناءً عليه يمكن القول إن المنظمة تحوَّلت من كونها إطارًا رمزيًّا يمثِّل الأمة الإسلامية إلى مؤسسة سياسية تدير الأزمات وفق منطق الدولة الحديثة، لا منطق الأمة الحضارية.

إن الخطاب الرسمي لمنظمة التعاون الإسلامي قبل اتفاقيات أبراهام (2017–2018) أظهر حضورًا لبعض المفردات القيمية مثل “الأمة الإسلامية” و“العدل” و“التضامن”، وكان هذا الحضور رمزيًّا أكثر منه جوهريًّا. إذ لم يتجسَّد في رؤية حضارية متكاملة أو مشروع قيمي فعَّال على أرض الواقع، ما يُشير إلى أن البُعد الحضاري في الخطاب كان قائمًا في مستوى “اللغة والشعارات” أكثر من كونه إطارًا عمليًّا موجَّهًا للسلوك السياسي.

ولعل هذا يرجع إلى وجود فجوة مزمنة بين الخطاب والواقع في أداء المنظمة، حيث ظلَّت المفردات الحضارية حاضرة شكليًّا في النصوص، لكنها غابت عن الممارسة الفعلية، وهو ما جعل تراجعها بعد 2020 أمرًا طبيعيًّا أكثر ممَّا هو مفاجئ، ولا يمكن قياس البعد القيمي في الخطاب وحده من خلال عدد تكرارات المفردات، بل من خلال طبيعة الحضور القيمي في السياق العام للنص، ومدى الإحساس بروح الأمة والمرجعية الحضارية في لغته.

فعند قراءة بيانات عامي 2017 و2018، يظهر بوضوح أن الخطاب كان يحمل بعدًا قيميًّا دينيًّا وروحيًّا حتى وإن لم تتكرَّر المفردات القيمية كثيرًا، إذ كانت تُستخدم لتأطير الموقف وإضفاء معنى رسالي عليه. في المقابل، بعد عام 2020، ورغم اتِّساع نطاق العدوان الإسرائيلي ليشمل دولًا عربية وإسلامية متعدِّدة مثل لبنان وسوريا وإيران، غابت المفردات الحضارية وتقدَّمت لغة القانون الدولي والإدانة الشكلية، ممَّا يعكس تراجع “الروح القيمية” لصالح خطاب سياسي قانوني بحت.

وجدير بالذكر أن اتفاقيات أبراهام كان لها تأثير مباشر على تراجع الخطاب القيمي للمنظمة، إذ إن المواقف المتباينة بين الدول الأعضاء ازدادت بسبب الاتفاقيات، ممكن أدَّى إلى ضعف التضامن الإسلامي ووحدة الموقف بين أعضاء المنظمة. الأمر الذي انتهي بالقضية الفلسطينية -وهي أساس وجود المنظمة- مهمَّشة في أجندتها، والخطاب القيمي فقدَ روحَه وأساسه القيمي والحضاري. كما أن الدول الموقِّعة على الاتفاقيات لم تستطع الضغط على القوى القائمة بالاحتلال بأن تجعلَها تتراجع عن سياستها تجاه الدولة المحتلة الفلسطينية، بل ان السياسات الاسرائيلية تجاه الدولة الفلسطينية ازدادت حدة.


٭ باحثة.

[1] Wajid Ali, Ayesha Alam, Dr Ghulam Mujtaba Shah, Assessing the OIC’s Role in the Israel-Palestine Conflict: Challenges and Effectiveness, Policy Journal of Management Studies, Vol. 3, No. 1, 2025, pp. 27-40, available at: https://policyjournalofms.com/index.php/6/article/view/505/514

[2] Sabiha Ayub Khan, The Israel-Palestine War and the Failure of the OIC: A Deep Dive into Ineffectiveness, International Journal of Contemporary Issues in Social Sciences, Vol. 3, No. 3, 2024, pp. 3150–3153, available at: https://ijciss.org/index.php/ijciss/article/view/1511

[3] Shiraz Sheikh, The Impact of Abraham Accords on the Palestine Cause, ResearchGate, January 2022, available at: https://www.researchgate.net/publication/380522302_The_Impact_of_Abraham_Accords_on_the_Palestine_Cause.

[4] Mamoona Bashir, Abraham Accords and Peace Process in Middle East: A Critical Review of the Agreements towards the Settlement of the Palestine Dispute, Wah Academia (Journal of Social Sciences), Vol. 3 No. 2, 2024, available at: https://doi.org/10.63954/WAJSS.3.2.34.2024

[5] Rafał Soroczyński, The Impact of the Abraham Accords on the Arab Peace Initiative of 2002, Rocznik Bezpieczeństwa Międzynarodowego, Vol. 18, No. 1, 2024, available at: https://rocznikbezpieczenstwa.pl/ojs/index.php/rbm/article/view/719

[6] Amr Yossef, The Regional Impact of the Abraham Accords, West Point, Modern War Institute, March 2021, available at: https://mwi.westpoint.edu/wp-content/uploads/2021/02/regional-impact-abraham-accords.pdf

[7] Alexandre Kateb, The Abraham Accords After Gaza: A Change of Context, Washington, Carnegie Endowment for International Peace, April 2025, available at: https://carnegieendowment.org/research/2025/04/the-abraham-accords-after-gaza-a-change-of-context?lang=en

[8] نادية مصطفى، المنظور الحضاري في العلوم الاجتماعية والإنسانية. القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث،2016، متاح عبر الرابط التالي: https://icprespective.com/wp-content/uploads/2016/02/2016/02

[9] Mostafa Jamali and Alireza Jamali, The Ummah-Civilization Theory and the Role of the Imam, Journal of Governance in the Qur’an and Sunnah, Vol. 2, No. 3, March 2024, pp. 63-67, available at: https://doi.org/10.22081/jgq.2024.70633.1013

[10] حسان عبد الله، الأمة القطب عند منى أبو الفضل (1)، إسلام أونلاين، تاريخ الاطلاع: 14 أكتوبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://islamonline.net/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D8%A8-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D9%85%D9%86%D9%89-%D8%A3%D8%A8%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D9%84/

[11] أميرة أبو سمرة، رؤية د. منى أبو الفضل النقدية للنظام الدولي وموقع الأمة الإسلامية منه، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 20 يوليو 2024، تاريخ الاطلاع: 14 أكتوبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://hadaracenter.com/%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D8%AF-%D9%85%D9%86%D9%89-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF/

[12] سعيد بكار، التحليل النقدي للخطاب: مفهومه ومقارباته، Algerian Scientific Journal Platform، 2021، تاريخ الاطلاع: 14أكتوبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://asjp.cerist.dz/en/article/152914

[13] الدورة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي: البيان الختامي، الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، 13 يناير 2017، متاح عبر الرابط التالي:

https://www.palquest.org/ar/historictext/24230/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%AA%D8%A7%D9%85%D9%8A

[14] منظمة التعاون الإسلامي، البيان الختامي الصادر عن الدورة الاستثنائية السابعة لمؤتمر القمة الإسلامي: ردًّا على التطورات الخطيرة في دولة فلسطين، إسطنبول، 18 مايو 2018، متاح عبر الرابط التالي: https://www.oic-oci.org/ar/document-viewer?url=https%3A%2F%2Fcdn.oic-apps.org%2Fconferences%2F2378%2Fres_ar.pdf&title=%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA

[15] جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، القرار الصادر عن القمة العربية والإسلامية غير العادية، قمة الرياض، الرياض، 11 نوفمبر 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://new.oic-oci.org/Lists/ConferenceDocuments/Attachments/2613/FC%20-%20AR%20%2014112023.pdf.

[16] جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، القرار الصادر عن القمة العربية والإسلامية غير العادية، قمة الرياض، الرياض، 11 نوفمبر 2024، متاح عبر الرابط التالي: https://www.oic-oci.org/ar/document-viewer?url=https%3A%2F%2Fcdn.oic-apps.org%2Fconferences%2F2702%2FFinal%2520RES%2520A%2520OIC.pdf&title=%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA

[17] منظمة التعاون الإسلامي. بيان القمة الإسلامية الاستثنائية حول القضية الفلسطينية. جدة: منظمة التعاون الإسلامي، 14 سبتمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://www.oic-oci.org/ar/news/6758

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى